Ibn al-QayyimAl‑Hadid · 57:18–26

Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic

Al-Hadid 57:18–26

57:18–19Page 539

إِنَّ ٱلۡمُصَّدِّقِينَ وَٱلۡمُصَّدِّقَٰتِ وَأَقۡرَضُواْ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا يُضَٰعَفُ لَهُمۡ وَلَهُمۡ أَجۡرٞ كَرِيمٞ ١٨

Indeed, the men who practice charity and the women who practice charity and [they who] have loaned Allāh a goodly loan - it will be multiplied for them, and they will have a noble reward.

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦٓ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَۖ وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمۡ لَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ وَنُورُهُمۡۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ ١٩

And those who have believed in Allāh and His messengers - those are [in the ranks of] the supporters of truth and the martyrs, with their Lord. For them is their reward and their light.1 But those who have disbelieved and denied Our verses - those are the companions of Hellfire.

(فصل)

الصدقة والإحسان والإعطاء وصف الرب تعالى، وأحب عباده إليه من اتصف بذلك كما قال النبي:

"الخلق عيال الله فأحب الخلق إليه أنفعهم لعياله" قالوا وقد ذكر الله سبحانه اصناف السعداء فبدأ بالمتصدقين أولهم فقال تعالى ﴿إنَّ المُصَّدِّقِينَ والمُصَّدِّقاتِ وأقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعَفُ لَهم ولَهم أجْرٌ كَرِيمٌ والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ والشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهم أجْرُهم ونُورُهُمْ﴾

فهؤلاء أصناف السعداء ومقدموهم المصدقين والمصدقات.

قالوا وفي الصدقة فوائد ومنافع لا يحصيها إلا الله

فمنها أنها تقي مصارع السوء، وتدفع البلاء حتى إنها لتدفع عن الظالم.

قال إبراهيم النخعي وكانوا يرون أن الصدقة تدفع عن الرجل المظلوم وتطفئ الخطيئة، وتحفظ المال وتجلب الرزق وتفرح القلب، وتوجب الثقة بالله وحسن الظن به، كما أن البخل سوء الظن بالله.

وترغم الشيطان يعني الصدقة وتزكي النفس وتنميها وتحبب العبد إلى الله وإلى خلقه، وتستر عليه كل عيب كما أن البخل يغطي عليه كل حسنة، وتزيد في العمر، وتستجلب أدعية الناس ومحبتهم، وتدفع عن صاحبها عذاب القبر، وتكون عليه ظلا يوم القيامة، وتشفع له عند الله، وتهون عليه شدائد الدنيا والآخرة، وتدعوه إلى سائر أعمال البر فلا تستعصي عليه.

وفوائدها ومنافعها أضعاف ذلك.

قالوا ولو لم يكن في النفع والإحسان إلا أنه صفة الله وهو سبحانه يحب من اتصف بموجب صفاته وآثارها، فيحب العليم والجواد والحيي والستير، والمؤمن القوي أحب إليه من المؤمن الضعيف، ويحب العدل والعفو والرحيم والشكور والبر والكريم فصفته الغنى والجود ويحب الغني الجواد

قالوا: ويكفي في فضل النفع المتعدي بالمال أن الجزاء عليه من جنس العمل فمن كسى مؤمنا كساه الله من حلل الجنة.

ومن أشبع جائعا أشبعه الله من ثمار الجنة.

ومن سقى ظمآنا سقاه الله من شراب الجنة.

ومن أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منه عضوا من النار حتى فرجه بفرجه.

ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة.

ومن نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة.

والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.

(فصل)

اعلمْ أن أكرم الخلق على الله تعالى من المتقين من لا يزال لسانه رطبًا بذكره، فإنه اتقاه في أمره ونهيه وجعل ذكره شعاره.

فالتقوى أوجبت له دخول الجنة والنجاة من النار، وهذا هو الثواب والأجر.

والذكر يوجب له القرب من الله عز وجل والزلفى لديه، وهذه هي المنزلة.

وعمال الآخرة على قسمين: منهم من يعمل على الأجر والثواب، ومنهم من يعمل على المنزلة والدرجة، فهو ينافس غيره في الوسيلة والمنزلة عند الله تعالى ويسابق إلى القرب منه.

وقد ذكر الله تعالى النوعين في سورة الحديد في قول الله تعالى: ﴿إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضًا حسنًا يضاعف لهم ولهم أجر كريم﴾

فهؤلاء أصحاب الأجور والثواب، ثم قال: ﴿والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون﴾

فهؤلاء أصحاب المنزلة والقرب ثم قال: ﴿والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم﴾

فقيل هذا عطف على الخبر من ﴿الذين آمنوا بالله ورسله﴾

أخبر عنهم بأنهم هم الصديقون وأنهم الشهداء الذين يشهدون على الأمم، ثم أخبر عنهم أن لهم أجرًا وهو قوله تعالى ﴿لهم أجرهم ونورهم﴾ فيكون قد أخبر عنهم بأربعة أمور: أنهم صديقون، وشهداء.

فهذه هي المرتبة والمنزلة.

قيل: تم الكلام عند قوله تعالى: ﴿الصديقون﴾

ثم ذكر بعد ذلك حال الشهداء فقال: ﴿والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم﴾

فيكون قد ذكر المتصدقين أهل البر والإحسان ثم المؤمنين الذين قد رسخ الإيمان في قلوبهم وامتلأوا منه، فهم الصديقون وهم أهل العلم والعمل، والأولون أهل البر والإحسان، ولكن هؤلاء أكمل صديقية منهم.

ثم ذكر الشهداء وأنه تعالى يجري عليهم رزقهم ونورهم لأنهم لما بذلوا أنفسهم لله تعالى أثابهم الله تعالى عليها أن جعلهم أحياء عنده يرزقون فيجري عليهم رزقهم ونورهم فهؤلاء السعداء.

ثم ذكر الأشقياء فقال: ﴿والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم﴾

والمقصود أنه سبحانه وتعالى ذكر أصحاب الأجور والمراتب، وهذان الأمران هما اللذان وعدهما فرعون السحرة إن غلبوا موسى عليه الصلاة والسلام فقالوا: ﴿إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين * قال نعم وإنكم لمن المقربين﴾

أي أجمع لكم بين الأجر والمنزلة عندي والقرب مني.

فالعمال عملوا على الأجور، والعارفون عملوا على المراتب والمنزلة والزلفى عند الله.

وأعمال هؤلاء القلبية أكثر من أعمال أولئك، وأعمال أولئك البدنية قد تكون أكثر من أعمال هؤلاء.

(فصل)

قوله تعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ ورُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ، والشُّهَداءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهم أجْرُهم ونُورُهُمْ﴾

قيل: إن الوقف على قوله تعالى: ﴿هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ ثم يبتدئ (والشُّهَداءُ عِندَ رَبِّهِمْ)

فيكون الكلام جملتين أخبر في إحداهما عن المؤمنين بالله ورسله أنهم هم الصديقون، والإيمان التام يستلزم العلم والعمل والدعوة إلى الله بالتعليم والصبر عليه.

وأخبر في الثانية أن الشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم، ومرتبة الصديقين فوق مرتبة الشهداءِ، ولهذا قدمهم عليهم في الآيتين، هنا وفي سورة النساء، وهكذا جاءَ ذكرهم مقدمًا على الشهداءِ في كلام النبي ﷺ في قوله:

"اثبت أُحد فإنما عليك نبي وصديق وشهيد"

ولهذا كان نعت الصديقية وصفًا لأفضل الخلق بعد الأنبياء والمرسلين أبو بكر الصديق [رضي الله عنه]

ولو كان بعد النبوة درجة أفضل من الصديقية لكانت نعتًا له رضي الله عنه.

وقيل: إن الكلام كله جملة واحدة وأخبر عن المؤمنين بأنهم هم الصديقون والشهداءُ عند ربهم.

وعلى هذا فالشهداء هم الذين يستشدهم الله على الناس يوم القيامة وهو قوله تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]

وهم المؤمنون، فوصفهم بأنهم صديقون في الدنيا وشهداءُ على الناس يوم القيامة، ويكون الشهداء وصفًا لجملة المؤمنين الصديقين.

وقيل: الشهداء هم الذين قتلوا في سبيل الله، وعلى هذا القول يترجح أن يكون الكلام جملتين ويكون قوله: (والشهداءُ) مبتدأ خبره ما بعده، لأنه ليس كل مؤمن صديق شهيدًا في سبيل الله.

ويرجحه أيضًا أنه لو كان الشهداء داخلًا في جملة الخبر عند المؤمنين لكان قوله تعالى: ﴿لَهُم أجْرُهم ونُورُهُمْ﴾ [الحديد: ١٩] داخلًا أيضًا في جملة الخبر عنهم ويكون قد أخبر عنهم بثلاثة أشياء:

أحدها: أنهم هم الصديقون، والثاني: أنهم هم الشهداءُ، والثالث: أن لهم أجرهم ونورهم.

وذلك يتضمن عطف الخبر الثاني على الأول، ثم ذكر الخبر الثالث مجردًا عن العطف، وهذا كما تقول: زيد كريم وعالم له مال والأحسن في هذا تناسب الأخبار بأن تجردها كلها من العطف أو تعطفها جميعًا فتقول: زيد كريم عالم له مال، أو كريم وعالم وله مال فتأمله.

ويرجحه أيضًا أن الكلام يصير جملًا مستقلة قد ذكر فيها أصناف خلقه السعداء وهم الصديقون والشهداء والصالحون وهم المذكورون في الآية وهم المتصدقون الذين أقرضوا الله قرضًا حسنًا، فهؤلاء ثلاثة أصناف ثم ذكر الرسل في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا بِالبَيِّناتِ﴾ [الحديد: ٢٥]، فيتناول ذلك الأصناف الأربعة المذكورة في سورة النساء، فهؤلاء هم السعداء، ثم ذكر الأشقياء وهم نوعان: كفار، ومنافقون، فقال تعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ [الحديد: ١٩]، وذكر المنافقون في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُولُ المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣]، فهؤلاء أصناف العالم كلهم، وترك سبحانه وتعالى ذكر المخلط صاحب الشائبتين على طريقة القرآن في ذكر السعداء والأشقياء دون المخلصين غالبًا لسر اقتضته حكمته سبحانه وتعالى.

فليحذر صاحب التخليط، فإنه لا ضمان له على الله، ولا هو من أهل وعده المطلق، ولا ييأس من روح الله فإنه ليس من الكفار الذين قطع لهم بالعذاب، ولكنه بين الجنة والنار واقف بين الوعد والوعيد كل منهما يدعوه إلى موجبه لأنه أتى بسببه.

وهذا هو الذي لحظه القائلون بالمنزلة بين المنزلتين، ولكن غلطوا في تخليده في النار، ولو نزلوه منزلة بين المنزلتين ووكلوه إلى المشيئة وقالوا بأنه يخرج من النار بتوحيده وإيمانه لأصابوا، ولكن منزلة بين منزلتين وصاحبهما مخلد في النار مما لا يقتضيه عقل ولا سمع، بل النصوص الصريحة المعلومة الصحة تشهد ببطلان قولهم. والله أعلم.

57:20Page 540

ٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا لَعِبٞ وَلَهۡوٞ وَزِينَةٞ وَتَفَاخُرُۢ بَيۡنَكُمۡ وَتَكَاثُرٞ فِي ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَوۡلَٰدِۖ كَمَثَلِ غَيۡثٍ أَعۡجَبَ ٱلۡكُفَّارَ نَبَاتُهُۥ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَىٰهُ مُصۡفَرّٗا ثُمَّ يَكُونُ حُطَٰمٗاۖ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٞ شَدِيدٞ وَمَغۡفِرَةٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٞۚ وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلۡغُرُورِ ٢٠

Know that the life of this world is but amusement and diversion and adornment and boasting to one another and competition in increase of wealth and children - like the example of a rain whose [resulting] plant growth pleases the tillers; then it dries and you see it turned yellow; then it becomes [scattered] debris. And in the Hereafter is severe punishment and forgiveness from Allāh and approval. And what is the worldly life except the enjoyment of delusion.

فأخبر سبحانه عن حقيقة الدنيا بما جعله مشاهدا لأولي البصائر وأنها لعب ولهب تلهو بها النفوس وتلعب بها الأبدان واللعب واللهو لا حقيقة لهما وأنهما مشغلة للنفس مضيعة للوقت يقطع بها الجاهلون فيذهب ضائعا في غير شيء ثم أخبر أنها زينة زينت للعيون وللنفوس فأخذت بالعيون والنفوس استحسانا ومحبة، ولو باشرت القلوب معرفة حقيقتها ومآلها ومصيرها لأبغضتها ولآثرت عليها الآخرة ولما آثرتها على الآجل الدائم الذي هو خير وأبقى.

قال الإمام حدثنا وكيع حدثنا المسعودي عن عمرو بن مرة عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله رضي الله عنه عن النبي قال:

"ما لي وللدنيا إنما مثلي ومثل الدنيا كمثل راكب قال في ظل شجرة في يوم صائف ثم راح وتركها".

وفى جامع الترمذي من حديث سهل بن سعد قال قال رسول الله لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء قال الترمذي حديث صحيح.

وفى صحيح مسلم من حديث المستورد بن شداد قال رسول الله:

"ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليم فلينظر بم يرجع وأشار بالسبابة".

وفى الترمذي من حديثه قال:

"كنت مع الركب الذين وقفوا مع رسول الله على السخلة الميتة فقال رسول الله:

"أترون هذه هانت على أهلها حتى ألقوها قالوا ومن هوانها ألقوها يا رسول الله قال فالدنيا أهون على الله من هذه على أهلها"

وفى الترمذي أيضا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله:

"الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالما أو متعلما"

والحديثان حسنان.

قال الإمام أحمد حدثنا هيثم بن خارجة أنبأنا إسماعيل بن عياش بن عبد الله بن دينار النهراني قال قال عيسى عليه السلام للحواريين: "بحق أقول لكم إن حلاوة الدنيا مرارة الآخرة، وإن مرارة الدنيا حلاوة الآخرة، وإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين بحق أقول لكم إن شركم عملا عالم يحب الدنيا ويؤثرها على الآخرة، إنه لو يستطيع جعل الناس كلهم في عمله مثله".

وقال أحمد حدثنا يحيى بن إسحاق قال أخبرني سعيد بن عبد العزيز عن مكحول قال قال عيسى ابن مريم عليه السلام

"يا معشر الحواريين أيكم يستطيع أن يبني على موج البحر دارا؟

قالوا يا روح الله ومن يقدر على ذلك؟

قال إياكم والدنيا فلا تتخذوها قرارا".

وفى كتاب الزهد لأحمد أن عيسى ابن مريم عليه السلام كان يقول

"بحق أقول لكم إن أكل الخبز وشرب الماء العذب ونوما على المزابل مع الكلاب كثير لمن يريد أن يرث الفردوس"

وفى المسند عنه:

"إن الله ضرب طعام ابن آدم مَثَلًا لِلدُّنْيا، وإنْ قَزَّحَهُ، ومَلَّحَهُ فانْظُرُوا إلى ما يَصِيرُ " .

(فصل)

ثم أخبر سبحانه وتعالى عنها أنها يفاخر بعضنا بعضا بها فيطلبها ليفخر بها على صاحبه.

وهذا حال كل من طلب شيئا للمفاخرة من مال أو جاه أو قوة أو علم أو زهد والمفاخرة نوعان مذمومة ومحمودة فالمذمومة مفاخرة أهل الدنيا بها والمحمودة أن يطلب المفاخرة في الآخرة، فهذه من جنس المنافسة المأمور بها وهي أن الرجل ينفس على غيره بالشيء ويغار أن يناله دونه ويأنف من ذلك ويحمى أنفه له يقال نفست عليه الشيء أنفسه نفاسة إذا ضننت به ولم تحب أن يصير إليه دونك والتنافس تفاعل من ذلك كأن كل واحد من المتنافسين يريد أن يسبق صاحبه إليه وحقيقة المنافسة الرغبة التامة والمبادرة والمسابقة إلى الشيء النفيس.

(فصل)

ثم أخبر تعالى عنها أنها تكاثر في الأموال والأولاد فيحب كل واحد أن يكاثر بني جنسه في ذلك ويفرح بأن يرى نفسه أكثر من غيره مالا وولدا وأن يقال فيه ذلك، وهذا من أعظم ما يلهي النفوس عن الله والدار الآخرة كما قال تعالى ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ حَتّى زُرْتُمُ المَقابِرَ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾

والتكاثر في كل شيء، فكل من شغله وألهاه التكاثر بأمر من الأمور عن الله والدار الآخرة فهو داخل في حكم هذه الآية.

فمن الناس من يلهيه التكاثر بالمال ومنهم من يلهيه التكاثر بالجاه أو بالعلم فيجمعه تكاثرا وتفاخرا وهذا أسوأ حالا عند الله ممن يكاثر بالمال والجاه فإنه جعل أسباب الآخرة للدنيا وصاحب المال والجاه استعمل أسباب الدنيا لها وكاثر بأسبابها

(فصل)

ثم أخبر سبحانه عن مصير الدنيا وحقيقتها وأنها بمنزلة غيث أعجب الكفار نباته والصحيح إن شاء الله أن الكفار هم الكفار بالله.

وذلك عرف القرآن حيث ذكروا بهذا النعت في كل موضع ولو أراد الزراع لذكرهم باسمهم الذي يعرفون به كما ذكرهم به في قوله يعجب الزراع وإنما خص الكفار به لأنهم أشد اعجابا بالدنيا فإنها دارهم التي لها يعملون ويكدحون فهم أشد اعجابا بزينتها وما فيها من المؤمنين.

ثم ذكر سبحانه عاقبة هذا النبات وهو اصفراره ويبسه وهذا آخر الدنيا ومصيرها ولو ملكها العبد من أولها إلى آخرها فنهايتها ذلك فإذا كانت الآخرة انقلبت الدنيا واستحالت إلى عذاب شديد أو مغفرة من الله وحسن ثوابه وجزائه كما قال علي بن أبي طالب الدنيا دار صدق لمن صدقها ودار عافية لمن فهم عفها ومطلب نجح لمن سالم فيها مساجد أنبياء الله ومهبط وحيه ومصلى ملائكته ومتجر أوليائه فيها اكتسبوا الرحمة وربحوا فيها العافية فمن ذا يذمها وقد آذنت بنيها ونعت نفسها وأهلها فتمثلت ببلائها وشوقت بسرورها إلى السرور تخويفا وتحذيرا وترغيبا فذمها قوم غداة الندامة وحمدها آخرون ذكرتهم فذكروا ووعظتهم فاتعظوا فيا أيها الذام للدنيا المغتر بتغريرها متى استذمت إليك بل متى غرتك أبمنازل آبائك في الثرى أم بمضاجع أمهاتك في البلاء كم رأيت موروثا؟ كم عللت بكفيك عليلا؟ كم مرضت مريضا بيديك تبتغى له الشفاء وتستوصف له الأطباء، ثم لم تنفعه شفاعتك، ولم تسعفه طلبتك.

مثلت لك الدنيا غداة مصرعه مصرعك ومضجعه مضجعك، ثم التفت إلى المقابر فقال يا أهل الغربة ويا أهل التربة

أما الدور فسكنت، وأما الأموال فقسمت، وأما الأزواج فنكحت.

فهذا خبر ما عندنا فهاتوا خبر ما عندكم.

ثم التفت إلينا فقال: أما لو أذن لهم لأخبروكم أن خير الزاد التقوى

فالدنيا في الحقيقة لا تذم وإنما يتوجه الذم إلى فعل العبد فيها، وهي قنطرة أو معبر إلى الجنة أو إلى النار، ولكن لما غلبت عليها الشهوات والحظوظ والغفلة والإعراض عن الله والدار الآخرة، فصار هذا هو الغالب على أهلها وما فيها وهو الغالب على اسمها صار لها اسم الذم عند الإطلاق، وإلا فهى مبنى الآخرة ومزرعتها، ومنها زاد الجنة وفيها اكتسبت النفوس الإيمان ومعرفة الله ومحبته وذكره ابتغاء مرضاته، وخير عيش ناله أهل الجنة في الجنة إنما كان بما زرعوه فيها، وكفى بها مدحا وفضلا لأولياء الله فيها من قرة العيون وسرور القلوب وبهجة النفوس ولذة الأرواح والنعيم الذي لا يشبهه نعيم بذكره ومعرفته ومحبته وعبادته والتوكل عليه والإنابة إليه والأنس به والفرح بقربه، والتذلل له ولذة مناجاته والإقبال عليه والاشتغال به عمن سواه، وفيها كلامه ووحيه وهداه وروحه الذي ألقاه من أمره، فأخبر به من شاء من عباده، ولهذا فضل ابن عقيل وغيره هذا على نعيم الجنة.

وقالوا هذا حق الله عليهم، وذاك حظهم ونعيمهم، وحقه أفضل من حقهم.

قالوا والإيمان والطاعة أفضل من جزائه.

والتحقيق أنه لا يصح التفضيل بين أمرين في دارين مختلفين، ولو أمكن اجتماعهما في دار واحدة لأمكن طلب التفضيل.

والإيمان والطاعة في هذه الدار أفضل ما فيها، ودخول الجنة والنظر إلى وجه الله جل جلاله وسماع كلامه والفوز برضاه أفضل ما في الآخرة.

فهذا أفضل ما في هذه الدار، وهذا أفضل ما في الدار الأخرى.

ولا يصح أن يقال فأي الأمرين أفضل؟

فهذا أفضل الأسباب وهذا أفضل الغايات. وبالله التوفيق.

57:21Page 540

سَابِقُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا كَعَرۡضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ أُعِدَّتۡ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۚ ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ ٢١

Race [i.e., compete] toward forgiveness from your Lord and a Garden whose width is like the width of the heavens and earth, prepared for those who believed in Allāh and His messengers. That is the bounty of Allāh which He gives to whom He wills, and Allāh is the possessor of great bounty.

[فصل: الفرق بين المبادرة والعجلة]

والفرق بين المبادرة والعجلة أن المبادرة انتهاز الفرصة في وقتها ولا يتركها حتى إذا فاتت طلبها، لا يطلب الأمور في إدبارها ولا قبل وقتها، بل إذا حضر وقتها بادر إليها ووثب عليها وثوب الأسد على فريسته، فهو بمنزلة من يبادر إلى أخذ الثمرة وقت كمال نضجها وإدراكها.

والعجلة طلب أخذ الشيء قبل وقته فهو لشدة حرصه عليه بمنزلة من يأخذ الثمرة قبل أوان إدراكها.

فالمبادرة وسط بين خلقين مذمومين أحدهما التفريط والإضاعة.

والثاني الاستعجال قبل الوقت، ولهذا كانت العجلة من الشيطان فإنها خفّة وطيش وحدّة في العبد تمنعه من التثبت والوقار والحلم، وتوجب له وضع الأشياء في غير مواضعها، وتجلب عليه أنواعا من الشرور، وتمنعه أنواعا من الخير، وهي قرين الندامة، فقلّ من استعجل إلا ندم، كما أن الكسل قرين الفوت والإضاعة.

57:22–23Page 540

مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مِّن قَبۡلِ أَن نَّبۡرَأَهَآۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ ٢٢

No disaster strikes upon the earth or among yourselves except that it is in a register1 before We bring it into being - indeed that, for Allāh, is easy -

لِّكَيۡلَا تَأۡسَوۡاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمۡ وَلَا تَفۡرَحُواْ بِمَآ ءَاتَىٰكُمۡۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخۡتَالٖ فَخُورٍ ٢٣

In order that you not despair over what has eluded you and not exult [in pride] over what He has given you. And Allāh does not like everyone self-deluded and boastful -

أخبر سبحانه أنه قدر ما يصيبهم من البلاء في أنفسهم قبل أن يبرأ الأنفس أو المصيبة أو الأرض أو المجموع.

وهو الأحسن.

ثم أخبر أن مصدر ذلك قدرته عليه وأنه يسير عليه، وحكمته البالغة التي منها أن لا يحزن عباده على ما فاتهم إذا علموا أن المصيبة فيه بقدره وكتابته، ولا بد قد كتبت قبل خلقهم هان عليهم الفائت فلم يأسوا عليه، ولم يفرحوا بالحاصل لعلهم أن المصيبة مقدرة في كل ما على الأرض.

فكيف يفرح بشيء قد قدرت المصيبة فيه قبل خلقه؟

ولما كانت المصيبة تتضمن فوات محبوب أو خوف فواته، أو حصول مكروه، أو خوف حصوله نبه بالأسى على الفائت على مفارقة المحبوب بعد حصوله، وعلى فوته حيث لم يحصل.

ونبه بعدم الفرح به إذا وجد على توطين النفس لمفارقته قبل وقوعها، وعلى الصبر على مرارتها بعد الوقوع.

وهذه هي أنواع المصائب فإذا تيقن العبد أنها مكتوبة مقدرة، وأن ما أصابه منها لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه

هانت عليه، وخف حملها، وأنزلها منزلة الحر والبرد.

(فصل)

وقال أبو داود الطيالسي ثنا عبد المؤمن هو ابن عبد الله قال كنا عند الحسن فأتاه يزيد بن أبي مريم السلولي يتوكأ على عصا فقال يا أبا سعيد أخبرني عن قول الله عز وجل: ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ في الأرْضِ ولا في أنْفُسِكم إلاَّ في كِتابٍ مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأها﴾

فقال الحسن: نعم والله إن الله ليقضي القضية في السماء ثم يضرب لها أجلا أنه كائن في يوم كذا وكذا في ساعة كذا وكذا في الخاصة والعامة حتى إن الرجل ليأخذ العصا ما يأخذها إلا بقضاء وقدر.

قال: يا أبا سعيد والله لقد أخذتها وإني عنها لغني ثم لا صبر لي عنها.

قال الحسن: أوَلا ترى.

واختلف في الضمير قوله ﴿من قبل أن نبرأها﴾

فقيل هو عائد على الأنفس لقربها منه.

وقيل هو عائد على الأرض.

وقيل عائد على المصيبة.

والتحقيق أن يقال هو عائد على البرية التي تعم هذا كله، ودل عليه السياق.

وقوله ﴿نبرأها﴾ فينتظم التقادير الثلاثة انتظاما واحدا. والله أعلم.

(فصل)

وَقَدْ أكْثَرَ النّاسُ مِنَ الكَلامِ في الزُّهْدِ وكَلٌّ أشارَ إلى ذَوْقِهِ. ونَطَقَ عَنْ حالِهِ وشاهِدِهِ.

فَإنَّ غالِبَ عِباراتِ القَوْمِ عَنْ أذْواقِهِمْ وأحْوالِهِمْ. والكَلامُ بِلِسانِ العِلْمِ أوْسَعُ مِنَ الكَلامِ بِلِسانِ الذَّوْقِ، وأقْرَبُ إلى الحُجَّةِ والبُرْهانِ.

وَسَمِعْتُ شَيْخَ الإسْلامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رَوْحَهُ - يَقُولُ: الزُّهْدُ تَرْكُ ما لا يَنْفَعُ في الآخِرَةِ. والوَرَعُ تَرْكَ ما تَخافُ ضَرَرُهُ في الآخِرَةِ.

وَهَذِهِ العِبارَةُ مِن أحْسَنِ ما قِيلَ في الزُّهْدِ والوَرَعِ وأجْمَعِها.

وَقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: الزُّهْدُ في الدُّنْيا قِصَرُ الأمَلِ. لَيْسَ بِأكْلِ الغَلِيظِ، ولا لُبْسِ العَباءِ.

وَقالَ الجُنَيْدُ: سَمِعْتُ سَرِيًّا يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ سَلَبَ الدُّنْيا عَنْ أوْلِيائِهِ وحَماها عَنْ أصْفِيائِهِ، وأخْرَجَها مِن قُلُوبِ أهْلِ وِدادِهِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَرْضَها لَهم.

وَقالَ: الزُّهْدُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِكَيْ لا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكم ولا تَفْرَحُوا بِما آتاكم واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾

فالزّاهِدُ لا يَفْرَحُ مِنَ الدُّنْيا بِمَوْجُودٍ. ولا يَأْسَفُ مِنها عَلى مَفْقُودٍ.

وَقالَ يَحْيى بْنُ مُعاذٍ: الزُّهْدُ يُورِثُ السَّخاءَ بِالمُلْكِ، والحُبُّ يُورِثُ السَّخاءَ بِالرُّوحِ.

وَقالَ ابْنُ الجَلاءِ: الزُّهْدُ هو النَّظَرُ إلى الدُّنْيا بِعَيْنِ الزَّوالِ، فَتَصْغُرُ في عَيْنَيْكَ، فَيَسْهُلُ عَلَيْكَ الإعْراضُ عَنْها.

وَقالَ ابْنُ خَفِيفٍ: الزُّهْدُ وُجُودُ الرّاحَةِ في الخُرُوجِ مِنَ المُلْكِ.

وَقالَ أيْضًا: الزُّهْدُ سُلُوُّ القَلْبِ عَنِ الأسْبابِ، ونَفُضُّ الأيْدِي مِنَ الأمْلاكِ.

وَقِيلَ: هو عُزُوفُ القَلْبِ عَنِ الدُّنْيا بِلا تَكَلُّفٍ.

وَقالَ الجُنَيْدُ: الزُّهْدُ خُلُوُّ القَلْبِ عَمّا خَلَتْ مِنهُ اليَدُ.

وَقالَ الإمامُ أحْمَدُ: الزُّهْدُ في الدُّنْيا قِصَرُ الأمَلِ.

وَعَنْهُ رِوايَةٌ أُخْرى أنَّهُ عَدَمُ فَرَحِهِ بِإقْبالِها. ولا حُزْنِهِ عَلى إدْبارِها. فَإنَّهُ سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَكُونُ مَعَهُ ألْفُ دِينارٍ. هَلْ يَكُونُ زاهِدًا؟ فَقالَ: نَعَمْ. عَلى شَرِيطَةِ أنْ لا يَفْرَحَ إذا زادَتْ، ولا يَحْزَنَ إذا نَقَصَتْ.

57:24Page 540

ٱلَّذِينَ يَبۡخَلُونَ وَيَأۡمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلۡبُخۡلِۗ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ ٢٤

[Those] who are stingy and enjoin upon people stinginess. And whoever turns away1 - then indeed, Allāh is the Free of need, the Praiseworthy.

No commentary for this ayah

57:25Page 541

لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلَنَا بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَنزَلۡنَا مَعَهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَأَنزَلۡنَا ٱلۡحَدِيدَ فِيهِ بَأۡسٞ شَدِيدٞ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥ وَرُسُلَهُۥ بِٱلۡغَيۡبِۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٞ ٢٥

We have already sent Our messengers with clear evidences and sent down with them the Scripture and the balance that the people may maintain [their affairs] in justice. And We sent down iron, wherein is great military might and benefits for the people, and so that Allāh may make evident those who support Him and His messengers unseen. Indeed, Allāh is Powerful and Exalted in Might.

No commentary for this ayah

57:26Page 541

وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحٗا وَإِبۡرَٰهِيمَ وَجَعَلۡنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلۡكِتَٰبَۖ فَمِنۡهُم مُّهۡتَدٖۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ ٢٦

And We have already sent Noah and Abraham and placed in their descendants prophethood and scripture; and among them is he who is guided, but many of them are defiantly disobedient.

No commentary for this ayah

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском