Ibn al-QayyimAr‑Rahman · 55:26–45

Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic

Ar-Rahman 55:26–45, continued

ثُمَّ يَفْتَحُ لَهُ بابَ الشُّعُورِ بِمَشْهَدِ القَيُّومِيَّةِ، فَيَرى سائِرَ التَّقَلُّباتِ الكَوْنِيَّةِ وتَصارِيفَ الوُجُودِ بِيَدِهِ سُبْحانَهُ وحْدَهُ، فَيَشْهَدُهُ مالِكَ الضُّرِّ والنَّفْعِ، والخَلْقِ والرِّزْقِ، والإحْياءِ والإماتَةِ، فَيَتَّخِذُهُ وحْدَهُ وكِيلًا، ويَرْضى بِهِ رَبًّا ومُدَبِّرًا وكافِيًا، وعِنْدَ ذَلِكَ إذا وقَعَ نَظَرُهُ عَلى شَيْءٍ مِنَ المَخْلُوقاتِ دَلَّهُ عَلى خالِقِهِ وبارِئِهِ، وصِفاتِ كَمالِهِ ونُعُوتِ جَلالِهِ، فَلا يَحْجُبُهُ خَلْقُهُ عَنْهُ سُبْحانَهُ، بَلْ يُنادِيهِ كُلٌّ مِنَ المَخْلُوقاتِ بِلِسانِ حالِهِ: اسْمَعْ شَهادَتِي لِمَن أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، فَأنا صُنْعُ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ.

فَإذا اسْتَمَرَّ لَهُ ذَلِكَ فَتَحَ عَلَيْهِ بابَ القَبْضِ والبَسْطِ، فَيَقْبِضُ عَلَيْهِ حَتّى يَجِدَ ألَمَ القَبْضِ لِقُوَّةِ وارِدِهِ، ثُمَّ يَقْبِضُ وِعاءَهُ بِأنْوارِ الوُجُودِ، فَيَفْنى عَنْ وُجُودِهِ، ويَنْمَحِي كَما يَمْحُو نُورُ الشَّمْسِ نُورَ الكَواكِبِ، ويَطْوِي الكَوْنَ عَنْ قَلْبِهِ بِحَيْثُ لا يَبْقى فِيهِ إلّا اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ، وتَفِيضُ أنْوارُ المَعْرِفَةِ والمُعامَلَةِ والصِّدْقِ والإخْلاصِ والمَحَبَّةِ مِن قَلْبِهِ، كَما يَفِيضُ نُورُ الشَّمْسِ عَنْ جِرْمِها، فَيَغْرَقُ حِينَئِذٍ في الأنْوارِ كَما يَغْرَقُ راكِبُ البَحْرِ في البَحْرِ، وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ في الرِّياضَةِ والمُجاهَدَةِ، وزَوالِ أحْكامِ الطَّبِيعَةِ، وطُولِ الوُقُوفِ في البابِ.

وَهَذا هو مِن عِلْمِ اليَقِينِ، لا مِن عَيْنِ اليَقِينِ، ولا مِن حَقِّ اليَقِينِ، إذْ لا سَبِيلَ إلَيْهِما في الدّارِ، فَإنَّ عَيْنَ اليَقِينِ مُشاهَدَةٌ، وحَقَّ اليَقِينِ مُباشَرَةٌ، نَعَمْ قَدْ يَكُونُ حَقُّ اليَقِينِ في هَذِهِ الدُّنْيا بِالنِّسْبَةِ إلى الوُجُودِ الذِّهْنِيِّ، وما يَقُومُ بِالقُلُوبِ فَقَطْ، لَيْسَ إلّا، كَما تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ مِرارًا، ونَحْنُ لا تَأْخُذُنا في ذَلِكَ لَوْمَةُ لائِمٍ، وهم لا تَأْخُذُهم في كَوْنِ ذَلِكَ في العِيانِ لَوْمَةُ لائِمٍ وهم عِنْدَنا صادِقُونَ مَلْبُوسٌ عَلَيْهِمْ، ونَحْنُ عِنْدَهم مَحْجُوبُونَ عَنْ ذَلِكَ غَيْرُ واصِلِينَ إلَيْهِ.

فَإنِ اسْتَمَرَّ عَلى حالِهِ واقِفًا بِبابِ مَوْلاهُ، لا يَلْتَفِتُ عَنْهُ يَمِينًا ولا شِمالًا، ولا يُجِيبُ غَيْرَ مَن يَدْعُوهُ إلَيْهِ، ويَعْلَمُ أنَّ الأمْرَ وراءَ ذَلِكَ، وأنَّهُ لَمْ يَصِلْ بَعْدُ، ومَتى تَوَهَّمَ أنَّهُ قَدْ وصَلَ انْقَطَعَ عَنْهُ المَزِيدُ - رُجِيَ أنْ يُفْتَحَ لَهُ فَتْحٌ آخَرُ، هو فَوْقَ ما كانَ فِيهِ، مُسْتَغْرِقًا قَلْبُهُ في أنْوارِ مُشاهَدَةِ الجَلالِ بَعْدَ ظُهُورِ أنْوارِ الوُجُودِ الحَقِّ، ومَحْوِ وُجُودِهِ هُوَ، ولا يَتَوَهَّمُ أنَّ وُجُودَ صِفاتِهِ وذاتِهِ تَبْطُلُ، بَلِ الَّذِي يَبْطُلُ هو وُجُودُهُ النَّفْسانِيُّ الطَّبْعِيُّ، ويَبْقى لَهُ وُجُودٌ قَلْبِيٌّ رُوحانِيٌّ مَلَكِيٌّ، فَيَبْقى قَلْبُهُ سابِحًا في بَحْرٍ مِن أنْوارِ آثارِ الجَلالِ، فَتَنْبُعُ الأنْوارُ مِن باطِنِهِ، كَما يَنْبُعُ الماءُ مِنَ العَيْنِ، حَتّى يَجِدَ المَلَكُوتَ الأعْلى كَأنَّهُ في باطِنِهِ وقَلْبِهِ، ويَجِدُ قَلْبَهُ عالِيًا عَلى ذَلِكَ كُلِّهِ، صاعِدًا إلى مَن لَيْسَ فَوْقَهُ شَيْءٌ، ثُمَّ يُرَقِّيهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ، فَيُشْهِدُهُ أنْوارَ الإكْرامِ بَعْدَ ما شَهِدَ أنْوارَ الجَلالِ، فَيَسْتَغْرِقُ في نُورٍ مِن أنْوارِ أشِعَّةِ الجَمالِ، وفي هَذا المَشْهَدِ يَذُوقُ المَحَبَّةَ الخاصَّةَ المُلْهِبَةَ لِلْأرْواحِ والقُلُوبِ، فَيَبْقى القَلْبُ مَأْسُورًا في يَدِ حَبِيبِهِ ووَلِيِّهِ، مَمْتَحَنًا بِحُبِّهِ، وإنْ شِئْتَ أنْ تَفْهَمَ ذَلِكَ تَقْرِيبًا، فانْظُرْ إلَيْكَ وإلى غَيْرِكَ - وقَدِ امْتُحِنْتَ بِصُورَةٍ بَدِيعَةِ الجَمالِ ظاهِرًا وباطِنًا - فَمَلَكَتْ عَلَيْكَ قَلْبَكَ وفِكْرَكَ، ولَيْلَكَ ونَهارَكَ، فَيَحْصُلُ لَكَ نارٌ مِنَ المَحَبَّةِ، فَتُضْرَمُ في أحْشائِكَ يَعِزُّ مَعَها الِاصْطِبارُ، وذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ.

فَيا لَهُ مِن قَلْبٍ مُمْتَحَنٍ مَغْمُورٍ مُسْتَغْرِقٌ بِما ظَهَرَ لَهُ مِن أشِعَّةِ أنْوارِ الجَمالِ الأحَدِىِّ، والنّاسُ مَفْتُونُونَ مُمْتَحَنُونَ بِما يَفْنى مِنَ المالِ والصُّوَرِ والرِّياسَةِ، مُعَذَّبُونَ بِذَلِكَ قَبْلَ حُصُولِهِ، وحالَ حُصُولِهِ، وبَعْدَ حُصُولِهِ، وأعْلاهم مَرْتَبَةً مَن يَكُونُ مَفْتُونًا بِالحُورِ العِيْنِ، أوْ عامِلًا عَلى تَمَتُّعِهِ في الجَنَّةِ بِالأكْلِ والشُّرْبِ واللِّباسِ والنِّكاحِ، وهَذا المُحِبُّ قَدْ تَرَقّى في دَرَجاتِ المَحَبَّةِ عَلى أهْلِ المَقاماتِ، يَنْظُرُونَ إلَيْهِ في الجَنَّةِ كَما يَنْظُرُونَ إلى الكَوْكَبِ الدُّرِّيِّ الغابِرِ في الأُفُقِ لِعُلُوِّ دَرَجَتِهِ وقُرْبِ مَنزِلَتِهِ مِن حَبِيبِهِ، ومَعِيَّتِهِ مَعَهُ، فَإنَّ المَرْءَ مَعَ مَن أحَبَّ ولِكُلِّ عَمَلٍ جَزاءٌ، وجَزاءُ المَحَبَّةِ المَحَبَّةُ والوُصُولُ والِاصْطِناعُ والقُرْبُ، فَهَذا هو الَّذِي يَصْلُحُ، وكَفى بِذَلِكَ شَرَفًا وفَخْرًا في عاجِلِ الدُّنْيا، فَما ظَنُّكَ بِمَقاماتِهِمُ العالِيَةِ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ؟ فَكَيْفَ إذا رَأيْتَهم في مَوْقِفِ القِيامَةِ، وقَدْ أسْمَعَهُمُ المُنادِي " لِيَنْطَلِقْ كُلُّ قَوْمٍ مَعَ ما كانُوا يَعْبُدُونَ " فَيَبْقَوْنَ في مَكانِهِمْ يَنْتَظِرُونَ مَعْبُودَهم وحَبِيبَهُمُ الَّذِي هو أحَبُّ شَيْءٍ إلَيْهِمْ، حَتّى يَأْتِيَهُمْ، فَيَنْظُرُونَ إلَيْهِ ويَتَجَلّى لَهم ضاحِكًا.

والمَقْصُودُ: أنَّ هَذا العَبْدَ لا يَزالُ اللَّهُ يُرَقِّيهِ طَبَقًا بَعْدَ طَبَقٍ، ومَنزِلًا بَعْدَ مَنزِلٍ، إلى أنْ يُوصِلَهُ إلَيْهِ، ويُمَكِّنَ لَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، أوْ يَمُوتَ في الطَّرِيقِ، فَيَقَعُ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ، فالسَّعِيدُ كُلُّ السَّعِيدِ، والمُوَفَّقُ كُلُّ المُوَفَّقِ مَن لَمْ يَلْتَفِتْ عَنْ رَبِّهِ تَبارَكَ وتَعالى يَمِينًا ولا شَمالًا، ولا اتَّخَذَ سِواهُ رَبًّا ولا وكِيلًا، ولا حَبِيبًا ولا مُدَبِّرًا، ولا حَكَمًا ولا ناصِرًا ولا رازِقًا.

وَجَمِيعُ ما تَقَدَّمَ مِن مَراتِبِ الوُصُولِ إنَّما هي شَواهِدُ وأمْثِلَةٌ إذا تَجَلَّتْ لَهُ الحَقائِقُ في الغَيْبِ - بِحَسْبِ اسْتِعْدادِهِ ولُطْفِهِ ورِقَّتِهِ مِن حَيْثُ لا يَراها - ظَهَرَ مِن تَجَلِّيها شاهِدٌ في قَلْبِهِ، وذَلِكَ الشّاهِدُ دالٌّ عَلَيْها لَيْسَ هو عَيْنَها، فَإنَّ نُورَ الجَلالِ في القَلْبِ لَيْسَ هو نُورَ ذِي الجَلالِ في الخارِجِ، فَإنَّ ذَلِكَ لا تَقُومُ لَهُ السَّماواتُ والأرْضُ، ولَوْ ظَهَرَ لِلْوُجُودِ لَتَدَكْدَكَ، لَكِنَّهُ شاهِدٌ دالٌّ عَلى ذَلِكَ، كَما أنَّ المَثَلَ الأعْلى شاهِدٌ دالٌّ عَلى الذّاتِ، والحَقُّ وراءَ ذَلِكَ كُلِّهِ، مُنَزَّهٌ عَنْ حُلُولٍ واتِّحادٍ، ومُمازَجَةٍ لِخَلْقِهِ، وإنَّما تِلْكَ رَقائِقُ وشَواهِدُ تَقُومُ بِقَلْبِ العارِفِ، تَدُلُّ عَلى قُرْبِ الألْطافِ مِنهُ في عالَمِ الغَيْبِ حَيْثُ يَراها، وإذا فَنِيَ فَإنَّما يَفْنى بِحالِ نَفْسِهِ لا بِاللَّهِ ولا فِيهِ، وإذا بَقِيَ فَإنَّما يَبْقى بِحالِهِ هو ووَصْفِهِ، لا بِبَقاءِ رَبِّهِ وصِفاتِهِ، ولا يَبْقى بِاللَّهِ إلّا اللَّهُ، ومَعَ ذَلِكَ فالوُصُولُ حَقٌّ، يَجِدُ الواصِلُ آثارَ تَجَلِّي الصِّفاتِ في قَلْبِهِ، وآثارَ تَجَلِّي الحَقِّ في قَلْبِهِ، ويُوقِفُ القَلْبَ فَوْقَ الأكْوانِ كُلِّها بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ تَعالى، وهو عَلى عَرْشِهِ، ومِن هُناكَ يُكاشَفُ بِآثارِ الجَلالِ والإكْرامِ، فَيَجِدُ العَرْشَ والكُرْسِيَّ تَحْتَ مَشْهَدِ قَلْبِهِ حُكْمًا، ولَيْسَ الَّذِي يَجِدُهُ تَحْتَ قَلْبِهِ حَقِيقَةً العَرْشَ والكُرْسِيَّ، بَلْ شاهِدٌ ومِثالٌ عِلْمِيٌّ، يَدُلُّ عَلى قُرْبِ قَلْبِهِ مِن رَبِّهِ، وقُرْبِ رَبِّهِ مِن قَلْبِهِ، وبَيْنَ الذَّوْقَيْنِ تَفاوُتٌ، فَإذا قَرُبَ الرَّبُّ تَعالى مِن قَلْبِ عَبْدِهِ بَقِيَتِ الأكْوانُ كُلُّها تَحْتَ مَشْهَدِ قَلْبِهِ، وحِينَئِذٍ يَطْلُعُ في أُفُقِهِ شَمْسُ التَّوْحِيدِ، فَيَنْقَشِعُ بِها ضَبابُ وُجُودِهِ ويَضْمَحِلُّ ويَتَلاشى، وذاتُهُ وحَقِيقَتُهُ مَوْجُودَةٌ بائِنَةٌ عَنْ رَبِّهِ، ورَبُّهُ بائِنٌ عَنْهُ، فَحِينَئِذٍ يَغِيبُ العَبْدُ عَنْ نَفْسِهِ ويَفْنى، وفي الحَقِيقَةِ هو باقٍ، غَيْرُ فانٍ، ولَكِنَّهُ لَيْسَ في سِرِّهِ غَيْرُ اللَّهِ، قَدْ فَنِيَ فِيهِ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ.

نَعَمْ قَدْ يَتَّفِقُ لَهُ في هَذِهِ الحالَةِ أنْ لا يَجِدَ شَيْئًا غَيْرَ اللَّهِ فَذَلِكَ لِاسْتِغْراقِ قَلْبِهِ في مَشْهُودِهِ ومَوْجُودِهِ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ في نَفْسِ الأمْرِ؛ لَكانَ العَبْدُ في هَذِهِ الحالِ خالِقًا بارِئًا مُصَوِّرًا أزَلِيًّا أبَدِيًّا.

فَعَلَيْكَ بِهَذا الفُرْقانِ، واحْذَرْ فَرِيقَيْنِ هُما أعْدى عَدُوٍّ لِهَذا الشَّأْنِ: فَرِيقَ الجَهْمِيَّةِ المُعَطِّلَةِ، الَّتِي لَيْسَ عِنْدَها فَوْقَ العَرْشِ إلّا العَدَمُ المَحْضُ، فَشَمُّ رائِحَةِ هَذا المَقامِ مِن أبْعَدِ الأمْكِنَةِ حَرامٌ عَلَيْها، وفَرِيقَ أهْلِ الِاتِّحادِ القائِلِينَ بِوَحْدَةِ الوُجُودِ وأنَّ العَبْدَ يَنْتَهِي في هَذا السَّفَرِ إلى أنْ يَشْهَدَ وُجُودَهُ هو عَيْنَ وُجُودِ الحَقِّ جَلَّ جَلالُهُ، وعَيْشُكَ بِجَهْلِكَ خَيْرٌ مِن مَعْرِفَةِ هاتَيْنِ الطّائِفَتَيْنِ، وانْقِطاعُكَ مَعَ الشَّهَواتِ خَيْرُكَ مَعَهُما، واللَّهُ المُسْتَعانُ وعَلَيْهِ التُّكْلانُ.

55:27Page 532

وَيَبۡقَىٰ وَجۡهُ رَبِّكَ ذُو ٱلۡجَلَٰلِ وَٱلۡإِكۡرَامِ ٢٧

And there will remain the Face1 of your Lord, Owner of Majesty and Honor.

No commentary for this ayah

55:28Page 532

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٢٨

So which of the favors of your Lord would you deny?

No commentary for this ayah

55:29Page 532

يَسۡـَٔلُهُۥ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ كُلَّ يَوۡمٍ هُوَ فِي شَأۡنٖ ٢٩

Whoever is within the heavens and earth asks Him; every day He is in [i.e., bringing about] a matter.1

يغفر ذنبًا، ويفرج همًا، ويكشف كربًا، ويجبر كسيرًا، ويغني فقيرًا، ويعلم جاهلًا، ويهدي ضالًا، ويرشد حيران، ويغيث لهفان، ويفك عانيًا، ويشبع جائعًا، ويكسو عاريًا، ويشفي مريضًا، ويعافي مبتل، ويقبل تائبًا، ويجزي محسنًا، وينصر مظلومًا، ويقصم جبارًا، ويقيل عثرة، ويستر عورة، ويؤمن روعة، ويرفع أقوامًا، ويضع آخرين، لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل.

حجابه النور: لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلفه، ويمينه ملأى لا تغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار.

أرأيتم ما أنفق منذ خلق الخلق فإنه لم يغض ما في يمينه.

قلوب العباد ونواصيهم بيده، وأزمة الأمور معقودة بقضائه وقدره.

(فصل)

وقال في (طريق الهجرتين)

يسوق المقادير التي قدرها قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف عام إلى مواقيتها فلا يتقدم شيء منها عن وقته ولا يتأخر، بل كل منها قد أحصاه كما أحصاه كتابه وجرى به قلمه ونفذ فيه حكمه وسبق به علمه، فهو المتصرف في الممالك كلها وحده تصرف ملك قادر قاهر عادل رحيم تام الملك لا ينازعه في ملكه منازع ولا يعارضه فيه معارض، فتصرفه في المملكة دائر بين العدل والإحسان والحكمة والمصلحة والرحمة فلا يخرج تصرفه عن ذلك. وفي تفسير الحافظ أبي بكر أحمد بن موسى بن مردويه من حديث الحمانى: حدثنا إسحق بن سليمان عن معاوية بن يحيى عن يونس ابن ميسرة عن أبي إدريس عن أبي الدرداء أنه سئل عن قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمِ هو في شَأْن﴾ [الرحمن: ٢٩]، فقال: سئل عنها رسول الله ﷺ فقال: "مِن شَأْنِهِ أنْ يَغْفِرَ ذَنْبًا ويُفَرِّجَ كَرْبًا ويَرْفَعَ قَوْمًا ويَضَعَ آخَرِينَ، وفيه أيضًا من حديث حماد بن سلمة حدثنا الزبير أبو عبد السلام عن أيوب بن عبد الله بن مكرز عن أبيه قال: قال عبد الله بن مسعود: إن ربكم عز وجل ليس عنده ليل ولا نهار، نور السماوات والأرض من نور وجهه. أيامكم عنده ثنتا عشرة ساعة: تعرض عليه أعمالكم بالأمس ثلاث ساعات من أول النهار، فيطلع منها على ما يكره فيغضب فيكون أول من يعلم بغضبه حملة العرش، فتسبح حملة العرش وسراداقات العرش والملائكة المقربون وسائر الملائكة، وينفخ جبريل في القرن فلا يبقى خلق لله في السماوات ولا في الأرض إلا سمعه إلا الثقلين، ويسبحون ثلاث ساعات حتى يمتلئ الرحمن رحمة، فتلك ست ساعات ثم يدعو بالأرحام فينظر فيها ثلاث ساعات: ﴿يُصَوّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشَآءُ لاَ إلَهَ إلاّ هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ٦]، ﴿يَهَبُ لِمَن يشاءُ إناثًا ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ﴾ [الشورى: ٤٩]، فتلك تسع ساعات. ثم يدعو بالأرزاق فينظر فيها ثلاث ساعات: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾

فتلك اثنتا عشرة ساعة.

ثم قرأ عبد الله: ﴿كُلَّ يومٍ هو في شَأْن﴾ ثم قال: هذا شأْنكم وشأْن ربكم عز وجل.

وذكره الطبراني في المعجم الكبير من وجه آخر.

وهذا من تمام تصرفه في ملكه سبحانه، فلو قصر تصرفه على وجه واحد ونمط واحد لم يكن تصرفًا تامًا.

55:30Page 532

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٣٠

So which of the favors of your Lord would you deny?

No commentary for this ayah

55:31Page 532

سَنَفۡرُغُ لَكُمۡ أَيُّهَ ٱلثَّقَلَانِ ٣١

We will attend to you, O prominent beings.1

وقوله في هذه السورة: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمُ أيُّهَ الثَّقَلان﴾ وعيد للصنفين المكلفين بالشرائع.

قال قتادة: معناه فراغ الدنيا وانقضاؤها ومجيء الآخرة والجزاءُ فيها، والله سبحانه لا يشغله شيء عن شيء.

والفراغ في اللغة على وجهين:

فراغ من الشغل، وفراغ بمعنى القصد.

وهو في هذا الموضع بالمعنى الثاني، وهو قصد لمجازاتهم بأعمالهم يوم الجزاءِ.

وقوله: ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ إنِ اسْتَطَعْتُمْ أن تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَّمَواتِ والأرْضِ فانْفُذُوا﴾ [الرحمن: ٣٣]

فيها قولان: أحدهما إن استطعتم أن تنفذوا ما في السماوات والأرض علمًا - أي أن تعلموا ما فيها - فاعلموه، ولن تعلموه إلا بسلطان أي إلا ببينة من الله، وعلى هذا فالنفوذ هاهنا نفوذ علم الثقلين في السماوات والأرض.

والثاني: إن استطعتم أن تخرجوا عن قهر الله ومحل سلطانه ومملكته بنفوذكم من أقطار السماوات والأرض وخروجكم عن محل حكم الله وسلطانه فافعلوا، ومعلوم أن هذا من الممتنع عليكم، فإنكم تحت سلطانى وفي محل ملكى وقدرتى أين كنتم.

وقال الضحاك: معنى الآية إن استطعتم أن تهربوا عند الموت فاهربوا فإنه مدرككم. هذه الأقوال على أن يكون الخطاب لهم بهذا القول في الدنيا.

وفى الآية تقرير آخر، وهو أن يكون هذا الخطاب في الآخرة إذا أحاطت الملائكة بأقطار الأرض وأحاط سرادق النار بالآفاق، فهرب الخلائق، فلا يجدون مهربًا ولا منفذًا، كما قال تعالى: ﴿وَيا قَوْمِ إنِّى أخافُ عَلَيْكم يَوْمَ التَّناد يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ [غافر: ٣٢-٣٣]، قال مجاهد: فارّين غير معجزين، وقال الضحاك: إذا سمعوا زفير النار ندّوا هربًا، فلا يأْتون قطرًا من الأقطار إلا وجدوا الملائكة صفوفًا، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قوله تعالى: ﴿والمَلَكُ عَلى أرْجائِها﴾ [الحاقة: ١٧]، وقوله تعالى: ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنسِ إن اسْتَطَعْتُمْ أن تَنفُذُوا مِن أقْطارِ السَّمَواتِ والأرْضِ فانفذُوا﴾

وهذا القول أظهر، والله أعلم.

فإذا بده الخلائق ولوا مدبرين يقال لهم: ﴿إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَّمَواتِ والأرْضِ فانْفُذُوا﴾

أي إن قدرتم أن تتجاوزوا أقطار السماوات والأرض فتعجزوا ربكم حتى لا يقدر على عذابكم فافعلوا، وكأن ما قبل هذه الآية وما بعدها يدل على هذا القول، فإن قبلها: ﴿سَنَفْرُغُ﴾ [الرحمن: ٣١] الآية وهذا في الآخرة، وبعدها: ﴿فَإذا انشَقَّتِ السّماءُ فَكانَتْ ورْدَةً كالدِّهانِ﴾ [الرحمن: ٣٧]، وهذا في الآخرة.

وأيضًا فإن هذا خطاب لجميع الإنس والجن، فإنه أتى فيه بصيغة العموم وهي قوله تعالى: ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنسِ﴾

فلا بد أن يشترك الكل في سماع هذا الخطاب ومضمونه.

وهذا إنما يكون إذا جمعهم الله في صعيد واحد يسمعهم الداعي وينفذهم البصر.

وقال تعالى: ﴿إنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ ولم يقل إن استطعتما، لإرادة الجماعة كما في آية أُخرى: ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠]

55:32Page 532

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٣٢

So which of the favors of your Lord would you deny?

No commentary for this ayah

55:33Page 532

يَٰمَعۡشَرَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ إِنِ ٱسۡتَطَعۡتُمۡ أَن تَنفُذُواْ مِنۡ أَقۡطَارِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ فَٱنفُذُواْۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلۡطَٰنٖ ٣٣

O company of jinn and mankind, if you are able to pass beyond the regions of the heavens and the earth, then pass. You will not pass except by authority [from Allāh].

No commentary for this ayah

55:34Page 532

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٣٤

So which of the favors of your Lord would you deny?

No commentary for this ayah

55:35Page 532

يُرۡسَلُ عَلَيۡكُمَا شُوَاظٞ مِّن نَّارٖ وَنُحَاسٞ فَلَا تَنتَصِرَانِ ٣٥

There will be sent upon you a flame of fire and smoke,1 and you will not defend yourselves.

وقال تعالى: ﴿يُرْسِلُ عَلَيْكُما﴾ [الرحمن: ٣٥]، ولم يقل يرسل عليكم لإرادة الصنفين أي لا يختص به صنف عن صنف، بل يرسل ذلك على الصنفين معًا.

وهذا وإن كان مرادًا بقوله تعالى: ﴿إنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ [الرحمن: ٣٣] فخطاب الجماعة في ذلك بلفظ الجمع أحسن، أي من استطاع منكم.

وحسن الخطاب بالتثنية في قوله تعالى: ﴿عَلَيْكُما﴾ [الرحمن: ٣٥] أمر آخر.

وهو موافقة رؤوس الآي، فاتصلت التثنية بالتثنية. وفيه التسوية بين الصنفين في العذاب بالتنصيص عليهما، فلا يحتمل اللفظ إرادة أحدهما والله أعلم.

قال ابن عباس: الشواط اللهب الذي لا دخان فيه والنحاس الدخان الذي لا لهب فيه.

55:36Page 532

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٣٦

So which of the favors of your Lord would you deny?

No commentary for this ayah

55:37Page 532

فَإِذَا ٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتۡ وَرۡدَةٗ كَٱلدِّهَانِ ٣٧

And when the heaven is split open and becomes rose-colored like oil1 -

No commentary for this ayah

55:38Page 532

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٣٨

So which of the favors of your Lord would you deny? -

No commentary for this ayah

55:39Page 532

فَيَوۡمَئِذٖ لَّا يُسۡـَٔلُ عَن ذَنۢبِهِۦٓ إِنسٞ وَلَا جَآنّٞ ٣٩

Then on that Day none will be asked about his sin among men or jinn.1

وقوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنبِهِ إنسٌ ولا جانٌ﴾

فأضاف الذنوب إلى الثقلين، وهذا دليل على أنهما سويًا في التكليف.

واختلف في هذا السؤال المنفي، فقيل: هو وقت البعث والمصير إلى الموقف لا يسألون حينئذ ويسألون بعد إطالة الوقوف واستشفاعهم إلى الله أن يحاسبهم ويريحهم من مقابلهم ذلك.

وقيل: المنفى سؤال الاستعلام والاستخبار، لا سؤال المحاسبة والمجازاة، أي قد علم الله ذنوبهم فلا يسألهم عنها سؤال من يريد علمها، وإنما يحاسبهم عليها.

55:40Page 532

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٤٠

So which of the favors of your Lord would you deny?

No commentary for this ayah

55:41Page 533

يُعۡرَفُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ بِسِيمَٰهُمۡ فَيُؤۡخَذُ بِٱلنَّوَٰصِي وَٱلۡأَقۡدَامِ ٤١

The criminals will be known by their marks, and they will be seized by the forelocks and the feet.

No commentary for this ayah

55:42Page 533

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٤٢

So which of the favors of your Lord would you deny?

No commentary for this ayah

55:43Page 533

هَٰذِهِۦ جَهَنَّمُ ٱلَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٤٣

This is Hell, which the criminals deny.

No commentary for this ayah

55:44Page 533

يَطُوفُونَ بَيۡنَهَا وَبَيۡنَ حَمِيمٍ ءَانٖ ٤٤

They will circulate between it and scalding water, heated [to the utmost degree].

No commentary for this ayah

55:45Page 533

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٤٥

So which of the favors of your Lord would you deny?

No commentary for this ayah

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском