Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic
Al-Hashr 59:9–17, continued
وَكَذَلِكَ الإيثارُ بِاشْتِغالِ القَلْبِ والفِكْرِ في مُهِمّاتِهِمْ ومَصالِحِهِمُ الَّتِي لا تَتَعَيَّنُ عَلَيْكَ. عَلى الفِكْرِ النّافِعِ، واشْتِغالِ القَلْبِ بِاللَّهِ، ونَظائِرُ ذَلِكَ لا تَخْفى. بَلْ ذَلِكَ حالُ الخَلْقِ، والغالِبُ عَلَيْهِمْ.
وَكُلُّ سَبَبٍ يَعُودُ عَلَيْكَ بِصَلاحِ قَلْبِكَ ووَقْتِكَ وحالِكَ مَعَ اللَّهِ: فَلا تُؤْثِرْ بِهِ أحَدًا. فَإنْ آثَرْتَ بِهِ فَإنَّما تُؤْثِرُ الشَّيْطانَ عَلى اللَّهِ، وأنْتَ لا تَعْلَمُ.
وَتَأمَّلْ أحْوالَ أكْثَرِ الخَلْقِ في إيثارِهِمْ عَلى اللَّهِ مَن يَضُرُّهم إيثارُهم لَهُ ولا يَنْفَعُهم. وأيُّ جَهالَةٍ وسَفَهٍ فَوْقَ هَذا؟
وَمِن هَذا تَكَلَّمَ الفُقَهاءُ في الإيثارِ بِالقُرْبِ. وقالُوا: إنَّهُ مَكْرُوهٌ أوْ حَرامٌ. كَمَن يُؤْثِرُ بِالصَّفِّ الأوَّلِ غَيْرَهُ ويَتَأخَّرُ هُوَ، أوْ يُؤْثِرُهُ بِقُرْبِهِ مِنَ الإمامِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، أوْ يُؤْثِرُ غَيْرَهُ بِالأذانِ والإقامَةِ، أوْ يُؤْثِرُهُ بِعِلْمٍ يَحْرِمُهُ نَفْسَهُ، ويَرْفَعُهُ عَلَيْهِ، فَيَفُوزُ بِهِ دُونَهُ.
وَتَكَلَّمُوا في إيثارِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِدَفْنِهِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في حُجْرَتِها.
وَأجابُوا عَنْهُ بِأنَّ المَيِّتَ يَنْقَطِعُ عَمَلُهُ بِمَوْتِهِ وبِقُرْبِهِ. فَلا يُتَصَوَّرُ في حَقِّهِ الإيثارُ بِالقُرْبِ بَعْدَ المَوْتِ. إذْ لا تَقَرُّبَ في حَقِّ المَيِّتِ. وإنَّما هَذا إيثارٌ بِمَسْكَنٍ شَرِيفٍ فاضِلٍ لِمَن هو أوْلى بِهِ مِنها. فالإيثارُ بِهِ قُرْبَةٌ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِلْمُؤْثِرِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
(فَصْلٌ)
قالَ ولا يُسْتَطاعُ إلّا بِثَلاثَةِ أشْياءَ: بِتَعْظِيمِ الحُقُوقِ، ومَقْتِ الشُّحِّ، والرَّغْبَةِ في مَكارِمِ الأخْلاقِ.
ذِكْرُ ما يُعِينُ عَلى الإيثارِ فَيَبْعَثُ عَلَيْهِ. وهو ثَلاثَةُ أشْياءَ.
تَعْظِيمُ الحُقُوقِ. فَإنَّ مَن عَظُمَتِ الحُقُوقُ عِنْدَهُ قامَ بِواجِبِها. ورَعاها حَقَّ رِعايَتِها. واسْتَعْظَمَ إضاعَتَها. وعَلِمَ أنَّهُ إنْ لَمْ يَبْلُغْ دَرَجَةَ الإيثارِ لَمْ يُؤَدِّها كَما يَنْبَغِي. فَيَجْعَلَ إيثارَهُ احْتِياطًا لِأدائِها.
الثّانِي: مَقْتُ الشُّحِّ. فَإنَّهُ إذا مَقَتَهُ وأبْغَضَهُ التَزَمَ الإيثارَ. فَإنَّهُ يَرى أنَّهُ لا خَلاصَ لَهُ مِن هَذا المَقْتِ البَغِيضِ إلّا بِالإيثارِ.
الثّالِثُ: الرَّغْبَةُ في مَكارِمِ الأخْلاقِ. وبِحَسَبِ رَغْبَتِهِ فِيها: يَكُونُ إيثارُهُ. لِأنَّ الإيثارَ أفْضَلُ دَرَجاتِ مَكارِمِ الأخْلاقِ.
[فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ إيثارُ رِضا اللَّهِ عَلى رِضا غَيْرِهِ]
قالَ الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ: إيثارُ رِضا اللَّهِ عَلى رِضا غَيْرِهِ. وإنْ عَظُمَتْ فِيهِ المِحَنُ. وثَقُلَتْ فِيهِ المُؤَنُ، وضَعُفَ عَنْهُ الطَّوْلُ والبَدَنُ.
إيثارُ رِضا اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى غَيْرِهِ: هو أنْ يُرِيدَ ويَفْعَلَ ما فِيهِ مَرْضاتُهُ، ولَوْ أغْضَبَ الخَلْقَ. وهي دَرَجَةُ الأنْبِياءِ. وأعْلاها لِلرُّسُلِ عَلَيْهِمْ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ. وأعْلاها لِأُولِي العَزْمِ مِنهم. وأعْلاها لِنَبِيِّنا ﷺ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمْ. فَإنَّهُ قاوَمَ العالَمَ كُلَّهُ. وتَجَرَّدَ لِلدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ. واحْتَمَلَ عَداوَةَ البَعِيدِ والقَرِيبِ في اللَّهِ تَعالى. وآثَرَ رِضا اللَّهِ عَلى رِضا الخَلْقِ مِن كُلِّ وجْهٍ. ولَمْ يَأْخُذْهُ في إيثارِ رِضاهُ لَوْمَةُ لائِمٍ. بَلْ كانَ هَمُّهُ وعَزْمُهُ وسَعْيُهُ كُلُّهُ مَقْصُورًا عَلى إيثارِ مَرْضاةِ اللَّهِ، وتَبْلِيغِ رِسالاتِهِ، وإعْلاءِ كَلِماتِهِ، وجِهادِ أعْدائِهِ. حَتّى ظَهَرَ دِينُ اللَّهِ عَلى كُلِّ دِينٍ. وقامَتْ حُجَّتُهُ عَلى العالَمِينَ. وتَمَّتْ نِعْمَتُهُ عَلى المُؤْمِنِينَ. فَبَلَّغَ الرِّسالَةَ. وأدّى الأمانَةَ. ونَصَحَ الأُمَّةَ. وجاهَدَ في اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ. وعَبَدَ اللَّهَ حَتّى أتاهُ اليَقِينُ مِن رَبِّهِ. فَلَمْ يَنَلْ أحَدٌ مِن دَرَجَةِ هَذا الإيثارِ ما نالَ. صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ.
وَأمّا قَوْلُهُ: وإنْ عَظُمَتْ فِيهِ المِحَنُ. وثَقُلَتْ فِيهِ المُؤَنُ.
فَإنَّ المِحْنَةَ تَعْظُمُ فِيهِ أوْلًا، لِيَتَأخَّرَ مَن لَيْسَ مِن أهْلِهِ. فَإذا احْتَمَلَها وتَقَدَّمَ انْقَلَبَتْ تِلْكَ المِحَنُ مِنَحًا. وصارَتْ تِلْكَ المُؤَنُ عَوْنًا. وهَذا مَعْرُوفٌ بِالتَّجْرِبَةِ الخاصَّةِ والعامَّةِ. فَإنَّهُ ما آثَرَ عَبْدٌ مَرْضاةَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى مَرْضاةِ الخَلْقِ، وتَحَمَّلَ ثِقَلَ ذَلِكَ ومُؤْنَتَهُ، وصَبَرَ عَلى مِحْنَتِهِ: إلّا أنْشَأ اللَّهُ مِن تِلْكَ المِحْنَةِ والمُؤْنَةِ نِعْمَةً ومَسَرَّةً، ومَعُونَةٍ بِقَدْرِ ما تَحَمَّلَ مِن مَرْضاتِهِ. فانْقَلَبَتْ مَخاوِفُهُ أمانًا، ومَظانُّ عَطَبِهِ نَجاةً، وتَعَبُهُ راحَةً، ومُؤْنَتُهُ مَعُونَةً، وبَلِيَّتُهُ نِعْمَةً، ومِحْنَتُهُ مِنحَةً، وسُخْطُهُ رِضًا. فَيا خَيْبَةَ المُتَخَلِّفِينَ، ويا ذِلَّةَ المُتَهَيِّبِينَ.
هَذا، وقَدْ جَرَتْ سُنَّةُ اللَّهِ - الَّتِي لا تَبْدِيلَ لَها - أنَّ مَن آثَرَ مَرْضاةَ الخَلْقِ عَلى مَرْضاتِهِ: أنْ يُسْخِطَ عَلَيْهِ مَن آثَرَ رِضاهُ، ويَخْذُلَهُ مِن جِهَتِهِ. ويَجْعَلَ مِحْنَتَهُ عَلى يَدَيْهِ. فَيَعُودَ حامِدُهُ ذامًّا. ومَن آثَرَ مَرْضاتَهُ ساخِطًا. فَلا عَلى مَقْصُودِهِ مِنهم حَصَلَ، ولا إلى ثَوابِ مَرْضاةِ رَبِّهِ وصَلَ. وهَذا أعْجَزُ الخَلْقِ وأحْمَقُهم.
هَذا مَعَ أنَّ رِضا الخَلْقِ: لا مَقْدُورٌ، ولا مَأْمُورٌ، ولا مَأْثُورٌ. فَهو مُسْتَحِيلٌ. بَلْ لا بُدَّ مِن سُخْطِهِمْ عَلَيْكَ. فَلَأنْ يَسْخَطُوا عَلَيْكَ وتَفُوزَ بِرِضا اللَّهِ عَنْكَ أحَبُّ إلَيْكَ وأنْفَعُ لَكَ مِن أنْ يَسْخَوْا عَلَيْكَ واللَّهُ عَنْكَ غَيْرُ راضٍ. فَإذا كانَ سُخْطُهم لا بُدَّ مِنهُ - عَلى التَّقْدِيرَيْنِ - فَآثِرْ سُخْطَهُمُ الَّذِي يُنالُ بِهِ رِضا اللَّهِ. فَإنْ هم رَضُوا عَنْكَ بَعْدَ هَذا، وإلّا فَأهْوَنُ شَيْءٍ رِضا مَن لا يَنْفَعُكَ رِضاهُ، ولا يَضُرُّكَ سُخْطُهُ في دِينِكَ، ولا في إيمانِكَ، ولا في آخِرَتِكَ. فَإنْ ضَرَّكَ في أمْرٍ يَسِيرٍ في الدُّنْيا فَمَضَرَّةُ سُخْطِ اللَّهِ أعْظَمُ وأعْظَمُ. وخاصَّةً العَقْلُ: احْتِمالُ أدْنى المَفْسَدَتَيْنِ لِدَفْعِ أعْلاهُما. وتَفْوِيتُ أدْنى المَصْلَحَتَيْنِ لِتَحْصِيلِ أعْلاهُما. فَوازِنْ بِعَقْلِكَ. ثُمَّ انْظُرْ أيَّ الأمْرَيْنِ خَيْرٌ فَآثِرْهُ، وأيَّهُما شَرٌّ فابْعُدْ عَنْهُ. فَهَذا بُرْهانٌ قَطْعِيٌّ ضَرُورِيٌّ في إيثارِ رِضا اللَّهِ عَلى رِضا الخَلْقِ.
هَذا مَعَ أنَّهُ إذا آثَرَ رِضا اللَّهِ كَفاهُ اللَّهُ مُؤْنَةَ غَضَبِ الخَلْقِ. وإذا آثَرَ رِضاهم لَمْ يَكْفُوهُ مُؤْنَةَ غَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِ.
قالَ بَعْضُ السَّلَفِ: لَمُصانَعَةُ وجْهٍ واحِدٍ أيْسَرُ عَلَيْكَ مِن مُصانَعَةِ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ. إنَّكَ إذا صانَعْتَ ذَلِكَ الوَجْهَ الواحِدَ كَفاكَ الوُجُوهَ كُلَّها.
وَقالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: رِضا النّاسِ غايَةٌ لا تُدْرَكُ. فَعَلَيْكَ بِما فِيهِ صَلاحُ نَفْسِكَ فالزَمْهُ.
وَمَعْلُومٌ: أنَّهُ لا صَلاحَ لِلنَّفْسِ إلّا بِإيثارِ رِضا رَبِّها ومَوْلاها عَلى غَيْرِهِ.
وَلَقَدْ أحْسَنَ أبُو فِراسٍ في هَذا المَعْنى - إلّا أنَّهُ أساءَ كُلَّ الإساءَةِ في قَوْلِهِ، إذْ يَقُولُهُ لِمَخْلُوقٍ لا يَمْلِكُ لَهُ ولا لِنَفْسِهِ نَفْعًا ولا ضَرًّا:
؎فَلَيْتَكَ تَحْلُو، والحَياةُ مَرِيرَةٌ ∗∗∗ ولَيْتَكَ تَرْضى. والأنامُ غِضابُ
؎وَلَيْتَ الَّذِي بَيْنِي وبَيْنَكَ عامِرٌ ∗∗∗ وبَيْنِي وبَيْنَ العالَمِينَ خَرابُ
؎إذا صَحَّ مِنكَ الوُدُّ فالكُلُّ هَيِّنٌ ∗∗∗ وكُلُّ الَّذِي فَوْقَ التُّرابِ تُرابُ
ثُمَّ ذَكَرَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ما يُسْتَطاعُ بِهِ هَذا الإيثارُ العَظِيمُ الشَّأْنِ. فَقالَ:
وَيُسْتَطاعُ هَذا بِثَلاثَةِ أشْياءَ: بِطِيبِ العَوْدِ. وحُسْنِ الإسْلامِ. وقُوَّةِ الصَّبْرِ.
مِنَ المَعْلُومِ: أنَّ المُؤْثِرَ لِرِضا اللَّهِ مُتَصَدٍّ لِمُعاداةِ الخَلْقِ وأذاهُمْ، وسَعْيِهِمْ في إتْلافِهِ ولا بُدَّ. هَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ في خَلْقِهِ. وإلّا فَما ذَنْبُ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ. والَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ مِنَ النّاسِ، والقائِمِينَ بِدِينِ اللَّهِ، الذّابِّينَ عَنْ كِتابِهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ عِنْدَهُمْ؟
فَمَن آثَرَ رِضا اللَّهِ فَلا بُدَّ أنْ يُعادِيَهُ رَذالَةُ العالَمِ وسَقْطُهُمْ، وغَرْثاهم وجُهّالُهُمْ، وأهْلُ البِدَعِ والفُجُورِ مِنهُمْ، وأهْلُ الرِّياساتِ الباطِلَةِ، وكُلُّ مَن يُخالِفُ هَدْيُهُ هَدْيَهُ. فَما يَقْدَمُ عَلى مُعاداةِ هَؤُلاءِ إلّا طالِبُ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ، عامِلٌ عَلى سَماعِ خِطابِ ﴿ياأيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ - ارْجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٧-٢٨] ومِن إسْلامِهِ صُلْبٌ كامِلٌ لا تُزَعْزِعُهُ الرِّجالُ. ولا تُقَلْقِلُهُ الجِبالُ، ومِن عَقْدَ عَزِيمَةِ صَبْرِهِ مُحْكَمٌ لا تَحُلُّهُ المِحَنُ والشَّدائِدُ والمَخاوِفُ.
قُلْتُ: ومِلاكُ ذَلِكَ أمْرانِ: الزُّهْدُ في الحَياةِ والثَّناءُ. فَما ضَعُفَ مَن ضَعُفَ، وتَأخَّرَ مَن تَأخَّرَ إلّا بِحُبِّهِ لِلْحَياةِ والبَقاءِ، وثَناءِ النّاسِ عَلَيْهِ، ونُفْرَتِهِ مِن ذَمِّهِمْ لَهُ. فَإذا زَهِدَ في هَذَيْنِ الشَّيْئَيْنِ، تَأخَّرَتْ عَنْهُ العَوارِضُ كُلُّها. وانْغَمَسَ حِينَئِذٍ في العَساكِرِ.
وَمِلاكُ هَذَيْنِ الشَّيْئَيْنِ بِشَيْئَيْنِ: صِحَّةِ اليَقِينِ. وقُوَّةِ المَحَبَّةِ.
وَمِلاكُ هَذَيْنِ بِشَيْئَيْنِ أيْضًا: بِصِدْقِ اللَّجَأِ والطَّلَبِ، والتَّصَدِّي لِلْأسْبابِ المُوصِلَةِ إلَيْهِما.
فَإلى هاهُنا تَنْتَهِي مَعْرِفَةُ الخَلْقِ وقُدْرَتُهم. والتَّوْفِيقُ بَعْدُ بَيْدِ مَن أزِمَّةُ الأُمُورِ كُلِّها بِيَدِهِ ﴿وَما تَشاءُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا - يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ والظّالِمِينَ أعَدَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ [الإنسان: ٣٠-٣١].
[فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ إيثارُ إيثارِ اللَّهِ]
قالَ الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ: إيثارُ إيثارِ اللَّهِ. فَإنَّ الخَوْضَ في الإيثارِ دَعْوى في المِلْكِ. ثُمَّ تَرْكُ شُهُودِ رُؤْيَتِكَ إيثارَ اللَّهِ. ثُمَّ غَيْبَتُكَ عَنِ التَّرْكِ.
يَعْنِي بِإيثارِ إيثارِ اللَّهِ: أنْ تَنْسِبَ إيثارَكَ إلى اللَّهِ دُونَ نَفْسِكَ. وأنَّهُ هو الَّذِي تَفَرَّدَ بِالإيثارِ، لا أنْتَ. فَكَأنَّكَ سَلَّمْتَ الإيثارَ إلَيْهِ. فَإذا آثَرْتَ غَيْرَكَ بِشَيْءٍ فَإنَّ الَّذِي آثَرَهُ هو الحَقُّ، لا أنْتَ. فَهو المُؤْثِرُ حَقِيقَةً. إذْ هو المُعْطِي حَقِيقَةً.
ثُمَّ بَيَّنَ الشَّيْخُ السَّبَبَ الَّذِي يَصِحُّ بِهِ نِسْبَةُ الإيثارِ إلى اللَّهِ، وتَرْكِ نِسْبَتِهِ إلى نَفْسِكَ، فَقالَ فَإنَّ الخَوْضَ في الإيثارِ: دَعْوى في المِلْكِ.
فَإذا ادَّعى العَبْدُ: أنَّهُ مُؤْثِرٌ فَقَدِ ادَّعى مِلْكَ ما آثَرَ بِهِ غَيْرَهُ. والمِلْكُ في الحَقِيقَةِ: إنَّما هو لِلَّهِ الَّذِي لَهُ كُلُّ شَيْءٍ. فَإذا خَرَجَ العَبْدُ عَنْ دَعْوى المِلْكِ فَقَدْ آثَرَ إيثارَ اللَّهِ - وهو إعْطاؤُهُ - عَلى إيثارِ نَفْسِهِ. وشَهِدَ أنَّ اللَّهَ وحْدَهُ هو المُؤْثِرُ بِمِلْكِهِ. وأمّا مَن لا مِلْكَ لَهُ: فَأيُّ إيثارٍ لَهُ؟
وَقَوْلُهُ: ثُمَّ تَرْكُ شُهُودِ رُؤْيَتِكَ إيثارَ اللَّهِ.
يَعْنِي أنَّكَ إذا آثَرْتَ إيثارَ اللَّهِ بِتَسْلِيمِكَ مَعْنى الإيثارِ إلَيْهِ: بَقِيَتْ عَلَيْكَ مِن نَفْسِكَ بَقِيَّةٌ أُخْرى لا بُدَّ مِنَ الخُرُوجِ عَنْها. وهي أنْ تَعْرِضَ عَنْ شُهُودِكَ رُؤْيَتَكَ أنَّكَ آثَرْتَ الحَقَّ بِإيثارِكَ، وأنَّكَ نَسَبْتَ الإيثارَ إلَيْهِ لا إلَيْكَ. فَإنَّ في شُهُودِكَ ذَلِكَ، ورُؤْيَتِكَ لَهُ: دَعْوى أُخْرى. هي أعْظَمُ مِن دَعْوى المِلْكِ. وهي أنَّكَ ادَّعَيْتَ أنَّ لَكَ شَيْئًا آثَرْتَ بِهِ اللَّهَ. وقَدَّمْتَهُ عَلى نَفْسِكَ فِيهِ، بَعْدَ أنْ كانَ لَكَ. وهَذِهِ الدَّعْوى أصْعَبُ مِنَ الأُولى. فَإنَّها تَتَضَمَّنُ ما تَضَمَّنَتْهُ الأُولى مِنَ المِلْكِ. وتَزِيدُ عَلَيْها بِرُؤْيَةِ الإيثارِ بِهِ فالأوَّلُ: مُدَّعٍ لِلْمِلْكِ مُؤْثِرٌ بِهِ. وهَذا مُدَّعٍ لِلْمِلْكِ ومُدَّعٍ لِلْإيثارِ بِهِ. فَإذَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ تَرْكُ شُهُودِ رُؤْيَتِهِ لِهَذا الإيثارِ. فَلا يَعْتَقِدُ أنَّهُ آثَرَ اللَّهَ بِهَذا الإيثارِ. بَلِ اللَّهُ هو الَّذِي اسْتَأْثَرَ بِهِ دُونَكَ. فَإنَّ الأثَرَةَ واجِبَةٌ لَهُ بِإيجابِهِ إيّاها بِنَفْسِهِ. لا بِإيجابِ العَبْدِ إيّاها لَهُ.
قَوْلُهُ: ثُمَّ غَيْبَتُكَ عَنِ التَّرْكِ.
يُرِيدُ: أنَّكَ إذا نَزَلْتَ هَذا الشُّهُودَ، وهَذِهِ الرُّؤْيَةَ: بَقِيَتْ عَلَيْكَ بَقِيَّةٌ أُخْرى.
وَهِيَ رُؤْيَتُكَ لِهَذا التَّرْكِ المُتَضَمِّنَةُ لِدَعْوى مِلْكِكَ لِلتَّرْكِ. وهي دَعْوى كاذِبَةٌ. إذْ لَيْسَ لِلْعَبْدِ شَيْءٌ مِنَ الأمْرِ. ولا بِيَدِهِ فِعْلٌ ولا تَرْكٌ. وإنَّما الأمْرُ كُلُّهُ لِلَّهِ.
وَقَدْ تَبَيَّنَ في الكَشْفِ والشُّهُودِ والعِلْمِ والمَعْرِفَةِ: أنَّ العَبْدَ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ أصْلًا والعَبْدُ لا يَمْلِكُ حَقِيقَةً. إنَّما المالِكُ بِالحَقِيقَةِ سَيِّدُهُ. فالأثَرَةُ والإيثارُ والِاسْتِئْثارُ كُلُّها لِلَّهِ ومِنهُ وإلَيْهِ. سَواءً اخْتارَ العَبْدُ ذَلِكَ وعَلِمَهُ، أوْ جَهِلَهُ، أمْ لَمْ يَخْتَرْهُ. فالأثَرَةُ واقِعَةٌ. كَرِهَ العَبْدُ أمْ رَضِيَ. فَإنَّها اسْتِئْثارُ المالِكِ الحَقِّ بِمِلْكِهِ تَعالى. وقَدْ فَهِمْتُ مِن هَذا قَوْلَهُ: فَإنَّ الأثَرَةَ تَحْسُنُ طَوْعًا. وتَصِحُّ كَرْهًا واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ.
59:10Page 547
وَٱلَّذِينَ جَآءُو مِنۢ بَعۡدِهِمۡ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا وَلِإِخۡوَٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلۡإِيمَٰنِ وَلَا تَجۡعَلۡ فِي قُلُوبِنَا غِلّٗا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٞ رَّحِيمٌ ١٠
And [there is a share for] those who come after them, saying, "Our Lord, forgive us and our brothers who preceded us in faith and put not in our hearts [any] resentment toward those who have believed. Our Lord, indeed You are Kind and Merciful."
No commentary for this ayah
59:11Page 547
۞ أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لِإِخۡوَٰنِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَئِنۡ أُخۡرِجۡتُمۡ لَنَخۡرُجَنَّ مَعَكُمۡ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمۡ أَحَدًا أَبَدٗا وَإِن قُوتِلۡتُمۡ لَنَنصُرَنَّكُمۡ وَٱللَّهُ يَشۡهَدُ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ١١
Have you not considered those who practice hypocrisy, saying to their brothers [i.e., associates] who have disbelieved among the People of the Scripture, "If you are expelled, we will surely leave with you, and we will not obey, in regard to you, anyone - ever; and if you are fought, we will surely aid you." But Allāh testifies that they are liars.
No commentary for this ayah
59:12Page 547
لَئِنۡ أُخۡرِجُواْ لَا يَخۡرُجُونَ مَعَهُمۡ وَلَئِن قُوتِلُواْ لَا يَنصُرُونَهُمۡ وَلَئِن نَّصَرُوهُمۡ لَيُوَلُّنَّ ٱلۡأَدۡبَٰرَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ ١٢
If they are expelled, they will not leave with them, and if they are fought, they will not aid them. And [even] if they should aid them, they will surely turn their backs; then [thereafter] they will not be aided.
No commentary for this ayah
59:13Page 547
لَأَنتُمۡ أَشَدُّ رَهۡبَةٗ فِي صُدُورِهِم مِّنَ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَفۡقَهُونَ ١٣
You [believers] are more fearful within their breasts than Allāh. That is because they are a people who do not understand.
No commentary for this ayah
59:14Page 547
لَا يُقَٰتِلُونَكُمۡ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرٗى مُّحَصَّنَةٍ أَوۡ مِن وَرَآءِ جُدُرِۭۚ بَأۡسُهُم بَيۡنَهُمۡ شَدِيدٞۚ تَحۡسَبُهُمۡ جَمِيعٗا وَقُلُوبُهُمۡ شَتَّىٰۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَعۡقِلُونَ ١٤
They will not fight you all except within fortified cities or from behind walls. Their violence [i.e., enmity] among themselves is severe. You think they are together, but their hearts are diverse. That is because they are a people who do not reason.
No commentary for this ayah
59:15Page 547
كَمَثَلِ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ قَرِيبٗاۖ ذَاقُواْ وَبَالَ أَمۡرِهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١٥
[Theirs is] like the example of those shortly before them: they tasted the bad consequence of their affair, and they will have a painful punishment.
No commentary for this ayah
59:16–17Page 547
كَمَثَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِ إِذۡ قَالَ لِلۡإِنسَٰنِ ٱكۡفُرۡ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّنكَ إِنِّيٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٦
[The hypocrites are] like the example of Satan when he says to man, "Disbelieve." But when he disbelieves, he says, "Indeed, I am disassociated from you. Indeed, I fear Allāh, Lord of the worlds."
فَكَانَ عَٰقِبَتَهُمَآ أَنَّهُمَا فِي ٱلنَّارِ خَٰلِدَيۡنِ فِيهَاۚ وَذَٰلِكَ جَزَٰٓؤُاْ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٧
So the outcome for both of them is that they will be in the Fire, abiding eternally therein. And that is the recompense of the wrongdoers.
(فصل)
قال عدي ابن ثابت كان في زمن بني إسرائيل راهب يعبد الله حتى كان يؤتى بالمجانين يعوذهم فيبرأون على يديه وإنه أتي بامرأة ذات شرف من قومها قد جنت وكان لها إخوة فأتوه بها فلم يزل الشيطان يزين له حتى وقع عليها فحملت فلما استبان حملها لم يزل يخوفه ويزين له قتلها حتى قتلها ودفنها فذهب الشيطان في صورة رجل حتى أتى بعض إخوتها فأخبره بالذي فعل الراهب ثم أتى بقية إخوتها رجلا رجلا فجعل الرجل يلقى أخاه فيقول والله لقد أتاني آت فذكر لي شيئا كبر علي ذكره فذكر ذلك بعضهم لبعض حتى رفعوا ذلك إلى ملكهم فسار الناس إليه حتى استنزلوه من صومعته فأقر لهم بالذي فعل فأمر به فصلب فلما رفع على الخشبة تمثل له الشيطان فقال أنا الذي زينت لك هذا وألقيتك فيه فهل أنت مطيعي فيما أقول لك وأخلصك
قال نعم قال تسجد لي سجدة واحدة، فسجد له وقتل الرجل فهو قول الله تعالى ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إذْ قالَ لِلْإنْسانِ اكْفُرْ فَلَمّا كَفَرَ قالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنكَ إنِّي أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ﴾.
(فائدة)
وهذا السياق لا يختص بالذي ذكرت عنه هذه القصة، بل هو عام في كل من أطاع الشيطان في أمره له بالكفر، لينصره ويقضي حاجته، فإنه يتبرأ منه ويسلمه كما يتبرأ من أوليائه جملة في النار، ويقول لهم: ﴿إنِّي كَفَرْتُ بِما أشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ﴾ [إبراهيم: ٢٢].
فأوردهم شر الموارد وتبرأ منهم كل البراءة.
(فصل: في آفة العابد الجاهِل)
وَأما العابد الجاهِل فآفته من إعراضه عَن العلم وأحْكامه وغَلَبَة خياله وذوقه ووجده وما تهواه نَفسه، ولِهَذا قالَ سُفْيان ابْن عُيَيْنَة وغَيره احْذَرُوا فتْنَة العالم الفاجِر وفتنة العابد الجاهِل فَإن فتنتهما فتْنَة لكل مفتون فَهَذا بجهله يصد عَن العلم وموجبه وذاكَ بغيّه يَدْعُو إلى الفُجُور وقد ضرب الله سُبْحانَهُ مثل النَّوْع الآخر بقوله ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إذْ قالَ لِلْإنْسانِ اكْفُرْ فَلَمّا كَفَرَ قالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنكَ إنِّي أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ (١٦) فَكانَ عاقِبَتَهُما أنَّهُما في النّارِ خالِدَيْنِ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾
وقصته مَعْرُوفَة فَإنَّهُ بنى أساس أمره على عبادَة الله بِجَهْل فأوقعه الشَّيْطان بجهله وكفّره بجهله فَهَذا إمام كل عابِد جاهِل يكفر ولا يدْرِي وذاكَ إمام كل عالم فاجر يخْتار الدُّنْيا على الآخِرَة.
وَقد جعل سُبْحانَهُ رضى العَبْد بالدنيا وطمأنينته وغفلته عَن معرفَة آياته وتدبرها والعَمَل بها سَبَب شقائه وهلاكه ولا يجْتَمع هَذانِ أعني الرضى بالدنيا والغفلة عَن آيات الرب إلّا في قلب من لا يُؤمن بالمعاد ولا يَرْجُو لِقاء رب العباد وإلّا فَلَو رسخ قدمه في الإيمان بالمعاد لما رَضِي الدُّنْيا ولا اطْمَأن إلَيْها ولا أعرض عَن آيات الله.
وَأنت إذا تَأمَّلت أحْوال النّاس وجدت هَذا الضَّرْب هو الغالِب على النّاس وهم عمّار الدُّنْيا وأقل النّاس عددا من هو على خلاف ذَلِك وهو من أشد النّاس غربَة بَينهم لَهُم شَأْن وله شَأْن علمه غير علومهم وإرادته غير إرادتهم، وطَرِيقه غير طريقهم، فَهو في واد وهم في واد قالَ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ورَضُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا واطْمَأنُّوا بِها والَّذِينَ هم عَنْ آياتِنا غافِلُونَ أُولَئِكَ مَأْواهُمُ النّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ثمَّ ذكر وصف ضد هَؤُلاءِ ومآلهم وعاقبتهم بقوله ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ في جنّات النَّعيم﴾ فَهَؤُلاءِ إيمانهم بلقاء الله أورثهم عدم الرِّضا بالدنيا والطمأنينة إلَيْها ودوام ذكر آياته.
فَهَذِهِ مَوارِيث الإيمان بالمعاد وتلك مَوارِيث عدم الإيمان بِهِ والغفلة عَنهُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences