Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic
Al-Hashr 59:18–22, continued
وَمِثالُ الثّانِي: مَن يَتَعَبَّدُ بِالعِباداتِ البِدْعِيَّةِ الَّتِي يَظُنُّها جالِبَةً لِلْحالِ، والكَشْفِ والتَّصَرُّفِ، ولِهَذِهِ الأُمُورِ لَوازِمُ لا تَحْصُلُ بِدُونِها ألْبَتَّةَ، فَيَتَعَبَّدُ بِالتِزامِ تِلْكَ اللَّوازِمِ فِعْلًا وتَرْكًا، ويَراها حَقًّا عَلَيْهِ، وهي حَقٌّ لَهُ، ولَهُ تَرْكُها، كَفِعْلِ الرِّياضاتِ، والأوْضاعِ الَّتِي رَسَمَها كَثِيرٌ مِنَ السّالِكِينَ بِأذْواقِهِمْ ومَواجِيدِهِمْ واصْطِلاحاتِهِمْ، مِن غَيْرِ تَمْيِيزٍ بَيْنَ ما فِيها مِن حَظِّ العَبْدِ والحَقِّ الَّذِي عَلَيْهِ، فَهَذا لَوْنٌ وهَذا لَوْنٌ.
[فَصْلٌ الرُّكْنُ الثّالِثُ الرِّضا بِالطّاعَةِ والتَّعْيِيرُ بِالمَعْصِيَةِ]
وَمِن أرْكانِ المُحاسَبَةِ ما ذَكَرَهُ صاحِبُ المَنازِلِ، فَقالَ:
الثّالِثُ: أنْ تَعْرِفَ أنَّ كُلَّ طاعَةٍ رَضِيتَها مِنكَ فَهي عَلَيْكَ، وكُلَّ مَعْصِيَةٍ عَيَّرْتَ بِها أخاكَ فَهي إلَيْكَ.
رِضاءُ العَبْدِ بِطاعَتِهِ دَلِيلٌ عَلى حُسْنِ ظَنِّهِ بِنَفْسِهِ، وجَهْلِهِ بِحُقُوقِ العُبُودِيَّةِ، وعَدَمِ عَمَلِهِ بِما يَسْتَحِقُّهُ الرَّبُّ جَلَّ جَلالُهُ ويَلِيقُ أنْ يُعامَلَ بِهِ.
وَحاصِلُ ذَلِكَ أنَّ جَهْلَهُ بِنَفْسِهِ وصِفاتِها وآفاتِها وعُيُوبِ عَمَلِهِ، وجَهْلَهُ بِرَبِّهِ وحُقُوقِهِ وما يَنْبَغِي أنْ يُعامَلَ بِهِ، يَتَوَلَّدُ مِنهُما رِضاهُ بِطاعَتِهِ، وإحْسانُ ظَنِّهِ بِها، ويَتَوَلَّدُ مِن ذَلِكَ مِنَ العَجَبِ والكِبْرِ والآفاتِ ما هو أكْبَرُ مِنَ الكَبائِرِ الظّاهِرَةِ مِنَ الزِّنا، وشُرْبِ الخَمْرِ، والفِرارِ مِنَ الزَّحْفِ ونَحْوِها.
فالرِّضا بِالطّاعَةِ مِن رَعُوناتِ النَّفْسِ وحَماقَتِها.
وَأرْبابُ العَزائِمِ والبَصائِرِ أشَدُّ ما يَكُونُونَ اسْتِغْفارًا عُقَيْبَ الطّاعاتِ، لِشُهُودِهِمْ تَقْصِيرَهم فِيها، وتَرْكَ القِيامِ لِلَّهِ بِها كَما يَلِيقُ بِجَلالِهِ وكِبْرِيائِهِ، وأنَّهُ لَوْلا الأمْرُ لَما أقْدَمَ أحَدُهم عَلى مَثَلِ هَذِهِ العُبُودِيَّةِ، ولا رَضِيَها لِسَيِّدِهِ.
وَقَدْ أمَرَ اللَّهُ تَعالى وفْدَهُ وحُجّاجَ بَيْتِهِ بِأنْ يَسْتَغْفِرُوهُ عُقَيْبَ إفاضَتِهِمْ مِن عَرَفاتٍ، وهو أجَلُّ المَواقِفِ وأفْضَلُها، فَقالَ ﴿فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ فاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ واذْكُرُوهُ كَما هَداكم وإنْ كُنْتُمْ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الضّالِّينَ - ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٨-١٩٩]
وَقالَ تَعالى ﴿والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ﴾ [آل عمران: ١٧]
قالَ الحَسَنُ: مَدُّوا الصَّلاةَ إلى السَّحَرِ، ثُمَّ جَلَسُوا يَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، وفي الصَّحِيحِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «كانَ إذا سَلَّمَ مِنَ الصَّلاةِ اسْتَغَفْرَ ثَلاثًا، ثُمَّ قالَ: اللَّهُمَّ أنْتَ السَّلامُ، ومِنكَ السَّلامُ، تَبارَكْتَ يا ذا الجَلالِ والإكْرامِ» وأمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِالِاسْتِغْفارِ بَعْدَ أداءِ الرِّسالَةِ، والقِيامِ بِما عَلَيْهِ مِن أعْبائِها، وقَضاءِ فَرْضِ الحَجِّ، واقْتِرابِ أجَلِهِ، فَقالَ في آخِرِ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ - ورَأيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا - فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ إنَّهُ كانَ تَوّابًا﴾ [النصر: ١-٣].
وَمِن هاهُنا فَهِمَ عُمَرُ، وابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - أنَّ هَذا أجَلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أعْلَمَهُ بِهِ، فَأمَرَهُ أنْ يَسْتَغْفِرَهُ عُقَيْبَ أداءِ ما كانَ عَلَيْهِ، فَكَأنَّهُ إعْلامٌ بِأنَّكَ قَدْ أدَّيْتَ ما عَلَيْكَ، ولَمْ يَبْقَ عَلَيْكَ شَيْءٌ، فاجْعَلْ خاتِمَتَهُ الِاسْتِغْفارَ، كَما كانَ خاتِمَةَ الصَّلاةِ والحَجِّ وقِيامِ اللَّيْلِ، وخاتِمَةُ الوُضُوءِ أيْضًا أنْ يَقُولَ بَعْدَ فَراغِهِ " «سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ، أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوّابِينَ، واجْعَلْنِي مِنَ المُتَطَهِّرِينَ» ".
فَهَذا شَأْنُ مَن عَرَفَ ما يَنْبَغِي لِلَّهِ، ويَلِيقُ بِجَلالِهِ مِن حُقُوقِ العُبُودِيَّةِ وشَرائِطِها، لا جَهْلَ أصْحابِ الدَّعاوِي وشَطَحاتِهِمْ.
وَقالَ بَعْضُ العارِفِينَ: مَتى رَضِيتَ نَفْسَكَ وعَمَلَكَ لِلَّهِ، فاعْلَمْ أنَّهُ غَيْرُ راضٍ بِهِ، ومَن عَرَفَ أنَّ نَفْسَهُ مَأْوى كُلِّ عَيْبٍ وشَرٍّ، وعَمَلَهُ عُرْضَةٌ لِكُلِّ آفَةٍ ونَقْصٍ، كَيْفَ يَرْضى لِلَّهِ نَفْسَهُ وعَمَلَهُ؟
وَلِلَّهِ دَرُّ الشَّيْخِ أبِي مَدْيَنَ حَيْثُ يَقُولُ: مَن تَحَقَّقَ بِالعُبُودِيَّةِ نَظَرَ أفْعالَهُ بِعَيْنِ
الرِّياءِ، وأحْوالَهُ بِعَيْنِ الدَّعْوى، وأقْوالَهُ بِعَيْنِ الِافْتِراءِ، وكُلَّما عَظُمَ المَطْلُوبُ في قَلْبِكَ، صَغُرَتْ نَفْسُكَ عِنْدَكَ، وتَضاءَلَتِ القِيمَةُ الَّتِي تَبْذُلُها في تَحْصِيلِهِ، وكُلَّما شَهِدْتَ حَقِيقَةَ الرُّبُوبِيَّةِ وحَقِيقَةَ العُبُودِيَّةِ، وعَرَفْتَ اللَّهَ، وعَرَفْتَ النَّفْسَ، وتَبَيَّنَ لَكَ أنَّ ما مَعَكَ مِنَ البِضاعَةِ لا يَصْلُحُ لِلْمَلِكِ الحَقِّ، ولَوْ جِئْتَ بِعَمَلِ الثَّقَلَيْنِ خَشِيتَ عاقِبَتَهُ وإنَّما يَقْبَلُهُ بِكَرَمِهِ وجُودِهِ وتَفَضُّلِهِ، ويُثِيبُكَ عَلَيْهِ أيْضًا بِكَرَمِهِ وجُودِهِ وتَفَضُّلِهِ.
وَقَوْلُهُ: وكُلُّ مَعْصِيَةٍ عَيَّرْتَ بِها أخاكَ فَهي إلَيْكَ.
يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ: أنَّها صائِرَةٌ إلَيْكَ ولا بُدَّ أنْ تَعْمَلَها، وهَذا مَأْخُوذٌ مِنَ الحَدِيثِ الَّذِي رَواهُ التِّرْمِذِيُّ في جامِعِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «مَن عَيَّرَ أخاهُ بِذَنْبٍ لَمْ يَمُتْ حَتّى يَعْمَلَهُ»
قالَ الإمامُ أحْمَدُ في تَفْسِيرِ هَذا الحَدِيثِ: مِن ذَنْبٍ قَدْ تابَ مِنهُ.
وَأيْضًا فَفي التَّعْيِيرِ ضَرْبٌ خَفِيٌّ مِنَ الشَّماتَةِ بِالمُعَيَّرِ.
وَفِي التِّرْمِذِيِّ أيْضًا مَرْفُوعًا «لا تُظْهِرِ الشَّماتَةَ لِأخِيكَ، فَيَرْحَمَهُ اللَّهُ ويَبْتَلِيَكَ».
وَيَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ: أنَّ تَعْيِيرَكَ لِأخِيكَ بِذَنْبِهِ أعْظَمُ إثْمًا مِن ذَنْبِهِ وأشَدُّ مِن مَعْصِيَتِهِ، لِما فِيهِ مِن صَوْلَةِ الطّاعَةِ، وتَزْكِيَةِ النَّفْسِ، وشُكْرِها، والمُناداةِ عَلَيْها بِالبَراءَةِ مِنَ الذَّنْبِ، وأنَّ أخاكَ باءَ بِهِ، ولَعَلَّ كَسْرَتَهُ بِذَنْبِهِ، وما أحْدَثَ لَهُ مِنَ الذِّلَّةِ والخُضُوعِ، والإزْراءِ عَلى نَفْسِهِ، والتَّخَلُّصِ مِن مَرَضِ الدَّعْوى، والكِبْرِ والعُجْبِ، ووُقُوفَهُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ناكِسَ الرَّأْسِ، خاشِعَ الطَّرْفِ، مُنْكَسِرَ القَلْبِ أنْفَعُ لَهُ، وخَيْرٌ مِن صَوْلَةِ طاعَتِكَ، وتَكَثُّرِكَ بِها والِاعْتِدادِ بِها، والمِنَّةِ عَلى اللَّهِ وخَلْقِهِ بِها، فَما أقْرَبَ هَذا العاصِيَ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ! وما أقْرَبَ هَذا المُدِلَّ مِن مَقْتِ اللَّهِ، فَذَنْبٌ تَذِلُّ بِهِ لَدَيْهِ، أحَبُّ إلَيْهِ مِن طاعَةٍ تُدِلُّ بِها عَلَيْهِ، وإنَّكَ أنْ تَبِيتَ نائِمًا وتُصْبِحَ نادِمًا، خَيْرٌ مِن أنْ تَبِيتَ قائِمًا وتُصْبِحَ مُعْجَبًا، فَإنَّ المُعْجَبَ لا يَصْعَدُ لَهُ عَمَلٌ، وإنَّكَ إنْ تَضْحَكْ وأنْتَ مُعْتَرِفٌ، خَيْرٌ مِن أنْ تَبْكِيَ وأنْتَ مُدِلٌّ، وأنِينُ المُذْنِبِينَ أحَبُّ إلى اللَّهِ مِن زَجَلِ المُسَبِّحِينَ المُدِلِّينَ، ولَعَلَّ اللَّهَ أسْقاهُ بِهَذا الذَّنْبِ دَواءً اسْتَخْرَجَ بِهِ داءً قاتِلًا هو فِيكَ ولا تَشْعُرُ.
فَلِلَّهِ في أهْلِ طاعَتِهِ ومَعْصِيَتِهِ أسْرارٌ لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ، ولا يُطالِعُها إلّا أهْلُ البَصائِرِ، فَيَعْرِفُونَ مِنها بِقَدْرِ ما تَنالُهُ مَعارِفُ البَشَرِ، ووَراءَ ذَلِكَ ما لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الكِرامُ الكاتِبُونَ، وقَدْ قالَ النَّبِيُّ ﷺ «إذا زَنَتْ أمَةُ أحَدِكُمْ، فَلْيُقِمْ عَلَيْها الحَدَّ ولا يُثَرِّبْ» أيْ لا يُعَيِّرْ، مِن قَوْلِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِإخْوَتِهِ ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ﴾ [يوسف: ٩٢] فَإنَّ المِيزانَ بِيَدِ اللَّهِ، والحُكْمَ لِلَّهِ، فالسَّوْطُ الَّذِي ضُرِبَ بِهِ هَذا العاصِي بِيَدِ مُقَلِّبِ القُلُوبِ، والقَصْدُ إقامَةُ الحَدِّ لا التَّعْيِيرُ والتَّثْرِيبُ، ولا يَأْمَنُ كَرّاتِ القَدَرِ وسَطْوَتَهُ إلّا أهْلُ الجَهْلِ بِاللَّهِ، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى لِأعْلَمِ الخَلْقِ بِهِ، وأقْرَبِهِمْ إلَيْهِ وسِيلَةً ﴿وَلَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٤] وقالَ يُوسُفُ الصِّدِّيقُ ﴿وَإلّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أصْبُ إلَيْهِنَّ وأكُنْ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [يوسف: ٣٣]
وَكانْتَ عامَّةُ يَمِينِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «لا، ومُقَلِّبِ القُلُوبِ»
وَقالَ: «ما مِن قَلْبٍ إلّا وهو بَيْنَ إصْبَعَيْنِ مِن أصابِعِ الرَّحْمَنِ عَزَّ وجَلَّ، إنْ شاءَ أنْ يُقِيمَهُ أقامَهُ، وإنْ شاءَ أنْ يُزِيغَهُ أزاغَهُ» ثُمَّ قالَ: «اللَّهُمَّ مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قُلُوبَنا عَلى دِينِكَ، اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ القُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنا عَلى طاعَتِكَ».
59:20Page 548
لَا يَسۡتَوِيٓ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ وَأَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۚ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ ٢٠
Not equal are the companions of the Fire and the companions of Paradise. The companions of Paradise - they are the attainers [of success].
No commentary for this ayah
59:21Page 548
لَوۡ أَنزَلۡنَا هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ عَلَىٰ جَبَلٖ لَّرَأَيۡتَهُۥ خَٰشِعٗا مُّتَصَدِّعٗا مِّنۡ خَشۡيَةِ ٱللَّهِۚ وَتِلۡكَ ٱلۡأَمۡثَٰلُ نَضۡرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ ٢١
If We had sent down this Qur’ān upon a mountain, you would have seen it humbled and splitting from fear of Allāh. And these examples We present to the people that perhaps they will give thought.
ذكر الحافظ أبو موسى عن الحسن بن علي قال: أنا ضامن لمن قرأ هذه العشرين الآية أن يعصمه الله تعالى من كل شيطان ظالم، ومن كل شيطان مريد، ومن كل سبع ضار، ومن كل لص عاد: آية الكرسي وثلاث آيات من الأعراف ﴿إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض﴾ وعشرًا من الصافات وثلاث آيات من الرحمن ﴿يا معشر الجن والإنس﴾ وخاتمة سورة الحشر ﴿لَوْ أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِن خَشْيَةِ اللَّهِ﴾
وقال محمد بن أبان: بينما رجل يصلي في المسجد إذا هو بشيء إلى جنبه فجفل منه فقال: ليس عليك مني بأس إنما جئتك في الله تعالى، ائت عروة فسله: ما الذي يتعوذه؟ يعني من إبليس الأباليس.
قال: قل آمنت بالله العظيم وحده، وكفرت بالجبت والطاغوت، واعتصمت بالعروة الوثقى لا انفصام لها، والله سميع عليم.
حسبي الله وكفى، سمع الله لمن دعا، ليس وراء الله منتهى.
وقال بشر بن منصور عن وهيب ابن الورد قال: خرج رجل إلى الجبانة بعد ساعة من الليل، قال: فسمعت حسًا - أو صوتًا - شديدًا، وجيء بسرير حتى وضع، وجاء شيء حتى جلس عليه.
قال: واجتمعت إليه جنوده، ثم صرخ فقال: من لي بعروة بن الزبير؟ فلم يجبه أحد حتى تتابع ما شاء الله من الأصوات، فقال واحد: انا أكفيكه، قال: فتوجه نحو المدينة وأنا ناظر، ثم أوشك الرجعة فقال: لا سبيل إلى عروة، وقال: ويلكم وجدته يقول كلمات إذا أصبح وإذا أمسى فلا نخلص إليه معهن.
قال الرجل: فلما أصبحت قلت لأهلي جهزوني، فأتيت المدينة فسألت عنه حتى دللت عليه، فإذا بشيخ كبير، فقلت: شيئًا تقوله إذا أصبحت وإذا أمسيت؟ فأبى أن يخبرني، فأخبرته بما رأيت وما سمعت، فقال: ما أدري، غير أني أقول إذا أصبحت: آمنت بالله العظيم وكفرت بالجبت والطاغوت واستمسكت بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها والله سميع عليم.
وإذا أصبحت قلت ثلاث مرات، وإذا أمسيت قلت ثلاث مرات.
وذكر أبو موسى عن مسلم البطين قال: قال جبريل للنبي ﷺ: إن عفريتًا من الجن يكيدك، فإذا أويت إلى فراشك فقل: أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، من شر ما ينزل من السماء وما يعرج فيها، ومن شر ما ذرأ من الأرض وما يخرج منها، ومن شر فتن الليل والنهار، ومن شر طوارق الليل والنهار إلا طارقًا يطرق بخير يا رحمن.
وقد ثبت في الصحيح أن الشيطان يهرب من الأذان، قال سهل بن أبي صالح: أرسلني أبي إلى بني حارثة ومعي غلام - أو صاحب - لنا فنادى مناد من حائط باسمه، فأشرف الذي معي على الحائط فلم ير شيئًا، فذكرت ذلك لأبي فقال: لو شعرت أنك تلقى هذا لم أرسلك، ولكن إذا سمعت صوتًا فناد بالصلاة، فإني سمعت أبا هريرة يحدث عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن الشيطان إذا نودي بالصلاة ولى وله حصاص» وفي رواية «إذا سمع النداء ولى وله ضراط، حتى لا يسمع التأذين» الحديث.
وذكر الحافظ أبو موسى من حديث أبي بكر الصديق قال: قال رسول الله ﷺ
«استكثروا من لا إله إلا الله والاستغفار، فإن الشيطان قال: قد أهلكتهم بالذنوب وأهلكوني بقول لا إله إلا الله والاستغفار، فلما رأيت ذلك منهم أهلكتهم بالأهواء حتى يحسبون مهتدون فلا يستغفرون»
وذكر أيضًا عن إبراهيم بن الحكم عن أبيه عن عكرمة قال: بينا رجل مسافر إذ مر برجل نائم ورأى عنده شياطين، فسمع المسافر أحد الشياطين يقول لصاحبه: اذهب فأفسد على هذا النائم قلبه، فلما دنا منه رجع إلى صاحبه فقال: لقد نام على آية ما لنا إليه سبيل، فذهب إلى النائم فلما دنا منه رجع قال: صدقت. فذهب.
ثم إن المسافر أيقظه وأخبره بما رأى من الشياطين فقال: أخبرني على أي آية نمت، قال: على هذه الآية ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ (٥٤)﴾.
وقال أبو النضر هاشم بن القاسم: كنت أرى في داري ...
فقيل: يا أبا النضر تحول عن جوارنا.
قال: فاشتد ذلك علي، فكتبت إلى الكوفة إلى ابن إدريس والمحاربي وأبي أسامة، فكتب إلي المحاربي: إن بئرًا بالمدينة كان يقطع رشاؤها، فنزل بهم ركب، فشكوا ذلك إليهم، فدعوا بدلو من ماء ثم تكلموا بهذا الكلام فصبوه في البئر فخرجت نار من البئر فطفئت على رأس البئر.
قال أبو النضر: فأخذت تورًا من ماء، ثم تكلمت فيه بهذا الكلام، ثم تتبعت به زوايا الدار فرششته، فصاحوا بي: أحرقتنا، نحن نتحول عنك وهو: بسم الله، أمسينا بالله الذي ليس منه شيء ممتنع، وبعزة الله التي لا ترام ولا تضام، وبسلطان الله المنيع نحتجب، وبأسمائه الحسنى كلها عائذ من الأبالسة، ومن شر شياطين الإنس والجن، ومن شر
معلن أو مسر، ومن شر ما يخرج بالليل ويكمن بالنهار، ويكمن بالليل ويخرج بالنهار، ومن شر ما خلق وذرأ وبرأ، ومن شر إبليس وجنوده، ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم.
أعوذ بالله بما استعاذ به موسى وعيسى وإبراهيم الذي وفي، من شر ما خلق وذرأ وبرأ، ومن شر إبليس وجنوده، ومن شر ما يبغي.
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ﴿والصّافّاتِ صَفًّا (١) فالزّاجِراتِ زَجْرًا (٢) فالتّالِياتِ ذِكْرًا (٣) إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ (٤) رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ورَبُّ المَشارِقِ (٥) إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ (٦) وحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ (٧) لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى ويُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ (٨) دُحُورًا ولَهم عَذابٌ واصِبٌ (٩) إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ (١٠)﴾
فهذا بعض ما يتعلق بقوله ﷺ لذلك العبد «يحرز نفسه من الشيطان بذكر الله تعالى».
59:22Page 548
هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِۖ هُوَ ٱلرَّحۡمَٰنُ ٱلرَّحِيمُ ٢٢
He is Allāh, other than whom there is no deity, Knower of the unseen and the witnessed.1 He is the Entirely Merciful, the Especially Merciful.
No commentary for this ayah
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences