Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:122–124, continued
وَأمّا تِرْحالُنا أيُّها المُسْلِمُونَ المُصَدِّقُونَ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ فَإلى نَعِيمٍ دائِمٍ، وخُلُودٍ مُتَّصِلٍ، ومَقامٍ كَرِيمٍ، وجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ في جِوارِ رَبِّ العالَمِينَ، وأرْحَمِ الرّاحِمِينَ، وأقْدَرِ القادِرِينَ، وأحْكَمِ الحاكِمِينَ، الَّذِي لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ، وبِيَدِهِ النَّفْعُ والضُّرُّ، الأوَّلُ بِالحَقِّ، المَوْجُودُ بِالضَّرُورَةِ، المَعْرُوفُ بِالفِطْرَةِ، الَّذِي أقَرَّتْ بِهِ العُقُولُ، ودَلَّتْ عَلَيْهِ المَوْجُوداتُ، وشَهِدَتْ بِوَحْدانِيَّتِهِ ورُبُوبِيَّتِهِ جَمِيعُ المَخْلُوقاتِ، وأقَرَّتْ بِها الفِطَرُ، المَشْهُودُ وجُودُهُ وقَيُّومِيَّتُهُ بِكُلِّ حَرَكَةٍ وسُكُونٍ، بِكُلِّ ما كانَ وما هو كائِنٌ وما سَيَكُونُ، الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ مِن أنْواعِ النَّباتاتِ، وبَثَّ بِهِ في الأرْضِ جَمِيعَ الحَيَواناتِ ﴿أمَّنْ جَعَلَ الأرْضَ قَرارًا وجَعَلَ خِلالَها أنْهارًا وجَعَلَ لَها رَواسِيَ وجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ حاجِزًا﴾ [النمل: ٦١] الَّذِي يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ، ويُغِيثُ المَلْهُوفَ إذا ناداهُ ويَكْشِفُ السُّوءَ ويُفَرِّجُ الكُرُباتِ، ويُقِيلُ العَثَراتِ، الَّذِي يَهْدِي خَلْقَهُ في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ، ويُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ، فَيُحْيِي الأرْضَ بِوابِلِ القَطْرِ، الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ، ويَرْزُقُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ مِن خَلْقِهِ وعَبِيدِهِ، الَّذِي يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ، ويُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ، ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ، ويُدَبِّرُ الأمْرَ ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وهو يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ - الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ولَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٨٨-٢] المُسْتَعانُ بِهِ عَلى كُلِّ نائِبَةٍ وفادِحَةٍ، والمَعْهُودُ مِنهُ كُلُّ بِرٍّ وكَرامَةٍ، الَّذِي عَنَتْ لَهُ الوُجُوهُ، وخَشَعَتْ لَهُ الأصْواتُ، وسَبَّحَتْ بِحَمْدِهِ الأرْضُ والسَّماواتُ وجَمِيعُ المَوْجُوداتِ، الَّذِي لا تَسْكُنُ الأرْواحُ إلّا بِحُبِّهِ، ولا تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ إلّا بِذِكْرِهِ، ولا تَزْكُو العُقُولُ إلّا بِمَعْرِفَتِهِ، ولا يُدْرَكُ النَّجاحُ إلّا بِتَوْفِيقِهِ، ولا تَحْيا القُلُوبُ إلّا بِنَسِيمِ لُطْفِهِ وقُرْبِهِ، ولا يَقَعُ أمْرٌ إلّا بِإذْنِهِ، ولا يَهْتَدِي ضالٌّ إلّا بِهِدايَتِهِ، ولا يَسْتَقِيمُ ذُو أوَدٍ إلّا بِتَقْوِيمِهِ، ولا يَفْهَمُ أحَدٌ إلّا بِتَفْهِيمِهِ، ولا يُتَخَلَّصُ مِن مَكْرُوهٍ إلّا بِرَحْمَتِهِ، ولا يُحْفَظُ شَيْءٌ إلّا بِكِلاءَتِهِ، ولا يُفْتَتَحُ أمْرٌ إلّا بِاسْمِهِ، ولا يَتِمُّ إلّا بِحَمْدِهِ، ولا يُدْرَكُ مَأْمُولٌ إلّا بِتَيْسِيرِهِ، ولا تُنالُ سَعادَةٌ إلّا بِطاعَتِهِ، ولا حَياةٌ إلّا بِذِكْرِهِ ومَحَبَّتِهِ ومَعْرِفَتِهِ، ولا طابَتِ الجَنَّةُ إلّا بِسَماعِ خِطابِهِ ورُؤْيَتِهِ، الَّذِي وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا، وأوْسَعَ كُلَّ مَخْلُوقٍ فَضْلًا وبِرًّا.
فَهُوَ الإلَهُ الحَقُّ، والرَّبُّ الحَقُّ، والمَلِكُ الحَقُّ، والمُنْفَرِدُ بِالكَمالِ المُطْلَقِ مِن كُلِّ الوُجُوهِ، المُبَرَّأُ عَنِ النَّقائِصِ والعُيُوبِ مِن كُلِّ الوُجُوهِ، لا يَبْلُغُ المُثْنُونَ وإنِ اسْتَوْعَبُوا جَمِيعَ الأوْقاتِ بِكُلِّ أنْواعِ الثَّناءِ ثَناءً عَلَيْهِ، بَلْ ثَناؤُهُ أعْظَمُ مِن ذَلِكَ، فَهو كَما أثْنى عَلى نَفْسِهِ هَذا الجارُ.
وَأمّا الدّارُ: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ حُسْنَها وبَهاءَها، وسِعَتَها ونَعِيمَها، وبَهْجَتَها ورُوحَها وراحَتَها، فِيها ما لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، فِيها ما تَشْتَهِي الأنْفُسُ، وتَلَذُّ الأعْيُنُ، فَهي الجامِعَةُ لِجَمِيعِ أنْواعِ الأفْراحِ والمَسَرّاتِ، الخالِيَةُ مِن جَمِيعِ المُنَكِّداتِ والمُنَغِّصاتِ، رَيْحانَةٌ تَهْتَزُّ، وقَصْرٌ مُشَيَّدٌ، وزَوْجَةٌ حَسْناءُ، وفاكِهَةٌ نَضِيجَةٌ.
فَتِرْحالُنا أيُّها الصّادِقُونَ المُصَدِّقُونَ إلى هَذِهِ الدّارِ بِإذْنِ رَبِّنا وتَوْفِيقِهِ وإحْسانِهِ.
وَتِرْحالُ الكاذِبِينَ المُكَذِّبِينَ إلى الدّارِ الَّتِي أُعِدَّتْ لِمَن كَفَرَ بِاللَّهِ ولِقائِهِ، وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ.
وَلَنْ يَجْمَعَ اللَّهُ بَيْنَ المُوَحِّدِينَ لَهُ الطّالِبِينَ لِمَرْضاتِهِ، السّاعِينَ في طاعَتِهِ، الدّائِبِينَ في خِدْمَتِهِ، المُجاهِدِينَ في سَبِيلِهِ وبَيْنَ المُلْحِدِينَ - السّاعِينَ في مَساخِطِهِ، الدّائِبِينَ في مَعْصِيَتِهِ، المُسْتَفْرِغِينَ جُهْدَهم في أهْوائِهِمْ وشَهَواتِهِمْ - في دارٍ واحِدَةٍ، إلّا عَلى سَبِيلِ الجَوازِ والعُبُورِ، كَما جَمَعَ بَيْنَهُما في هَذِهِ الدُّنْيا، ويَجْمَعُ بَيْنَهم في مَوْقِفِ القِيامَةِ، فَحاشاهُ مِن هَذا الظَّنِّ السَّيِّئِ الَّذِي لا يَلِيقُ بِكَمالِهِ وحِكْمَتِهِ.
(فَصْلٌ)
وَفِي هَذِهِ المَرْتَبَةِ تُعْلَمُ حَياةُ الشُّهَداءِ، وأنَّهم عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، وأنَّها أكْمَلُ مِن حَياتِهِمْ في هَذِهِ الدُّنْيا، وأتَمُّ وأطْيَبُ، وإنْ كانَتْ أجْسادُهم مُتَلاشِيَةً، ولُحُومُهم مُتَمَزِّقَةً، وأوْصالُهم مُتَفَرِّقَةً، وعِظامُهم نَخِرَةً، فَلَيْسَ العَمَلُ عَلى الطَّلَلِ إنَّما الشَّأْنُ في السّاكِنِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]، وقالَ تَعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتٌ بَلْ أحْياءٌ ولَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١٥٤] وإذا كانَ الشُّهَداءُ إنَّما نالُوا هَذِهِ الحَياةَ بِمُتابَعَةِ الرُّسُلِ وعَلى أيْدِيهِمْ، فَما الظَّنُّ بِحَياةِ الرُّسُلِ في البَرْزَخِ؟ ولَقَدْ أحْسَنَ القائِلُ:
؎فالعَيْشُ نَوْمٌ والمَنِيَّةُ يَقْظَةٌ ∗∗∗ والمَرْءُ بَيْنَهُما خَيالٌ سارِي
فَلِلرُّسُلِ والشُّهَداءِ والصِّدِّيقِينَ مِن هَذِهِ الحَياةِ الَّتِي هي يَقْظَةٌ مِن نَوْمِ الدُّنْيا أكْمَلُها وأتَمُّها، وعَلى قَدْرِ حَياةِ العَبْدِ في هَذا العالَمِ يَكُونُ شَوْقُهُ إلى هَذِهِ الحَياةِ، وسَعْيُهُ وحِرْصُهُ عَلى الظَّفَرِ بِها، واللَّهُ المُسْتَعانُ.
المَرْتَبَةُ العاشِرَةُ مِن مَراتِبِ الحَياةِ الحَياةُ الدّائِمَةُ الباقِيَةُ بَعْدَ طَيِّ هَذا العالَمِ، وذَهابِ الدُّنْيا وأهْلِها في دارِ الحَيَوانِ، وهي الحَياةُ الَّتِي شَمَّرَ إلَيْها المُشَمِّرُونَ، وسابَقَ إلَيْها المُتَسابِقُونَ، ونافَسَ فِيها المُتَنافِسُونَ، وهي الَّتِي أجْرَيْنا الكَلامَ إلَيْها، ونادَتِ الكُتُبُ السَّماوِيَّةُ ورُسُلُ اللَّهِ جَمِيعُهم عَلَيْها، وهي الَّتِي يَقُولُ مَن فاتَهُ الِاسْتِعْدادُ لَها ﴿إذا دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا دَكًّا - وجاءَ رَبُّكَ والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا - وجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ وأنّى لَهُ الذِّكْرى - يَقُولُ يالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي - فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أحَدٌ - ولا يُوثِقُ وثاقَهُ أحَدٌ﴾ [الفجر: ٢١-٢٦]، وهي الَّتِي قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ فِيها: ﴿وَما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا إلّا لَهْوٌ ولَعِبٌ وإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤].
والحَياةُ المُتَقَدِّمَةُ كالنَّوْمِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها، وكُلُّ ما تَقَدَّمَ مِن وصْفِ السَّيْرِ ومَنازِلِهِ، وأحْوالِ السّائِرِينَ، وعُبُودِيَّتِهِمُ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ فَوَسِيلَةٌ إلى هَذِهِ الحَياةِ، وإنَّما الحَياةُ الدُّنْيا بِالنِّسْبَةِ إلَيْها، كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «ما الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا كَما يُدْخِلُ أحَدُكم إصْبَعَهُ في اليَمِّ فَلْيَنْظُرْ بِمَ تَرْجِعُ؟».
وَكَما قِيلَ: تَنَفَّسَتِ الآخِرَةُ فَكانَتِ الدُّنْيا نَفَسًا مِن أنْفاسِها، فَأصابَ أهْلُ السَّعادَةِ نَفَسَ نَعِيمِها، فَهم عَلى هَذا النَّفَسِ يَعْمَلُونَ، وأصابَ أهْلُ الشَّقاوَةِ نَفَسَ عَذابِها، فَهم عَلى ذَلِكَ النَّفَسِ يَعْمَلُونَ.
وَإذا كانَتْ حَياةُ أهْلِ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ في هَذِهِ الدّارِ حَياةً طَيِّبَةً، فَما الظَّنُّ بِحَياتِهِمْ في البَرْزَخِ، وقَدْ تَخَلَّصُوا مِن سِجْنِ الدُّنْيا وضِيقِها؟ فَما الظَّنُّ بِحَياتِهِمْ في دارِ النَّعِيمِ المُقِيمِ الَّذِي لا يَزُولُ، وهم يَرَوْنَ وجْهَ رَبِّهِمْ تَبارَكَ وتَعالى بُكْرَةً وعَشِيًّا ويَسْمَعُونَ خِطابَهُ؟
فَإنْ قُلْتَ: ما سَبَبُ تَخَلُّفِ النَّفْسِ عَنْ طَلَبِ هَذِهِ الحَياةِ الَّتِي لا خَطَرَ لَها، وما الَّذِي زَهَّدَها فِيها؟ وما سَبَبُ رَغْبَتِها في الحَياةِ الفانِيَةِ المُضْمَحِلَّةِ، الَّتِي هي كالخَيالِ والمَنامِ؟ أفَسادٌ في تَصَوُّرِها وشُعُورِها؟ أمْ تَكْذِيبٌ بِتِلْكَ الحَياةِ؟ أمْ لِآفَةٍ في العَقْلِ، وعَمًى هُناكَ؟ أمْ إيثارٌ لِلْحاضِرِ المَشْهُودِ بِالعِيانِ عَلى الغائِبِ المَعْلُومِ بِالإيمانِ؟
قِيلَ: بَلْ ذَلِكَ لِمَجْمُوعِ أُمُورٍ مُرَكَّبَةٍ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ.
وَأقْوى الأسْبابِ في ذَلِكَ: ضَعْفُ الإيمانِ، فَإنَّ الإيمانَ هو رُوحُ الأعْمالِ، وهو الباعِثُ عَلَيْها، والآمِرُ بِأحْسَنِها، والنّاهِي عَنْ أقْبَحِها، وعَلى قَدْرِ قُوَّةِ الإيمانِ يَكُونُ أمْرُهُ ونَهْيُهُ لِصاحِبِهِ، وائْتِمارُ صاحِبِهِ وانْتِهاؤُهُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكم بِهِ إيمانُكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩٣].
وَبِالجُمْلَةِ: فَإذا قَوِيَ الإيمانُ قَوِيَ الشَّوْقُ إلى هَذِهِ الحَياةِ، واشْتَدَّ طَلَبُ صاحِبِهِ لَها.
السَّبَبُ الثّانِي: جُثُومُ الغَفْلَةِ عَلى القَلْبِ، فَإنَّ الغَفْلَةَ نَوْمُ القَلْبِ، ولِهَذا تَجِدُ كَثِيرًا مِنَ الأيْقاظِ في الحِسِّ نِيامًا في الواقِعِ، فَتَحْسَبُهم أيْقاظًا وهم رُقُودٌ، ضِدَّ حالِ مَن يَكُونُ يَقْظانَ القَلْبِ وهو نائِمٌ، فَإنَّ القَلْبَ إذا قَوِيَتْ فِيهِ الحَياةُ لا يَنامُ إذا نامَ البَدَنُ، وكَمالُ هَذِهِ الحَياةِ كانَ لِنَبِيِّنا ﷺ، ولِمَن أحْيا اللَّهُ قَلْبَهُ بِمَحَبَّتِهِ واتِّباعِ رِسالَتِهِ عَلى بَصِيرَةٍ مِن ذَلِكَ بِحَسْبِ نَصِيبِهِ مِنهُما.
فالغَفْلَةُ واليَقَظَةُ يَكُونانِ في الحِسِّ والعَقْلِ والقَلْبِ، فَمُسْتَيْقِظُ القَلْبِ وغافِلُهُ كَمُسْتَيْقِظِ البَدَنِ ونائِمِهِ، وكَما أنَّ يَقَظَةَ الحِسِّ عَلى نَوْعَيْنِ، فَكَذَلِكَ يَقَظَةُ القَلْبِ عَلى نَوْعَيْنِ.
فالنَّوْعُ الأوَّلُ مِن يَقَظَةِ الحِسِّ: أنَّ صاحِبَها يَنْفُذُ في الأُمُورِ الحِسِّيَّةِ، ويَتَوَغَّلُ فِيها بِكَسْبِهِ وفَطانَتِهِ، واحْتِيالِهِ وحُسْنِ تَأتِّيهِ.
والنَّوْعُ الثّانِي: أنْ يُقْبِلَ عَلى نَفْسِهِ وقَلْبِهِ وذاتِهِ، فَيَعْتَنِي بِتَحْصِيلِ كَمالِهِ، فَيَلْحَظُ عَوالِيَ الأُمُورِ وسَفْسافَها، فَيُؤْثِرُ الأعْلى عَلى الأدْنى، ويُقَدِّمُ خَيْرَ الخَيْرَيْنِ بِتَفْوِيتِ أدْناهُما، ويَرْتَكِبُ أخَفَّ الشَّرَّيْنِ خَشْيَةَ حُصُولِ أقْواهُما، ويَتَحَلّى بِمَكارِمِ الأخْلاقِ ومَعالِي الشِّيَمِ، فَيَكُونُ ظاهِرُهُ جَمِيلًا، وباطِنُهُ أجْمَلُ مِن ظاهِرِهِ، وسَرِيرَتُهُ خَيْرًا مِن عَلانِيَتِهِ، فَيُزاحِمُ أصْحابَ المَعالِي عَلَيْها كَما يَتَزاحَمُ أهْلُ الدِّينارِ والدِّرْهَمِ عَلَيْهِما، فَبِهَذِهِ اليَقَظَةِ يَسْتَعِدُّ لِلنَّوْعَيْنِ الآخَرَيْنِ مِنهُما.
أحَدُهُما: يَقَظَةٌ تَبْعَثُهُ عَلى اقْتِباسِ الحَياةِ الدّائِمَةِ الباقِيَةِ الَّتِي لا خَطَرَ لَها مِن هَذِهِ الحَياةِ الزّائِلَةِ الفانِيَةِ، الَّتِي لا قِيمَةَ لَها.
فَإنْ قُلْتَ: مَثِّلْ لِي كَيْفَ تُقْتَبَسُ الحَياةُ الدّائِمَةُ مِنَ الحَياةِ الفانِيَةِ؟ وكَيْفَ يَكُونُ هَذا؟ فَإنِّي لا أفْهَمُهُ.
قُلْتُ: وهَذا أيْضًا مِن نَوْمِ القَلْبِ بَلْ مِن مَوْتِهِ، وهَلْ تُقْتَبَسُ الحَياةُ الدّائِمَةُ إلّا مِن هَذِهِ الحَياةِ الزّائِلَةِ؟ وأنْتَ قَدْ تُشْعِلُ سِراجَكَ مِن سِراجٍ آخَرَ قَدْ أشَفى عَلى الِانْطِفاءِ، فَيَتَّقِدُ الثّانِي ويُضِيءُ غايَةَ الإضاءَةِ، ويَتَّصِلُ ضَوْءُهُ ويَنْطَفِئُ الأوَّلُ، والمُقْتَبِسُ لِحَياتِهِ الدّائِمَةِ مِن حَياتِهِ المُنْقَطِعَةِ إنَّما يَنْتَقِلُ مِن دارٍ مُنْقَطِعَةٍ إلى دارٍ باقِيَةٍ، وقَدْ تَوَسَّطَ المَوْتُ بَيْنَ الدّارَيْنِ، فَهو قَنْطَرَةٌ لا يُعْبَرُ إلى تِلْكَ الدّارِ إلّا عَلَيْها، وبابٌ لا يُدْخَلُ إلَيْها إلّا مِنهُ، فَهُما حَياتانِ في دارَيْنِ بَيْنَهُما المَوْتُ، وكَما أنَّ نُورَ تِلْكَ الدّارِ مُقْتَبَسٌ مِن نُورِ هَذِهِ الدّارِ، فَحَياتُها كَذَلِكَ مُقْتَبَسَةٌ مِن حَياتِها، فَعَلى قَدْرِ نُورِ الإيمانِ في هَذِهِ الدّارِ يَكُونُ نُورُ العَبْدِ في تِلْكَ الدّارِ، وعَلى قَدْرِ حَياتِهِ في هَذِهِ الدّارِ تَكُونُ حَياتُهُ هُناكَ.
نَعَمْ؛ هَذا النُّورُ والحَياةُ الَّذِي يُقْتَبَسُ مِنهُ ذَلِكَ النُّورُ والحَياةُ لا يَنْقَطِعُ، بَلْ يُضِيءُ لِلْعَبْدِ في البَرْزَخِ وفي مَوْقِفِ القِيامَةِ، وعَلى الصِّراطِ، فَلا يُفارِقُهُ إلى دارِ الحَيَوانِ، يُطْفَأُ نُورُ الشَّمْسِ وهَذا النُّورُ لا يُطْفَأُ، وتَبْطُلُ الحَياةُ المَحْسُوسَةُ وهَذِهِ الحَياةُ لا تَبْطُلُ، هَذا أحَدُ نَوْعَيْ يَقَظَةِ القَلْبِ.
النَّوْعُ الثّانِي: يَقَظَةٌ تَبْعَثُ عَلى حَياةٍ، لا تُدْرِكُها العِبارَةُ، ولا يَنالُها التَّوَهُّمُ، ولا يُطابِقُ فِيها اللَّفْظُ لِمَعْناهُ ألْبَتَّةَ، والَّذِي يُشارُ بِهِ إلَيْها حَياةُ المُحِبِّ مَعَ حَبِيبِهِ الَّذِي لا قِوامَ لِقَلْبِهِ ورُوحِهِ وحَياتِهِ إلّا بِهِ ولا غِنًى لَهُ عَنْهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ، ولا قُرَّةَ لِعَيْنِهِ، ولا طُمَأْنِينَةَ لِقَلْبِهِ، ولا سُكُونَ لِرُوحِهِ إلّا بِهِ، فَهو أحْوَجُ إلَيْهِ مِن سَمْعِهِ وبَصَرِهِ وقُوَّتِهِ، بَلْ ومِن حَياتِهِ، فَإنَّ حَياتَهُ بِدُونِهِ عَذابٌ وآلامٌ، وهُمُومٌ وأحْزانٌ، فَحَياتُهُ مَوْقُوفَةٌ عَلى قُرْبِهِ وحُبِّهِ ومُصاحَبَتِهِ، وعَذابُ حِجابِهِ عَنْهُ أعْظَمُ مِنَ العَذابِ الآخَرِ، كَما أنَّ نَعِيمَ القَلْبِ والرُّوحِ بِإزالَةِ ذَلِكَ الحِجابِ أعْظَمُ مِنَ النَّعِيمِ بِالأكْلِ والشُّرْبِ، والتَّمَتُّعِ بِالحُورِ العِينِ، فَهَكَذا عَذابُ الحِجابِ أعْظَمُ مِن عَذابِ الجَحِيمِ، ولِهَذا جَمَعَ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِأوْلِيائِهِ بَيْنَ النَّعِيمَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] فالحُسْنى الجَنَّةُ، والزِّيادَةُ: رُؤْيَةُ وجْهِهِ الكَرِيمِ في جَنّاتِ عَدْنٍ، وجَمَعَ لِأعْدائِهِ بَيْنَ العَذابَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿كَلّا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ - ثُمَّ إنَّهم لَصالُو الجَحِيمِ﴾ [المطففين: ١٥-١٦].
والمَقْصُودُ: أنَّ الغَفْلَةَ هي نَوْمُ القَلْبِ عَنْ طَلَبِ هَذِهِ الحَياةِ، وهي حِجابٌ عَلَيْهِ، فَإنْ كُشِفَ هَذا الحِجابَ بِالذِّكْرِ وإلّا تَكاثَفَ حَتّى يَصِيرَ حِجابَ بِطالَةٍ ولَعِبٍ واشْتِغالٍ بِما لا يُفِيدُ، فَإنْ بادَرَ إلى كَشْفِهِ وإلّا تَكاثَفَ حَتّى يَصِيرَ حِجابَ مَعاصٍ وذُنُوبٍ صِغارٍ تُبْعِدُهُ عَنِ اللَّهِ، فَإنْ بادَرَ إلى كَشْفِهِ وإلّا تَكاثَفَ حَتّى يَصِيرَ حِجابَ كَبائِرٍ تُوجِبُ مَقْتَ الرَّبِّ تَعالى لَهُ وغَضَبَهُ ولَعْنَتَهُ، فَإنْ بادَرَ إلى كَشْفِهِ وإلّا تَكاثَفَ حَتّى صارَ حِجابَ بِدَعٍ عَمَلِيَّةٍ يُعَذِّبُ العامِلُ فِيها نَفْسَهُ، ولا تُجْدِي عَلَيْهِ شَيْئًا، فَإنْ بادَرَ إلى كَشْفِهِ وإلّا تَكاثَفَ حَتّى صارَ حِجابَ بِدَعٍ قَوْلِيَّةٍ اعْتِقادِيَّةٍ؛ تَتَضَمَّنُ الكَذِبَ عَلى اللَّهِ ورَسُولِهِ، والتَّكْذِيبَ بِالحَقِّ الَّذِي جاءَ بِهِ الرَّسُولُ، فَإنْ بادَرَ إلى كَشْفِهِ وإلّا تَكاثَفَ حَتّى صارَ حِجابَ شَكٍّ وتَكْذِيبٍ؛ يَقْدَحُ في أُصُولِ الإيمانِ الخَمْسَةِ، وهِيَ: الإيمانُ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ ولِقائِهِ، فَلِغِلَظِ حِجابِهِ وكَثافَتِهِ وظُلْمَتِهِ وسَوادِهِ لا يَرى حَقائِقَ الإيمانِ، ويَتَمَكَّنُ مِنهُ الشَّيْطانُ، يَعِدُهُ ويُمَنِّيهِ، والنَّفْسُ الأمّارَةُ بِالسُّوءِ تَهْوى وتَشْتَهِي، وسُلْطانُ الطَّبْعِ قَدْ ظَفِرَ بِسُلْطانِ الإيمانِ، فَأسَرَهُ وسَجَنَهُ إنْ لَمْ يُهْلِكْهُ، وتَوَلّى تَدْبِيرَ المَمْلَكَةِ واسْتِخْدامَ جُنُودِ الشَّهَواتِ، وأقْطَعَها العَوائِدَ الَّتِي جَرى عَلَيْها العَمَلُ، وأغْلَقَ بابَ اليَقَظَةِ، وأقامَ عَلَيْهِ بَوّابَ الغَفْلَةِ، وقالَ: إيّاكَ أنْ نُؤْتى مِن قِبَلِكَ، واتَّخَذَ حاجِبًا مِنَ الهَوى، وقالَ: إيّاكَ أنْ تُمَكِّنَ أحَدًا يَدْخُلُ عَلَيَّ إلّا مَعَكَ، فَأمْرُ هَذِهِ المَمْلَكَةِ قَدْ صارَ إلَيْكَ وإلى البَوّابِ، فَيا بَوّابَ الغَفْلَةِ، ويا حاجِبَ الهَوى لِيَلْزَمْ كُلٌّ مِنكُما ثَغْرَهُ، فَإنْ أخْلَيْتُما فَسَدَ أمْرُ مَمْلَكَتِنا، وعادَتِ الدَّوْلَةُ لِغَيْرِنا، وسامَنا سُلْطانُ الإيمانِ شَرَّ الخِزْيِ والهَوانِ، ولا نَفْرَحُ بِهَذِهِ المَدِينَةِ أبَدًا.
فَلا إلَهَ إلّا اللَّهُ! إذا اجْتَمَعَتْ عَلى القَلْبِ هَذِهِ العَساكِرُ مَعَ رِقَّةِ الإيمانِ وقِلَّةِ الأعْوانِ، والإعْراضِ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ، والِانْخِراطِ في سِلْكِ أبْناءِ الزَّمانِ، وطُولِ الأمَلِ المُفْسِدِ لِلْإنْسانِ أنْ آثَرَ العاجِلَ الحاضِرَ عَلى الغائِبِ المَوْعُودِ بِهِ بَعْدَ طَيِّ هَذِهِ الأكْوانِ، فاللَّهُ المُسْتَعانُ وعَلَيْهِ التُّكْلانُ.
فَهَذا فَصْلٌ مُخْتَصَرٌ نافِعٌ في ذِكْرِ الحَياةِ وأنْواعِها، والتَّشْوِيقِ إلى أشْرَفِها وأطْيَبِها، فَمَن صادَفَ مِن قَلْبِهِ حَياةً انْتَفَعَ بِهِ، وإلّا فَخُودٌ تُزَفُّ إلى ضَرِيرٍ مُقْعَدٍ.
فَلْنَرْجِعْ إلى شَرْحِ كَلامِ صاحِبِ المَنازِلِ:
قالَ: ولَها ثَلاثَةُ أنْفاسٍ: نَفَسُ الخَوْفِ، ونَفَسُ الرَّجاءِ، ونَفَسُ المَحَبَّةِ.
لَمّا كانَ لِكُلِّ حَيَوانٍ مُتَنَفَّسًا، فَإنَّ النَّفَسَ مُوجِبُ الحَياةِ وعَلامَتُها، كانَتْ أنْفاسُ الحَياةِ المُشارُ إلَيْها ثَلاثَةُ أنْفاسٍ: نَفَسُ الخَوْفِ؛ ومَصْدَرُهُ: مُطالَعَةُ الوَعِيدِ، وما أعَدَّ اللَّهُ لِمَن آثَرَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ، والمَخْلُوقَ عَلى الخالِقِ، والهَوى عَلى الهُدى، والغَيَّ عَلى الرَّشادِ.
وَنَفَسُ الرَّجاءِ؛ ومَصْدَرُهُ مُطالَعَةُ الوَعْدِ، وحُسْنُ الظَّنِّ بِالرَّبِّ تَعالى، وما اللَّهُ أعَدَّ لِمَن آثَرَ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ، وحَكَّمَ الهُدى عَلى الهَوى، والوَحْيَ عَلى الآراءِ، والسُّنَّةَ عَلى البِدْعَةِ، وما كانَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ عَلى عَوائِدِ الخَلْقِ.
وَنَفَسٌ بِالمَحَبَّةِ؛ مَصْدَرُهُ مُطالَعَةُ الأسْماءِ والصِّفاتِ، ومُشاهَدَةُ النَّعْماءِ والآلاءِ.
فَإذا ذَكَرَ ذُنُوبَهُ تَنَفَّسَ بِالخَوْفِ، وإذا ذَكَرَ رَحْمَةَ رَبِّهِ وسَعَةَ مَغْفِرَتِهِ وعَفْوِهِ تَنَفَّسَ بِالرَّجاءِ، وإذا ذَكَرَ جَمالَهُ وجَلالَهُ وكَمالَهُ وإحْسانَهُ وإنْعامَهُ تَنَفَّسَ بِالحُبِّ.
فَلْيَزِنِ العَبْدُ إيمانَهُ بِهَذِهِ الأنْفاسِ الثَّلاثَةِ، لِيَعْلَمَ ما مَعَهُ مِنَ الإيمانِ، فَإنَّ القُلُوبَ مَفْطُورَةٌ عَلى حُبِّ الجَمالِ والإجْمالِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ جَمِيلٌ، بَلْ لَهُ الجَمالُ التّامُّ الكامِلُ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ جَمالُ الذّاتِ، وجَمالُ الصِّفاتِ، وجَمالُ الأفْعالِ، وجَمالُ الأسْماءِ وإذا جُمِعَ جَمالُ المَخْلُوقاتِ كُلِّهِ عَلى شَخْصٍ واحِدٍ، ثُمَّ كانَتْ جَمِيعُها عَلى جَمالِ ذَلِكَ الشَّخْصِ، ثُمَّ نُسِبَ هَذا الجَمالُ إلى جَمالِ الرَّبِّ تَبارَكَ وتَعالى، كانَ أقَلَّ مِن نِسْبَةِ سِراجٍ ضَعِيفٍ إلى عَيْنِ الشَّمْسِ.
فالنَّفَسُ الصّادِرُ عَنْ هَذِهِ المُلاحَظَةِ والمُطالَعَةِ أشْرَفُ أنْفاسِ العَبْدِ عَلى الإطْلاقِ، فَأيْنَ نَفَسُ المُشْتاقِ المُحِبِّ الصّادِقِ إلى نَفَسِ الخائِفِ الرّاجِي؟ ولَكِنْ لا يَحْصُلُ لَهُ هَذا النَّفَسُ إلّا بِتَحْصِيلِ ذَيْنِكَ النَّفْسَيْنِ، فَإنَّ أحَدَهُما ثَمَرَةُ تَرْكِهِ لِلْمُخالَفاتِ، والثّانِي: ثَمَرَةُ فِعْلِهِ لِلطّاعاتِ، فَمِن هَذَيْنِ النَّفَسَيْنِ يَصِلُ إلى النَّفَسِ الثّالِثِ.
[فَصْلٌ الحَياةُ الثّانِيَةُ حَياةُ الجَمْعِ مِن مَوْتِ التَّفْرِقَةِ]
قالَ: الحَياةُ الثّانِيَةُ: حَياةُ الجَمْعِ مِن مَوْتِ التَّفْرِقَةِ، ولَها ثَلاثَةُ أنْفاسٍ: نَفَسُ الِاضْطِرارِ، ونَفَسُ الِافْتِقارِ، ونَفَسُ الِافْتِخارِ.
وَمُرادُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ بِالجَمْعِ في هَذِهِ الدَّرَجَةِ: جَمْعُ القَلْبِ عَلى اللَّهِ، وجَمْعُ الخَواطِرِ والعُزُومِ في التَّوَجُّهِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ، لا الجَمْعُ الَّذِي هو حَضْرَةُ الوُجُودِ؛ لِأنَّهُ قَدْ ذَكَرَ حَياةَ هَذا الجَمْعِ في الدَّرَجَةِ الثّالِثَةِ، وسَمّاها حَياةَ الوُجُودِ.
وَإنَّما كانَ جَمْعُ القَلْبِ عَلى اللَّهِ والخَواطِرِ عَلى السَّيْرِ إلَيْهِ حَياةً حَقِيقِيَّةً؛ لِأنَّ القَلْبَ لا سَعادَةَ لَهُ، ولا فَلاحَ ولا نَعِيمَ، ولا فَوْزَ ولا لَذَّةَ، ولا قُرَّةَ عَيْنٍ إلّا بِأنْ يَكُونَ اللَّهُ وحْدَهُ هو غايَةُ طَلَبِهِ، ونِهايَةُ قَصْدِهِ، ووَجْهُهُ الأعْلى هو كُلُّ بُغْيَتِهِ، فالتَّفْرِقَةُ المُتَضَمِّنَةُ لِلْإعْراضِ عَنِ التَّوَجُّهِ إلَيْهِ، واجْتِماعِ القَلْبِ عَلَيْهِ هي مَرَضُهُ إنْ لَمْ يَمُتْ مِنها.
قالَ: ولِهَذِهِ الحَياةِ ثَلاثَةُ أنْفاسٍ، نَفَسُ الِاضْطِرارِ؛ وذَلِكَ لِانْقِطاعِ أمَلِهِ مِمّا سِوى اللَّهِ، فَيُضْطَرُّ حِينَئِذٍ بِقَلْبِهِ ورُوحِهِ ونَفْسِهِ وبَدَنِهِ إلى رَبِّهِ ضَرُورَةً تامَّةً، بِحَيْثُ يَجِدُ في كُلِّ مَنبَتِ شَعْرَةٍ مِنهُ فاقَةً تامَّةً إلى رَبِّهِ ومَعْبُودِهِ، فَهَذا النَّفَسُ نَفَسٌ مُضْطَرٌّ إلى ما لا غِنى لَهُ عَنْهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ، وضَرُورَتُهُ إلَيْهِ مِن جِهَةِ كَوْنِهِ رَبَّهُ، وخالِقَهُ وفاطِرَهُ وناصِرَهُ، وحافِظَهُ ومُعِينَهُ ورازِقَهُ، وهادِيَهُ ومُعافِيَهُ، والقائِمَ بِجَمِيعِ مَصالِحِهِ، ومِن جِهَةِ كَوْنِهِ مَعْبُودَهُ وإلَهَهُ، وحَبِيبَهُ الَّذِي لا تَكْمُلُ حَياتُهُ ولا تَنْفَعُ إلّا بِأنْ يَكُونَ هو وحْدَهُ أحَبَّ شَيْءٍ إلَيْهِ، وأشْوَقَ شَيْءٍ إلَيْهِ، وهَذا الِاضْطِرارُ هو اضْطِرارُ " إيّاكَ نَعْبُدُ " والِاضْطِرارُ الأوَّلُ: اضْطِرارُ " إيّاكَ نَسْتَعِينُ ".
وَلَعَمْرُ اللَّهِ إنَّ نَفَسَ الِافْتِقارِ هو هَذا النَّفَسُ، أوْ مِن نَوْعِهِ، ولَكِنَّ الشَّيْخَ جَعَلَهُما نَفَسَيْنِ، فَجَعَلَ نَفَسَ الِاضْطِرارِ بِدايَةً، ونَفَسَ الِافْتِقارِ تَوَسُّطًا، ونَفَسَ الِافْتِخارِ نِهايَةً، وكَأنَّ نَفَسَ الِاضْطِرارِ يَقْطَعُ الخَلْقَ مِن قَلْبِهِ، ونَفَسَ الِافْتِقارِ يُعَلِّقُ قَلْبَهُ بِرَبِّهِ.
والتَّحْقِيقُ: أنَّهُ نَفَسٌ واحِدٌ مُمْتَدٌّ، أوَّلُهُ انْقِطاعٌ، وآخِرُهُ اتِّصالٌ.
وَأمّا نَفَسُ الِافْتِخارِ فَهو نَتِيجَةُ هَذَيْنِ النَّفَسَيْنِ؛ لِأنَّهُما إذا صَحا لِلْعَبْدِ حَصَلَ لَهُ القُرْبُ مِن رَبِّهِ، والأُنْسُ بِهِ، والفَرَحُ بِهِ، وبِالخِلَعِ الَّتِي خَلَعَها رَبُّهُ عَلى قَلْبِهِ ورُوحِهِ مِمّا لا يَقُومُ لِبَعْضِهِ مَمالِكُ الدُّنْيا بِحَذافِيرِها، فَحِينَئِذٍ يَتَنَفَّسُ نَفَسًا آخَرَ، يَجِدُ بِهِ مِنَ التَّفْرِيجِ والتَّرْوِيحِ والرّاحَةِ والِانْشِراحِ ما يُشَبَّهُ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ بِنَفَسِ مَن جُعِلَ في عُنُقِهِ حَبْلٌ لِيُخْنَقَ بِهِ حَتّى يَمُوتَ، ثُمَّ كُشِفَ عَنْهُ وقَدْ حُبِسَ نَفَسُهُ، فَتَنَفَّسَ نَفَسَ مَن أُعِيدَتْ عَلَيْهِ حَياتُهُ، وتَخَلَّصَ مِن أسْبابِ المَوْتِ.
فَإنْ قُلْتَ: ما لِلْعَبْدِ والِافْتِخارِ؟ وأيْنَ العُبُودِيَّةُ مِن نَفَسِ الِافْتِخارِ؟
قُلْتُ: لا يُرِيدُ بِذَلِكَ أنَّ العَبْدَ يَفْتَخِرُ بِذَلِكَ، ويَخْتالُ عَلى بَنِي جِنْسِهِ، بَلْ هو فَرَحٌ وسُرُورٌ لا يُمْكِنُ دَفْعُهُ عَنْ نَفْسِهِ بِما فَتَحَ عَلَيْهِ رَبُّهُ، ومَنَحَهُ إيّاهُ، وخَصَّهُ بِهِ، وأوْلى ما فَرِحَ بِهِ العَبْدُ فَضْلُ رَبِّهِ عَلَيْهِ؛ فَإنَّهُ تَعالى يُحِبُّ أنْ يَرى أثَرَ نِعْمَتِهِ عَلى عَبْدِهِ، ويُحِبُّ الفَرَحَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ مِنَ الشُّكْرِ، ومَن لا يَفْرَحْ بِنِعْمَةِ المُنْعِمِ لا يُعَدُّ شَكُورًا، فَهو افْتِخارٌ بِما هو مَحْضُ مِنَّةِ اللَّهِ ونِعْمَتِهِ عَلى عَبْدِهِ، لا افْتِخارَ بِما مَنَّ العَبْدُ، فَهَذا هو الَّذِي يُنافِي العُبُودِيَّةَ لا ذاكَ.
وَهُنا سِرٌّ لَطِيفٌ، وهو أنَّ هَذا النَّفَسَ يَفْخَرُ عَلى أنْفاسِهِ الَّتِي لَيْسَتْ كَذَلِكَ، كَما تَفْخَرُ الحَياةُ عَلى المَوْتِ، والعِلْمُ عَلى الجَهْلِ، والسَّمْعُ عَلى الصَّمَمِ، والبَصَرُ عَلى العَمى، فَيَكُونُ الِافْتِخارُ لِلنَّفَسِ عَلى النَّفَسِ، لا لِلْمُتَنَفِّسِ عَلى النّاسِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
[فَصْلٌ الحَياةُ الثّالِثَةُ حَياةُ الوُجُودِ]
قالَ: الحَياةُ الثّالِثَةُ: حَياةُ الوُجُودِ. وهي حَياةٌ بِالحَقِّ، ولَها ثَلاثَةُ أنْفاسٍ: نَفَسُ الهَيْبَةِ، وهو يُمِيتُ الِاعْتِدالَ. ونَفَسُ الوُجُودِ، وهو يَمْنَعُ الِانْفِصالَ. ونَفَسُ الِانْفِرادِ وهو يُورِثُ الِاتِّصالَ، ولَيْسَ وراءَ ذَلِكَ مَلْحَظٌ لِلنَّظّارَةِ، ولا طاقَةٌ لِلْإشارَةِ.
هَذِهِ المَرْتَبَةُ مِنَ الحَياةِ هي حَياةُ الواجِدِ، وهي أكْمَلُ مِنَ النَّوْعَيْنِ اللَّذَيْنِ قَبْلَها، ووُجُودُ العَبْدِ لِرَبِّهِ هو الَّذِي أشارَ إلَيْهِ في الحَدِيثِ الإلَهِيِّ بِقَوْلِهِ: «فَإذا أحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، ويَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِها، ورِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِها، فَبِي يَسْمَعُ، وبِي يُبْصِرُ، وبِي يَبْطِشُ، وبِي يَمْشِي» والمُشارُ إلَيْهِ في قَوْلِهِ: «ابْنَ آدَمَ، اطْلُبْنِي تَجِدْنِي، فَإنْ وجَدْتَنِي وجَدْتَ كُلَّ شَيْءٍ، وإنْ فُتُّكَ فاتَكَ كُلُّ شَيْءٍ».
وَسَيَأْتِي في بابِ الوُجُودِ مَزِيدٌ لِهَذا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
وَإنَّما كانَتْ حَياةُ الوُجُودِ أكْمَلَ الحَياةِ، لِشَرَفِها وكَمالِها بِمُوجِدِها؛ وهو الحَقُّ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَمَن حُبِيَ بِوُجُودِهِ فَقَدْ فازَ بِأعْلى أنْواعِ الحَياةِ.
فَإنْ قُلْتَ: يَصْعُبُ عَلَيَّ فَهْمُ مَعْنى الحَياةِ بِوُجُودِهِ.
قُلْتُ: لِأجْلِ الحِجابِ الَّذِي ضُرِبَ بَيْنَكَ وبَيْنَ هَذِهِ الحَياةِ، فافْهَمِ الحَياةَ بِوُجُودِ الفَناءِ، وبِوُجُودِ المالِكِ القادِرِ إذا كانَ مَعَكَ وناصِرَكَ، دُونَ مُجَرَّدِ وُجُودِهِ ولا مَعْرِفَةَ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ ألْبَتَّةَ فَحَقِيقَةُ الحَياةِ: هي الحَياةُ بِالرَّبِّ تَعالى، لا الحَياةُ النَّفَسُ والفَناءُ وأسْبابُ العَيْشِ.
وَقَدْ تُفَسَّرُ " حَياةُ الوُجُودِ " بِشُهُودِ القَيُّومِيَّةِ، حَيْثُ لا يَرى شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ إلّا وهو بِاللَّهِ، وهو الَّذِي أقامَهُ، وبِحالِ هَذا الشُّهُودِ، وهو أنْ لا يَلْتَفِتَ بِقَلْبِهِ إلى شَيْءٍ سِوى اللَّهِ، ولا يَخافَهُ ولا يَرْجُوهُ، بَلْ قَدْ قَصَرَ خَوْفَهُ ورَجاءَهُ، وتَوَكُّلَهُ وإنابَتَهُ عَلى الحَيِّ القَيُّومِ، قَيُّومِ الوُجُودِ وقَيِّمِهِ وقِيامِهِ ومُقَيِمِهِ وحْدَهُ، فَمَتى حَصَلَ لَهُ هَذا الشُّهُودُ وهَذا الحالُ، فَقَدْ حَصَلَتْ لَهُ حَياةُ الوُجُودِ.
فَتارَةً يَتَنَفَّسُ بِالهَيْبَةِ، وهي سَطْوَةُ نُورِ الصِّفاتِ، وذَلِكَ عِنْدَ أوَّلِ ما يَسْطَعُ نُورُ الوُجُودِ، فَيَقَعُ القَلْبُ في هَيْبَةٍ تَسْتَغْرِقُ حِسَّهُ عَنْ الِالتِفاتِ إلى شَيْءٍ مِن عَوالِمِ النَّفَسِ، وذَلِكَ هو الِاعْتِلالُ الَّذِي يُمِيتُهُ النَّفَسُ الثّانِي، وهو قَوْلُهُ: " ونَفَسُ يُمِيتُ الِاعْتِلالَ " فَتَمُوتُ مِنهُ عِلَلُ أعْمالِهِ، وآثارُ حُظُوظِهِ، وشُهُودُ إنِّيَّتِهِ.
قَوْلُهُ: " ونَفَسُ الوُجُودِ " يُرِيدُ بِهِ: وُجُودَ العَبْدِ بِرَبِّهِ، فَيَتَنَفَّسُ بِهَذا الوُجُودِ، كَما يَسْمَعُ بِهِ، ويُبْصِرُ بِهِ، ويَبْطِشُ بِهِ، ويَمْشِي بِهِ.
وَلا تُصْغِ إلى غَيْرِ هَذا، فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها.
6:123Page 143
وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا فِي كُلِّ قَرۡيَةٍ أَكَٰبِرَ مُجۡرِمِيهَا لِيَمۡكُرُواْ فِيهَاۖ وَمَا يَمۡكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ ١٢٣
And thus We have placed within every city the greatest of its criminals to conspire therein. But they conspire not except against themselves, and they perceive [it] not.
No commentary for this ayah
6:124Page 143
وَإِذَا جَآءَتۡهُمۡ ءَايَةٞ قَالُواْ لَن نُّؤۡمِنَ حَتَّىٰ نُؤۡتَىٰ مِثۡلَ مَآ أُوتِيَ رُسُلُ ٱللَّهِۘ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ حَيۡثُ يَجۡعَلُ رِسَالَتَهُۥۗ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ أَجۡرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعَذَابٞ شَدِيدُۢ بِمَا كَانُواْ يَمۡكُرُونَ ١٢٤
And when a sign comes to them, they say, "Never will we believe until we are given like that which was given to the messengers of Allāh." Allāh is most knowing of where [i.e., with whom] He places His message. There will afflict those who committed crimes debasement before Allāh and severe punishment for what they used to conspire.
No commentary for this ayah
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences