Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:122
6:122Page 143
أَوَمَن كَانَ مَيۡتٗا فَأَحۡيَيۡنَٰهُ وَجَعَلۡنَا لَهُۥ نُورٗا يَمۡشِي بِهِۦ فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُۥ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ لَيۡسَ بِخَارِجٖ مِّنۡهَاۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلۡكَٰفِرِينَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٢٢
And is one who was dead and We gave him life and made for him light by which to walk among the people like one who is in darkness, never to emerge therefrom? Thus it has been made pleasing to the disbelievers that which they were doing.
فَجمع لَهُ بَين النُّور والحياة كَما جمع لمن أعرض عَن كِتابه بَين المَوْت والظلمة.
قالَ ابْن عَبّاس وجَمِيع المُفَسّرين كانَ كافِرًا ضالًّا فهديناه.
وَقَوله ﴿وَجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ﴾ يتَضَمَّن أمورا:
أحدها أنه يمشي في النّاس بِالنورِ وهم في الظلمَة فَمثله ومثلهمْ كَمثل قوم أظلم عَلَيْهِم اللَّيْل فضلوا ولم يهتدوا للطريق وآخر مَعَه نور يمشي بِهِ في الطَّرِيق ويراها ويرى ما يحذرهُ فِيها وثانِيها أنه يمشي فيهم بنوره فهم يقتبسون مِنهُ لحاجتهم إلى النُّور وثالِثها أنه يمشي بنوره يَوْم القِيامَة على الصِّراط إذا بَقِي أهل الشّرك والنفاق في ظلمات شركهم ونفاقهم.
(فائدة)
وَقَولُهُ جَلَّ وعَلا: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها. .﴾
فَأحْياهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِرُوحِهِ الَّذِي هو وحْيُهُ وهو رُوحُ الإيمانِ والعِلْمِ، وجَعَلَ لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ بَيْنَ أهْلِ الظُّلْمَةِ كَما يَمْشِي الرَّجُلُ بِالسِّراجِ المُضِيءِ في الظُّلْمَةِ، فَهو يَرى أهْلَ الظُّلْمَةِ في ظُلُماتِهِمْ وهم لا يَرَوْنَهُ كالبَصِيرِ الَّذِي يَمْشِي بَيْنَ العُمْيانِ.
(فصل)
في أن حياة القلب وإشراقه مادة كل خير فيه وموته وظلمته مادة كل شر وفتنة فيه
أصل كل خير وسعادة للعبد، بل لكل حي ناطق: كمال حياته ونوره. فالحياة والنور مادة الخير كله، قال الله تعالى: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِى بِهِ في النّاسِ كَمن مَثَلُهُ فِى الظُّلُماتِ لَيْسَ بخارِجٍ مِنها﴾ [الأنعام: ١٢٢].
فجمع بين الأصلين: الحياة، والنور، فبالحياة تكون قوته، وسمعه وبصره، وحياؤه وعفته، وشجاعته وصبره، وسائر أخلاقه الفاضلة، ومحبته للحسن، وبغضه للقبيح. فكلما قويت حياته قويت فيه هذه الصفات، وإذا ضعفت حياته ضعفت فيه هذه الصفات، وحياؤه من القبائح هو بحسب حياته في نفسه، فالقلب الصحيح الحي إذا عرضت عليه القبائح نفر منها بطبعه وأبغضها ولم يلتفت إليها، بخلاف القلب الميت، فإنه لا يفرق بين الحسن والقبيح، كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه: "هلك من لم يكن له قلب يعرف به المعروف وينكر به المنكر".
وكذلك القلب المريض بالشهوة، فإنه لضعفه يميل إلى ما يعرض له من ذلك بحسب قوة المرض وضعفه.
وكذلك إذا قوى نوره وإشراقه انكشفت له صور المعلومات وحقائقها على ما هي عليه، فاستبان حُسْنَ الحسن بنوره، وآثره بحياته، وكذلك قبح القبيح، وقد ذكر سبحانه وتعالى هذين الأصلين في مواضع من كتابه.
فقال تعالى: ﴿وَكَذلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِى ما الكِتابُ ولا الإيمانُ ولكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِى به مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا وإنّكَ لَتَهْدِى إلى صِراطٍ مُسْتَقيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢].
فجمع بين الروح الذي يحصل به الحياة، والنور الذي يحصل به الإضاءة والإشراق، وأخبر أن كتابه الذي أنزله على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم متضمن للأمرين، فهو روح تحيا به القلوب، ونور تستضئ وتشرق به، كما قال تعالى: ﴿أوَمَن كانَ ميْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ كَمَن مَثَلهُ فِى الظُّلماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها﴾ [الأنعام: ١٢٢].
أي أو من كان كافرا ميت القلب، مغمورًا في ظلمة الجهل: فهديناه لرشده، ووفقناه للإيمان، وجعلنا قلبه حيا بعد موته، مشرقا مستنيرًا بعد ظلمته؟ فجعل الكافر لانصرافه عن طاعته، وجهله بمعرفته، وتوحيده وشرائع دينه، وترك الأخذ بنصيبه من رضاه، والعمل بما يؤديه إلى نجاته وسعادته: بمنزلة الميت الذي لا ينفع نفسه بنافعة، ولا يدفع عنها من مكروه، فهديناه للإسلام وأنعشناه به، فصار يعرف مضار نفسه ومنافعها، ويعمل في خلاصها من سخط الله تعالى وعقابه، فأبصر الحق بعد عماه عنه، وعرفه بعد جهله به، واتبعه بعد إعراضه عنه، وحصل له نور وضياء يستضيء به، فيمشي بنوره بين الناس، وهم في سدف الظلام، كما قيل:
؎لَيْلى بِوَجْهِكَ مُشْرِقٌ ∗∗∗ وظَلامُهُ في النّاسِ سارِي
؎النّاسُ في سُدُفِ الظّلا ∗∗∗ م ونَحْنُ فِى ضَوْءِ النّهارِ
(فصل: الذكر وحقيقة النور الإلهي)
الذكر نور للذاكر في الدنيا، ونور له في قبره، ونور له في معاده يسعى بين يديه على الصراط، فما استنارت القلوب والقبور بمثل ذكر الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿أومن كان ميتًا فأحييناه وجعلنا له نورًا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها﴾
فالأول هو المؤمن استنار بالإيمان بالله ومحبته ومعرفته وذكره، والآخر هو الغافل عن الله تعالى المعرض عن ذكره ومحبته، والشأن كل الشأن والفلاح كل الفلاح في النور، والشقاء كل الشقاء في فواته.
ولهذا كان النبي ﷺ يبالغ في سؤال ربه تبارك وتعالى حين يسأله أن يجعله في لحمه وعظامه وعصبه وشعره وبشره وسمعه وبصره ومن فوقه ومن تحته وعن يمينه وعن شماله وخلفه وأمامه، حتى يقول واجعلني نورًا فسأل ربه تبارك وتعالى أن يجعل النور في ذراته الظاهرة والباطنة، وأن يجعله محيطًا به من جميع جهاته، وأن يجعل ذاته وجملته نورًا، فدين الله عز وجل نور، وكتابه نور، ورسوله نور، وداره التي أعدها لأوليائه نور يتلألأ، وهو تبارك وتعالى نور السماوات والأرض، ومن أسمائه النور، وأشرقت الظلمات لنور وجهه.
وفي دعاء النبي ﷺ يوم الطائف «أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن يحل علي غضبك، أو ينزل بي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك»
وقال أبن مسعود رضي الله عنه: ليس عند ربكم ليل ولا نهار، نور السماوات من نور وجهه.
[فَصْلُ: حَقِيقَةُ الحَياةِ]
قالَ صاحِبُ المَنازِلِ:
(بابُ الحَياةِ) قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢].
اسْتِشْهادُهُ بِهَذِهِ الآيَةِ في هَذا البابِ ظاهِرٌ جِدًّا، فَإنَّ المُرادَ بِها: مَن كانَ مَيِّتَ القَلْبِ بِعَدَمِ رُوحِ العِلْمِ والهُدى والإيمانِ، فَأحْياهُ الرَّبُّ تَعالى بِرُوحٍ أُخْرى غَيْرِ الرُّوحِ الَّتِي أحْيا بِها بَدَنَهُ، وهي رُوحُ مَعْرِفَتِهِ وتَوْحِيدِهِ، ومَحَبَّتِهِ وعِبادَتِهِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ؛ إذْ لا حَياةَ لِلرُّوحِ إلّا بِذَلِكَ، وإلّا فَهي في جُمْلَةِ الأمْواتِ، ولِهَذا وصَفَ اللَّهُ تَعالى مَن عُدِمَ ذَلِكَ بِالمَوْتِ، فَقالَ: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢]، وقالَ تَعالى: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ﴾ [النمل: ٨٠]
وَسُمِّيَ وحْيُهُ رُوحًا، لِما يَحْصُلُ بِهِ مِن حَياةِ القُلُوبِ والأرْواحِ، فَقالَ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا﴾ [الشورى: ٥٢] فَأخْبَرَ أنَّهُ رُوحٌ تَحْصُلُ بِهِ الحَياةُ، وأنَّهُ نُورٌ تَحْصُلُ بِهِ الإضاءَةُ، وقالَ تَعالى: ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ أنْ أنْذِرُوا أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاتَّقُونِ﴾ [النحل: ٢]، وقالَ تَعالى: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو العَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ [غافر: ١٥] فالوَحْيُ حَياةُ الرُّوحِ، كَما أنَّ الرُّوحَ حَياةُ البَدَنِ، ولِهَذا مَن فَقَدَ هَذِهِ الرُّوحَ فَقَدْ فَقَدَ الحَياةَ النّافِعَةَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، أمّا في الدُّنْيا فَحَياتُهُ حَياةُ البَهائِمِ، ولَهُ المَعِيشَةُ الضَّنْكُ، وأمّا في الآخِرَةِ فَلَهُ جَهَنَّمُ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا.
وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ الحَياةَ الطَّيِّبَةَ لِأهْلِ مَعْرِفَتِهِ ومَحَبَّتِهِ وعِبادَتِهِ، فَقالَ تَعالى: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] وقَدْ فُسِّرَتِ الحَياةُ الطَّيِّبَةُ بِالقَناعَةِ والرِّضا، والرِّزْقِ الحَسَنِ وغَيْرِ ذَلِكَ، والصَّوابُ: أنَّها حَياةُ القَلْبِ ونَعِيمُهُ، وبَهْجَتُهُ وسُرُورُهُ بِالإيمانِ ومَعْرِفَةُ اللَّهِ، ومَحَبَّتُهُ، والإنابَةُ إلَيْهِ، والتَّوَكُّلُ عَلَيْهِ، فَإنَّهُ لا حَياةَ أطْيَبُ مِن حَياةِ صاحِبِها، ولا نَعِيمَ فَوْقَ نَعِيمِهِ إلّا نَعِيمَ الجَنَّةِ، كَما كانَ بَعْضُ العارِفِينَ يَقُولُ: إنَّهُ لَتَمُرُّ بِي أوْقاتٌ أقُولُ فِيها إنْ كانَ أهْلُ الجَنَّةِ في مِثْلِ هَذا إنَّهم لَفي عَيْشٍ طَيِّبٍ، وقالَ غَيْرُهُ: إنَّهُ لَيَمُرُّ بِالقَلْبِ أوْقاتٌ يَرْقُصُ فِيها طَرَبًا.
وَإذا كانَتْ حَياةُ القَلْبِ حَياةً طَيِّبَةً تَبِعَتْهُ حَياةُ الجَوارِحِ، فَإنَّهُ مَلَكَها، ولِهَذا جَعَلَ اللَّهُ المَعِيشَةَ الضَّنْكَ لِمَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِهِ، وهي عَكْسُ الحَياةِ الطَّيِّبَةِ.
وَهَذِهِ الحَياةُ الطَّيِّبَةُ تَكُونُ في الدُّورِ الثَّلاثِ، أعْنِي: دارَ الدُّنْيا، ودارَ البَرْزَخِ، ودارَ القَرارِ، والمَعِيشَةُ الضَّنْكُ أيْضًا تَكُونُ في الدُّورِ الثَّلاثِ، فالأبْرارُ في النَّعِيمِ هُنا وهُنالِكَ، والفُجّارُ في الجَحِيمِ هُنا وهُنالِكَ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ [النحل: ٣٠]، وقالَ تَعالى: ﴿وَأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُمَتِّعْكم مَتاعًا حَسَنًا إلى أجَلٍ مُسَمًّى ويُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ [هود: ٣]
فَذِكْرُ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، ومَحَبَّتُهُ وطاعَتُهُ، والإقْبالُ عَلَيْهِ ضامِنٌ لِأطْيَبِ الحَياةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، والإعْراضُ عَنْهُ والغَفْلَةُ ومَعْصِيَتُهُ كَفِيلٌ بِالحَياةِ المُنَغَّصَةِ، والمَعِيشَةِ الضَّنْكِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
[الحَياةُ المَقْصُودَةُ هُنا ثَلاثَةُ أشْياءَ]
[فَصْلٌ الحَياةُ الأُولى حَياةُ العِلْمِ مِن مَوْتِ الجَهْلِ وهي عَشْرُ مَراتِبَ]
قالَ صاحِبُ المَنازِلِ: الحَياةُ في هَذا البابِ: يُشارُ بِها إلى ثَلاثَةِ أشْياءَ، الحَياةُ الأُولى: حَياةُ العِلْمِ مِن مَوْتِ الجَهْلِ، ولَها ثَلاثَةُ أنْفاسٍ: نَفْسُ الخَوْفِ، ونَفْسُ الرَّجاءِ، ونَفْسُ المَحَبَّةِ.
قَوْلُهُ " الحَياةُ في هَذا البابِ " يُرِيدُ: الحَياةَ الخاصَّةَ الَّتِي يَتَكَلَّمُ عَلَيْها القَوْمُ دُونَ الحَياةِ العامَّةِ المُشْتَرَكَةِ بَيْنَ الحَيَوانِ كُلِّهِ، بَلْ بَيْنَ الحَيَوانِ والنَّباتِ، ولِلْحَياةِ مَراتِبُ ونَحْنُ نُشِيرُ إلَيْها.
المَرْتَبَةُ الأُولى: حَياةُ الأرْضِ بِالنَّباتِ، قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ [النحل: ٦٥]، وقالَ في الماءِ: ﴿وَأحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الخُرُوجُ﴾ [ق: ١١]، وقالَ: ﴿وَأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ [الفرقان: ٤٨] وجَعَلَ هَذِهِ الحَياةَ دَلِيلًا عَلى الحَياةِ يَوْمَ المَعادِ، وهَذِهِ حَياةٌ حَقِيقَةٌ في هَذِهِ المَرْتَبَةِ، مُسْتَعْمَلَةٌ في كُلِّ لُغَةٍ، جارِيَةً عَلى ألْسُنِ الخاصَّةِ والعامَّةِ، قالَ الشّاعِرُ يَمْدَحُ عَبْدَ المُطَّلِبِ:
؎بِشَيْبَةِ الحَمْدِ أحْيا اللَّهُ بَلْدَتَنا ∗∗∗ لَمّا فَقَدْنا الحَيا واجْلَوَّزَ المَطَرُ
وَهَذا أكْثَرُ مِن أنْ نَذْكُرَ شَواهِدَهُ.
المَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ: حَياةُ النُّمُوِّ والِاغْتِذاءِ. وهَذِهِ الحَياةُ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ النَّباتِ والحَيَوانِ الَّذِي يَعِيشُ بِالغِذاءِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠].
وَقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في الشُّعُورِ: هَلْ تُحِلُّها الحَياةُ؟ عَلى قَوْلَيْنِ، والصَّوابُ: أنَّها تُحِلُّها حَياةُ النُّمُوِّ والغِذاءِ، دُونَ الحِسِّ والحَرَكَةِ، ولِهَذا لا تُنَجَّسُ بِالمَوْتِ، إذْ لَوْ أوْجَبَ لَها فِراقُ النُّمُوِّ والِاغْتِذاءِ النَّجاسَةَ، لَنَجَسَ الزَّرْعُ والشَّجَرُ لِمُفارَقَتِهِ هَذِهِ الحَياةُ لَهُ، ولِهَذا كانَ الجُمْهُورُ عَلى أنَّ الشُّعُورَ لا تَنْجُسُ بِالمَوْتِ.
المَرْتَبَةُ الثّالِثَةُ: حَياةُ الحَيَوانِ المُتَغَذِّي بِقَدْرٍ زائِدٍ عَلى نُمُوِّهِ واغْتِذائِهِ، وهي إحْساسُهُ وحَرَكَتُهُ، ولِهَذا يَأْلَمُ بِوُرُودِ الكَيْفِيّاتِ المُؤْلِمَةِ عَلَيْهِ، وبِتَفَرُّقِ الِاتِّصالِ، ونَحْوِ ذَلِكَ، وهَذِهِ الحَياةُ فَوْقَ حَياةِ النَّباتِ، وهَذِهِ الحَياةُ تَقْوى وتَضْعُفُ في الحَيَوانِ الواحِدِ بِحَسَبِ أحْوالِهِ، فَحَياتُهُ بَعْدَ الوِلادَةِ: أكْمَلُ مِنها وهو جَنِينٌ في بَطْنِ أُمِّهِ، وحَياتُهُ وهو صَحِيحٌ مُعافى أكْمَلُ مِنها وهو سَقِيمٌ عَلِيلٌ.
فَنَفْسُ هَذِهِ الحَياةِ تَتَفاوَتُ تَفاوُتًا عَظِيمًا في مَحالِّها، فَحَياةُ الحَيَّةِ أكْمَلُ مِن حَياةِ البَعُوضَةِ، ومَن قالَ غَيْرَ هَذا فَقَدَ كابَرَ الحِسَّ والعَقْلَ.
المَرْتَبَةُ الرّابِعَةُ: حَياةُ الحَيَوانِ الَّذِي لا يَتَغَذّى بِالطَّعامِ والشَّرابِ، كَحَياةِ المَلائِكَةِ، وحَياةِ الأرْواحِ بَعْدَ مُفارَقَتِها لِأبْدانِها، فَإنَّ حَياتَها أكْمَلُ مِن حَياةِ الحَيَوانِ المُتَغَذِّي، ولِهَذا لا يَلْحَقُها كَلالٌ ولا فُتُورٌ، ولا نَوْمٌ ولا إعْياءٌ، قالَ تَعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠] وكَذَلِكَ الأرْواحُ إذا تَخَلَّصَتْ مِن هَذِهِ الأبْدانِ، وتَجَرَّدَتْ: صارَ لَها حَياةٌ أُخْرى أكْمَلُ مِن هَذِهِ إنْ كانَتْ سَعِيدَةً، وإنْ كانَتْ شَقِيَّةً كانَتْ عامِلَةً ناصِبَةً في العَذابِ.
المَرْتَبَةُ الخامِسَةُ: الحَياةُ الَّتِي أشارَ إلَيْها المُصَنِّفُ، وهي حَياةُ العِلْمِ مِن مَوْتِ الجَهْلِ، فَإنَّ الجَهْلَ مَوْتٌ لِأصْحابِهِ، كَما قِيلَ:
؎وَفِي الجَهْلِ قَبْلَ المَوْتِ مَوْتٌ لِأهْلِهِ ∗∗∗ وأجْسامُهم قَبْلَ القُبُورِ قُبُورُ
؎وَأرْواحُهم في وحْشَةٍ مِن جُسُومِهِمْ ∗∗∗ فَلَيْسَ لَهم حَتّى النُّشُورِ نُشُورُ
فَإنَّ الجاهِلَ مَيِّتُ القَلْبِ والرُّوحِ، وإنْ كانَ حَيَّ البَدَنِ فَجَسَدُهُ قَبْرٌ يَمْشِي بِهِ عَلى وجْهِ الأرْضِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها﴾ [الأنعام: ١٢٢]، وقالَ تَعالى: ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ وقُرْآنٌ مُبِينٌ - لِيُنْذِرَ مَن كانَ حَيًّا ويَحِقَّ القَوْلُ عَلى الكافِرِينَ﴾ [يس: ٦٩-٧٠] وقالَ تَعالى: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ﴾ [النمل: ٨٠]، وقالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشاءُ وما أنْتَ بِمُسْمِعٍ مَن في القُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢]
وَشَبَّهَهم في مَوْتِ قُلُوبِهِمْ بِأهْلِ القُبُورِ، فَإنَّهم قَدْ ماتَتْ أرْواحُهُمْ، وصارَتْ أجْسامُهم قُبُورًا لَها، فَكَما أنَّهُ لا يَسْمَعُ أصْحابُ القُبُورِ، كَذَلِكَ لا يَسْمَعُ هَؤُلاءِ، وإذا كانَتِ الحَياةُ هي الحِسُّ والحَرَكَةُ ومَلْزُومُهُما، فَهَذِهِ القُلُوبُ لَمّا لَمْ تُحِسَّ بِالعِلْمِ والإيمانِ، ولَمْ تَتَحَرَّكْ لَهُ: كانَتْ مَيْتَةً حَقِيقِةً، ولَيْسَ هَذا تَشْبِيهًا لِمَوْتِها بِمَوْتِ البَدَنِ، بَلْ ذَلِكَ مَوْتُ القَلْبِ والرُّوحِ.
وَقَدْ ذَكَرَ الإمامُ أحْمَدُ في كِتابِ الزُّهْدِ مِن كَلامِ لُقْمانَ، أنَّهُ قالَ لِابْنِهِ: يا بُنَيَّ جالِسِ العُلَماءَ، وزاحِمْهم بِرُكْبَتَيْكَ، فَإنَّ اللَّهَ يُحْيِي القُلُوبَ بِنُورِ الحِكْمَةِ، كَما يُحْيِي الأرْضَ بِوابِلِ القَطْرِ، وقالَ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ تَعَلَّمُوا العِلْمَ، فَإنَّ تَعَلُّمَهُ لِلَّهِ خَشْيَةٌ، وطَلَبَهُ عِبادَةٌ، ومُذاكَرَتَهٌ تَسْبِيحٌ، والبَحْثَ عَنْهُ جِهادٌ، وتَعْلِيمَهُ لِمَن لا يَعْلَمُهُ صَدَقَةٌ، وبَذْلَهُ لِأهْلِهِ قُرْبَةٌ؛ لِأنَّهُ مَعالِمُ الحَلالِ والحَرامِ، ومَنارُ سُبُلِ أهْلِ الجَنَّةِ، وهو الأنِيسُ في الوَحْشَةِ، والصّاحِبُ في الغُرْبَةِ، والمُحَدِّثُ في الخَلْوَةِ، والدَّلِيلُ عَلى السَّرّاءِ والضَّرّاءِ، والسِّلاحُ عَلى الأعْداءِ، والزَّيْنُ عِنْدَ الأخِلّاءِ، يَرْفَعُ اللَّهُ بِهِ أقْوامًا، فَيَجْعَلُهم في الخَيْرِ قادَةً، وأئِمَّةً تُقْتَصُّ آثارُهُمْ، ويُقْتَدى بِأفْعالِهِمْ، ويُنْتَهى إلى رَأْيِهِمْ، تَرْغَبُ المَلائِكَةُ في خُلَّتِهِمْ، وبِأجْنِحَتِها تَمْسَحُهُمْ، يَسْتَغْفِرُ لَهم كُلُّ رَطْبٍ ويابِسٍ، وحِيتانُ البَحْرِ وهَوامُّهُ، وسِباعُ البَرِّ وأنْعامُهُ؛ لِأنَّ العِلْمَ حَياةُ القُلُوبِ مِنَ الجَهْلِ، ومَصابِيحُ الأبْصارِ مِنَ الظُّلَمِ، يَبْلُغُ العَبْدُ بِالعِلْمِ مَنازِلَ الأخْيارِ، والدَّرَجاتِ العُلى في الدُّنْيا والآخِرَةِ، التَّفَكُّرُ فِيهِ يَعْدِلُ الصِّيامَ، ومُدارَسَتُهُ تَعْدِلُ القِيامَ، بِهِ تُوصَلُ الأرْحامُ، وبِهِ يُعْرَفُ الحَلالُ مِنَ الحَرامِ، وهو إمامُ العَمَلِ، والعَمَلُ تابِعٌ لَهُ يُلْهَمُهُ السُّعَداءُ، ويُحْرَمُهُ الأشْقِياءَ. رَواهُ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ عَبْدِ البَرِّ وغَيْرُهُما، وقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ ﷺ، والوَقْفُ أصَحُّ.
والمَقْصُودُ: قَوْلُهُ؛ لِأنَّ العِلْمَ حَياةُ القُلُوبِ مِنَ الجَهْلِ فالقَلْبُ مَيِّتٌ، وحَياتُهُ بِالعِلْمِ والإيمانِ.
المَرْتَبَةُ السّادِسَةُ: حَياةُ الإرادَةِ والهِمَّةِ.
وَضَعْفُ الإرادَةِ والطَّلَبِ: مِن ضَعْفِ حَياةِ القَلْبِ، وكُلَّما كانَ القَلْبُ أتَمَّ حَياةٍ، كانَتْ هِمَّتُهُ أعْلى وإرادَتُهُ ومَحَبَّتُهُ أقْوى، فَإنَّ الإرادَةَ والمَحَبَّةَ تَتْبَعُ الشُّعُورَ بِالمُرادِ المَحْبُوبِ، وسَلامَةُ القَلْبِ مِنَ الآفَةِ الَّتِي تَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ طَلَبِهِ وإرادَتِهِ، فَضَعْفُ الطَّلَبِ، وفُتُورُ الهِمَّةِ إمّا مِن نُقْصانِ الشُّعُورِ والإحْسانِ، وإمّا مِن وُجُودِ الآفَةِ المُضْعِفَةِ لِلْحَياةِ، فَقُوَّةُ الشُّعُورِ، وقُوَّةُ الإرادَةِ دَلِيلٌ عَلى قُوَّةِ الحَياةِ، وضَعْفُها دَلِيلٌ عَلى ضَعْفِها، وكَما أنَّ عُلُوَّ الهِمَّةِ، وصِدْقَ الإرادَةِ والطَّلَبِ مِن كَمالِ الحَياةِ: فَهو سَبَبٌ إلى حُصُولِ أكْمَلِ الحَياةِ وأطْيَبِها، فَإنَّ الحَياةَ الطَّيِّبَةَ إنَّما تُنالُ بِالهِمَّةِ العالِيَةِ، والمَحَبَّةِ الصّادِقَةِ، والإرادَةِ الخالِصَةِ، فَعَلى قَدْرِ ذَلِكَ تَكُونُ الحَياةُ الطَّيِّبَةُ، وأخَسُّ النّاسِ حَياةً أخَسُّهم هِمَّةً، وأضْعَفُهم مَحَبَّةً وطَلَبًا، وحَياةُ البَهائِمِ خَيْرٌ مِن حَياتِهِ. كَما قِيلَ:
؎نَهارُكَ يا مَغْرُورُ سَهْوٌ وغَفْلَةٌ ∗∗∗ ولَيْلُكُ نَوْمٌ والرَّدى لَكَ لازِمُ
؎وَتَكْدَحُ فِيما سَوْفَ تُنْكِرُ غِبَّهُ ∗∗∗ كَذَلِكَ في الدُّنْيا تَعِيشُ البَهائِمُ
؎تُسَرُّ بِما يَفْنى وتَفْرَحُ بِالمُنى ∗∗∗ كَما غُرَّ بِاللَّذّاتِ في النَّوْمِ حالِمُ
والمَقْصُودُ: أنَّ حَياةَ القَلْبِ بِالعِلْمِ والإرادَةِ والهِمَّةِ، والنّاسُ إذا شاهَدُوا ذَلِكَ مِنَ الرَّجُلِ قالُوا: هو حَيُّ القَلْبِ، وحَياةُ القَلْبِ بِدَوامِ الذِّكْرِ، وتَرْكِ الذُّنُوبِ، كَما قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبارَكِ. رَحِمَهُ اللَّهُ:
؎رَأيْتُ الذُّنُوبَ تُمِيتُ القُلُوبَ ∗∗∗ وقَدْ يُورِثُ الذُّلَّ إدْمانُها
؎وَتَرْكُ الذُّنُوبِ حَياةُ القُلُوبِ ∗∗∗ وخَيْرٌ لِنَفْسِكَ عِصْيانُهُا
؎وَهَلْ أفْسَدَ الدِّينَ إلّا المُلُو ∗∗∗ كُ وأحْبارُ سُوءٍ ورُهْبانُها
؎وَباعُوا النُّفُوسَ ولَمْ يَرْبَحُوا ∗∗∗ ولَمْ يَغْلُ في البَيْعِ أثْمانُها
؎فَقَدْ رَتَعَ القَوْمُ في جِيفَةٍ ∗∗∗ يَبِينُ لِذِي اللُّبِّ خُسْرانُها
وَسَمِعْتُ شَيْخَ الإسْلامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ: مَن واظَبَ عَلى " يا حَيُّ يا قَيُّومُ. لا إلَهَ إلّا أنْتَ " كَلَّ يَوْمٍ بَيْنَ سُنَّةِ الفَجْرِ وصَلاةِ الفَجْرِ أرْبَعِينَ مَرَّةً أحْيى اللَّهُ بِها قَلْبَهُ.
وَكَما أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ جَعَلَ حَياةَ البَدَنِ بِالطَّعامِ والشَّرابِ، فَحَياةُ القَلْبِ بِدَوامِ الذِّكْرِ، والإنابَةِ إلى اللَّهِ، وتَرْكِ الذُّنُوبِ، والغَفْلَةِ الجاثِمَةِ عَلى القَلْبِ، والتَّعَلُّقِ بِالرَّذائِلِ والشَّهَواتِ المُنْقَطِعَةِ عَنْ قَرِيبٍ يُضْعِفُ هَذِهِ الحَياةَ، ولا يَزالُ الضَّعْفُ يَتَوالى عَلَيْهِ حَتّى يَمُوتَ، وعَلامَةُ مَوْتِهِ: أنَّهُ لا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، ولا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، كَما قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ أتَدْرُونَ مَن مَيِّتُ القَلْبِ الَّذِي قِيلَ فِيهِ:
؎لَيْسَ مَن ماتَ فاسْتَراحَ بِمَيِّتٍ ∗∗∗ إنَّما المَيِّتُ مَيِّتُ الأحْياءِ
قالُوا: ومَن هُوَ؟ قالَ: الَّذِي لا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا ولا يُنْكِرُ مُنْكَرًا.
والرَّجُلُ: هو الَّذِي يَخافُ مَوْتَ قَلْبِهِ، لا مَوْتَ بَدَنِهِ، إذْ أكْثَرُ هَؤُلاءِ الخَلْقِ يَخافُونَ مَوْتَ أبْدانِهِمْ، ولا يُبالُونَ بِمَوْتِ قُلُوبِهِمْ، ولا يَعْرِفُونَ مِنَ الحَياةِ إلّا الحَياةَ الطَّبِيعِيَّةَ، وذَلِكَ مِن مَوْتِ القَلْبِ والرُّوحِ، فَإنَّ هَذِهِ الحَياةَ الطَّبِيعِيَّةَ شَبِيهَةٌ بِالظِّلِّ الزّائِلِ، والنَّباتِ السَّرِيعِ الجَفافِ، والمَنامِ الَّذِي يُخَيَّلُ كَأنَّهُ حَقِيقَةٌ، فَإذا اسْتَيْقَظَ عَرَفَ أنَّهُ كانَ خَيالًا، كَما قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَوْ أنَّ الحَياةَ الدُّنْيا مِن أوَّلِها إلى آخِرِها أُوتِيَها رَجُلٌ واحِدٌ، ثُمَّ جاءَهُ المَوْتُ: لَكانَ بِمَنزِلَةِ مَن رَأى في مَنامِهِ ما يَسُرُّهُ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ، فَإذا لَيْسَ في يَدِهِ شَيْءٌ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ المَوْتَ مَوْتانِ: مَوْتٌ إرادِيٌّ، ومَوْتٌ طَبِيعِيٌّ، فَمَن أماتَ نَفْسَهُ مَوْتًا إرادِيًّا كانَ مَوْتُهُ الطَّبِيعِيُّ حَياةً لَهُ، ومَعْنى هَذا أنَّ المَوْتَ الإرادِيَّ: هو قَمْعُ الشَّهَواتِ المُرْدِيَةِ، وإخْمادُ نِيرانِها المُحْرِقَةِ، وتَسْكِينُ هَوائِجِها المُتْلِفَةِ، فَحِينَئِذٍ يَتَفَرَّغُ القَلْبُ والرُّوحُ لِلتَّفَكُّرِ فِيما فِيهِ كَمالُ العَبْدِ، ومَعْرِفَتِهِ، والِاشْتِغالِ بِهِ. ويَرى حِينَئِذٍ أنَّ إيثارَ الظِّلِّ الزّائِلِ عَنْ قَرِيبٍ عَلى العَيْشِ اللَّذِيذِ الدّائِمِ أخْسَرُ الخُسْرانِ، فَأمّا إذا كانَتِ الشَّهَواتُ وافِدَةً، واللَّذّاتُ مُؤْثَرَةً، والعَوائِدُ غالِبَةً، والطَّبِيعَةُ حاكِمَةً، فالقَلْبُ حِينَئِذٍ إمّا أنْ يَكُونَ أسِيرًا ذَلِيلًا، أوْ مَهْزُومًا مُخْرَجًا عَنْ وطَنِهِ ومُسْتَقَرِّهِ الَّذِي لا قَرارَ لَهُ إلّا فِيهِ أوْ قَتِيلًا مَيِّتًا، وما لِجُرْحٍ بِهِ إيلامٌ، وأحْسَنُ أحْوالِهِ: أنْ يَكُونَ في حَرْبٍ، يُدالُ لَهُ فِيها مَرَّةً، ويُدالُ عَلَيْهِ مَرَّةً، فَإذا ماتَ العَبْدُ مَوْتَهُ الطَّبِيعِيَّ، كانَتْ بَعْدَهُ حَياةُ رُوحِهِ بِتِلْكَ العُلُومِ النّافِعَةِ، والأعْمالِ الصّالِحَةِ، والأحْوالِ الفاضِلَةِ الَّتِي حَصَلَتْ لَهُ بِإماتَةِ نَفْسِهِ، فَتَكُونُ حَياتُهُ هاهُنا عَلى حَسَبِ مَوْتِهِ الإرادِيِّ في هَذِهِ الدّارِ.
وَهَذا مَوْضِعٌ لا يَفْهَمُهُ إلّا ألِبّاءُ النّاسِ وعُقَلاؤُهُمْ، ولا يَعْمَلُ بِمُقْتَضاهُ إلّا أهْلُ الهِمَمِ العَلِيَّةِ، والنُّفُوسِ الزَّكِيَّةِ الأبِيَّةِ.
المَرْتَبَةُ السّابِعَةُ مِن مَراتِبِ الحَياةِ:
حَياةُ الأخْلاقِ، والصِّفاتُ المَحْمُودَةُ، الَّتِي هي حَياةٌ راسِخَةٌ لِلْمَوْصُوفِ بِها، فَهو لا يَتَكَلَّفُ التَّرَقِّيَ في دَرَجاتِ الكَمالِ، ولا يَشُقُّ عَلَيْهِ، لِاقْتِضاءِ أخْلاقِهِ وصِفاتِهِ لِذَلِكَ، بِحَيْثُ لَوْ فارَقَهُ ذَلِكَ لَفارَقَ ما هو مِن طَبِيعَتِهِ وسَجِيَّتِهِ، فَحَياةُ مَن قَدْ طُبِعَ عَلى الحَياءِ والعِفَّةِ والجُودِ والسَّخاءِ، والمُرُوءَةِ والصِّدْقِ والوَفاءِ ونَحْوِها أتَمُّ مِن حَياةِ مَن يَقْهَرُ نَفْسَهُ، ويُغالِبُ طَبْعَهُ، حَتّى يَكُونَ كَذَلِكَ، فَإنَّ هَذا بِمَنزِلَةِ مَن تُعارِضُهُ أسْبابُ الدّاءِ وهو يُعالِجُها ويَقْهَرُها بِأضْدادِها، وذَلِكَ بِمَنزِلَةِ مَن قَدْ عُوفِيَ مِن ذَلِكَ.
وَكُلَّما كانَتْ هَذِهِ الأخْلاقُ في صاحِبِها أكْمَلَ كانَتْ حَياتُهُ أقْوى وأتَمَّ، ولِهَذا كانَ خَلْقُ الحَياءِ مُشْتَقًّا مِنَ الحَياةِ اسْمًا وحَقِيقَةً، فَأكْمَلُ النّاسِ حَياةً: أكْمَلُهم حَياءً، ونُقْصانُ حَياءِ المَرْءِ مِن نُقْصانِ حَياتِهِ، فَإنَّ الرُّوحَ إذا ماتَتْ لَمْ تُحِسَّ بِما يُؤْلِمُها مِنَ القَبائِحِ، فَلا تَسْتَحِي مِنها، فَإذا كانَتْ صَحِيحَةَ الحَياةِ أحَسَّتْ بِذَلِكَ، فاسْتَحْيَتْ مِنهُ، وكَذَلِكَ سائِرُ الأخْلاقِ الفاضِلَةِ، والصِّفاتِ المَمْدُوحَةِ تابِعَةٌ لِقُوَّةِ الحَياةِ، وضِدِّها مِن نُقْصانِ الحَياةِ، ولِهَذا كانَتْ حَياةُ الشُّجاعِ أكْمَلَ مِن حَياةِ الجَبانِ، وحَياةُ السَّخِيِّ أكْمَلَ مِن حَياةِ البَخِيلِ، وحَياةُ الفَطِنِ الذَّكِيِّ أكْمَلَ مِن حَياةِ الفَدْمِ البَلِيدِ، ولِهَذا لَمّا كانَ الأنْبِياءُ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ أكْمَلَ النّاسِ حَياةً حَتّى إنَّ قُوَّةَ حَياتِهِمْ تَمْنَعُ الأرْضَ أنْ تُبْلِيَ أجْسامَهم كانُوا أكْمَلَ النّاسِ في هَذِهِ الأخْلاقِ، ثُمَّ الأمْثَلُ فالأمْثَلُ مِن أتْباعِهِمْ.
فانْظُرِ الآنَ إلى حَياةِ ﴿حَلّافٍ مَهِينٍ هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١٠]، ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ [القلم: ١٢]، ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم: ١٣]، وحَياةُ جَوّادٍ شُجاعٍ، بَرٍّ عادِلٍ عَفِيفٍ مُحْسِنٍ تَجِدُ الأوَّلَ مَيِّتًا بِالنِّسْبَةِ إلى الثّانِي، ولِلَّهِ دَرُّ القائِلِ:
؎وَما لِلْمَرْءِ خَيْرٌ في حَياةٍ ∗∗∗ إذا ما عُدَّ مَن سَقْطِ المَتاعِ
المَرْتَبَةُ الثّامِنَةُ مِن مَراتِبِ الحَياةِ: حَياةُ الفَرَحِ والسُّرُورِ، وقُرَّةُ العَيْنِ بِاللَّهِ، وهَذِهِ الحَياةُ إنَّما تَكُونُ بَعْدَ الظَّفَرِ بِالمَطْلُوبِ، الَّذِي تَقَرُّ بِهِ عَيْنُ طالِبِهِ، فَلا حَياةَ نافِعَةً لَهُ بِدُونِهِ، وحَوْلَ هَذِهِ الحَياةِ يُدَنْدِنُ النّاسُ كُلُّهُمْ، وكُلُّهم قَدْ أخْطَأ طَرِيقَها، وسَلَكَ طُرُقًا لا تُفْضِي إلَيْها، بَلْ تَقْطَعُهُ عَنْها، إلّا أقَلَّ القَلِيلِ.
فَدارَ طَلَبُ الكُلِّ حَوْلَ هَذِهِ الحَياةِ، وحُرِمَها أكْثَرُهم.
وَسَبَبُ حِرْمانِهِمْ إيّاها: ضَعْفُ العَقْلِ والتَّمْيِيزِ والبَصِيرَةِ، وضَعْفُ الهِمَّةِ والإرادَةِ، فَإنَّ مادَّتَها بَصِيرَةٌ وقادَةٌ، وهِمَّةٌ نَقّادَةٌ، والبَصِيرَةُ كالبَصَرِ تَكُونُ عَمًى وعَوَرًا وعَمَشًا ورَمَدًا، وتامَّةَ النُّورِ والضِّياءِ، وهَذِهِ الآفاتُ قَدْ تَكُونُ لَها بِالخِلْقَةِ في الأصْلِ، وقَدْ تَحْدُثُ فِيها بِالعَوارِضِ الكَسْبِيَّةِ.
والمَقْصُودُ: أنَّ هَذِهِ المَرْتَبَةَ مِن مَراتِبِ الحَياةِ هي أعْلى مَراتِبِها، ولَكِنْ كَيْفَ يَصِلُ إلَيْها مَن عَقْلُهُ مَسْبِيٌّ في بِلادِ الشَّهَواتِ، وأمَلُهُ مَوْقُوفٌ عَلى اجْتِناءِ اللَّذّاتِ، وسِيرَتُهُ جارِيَةٌ عَلى أسْوَأِ العاداتِ، ودِينُهُ مُسْتَهْلَكٌ بِالمَعاصِي والمُخالَفاتِ، وهِمَّتُهُ واقِفَةٌ مَعَ السُّفْلِيّاتِ، وعَقِيدَتُهُ غَيْرُ مُتَلَقّاةٍ مِن مِشْكاةِ النُّبُوّاتِ؟!
فَهُوَ في الشَّهَواتِ مُنْغَمِسٌ، وفي الشُّبْهاتِ مُنْتَكِسٌ، وعَنِ النّاصِحِ مُعْرِضٌ، وعَلى المُرْشِدِ مُعْتَرِضٌ، وعَنِ السَّرّاءِ نائِمٌ، وقَلْبُهُ في كُلِّ وادٍ هائِمٌ، فَلَوْ أنَّهُ تَجَرَّدَ مِن نَفْسِهِ، ورَغِبَ عَنْ مُشارَكَةِ أبْناءِ جِنْسِهِ، وخَرَجَ مِن ضِيقِ الجَهْلِ إلى فَضاءِ العِلْمِ، ومِن سِجْنِ الهَوى إلى ساحَةِ الهُدى، ومِن نَجاسَةِ النَّفْسِ، إلى طَهارَةِ القُدْسِ لَرَأى الإلْفَ الَّذِي نَشَأ بِنَشْأتِهِ، وزادَ بِزِيادَتِهِ، وقَوِيَ بِقُوَّتِهِ، وشَرُفَ عِنْدَ نَفْسِهِ وأبْناءِ جِنْسِهِ بِحُصُولِهِ، وسَدِّ قَذًى في عَيْنِ بَصِيرَتِهِ، وشَجا في حَلْقِ إيمانِهِ، ومَرَضًا مُتَرامِيًا إلى هَلاكِهِ،
فَإنْ قُلْتَ: قَدْ أشَرْتَ إلى حَياةٍ غَيْرِ مَعْهُودَةٍ بَيْنَ أمْواتِ الأحْياءِ، فَهَلْ يُمْكِنُكَ وصْفُ طَرِيقِها، لِأصِلَ إلى شَيْءٍ مِن أذْواقِها، فَقَدْ بانَ لِيَ أنَّ ما نَحْنُ فِيهِ مِنَ الحَياةِ حَياةٌ بَهِيمِيَّةٌ، رُبَّما زادَتْ عَلَيْنا فِيهِ البَهائِمُ بِخُلُوِّها عَنِ المُنْكَراتِ والمُنَغِّصاتِ وسَلامَةِ العاقِبَةِ؟
قُلْتُ: لَعَمْرُ اللَّهِ إنَّ اشْتِياقَكَ إلى هَذِهِ الحَياةِ، وطَلَبَ عِلْمِها ومَعْرِفَتِها: لَدَلِيلٌ عَلى حَياتِكَ، وأنَّكَ لَسْتَ مِن جُمْلَةِ الأمْواتِ.
فَأوَّلُ طَرِيقِها: أنْ تَعْرِفَ اللَّهَ، وتَهْتَدِيَ إلَيْهِ طَرِيقًا يُوَصِّلُكَ إلَيْهِ، ويُحْرِقُ ظُلُماتِ الطَّبْعِ بِأشِعَّةِ البَصِيرَةِ، فَيَقُومُ بِقَلْبِهِ شاهِدٌ مِن شَواهِدِ الآخِرَةِ، فَيَنْجَذِبُ إلَيْها بِكُلِّيَّتِهِ، ويَزْهَدُ في التَّعَلُّقاتِ الفانِيَةِ، ويَدْأبُ في تَصْحِيحِ التَّوْبَةِ، والقِيامِ بِالمَأْمُوراتِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ، وتَرْكِ المَنهِيّاتِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ، ثُمَّ يَقُومُ حارِسًا عَلى قَلْبِهِ، فَلا يُسامِحُهُ بِخَطْرَةٍ يَكْرَهُها اللَّهُ، ولا بِخَطْرَةِ فُضُولٍ لا تَنْفَعُهُ، فَيَصْفُو بِذَلِكَ قَلْبُهُ عَنْ حَدِيثِ النَّفْسِ ووَسْواسِها، فَيُفْدى مِن أسْرِها، ويَصِيرُ طَلِيقًا، فَحِينَئِذٍ يَخْلُو قَلْبُهُ بِذِكْرِ رَبِّهِ، ومَحَبَّتِهِ والإنابَةِ إلَيْهِ، ويَخْرُجُ مِن بَيْنِ بُيُوتِ طَبْعِهِ ونَفْسِهِ، إلى فَضاءِ الخُلْوَةِ بِرَبِّهِ وذِكْرِهِ، كَما قِيلَ:
؎وَأخْرُجُ مِن بَيْنِ البُيُوتِ لَعَلَّنِي ∗∗∗ أُحَدِّثُ عَنْكَ النَّفْسَ في السِّرِّ خالِيًا
فَحِينَئِذٍ يَجْتَمِعُ قَلْبُهُ وخَواطِرُهُ وحَدِيثُ نَفْسِهِ عَلى إرادَةِ رَبِّهِ، وطَلَبِهِ والشَّوْقِ إلَيْهِ.
فَإذا صَدَقَ في ذَلِكَ رُزِقَ مَحَبَّةَ الرَّسُولِ ﷺ، واسْتَوْلَتْ رُوحانِيَّتُهُ عَلى قَلْبِهِ، فَجَعَلَهُ إمامَهُ ومُعَلِّمَهُ، وأُسْتاذَهُ وشَيْخَهُ وقُدْوَتَهُ، كَما جَعَلَهُ اللَّهُ نَبِيَّهُ ورَسُولَهُ وهادِيًا إلَيْهِ، فَيُطالِعُ سِيرَتَهُ ومَبادِئَ أمْرِهِ، وكَيْفِيَّةَ نُزُولِ الوَحْيِ عَلَيْهِ، ويَعْرِفُ صِفاتِهُ وأخْلاقَهُ، وآدابَهُ في حَرَكاتِهِ وسُكُونِهِ ويَقَظَتِهِ ومَنامِهِ، وعِبادَتِهِ ومُعاشَرَتِهِ لِأهْلِهِ وأصْحابِهِ، حَتّى يَصِيرَ كَأنَّهُ مَعَهُ مِن بَعْضِ أصْحابِهِ.
فَإذا رَسَخَ قَلْبُهُ في ذَلِكَ: فَتَحَ عَلَيْهِ بِفَهْمِ الوَحْيِ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ مِن رَبِّهِ، بِحَيْثُ لَوْ قَرَأ السُّورَةَ شاهَدَ قَلْبُهُ ما أُنْزِلَتْ فِيهِ، وما أُرِيدَ بِها، وحَظَّهُ المُخْتَصَّ بِهِ مِنها مِنَ الصِّفاتِ والأخْلاقِ والأفْعالِ المَذْمُومَةِ، فَيَجْتَهِدُ في التَّخَلُّصِ مِنها كَما يَجْتَهِدُ في الشِّفاءِ مِنَ المَرَضِ المَخُوفِ، وشاهَدَ حَظَّهُ مِنَ الصِّفاتِ والأفْعالِ المَمْدُوحَةِ، فَيَجْتَهِدُ في تَكْمِيلِها وإتْمامِها.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences