Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:125–147
6:125Page 144
فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهۡدِيَهُۥ يَشۡرَحۡ صَدۡرَهُۥ لِلۡإِسۡلَٰمِۖ وَمَن يُرِدۡ أَن يُضِلَّهُۥ يَجۡعَلۡ صَدۡرَهُۥ ضَيِّقًا حَرَجٗا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِۚ كَذَٰلِكَ يَجۡعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجۡسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ ١٢٥
So whoever Allāh wants to guide - He expands his breast to [contain] Islām; and whoever He wants to send astray1 - He makes his breast tight and constricted as though he were climbing into the sky. Thus does Allāh place defilement upon those who do not believe.
(فصل)
وأما تضييق الصدر وجعله حرجا لا يقبل الإيمان فقال تعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ ومَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأنَّما يَصَّعَّدُ في السَّماءِ﴾
والحرج هو الشديد الضيق في قول أهل اللغة جميعهم يقال رجل حرج وحرج أي ضيق الصدر
قال الشاعر:
لا حرج الصدر ولا عنيف.
وقال عبيد بن عمير: قرأ ابن عباس هذه الآية فقال: "هل هنا أحد من بني بكر قال رجل نعم قال ما الحرجة فيكم قالوا الوادي الكثير الشجر الذي لا طريق فيه فقال ابن عباس: كذلك قلب الكافر".
وقرأ عمر بن الخطاب الآية فقال: "ايتوني رجلا من كنانة واجعلوه راعيا فأتوه به فقال عمر: يا فتى ما الحرجة فيكم فقال الشجرة تحدق بها الأشجار الكثيرة فلا تصل إليها راعية ولا وحشية فقال عمر كذلك قلب الكافر لا يصل إليه شيء من الخير"
قال ابن عباس: "يجعل صدره ضيقا حرجا إذا سمع ذكر الله اشمأز قلبه وإن ذكر شيء من عبادة الأصنام ارتاح إلى ذلك"
ولما كان القلب محلا للمعرفة والعلم والمحبة والإنابة وكانت هذه الأشياء إنما تدخل في القلب إذا اتسع لها فإذا أراد الله هداية عبد وسع صدره وشرحه فدخلت فيه وسكنته وإذا أراد ضلاله ضيق صدره وأحرجه فلم يجد محلا يدخل فيه فيعدل عنه ولا يساكنه وكل إناء فارغ إذا دخل فيه الشيء ضاق به وكلما أفرغت فيه الشيء ضاق إلا القلب اللين فكلما أفرغ فيه الإيمان والعلم اتسع وانفسح.
وهذا من آيات قدرة الرب تعالى وفي الترمذي وغيره.
عن النبي ﷺ: "إذا دخل النور قلبه انفسح وانشرح قالوا فما علامة ذلك يا رسول الله قال: الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزوله"
فشرح الصدر من أعظم أسباب الهدى وتضييقه من أسباب الضلال كما أن شرحه من أجل النعم وتضييقه من أعظم النقم فالمؤمن منشرح الصدر منفسحه في هذه الدار على ما ناله من مكروهها وإذا قوي الإيمان وخالطت بشاشته القلوب كان على مكارهها أشرح صدرا منه على شهوتها ومحابها فإذا فارقها كان انفساح روحه والشرح الحاصل له بفراقها أعظم بكثير كحال من خرج من سجن ضيق إلى فضاء واسع موافق له فإنها سجن المؤمن فإذا بعثه الله يوم القيامة رأى من انشراح صدره وسعته ما لا نسبة لما قبله إليه فشرح الصدر كما أنه سبب الهداية فهو أصل كل نعمة وأساس كل خير وقد سأل كليم الرحمن موسى بن عمران ربه أن يشرح له صدره لما علم أنه لا يتمكن من تبليغ رسالته والقيام بأعبائها إلا إذا شرح له صدره وقد عدد سبحانه من نعمه على خاتم أنبيائه ورسله شرح صدره له وأخبر عن أتباعه أنه شرح صدورهم للإسلام.
فإن قلت فما الأسباب التي تشرح الصدور والتي تضيقه قلت السبب الذي يشرح الصدر النور الذي يقذفه الله فيه فإذا دخله ذلك النور اتسع بحسب قوة النور وضعفه وإذا فقد ذلك النور أظلم وتضايق.
فإن قلت فهل يمكن اكتساب هذا النور أم هو وهبي؟
قلت هو وهبي وكسبي واكتسابه أيضا مجرد موهبة من الله تعالى فالأمر كله لله والحمد كله له والخير كله بيديه وليس مع العبد من نفسه شيء ألبتة بل الله واهب الأسباب ومسبباتها وجاعلها أسبابا ومانحها من يشاء ومانعها من يشاء إذا أراد بعبده خيرا وفقه لاستفراغ وسعه وبذل جهده في الرغبة والرهبة إليه فإنهما مادتا التوفيق فبقدر قيام الرغبة والرهبة في القلب يحصل التوفيق.
فإن قلت فالرغبة والرهبة بيده لا بيد العبد؟
قلت نعم والله وهما مجرد فضله ومنته وإنما يجعلهما في المحل الذي يليق بهما ويحبسهما عمن لا يصلح لهما.
فإن قلت فما ذنب من لا يصلح؟
قلت أكثر ذنوبه أنه لا يصلح لأن صلاحيته بما اختاره لنفسه وآثره وأحبه من الضلال والغي على بصيرة من أمره فآثر هواه على حق ربه ومرضاته واستحب العمى على الهدى، وكان كفر المنعم عليه بصنوف النعم وجحدا لهيئته والشرك به والسعي في مساخطه أحب إليه من شكره وتوحيده والسعي في مرضاته فهذا من عدم صلاحيته لتوفيق خالقه ومالكه وأي ذنب فوق هذا فإذا أمسك الحكم العدل توفيقه عمن هذا شأنه كان قد عدل فيه وانسدت عليه أبواب الهداية وطرق الرشاد فأظلم قلبه فضاق عن دخول الإسلام والإيمان فيه، فلو جاءته كل آية لم تزده إلا ضلالا وكفرا.
وإذا تأمل من شرح الله صدره للإسلام والإيمان هذه الآية وما تضمنته من أسرار التوحيد والعذر والعدل وعظمة شأن الربوبية صار لقلبه عبودية أخرى ومعرفة خاصة، وعلم أنه عبد من كل وجه وبكل اعتبار وأن الرب تعالى رب كل شيء وملكيه من الأعيان والصفات والأفعال والأمر كله بيده والحمد كله له وأزمة الأمور بيده ومرجعها كلها إليه، ولهذه الآية شأن فوق عقولنا وأجل من أفهامنا وأعظم مما قال فيها المتكلمون الذين ظلموها معناها ﴿وأنفسهم كانوا يظلمون﴾ تالله لقد غلظ عنها حجابهم وكثفت عنها أفهامهم ومنعتهم من الوصول إلى المراد بها أصولهم التي أصلوها وقواعدهم التي أسسوها فإنها تضمنت إثبات التوحيد والعدل الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه والعدل الذي يقوله معطلو الصفات ونفاة القدر.
وتضمنت إثبات الحكمة والقدرة والشرع والقدر والسبب والحكم والذنب والعقوبة ففتحت للقلب الصحيح بابا واسعا من معرفة الرب تعالى بأسمائه وصفات كماله ونعوت جلاله وحكمته في شرعه وقدره وعدله في عقابه وفضله في ثوابه وتضمنت كمال توحيده وربوبيته وقيوميته وإلهيته وأن مصادر الأمور كلها عن محض إرادته ومردها إلى كمال حكمته وأن المهدي من خصه الله بهدايته وشرح صدره لدينه وشريعته وأن الضال من جعل صدره ضيقا حرجا عن معرفته ومحبته كأنما يتصاعد في السماء وليس ذلك في قدرته وأن ذلك عدل في عقوبته لمن لم يقدره حق قدره وجحد كمال ربوبيته وكفر بنعمته وآثر عبادة الشيطان على عبوديته فسد عليه باب توفيقه وهدايته وفتح عليه أبواب غيه وضلاله فضاق صدره وقسا قلبه وتعطلت من عبودية ربها جوارحه وامتلأت بالظلمة جوانحه والذنب له حيث أعرض عن الإيمان واستبدل به الكفر والفسوق والعصيان ورضي بموالاة الشيطان وهانت عليه معاداة الرحمن فلا يحدث نفسه بالرجوع إلى مولاه ولا يعزم يوما على إقلاعه عن هواه قد ضاد الله في أمره بحب ما يبغضه وببغض ما يحبه ويوالي من يعاديه ويعادي من يواليه يغضب إذا رضي الرب ويرضى إذا غضب هذا وهو يتقلب في إحسانه ويسكن في داره ويتغذى برزقه ويتقوى على معاصيه بنعمه فمن أعدل منه سبحانه عما يصفه به الجاهلون والظالمون إذا جعل الوحي على أمثال هذا من الذين لا يؤمنون.
6:126Page 144
وَهَٰذَا صِرَٰطُ رَبِّكَ مُسۡتَقِيمٗاۗ قَدۡ فَصَّلۡنَا ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَذَّكَّرُونَ ١٢٦
And this is the path of your Lord, [leading] straight. We have detailed the verses for a people who remember.
No commentary for this ayah
6:127Page 144
۞ لَهُمۡ دَارُ ٱلسَّلَٰمِ عِندَ رَبِّهِمۡۖ وَهُوَ وَلِيُّهُم بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٢٧
For them will be the Home of Peace [i.e., Paradise] with their Lord. And He will be their protecting friend because of what they used to do.
وَقَدِ اخْتُلِفَ في تَسْمِيَةِ الجَنَّةِ بِدارِ السَّلامِ، فَقِيلَ: السَّلامُ هو اللَّهُ، والجَنَّةُ دارُهُ.
وَقِيلَ: السَّلامُ هو السَّلامَةُ، والجَنَّةُ دارُ السَّلامَةِ مِن كُلِّ آفَةٍ وعَيْبٍ ونَقْصٍ.
وَقِيلَ: سُمِّيَتْ دارَ السَّلامِ؛ لِأنَّ تَحِيَّتَهم فِيها سَلامٌ.
وَلا تَنافِيَ بَيْنَ هَذِهِ المَعانِي كُلِّها.
6:128Page 144
وَيَوۡمَ يَحۡشُرُهُمۡ جَمِيعٗا يَٰمَعۡشَرَ ٱلۡجِنِّ قَدِ ٱسۡتَكۡثَرۡتُم مِّنَ ٱلۡإِنسِۖ وَقَالَ أَوۡلِيَآؤُهُم مِّنَ ٱلۡإِنسِ رَبَّنَا ٱسۡتَمۡتَعَ بَعۡضُنَا بِبَعۡضٖ وَبَلَغۡنَآ أَجَلَنَا ٱلَّذِيٓ أَجَّلۡتَ لَنَاۚ قَالَ ٱلنَّارُ مَثۡوَىٰكُمۡ خَٰلِدِينَ فِيهَآ إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۚ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٞ ١٢٨
And [mention, O Muḥammad], the Day when He will gather them together [and say], "O company of jinn, you have [misled] many of mankind." And their allies among mankind will say, "Our Lord, some of us made use of others, and we have [now] reached our term which You appointed for us." He will say, "The Fire is your residence, wherein you will abide eternally, except for what Allāh wills. Indeed, your Lord is Wise and Knowing."
يعني قد استكثرتم من إضلالهم وإغوائهم.
قال ابن عباس، ومجاهد، والحسن وغيرهم "أضللتم منهم كثيرا" فيجيبه سبحانه أولياؤهم من الإنس بقولهم:
﴿رَبَّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ﴾ [الأنعام: ١٢٨].
يعنون استمتاع كل نوع بالنوع الآخر. فاستمتاع الجن بالإنس: طاعتهم لهم فيما يأمرونهم به: من الكفر، والفسوق، والعصيان. فإن هذا أكثر أغراض الجن من الإنس. فإذا أطاعوهم فيه فقد أعطوهم مُناهُم.
واستمتاع الإنس بالجن: أنهم أعانوهم على معصية الله تعالى، والشرك به بكل ما يقدرون عليه: من التحسين، والتزيين، والدعاء، وقضاء كثير من حوائجهم، واستخدامهم بالسحر والعزائم، وغيرها. فأطاعهم الإنس فيما يرضيهم: من الشرك، والفواحش، والفجور، وأطاعتهم الجن فيما يرضيهم: من التأثيرات، والإخبار ببعض المغيبات.
فتمتع كل من الفريقين بالآخر.
وهذه الآية منطبقة على أصحاب الأحوال الشيطانية الذين لهم كشوف شيطانية وتأثير شيطاني. فيحسبهم الجاهل أولياء الرحمن، وإنما هم من أولياء الشيطان. أطاعوه في الإشراك، ومعصية الله، والخروج عما بعث به رسله، وأنزل به كتبه. فأطاعهم في أن خدمهم بإخبارهم بكثير من المغيبات والتأثيرات، واغتر بهم من قل حظه من العلم والإيمان فوالى أعداء الله، وعادى أولياءه، وحسن الظن بمن خرج عن سبيله وسنته، وأساء الظن بمن اتبع سنة الرسول، وما جاء به، ولم يدعها لأقوال المختلفين، وآراء المتحيرين وشطحات المارقين، وترهات المتصوفين.
والبصير الذي نور الله بصيرته بنور الإيمان والمعرفة إذا عرف حقيقة ما عليه أكثر هذا الخلق، وكان ناقدا، لا يروج عليه الزغل، تبين له أنهم داخلون تحت حكم هذه الآية، وهي منطبقة عليهم.
فالفاسق يستمتع بالشيطان، بإعانته له على أسباب فسوقه، والشيطان يستمتع به في قبوله منه وطاعته له فيسره ذلك، ويفرح به منه.
والمشرك يستمتع به الشيطان بشركه به، وعبادته له. ويستمتع هو بالشيطان في قضاء حوائجه، وإعانته له.
ومن لم يحط علما بهذا لم يعلم حقيقة الإيمان والشرك، وسر امتحان الرب سبحانه كلا من الثقلين بالآخر.
ثم قالوا ﴿وَبلَغْنا أجَلَنا الّذِي أجَّلْتَ لَنا﴾ [الأنعام: ١٢٨].
وهو يتناول أجل الموت، وأجل البعث. فكلاهما أجل أجله الله تعالى لعباده وهما الأجلان اللذان قال الله فيهما: ﴿ثُمَّ قَضى أجَلًا وأجَلٌ مُسَمى عِنْدَهُ﴾ [الأنعام: ٢].
وكأن هذا - والله أعلم - إشارة منهم إلى نوع استعطاف وتوبة. فكأنهم يقولون: هذا أمر قد كان إلى وقت وانقطع بانقطاع أجله. فلم يستمر ولم يدم، فبلغ الأمر الذي كان أجله وانتهى إلى غايته. ولكل شيء آخر، فقال تعالى: ﴿النّارُ مَثْواكم خالِدِينَ فِيها﴾ [الأنعام: ١٢٨].
فإنه وإن انقطع زمن التمتع وانقضى أجله، فقد بقي زمن العقوبة، فلا يتوهم أنه إذا انقضى زمن الكفر والشرك، وتمتع بعضكم ببعض أن مفسدته زالت بزواله، وانتهت بانتهائه.
والمقصود: أن الشيطان تلاعب بالمشركين حتى عبدوه، واتخذوه وذريته أولياء من دون الله.
(فصل)
فَما عَبَدَ أحَدٌ مِن بَنِي آدَمَ غَيْرَ اللَّهِ كائِنًا مَن كانَ إلّا وقَعَتْ عِبادَتُهُ لِلشَّيْطانِ، فَيَسْتَمْتِعُ العابِدُ بِالمَعْبُودِ في حُصُولِ غَرَضِهِ، ويَسْتَمْتِعُ المَعْبُودُ بِالعابِدِ في تَعْظِيمِهِ لَهُ، وإشْراكِهِ مَعَ اللَّهِ الَّذِي هو غايَةُ رِضا الشَّيْطانِ، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا يامَعْشَرَ الجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ﴾ أيْ: مِن إغْوائِهِمْ وإضْلالِهِمْ ﴿وَقالَ أوْلِياؤُهم مِنَ الإنْسِ رَبَّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وبَلَغْنا أجَلَنا الَّذِي أجَّلْتَ لَنا قالَ النّارُ مَثْواكم خالِدِينَ فِيها إلّا ما شاءَ اللَّهُ إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾.
فَهَذِهِ إشارَةٌ لَطِيفَةٌ إلى السِّرِّ الَّذِي لِأجْلِهِ كانَ الشِّرْكُ أكْبَرَ الكَبائِرِ عِنْدَ اللَّهِ، وأنَّهُ لا يَغْفِرُهُ بِغَيْرِ التَّوْبَةِ مِنهُ، وأنَّهُ يُوجِبُ الخُلُودَ في العَذابِ، وأنَّهُ لَيْسَ تَحْرِيمُهُ وقُبْحُهُ بِمُجَرَّدِ النَّهْيِ عَنْهُ، بَلْ يَسْتَحِيلُ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ أنْ يَشْرَعَ لِعِبادِهِ عِبادَةَ إلَهٍ غَيْرِهِ، كَما يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ ما يُناقِضُ أوْصافَ كَمالِهِ، ونُعُوتَ جَلالِهِ، وكَيْفَ يُظَنُّ بِالمُنْفَرِدِ بِالرُّبُوبِيَّةِ والإلَهِيَّةِ والعَظْمَةِ والإجْلالِ أنْ يَأْذَنَ في مُشارَكَتِهِ في ذَلِكَ، أوْ يَرْضى بِهِ؟ تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
6:129Page 144
وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعۡضَ ٱلظَّٰلِمِينَ بَعۡضَۢا بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ١٢٩
And thus will We make some of the wrongdoers allies of others for what they used to earn.1
No commentary for this ayah
6:130Page 144
يَٰمَعۡشَرَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ رُسُلٞ مِّنكُمۡ يَقُصُّونَ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِي وَيُنذِرُونَكُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَاۚ قَالُواْ شَهِدۡنَا عَلَىٰٓ أَنفُسِنَاۖ وَغَرَّتۡهُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا وَشَهِدُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَنَّهُمۡ كَانُواْ كَٰفِرِينَ ١٣٠
"O company of jinn and mankind,1 did there not come to you messengers from among you, relating to you My verses and warning you of the meeting of this Day of yours?" They will say, "We bear witness against ourselves"; and the worldly life had deluded them, and they will bear witness against themselves that they were disbelievers.
No commentary for this ayah
6:131Page 144
ذَٰلِكَ أَن لَّمۡ يَكُن رَّبُّكَ مُهۡلِكَ ٱلۡقُرَىٰ بِظُلۡمٖ وَأَهۡلُهَا غَٰفِلُونَ ١٣١
That is because your Lord would not destroy the cities for wrongdoing1 while their people were unaware.
قِيلَ: لَمْ يَكُنْ مُهْلِكَهم بِظُلْمِهِمْ، وشِرْكِهِمْ وهم غافِلُونَ، لَمْ يُنْذَرُوا ولَمْ يَأْتِهِمْ رَسُولٌ.
وَقِيلَ: لَمْ يُهْلِكْهم قَبْلَ التَّذْكِيرِ بِإرْسالِ الرَّسُولِ، فَيَكُونُ قَدْ ظَلَمَهُمْ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَأْخُذُ أحَدًا ولا يُعاقِبُهُ إلّا بِذَنْبِهِ، وإنَّما يَكُونُ مُذْنِبًا إذا خالَفَ أمْرَهُ ونَهْيَهُ، وذَلِكَ إنَّما يُعْلَمُ بِالرُّسُلِ.
فَإذا شاهَدَ العَبْدُ القَدَرَ السّابِقَ بِالذَّنْبِ، عَلِمَ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قَدَّرَهُ سَبَبًا مُقْتَضِيًا لِأثَرِهِ مِنَ العُقُوبَةِ، كَما قَدَّرَ الطّاعَةَ سَبَبًا مُقْتَضِيًا لِلثَّوابِ، وكَذَلِكَ تَقْدِيرُ سائِرِ أسْبابِ الخَيْرِ والشَّرِّ، كَجَعْلِ السُّمِّ سَبَبًا لِلْمَوْتِ، والنّارِ سَبَبًا لِلْإحْراقِ، والماءِ سَبَبًا لِلْإغْراقِ.
فَإذا أقْدَمَ العَبْدُ عَلى سَبَبِ الهَلاكِ - وقَدْ عَرَفَ أنَّهُ سَبَبُ الهَلاكِ - فَهَلَكَ فالحُجَّةُ مُرَكَّبَةٌ عَلَيْهِ، والمُؤاخَذَةُ لازِمَةٌ لَهُ، كالحَرِيقِ مَثَلًا، والذَّنْبُ كالنّارِ، وإتْيانُهُ لَهُ كَتَقْدِيمِهِ نَفْسَهُ لِلنّارِ، ومُلاحَظَةُ الحُكْمِ فِيما لا يُجْدِي عَلَيْهِ شَيْئًا، فَإنَّما الَّذِي يَشْهَدُهُ عِنْدَ قِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ مُلاحَظَةُ الأمْرِ، لا مُلاحَظَةُ القَدَرِ.
فَجَعْلُ صاحِبِ المَنازِلِ هَذِهِ اللَّطِيفَةَ مِن مُلاحَظَةِ الجِنايَةِ والقَضِيَّةِ لَيْسَ بِالبَيِّنِ، بَلْ هو مِن مُلاحَظَةِ الجِنايَةِ والأمْرِ، لَكِنَّ مُرادَهُ أنَّ سِرَّ التَّقْدِيرِ أنَّهُ قَدْ عَلِمَ أنَّ هَذا العَبْدَ لا يَصْلُحُ إلّا لِلْوَقُودِ، كالشَّوْكِ الَّذِي لا يَصْلُحُ إلّا لِلنّارِ، والشَّجَرَةُ تَشْتَمِلُ عَلى الثَّمَرِ والشَّوْكِ، فاقْتَضى عَدْلُهُ سُبْحانَهُ أنْ يَسُوقَ هَذا العَبْدَ إلى ما لا يَصْلُحُ إلّا لَهُ، وأنْ يُقِيمَ عَلَيْهِ حُجَّةَ عَدْلِهِ، فَإنْ قَدَّرَ عَلَيْهِ الذَّنْبَ فَواقَعَهُ، فاسْتَحَقَّ ما خُلِقَ لَهُ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وما يَنْبَغِي لَهُ إنْ هو إلّا ذِكْرٌ وقُرْآنٌ مُبِينٌ - لِيُنْذِرَ مَن كانَ حَيًّا ويَحِقَّ القَوْلُ عَلى الكافِرِينَ﴾ [يس: ٦٩-٧٠].
6:132Page 145
وَلِكُلّٖ دَرَجَٰتٞ مِّمَّا عَمِلُواْۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَٰفِلٍ عَمَّا يَعۡمَلُونَ ١٣٢
And for all are degrees [i.e., positions resulting] from what they have done. And your Lord is not unaware of what they do.
No commentary for this ayah
6:133Page 145
وَرَبُّكَ ٱلۡغَنِيُّ ذُو ٱلرَّحۡمَةِۚ إِن يَشَأۡ يُذۡهِبۡكُمۡ وَيَسۡتَخۡلِفۡ مِنۢ بَعۡدِكُم مَّا يَشَآءُ كَمَآ أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوۡمٍ ءَاخَرِينَ ١٣٣
And your Lord is the Free of need, the possessor of mercy. If He wills, He can do away with you and give succession after you to whomever He wills, just as He produced you from the descendants of another people.
No commentary for this ayah
6:134Page 145
إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَأٓتٖۖ وَمَآ أَنتُم بِمُعۡجِزِينَ ١٣٤
Indeed, what you are promised is coming, and you will not cause failure [to Allāh].1
No commentary for this ayah
6:135Page 145
قُلۡ يَٰقَوۡمِ ٱعۡمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمۡ إِنِّي عَامِلٞۖ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُۥ عَٰقِبَةُ ٱلدَّارِۚ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ ١٣٥
Say, "O my people, work according to your position; [for] indeed, I am working. And you are going to know who will have succession in the home.1 Indeed, the wrongdoers will not succeed."
No commentary for this ayah
6:136Page 145
وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلۡحَرۡثِ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ نَصِيبٗا فَقَالُواْ هَٰذَا لِلَّهِ بِزَعۡمِهِمۡ وَهَٰذَا لِشُرَكَآئِنَاۖ فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمۡ فَلَا يَصِلُ إِلَى ٱللَّهِۖ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَىٰ شُرَكَآئِهِمۡۗ سَآءَ مَا يَحۡكُمُونَ ١٣٦
And they [i.e., the polytheists] assign to Allāh from that which He created of crops and livestock a share and say, "This is for Allāh," by their claim, "and this is for our 'partners' [associated with Him]." But what is for their "partners" does not reach Allāh, while what is for Allāh - this reaches their "partners." Evil is that which they rule.
No commentary for this ayah
6:137Page 145
وَكَذَٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٖ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ قَتۡلَ أَوۡلَٰدِهِمۡ شُرَكَآؤُهُمۡ لِيُرۡدُوهُمۡ وَلِيَلۡبِسُواْ عَلَيۡهِمۡ دِينَهُمۡۖ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا فَعَلُوهُۖ فَذَرۡهُمۡ وَمَا يَفۡتَرُونَ ١٣٧
And likewise, to many of the polytheists their partners1 have made [to seem] pleasing the killing of their children in order to bring about their destruction and to cover them with confusion in their religion. And if Allāh had willed, they would not have done so. So leave them and that which they invent.
No commentary for this ayah
6:138Page 146
وَقَالُواْ هَٰذِهِۦٓ أَنۡعَٰمٞ وَحَرۡثٌ حِجۡرٞ لَّا يَطۡعَمُهَآ إِلَّا مَن نَّشَآءُ بِزَعۡمِهِمۡ وَأَنۡعَٰمٌ حُرِّمَتۡ ظُهُورُهَا وَأَنۡعَٰمٞ لَّا يَذۡكُرُونَ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَيۡهَا ٱفۡتِرَآءً عَلَيۡهِۚ سَيَجۡزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ١٣٨
And they say, "These animals1 and crops are forbidden; no one may eat from them except whom we will," by their claim. And there are those [camels] whose backs are forbidden [by them]2 and those upon which the name of Allāh is not mentioned3 - [all of this] an invention of untruth about Him.4 He will punish them for what they were inventing.
No commentary for this ayah
6:139Page 146
وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَٰذِهِ ٱلۡأَنۡعَٰمِ خَالِصَةٞ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰٓ أَزۡوَٰجِنَاۖ وَإِن يَكُن مَّيۡتَةٗ فَهُمۡ فِيهِ شُرَكَآءُۚ سَيَجۡزِيهِمۡ وَصۡفَهُمۡۚ إِنَّهُۥ حَكِيمٌ عَلِيمٞ ١٣٩
And they say, "What is in the bellies of these animals1 is exclusively for our males and forbidden to our females. But if it is [born] dead, then all of them have shares therein." He will punish them for their description.2 Indeed, He is Wise and Knowing.
No commentary for this ayah
6:140Page 146
قَدۡ خَسِرَ ٱلَّذِينَ قَتَلُوٓاْ أَوۡلَٰدَهُمۡ سَفَهَۢا بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ ٱفۡتِرَآءً عَلَى ٱللَّهِۚ قَدۡ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهۡتَدِينَ ١٤٠
They will have lost who killed their children in foolishness without knowledge and prohibited what Allāh had provided for them, inventing untruth about Allāh. They have gone astray and were not [rightly] guided.
No commentary for this ayah
6:141Page 146
۞ وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنشَأَ جَنَّٰتٖ مَّعۡرُوشَٰتٖ وَغَيۡرَ مَعۡرُوشَٰتٖ وَٱلنَّخۡلَ وَٱلزَّرۡعَ مُخۡتَلِفًا أُكُلُهُۥ وَٱلزَّيۡتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُتَشَٰبِهٗا وَغَيۡرَ مُتَشَٰبِهٖۚ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِۦٓ إِذَآ أَثۡمَرَ وَءَاتُواْ حَقَّهُۥ يَوۡمَ حَصَادِهِۦۖ وَلَا تُسۡرِفُوٓاْۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِينَ ١٤١
And He it is who causes gardens to grow, [both] trellised and untrellised, and palm trees and crops of different [kinds of] food and olives and pomegranates, similar and dissimilar. Eat of [each of] its fruit when it yields and give its due [zakāh] on the day of its harvest. And be not excessive.1 Indeed, He does not like those who commit excess.
[فَصْلٌ: الحِكْمَةُ في التَّفْرِيقِ بَيْنَ بَعْضِ مَقادِيرِ الزَّكاةِ]
وَأمّا قَوْلُهُ: " أوْجَبَ في الذَّهَبِ والفِضَّةِ والتِّجارَةِ رُبُعَ العُشْرِ، وفي الزُّرُوعِ والثِّمارِ نِصْفَ العُشْرِ أوْ العُشْرَ، وفي المَعْدِنِ الخُمُسَ " فَهَذا أيْضًا مِن كَمالِ الشَّرِيعَةِ ومُراعاتِها لِلْمَصالِحِ؛ فَإنَّ الشّارِعَ أوْجَبَ الزَّكاةَ مُواساةً لِلْفُقَراءِ، وطُهْرَةٌ لِلْمالِ، وعُبُودِيَّةً لِلرَّبِّ، وتَقَرُّبًا إلَيْهِ بِإخْراجِ مَحْبُوبِ العَبْدِ لَهُ وإيثارِ مَرْضاتِهِ.
ثُمَّ فَرَضَها عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ، وأنْفَعْها لِلْمَساكِينِ، وأرْفَقِها بِأرْبابِ الأمْوالِ؛ ولَمْ يَفْرِضْها في كُلِّ مالٍ، بَلْ فَرَضَها في الأمْوالِ الَّتِي تَحْتَمِلُ المُواساةَ، ويَكْثُرُ فِيها الرِّبْحُ والدَّرُّ والنَّسْلُ، ولَمْ يَفْرِضْها فِيما يَحْتاجُ العَبْدُ إلَيْهِ مِن مالِهِ ولا غِنًى لَهُ عَنْهُ كَعَبِيدِهِ وإمائِهِ ومَرْكُوبِهِ ودارِهِ وثِيابِهِ وسِلاحِهِ، بَلْ فَرَضَها في أرْبَعَةِ أجْناسٍ مِن المالِ: المَواشِي، والزُّرُوعِ والثِّمارِ، والذَّهَبِ والفِضَّةِ، وعُرُوضِ التِّجارَةِ؛ فَإنَّ هَذِهِ أكْثَرُ أمْوالِ النّاسِ الدّائِرَةُ بَيْنَهُمْ، وعامَّةُ تَصَرُّفِهِمْ فِيها، وهي الَّتِي تَحْتَمِلُ المُواساةَ، دُونَ ما أسْقَطَ الزَّكاةَ فِيهِ، ثُمَّ قَسَّمَ كُلَّ جِنْسٍ مِن هَذِهِ الأجْناسِ بِحَسَبِ حالِهِ وإعْدادِهِ لِلنَّماءِ إلى ما فِيهِ الزَّكاةُ وإلى ما لا زَكاةَ فِيهِ، فَقَسَّمَ المَواشِيَ إلى قِسْمَيْنِ: سائِمَةٍ تَرْعى بِغَيْرِ كُلْفَةٍ ولا مَشَقَّةٍ ولا خَسارَةٍ فالنِّعْمَةُ فِيها كامِلَةٌ والمِنَّةُ بِها وافِرَةٌ والكُلْفَةُ فِيها يَسِيرَةٌ والنَّماءُ فِيها كَثِيرٌ؛ فَخَصَّ هَذا النَّوْعَ بِالزَّكاةِ، وإلى مَعْلُوفَةٍ بِالثَّمَنِ أوْ عامِلَةٍ في مَصالِحِ أرْبابِها في دَوالِيهِمْ وحُرُوثِهِمْ وحَمْلِ أمْتِعَتِهِمْ؛ فَلَمْ يَجْعَلْ في ذَلِكَ زَكاةً: لِكُلْفَةِ المَعْلُوفَةِ وحاجَةِ المالِكِينَ إلى العَوامِلِ فَهي كَثِيابِهِمْ وعَبِيدِهِمْ وإمائِهِمْ وأمْتِعَتِهِمْ.
ثُمَّ قَسَّمَ الزُّرُوعَ والثِّمارَ إلى قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ يَجْرِي مَجْرى السّائِمَةِ مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ في سَقْيِهِ مِن ماءِ السَّماءِ بِغَيْرِ كُلْفَةٍ ولا مَشَقَّةٍ فَأوْجَبَ فِيهِ العُشْرَ، وقِسْمٍ يُسْقى بِكُلْفَةٍ ومَشَقَّةٍ ولَكِنَّ كُلْفَتَهُ دُونَ كُلْفَةِ المَعْلُوفَةِ بِكَثِيرٍ إذْ تِلْكَ تَحْتاجُ إلى العَلَفِ كُلَّ يَوْمٍ فَكانَ مَرْتَبَةً بَيْنَ مَرْتَبَةِ السّائِمَةِ والمَعْلُوفَةِ، فَلَمْ يُوجِبْ فِيهِ زَكاةً ما شَرِبَ بِنَفْسِهِ، ولَمْ يُسْقِطْ زَكاتَهُ جُمْلَةً واحِدَةً، فَأوْجَبَ فِيهِ نِصْفَ العُشْرِ.
ثُمَّ قَسَّمَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ إلى قِسْمَيْنِ: أحَدِهِما ما هو مُعَدٌّ لِلثَّمَنِيَّةِ والتِّجارَةِ بِهِ والتَّكَسُّبِ فَفِيهِ الزَّكاةُ كالنَّقْدَيْنِ والسَّبائِكِ ونَحْوِها، وإلى ما هو مُعَدٌّ لِلِانْتِفاعِ دُونَ الرِّبْحِ والتِّجارَةِ كَحِلْيَةِ المَرْأةِ وآلاتِ السِّلاحِ الَّتِي يَجُوزُ اسْتِعْمالُ مِثْلِها فَلا زَكاةَ فِيهِ.
ثُمَّ قَسَّمَ العُرُوضَ إلى قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ أُعِدَّ لِلتِّجارَةِ فَفِيهِ الزَّكاةُ، وقِسْمٌ أُعِدَّ لِلْقِنْيَةِ والِاسْتِعْمالِ فَهو مَصْرُوفٌ عَنْ جِهَةِ النَّماءِ فَلا زَكاةَ فِيهِ.
ثُمَّ لَمّا كانَ حُصُولُ النَّماءِ والرِّبْحِ بِالتِّجارَةِ مِن أشَقِّ الأشْياءِ وأكْثَرَ مُعاناةً وعَمَلًا خَفَّفَها بِأنْ جَعَلَ فِيها رُبُعَ العُشْرِ، ولَمّا كانَ الرِّبْحُ والنَّماءُ بِالزُّرُوعِ والثِّمارِ الَّتِي تُسْقى بِالكُلْفَةِ أقَلَّ كُلْفَةً والعَمَلُ أيْسَرَ ولا يَكُونُ في كُلِّ السَّنَةِ جَعَلَهُ ضِعْفَهُ وهو نِصْفُ العُشْرِ، ولَمّا كانَ التَّعَبُ والعَمَلُ فِيما يَشْرَبُ بِنَفْسِهِ أقَلَّ والمَئُونَةُ أيْسَرَ جَعَلَهُ ضِعْفَ ذَلِكَ وهو العُشْرُ، واكْتَفى فِيهِ بِزَكاةٍ عامَّةٍ خاصَّةٍ؛ فَلَوْ أقامَ عِنْدَهُ بَعْدَ ذَلِكَ عِدَّةَ أحْوالٍ لِغَيْرِ التِّجارَةِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ زَكاةٌ؛ لِأنَّهُ قَدْ انْقَطَعَ نَماؤُهُ وزِيادَتُهُ، بِخِلافِ الماشِيَةِ، وبِخِلافِ ما لَوْ أُعِدَّ لِلتِّجارَةِ؛ فَإنَّهُ عُرْضَةٌ لِلنَّماءِ، ثُمَّ لَمّا كانَ الرِّكازُ مالًا مَجْمُوعًا مُحَصَّلًا وكُلْفَةُ تَحْصِيلِهِ أقَلُّ مِن غَيْرِهِ، ولَمْ يَحْتَجْ إلى أكْثَرِ مِن اسْتِخْراجِهِ كانَ الواجِبُ فِيهِ ضِعْفَ ذَلِكَ وهو الخُمُسُ.
فانْظُرْ إلى تَناسُبِ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ الكامِلَةِ الَّتِي بَهَرَ العُقُولَ حُسْنُها وكَمالُها، وشَهِدَتْ الفِطَرُ بِحِكْمَتِها، وأنَّهُ لَمْ يُطْرَقْ العالَمُ شَرِيعَةً أفْضَلَ مِنها.
وَلَوْ اجْتَمَعَتْ عُقُولُ العُقَلاءِ وفِطَرُ الألِبّاءِ واقْتَرَحَتْ شَيْئًا يَكُونُ أحْسَنَ مُقْتَرَحٍ لَمْ يَصِلْ اقْتِراحُها إلى ما جاءَتْ بِهِ.
وَلَمّا لَمْ يَكُنْ كُلُّ مالٍ يَحْتَمِلُ المُواساةَ قَدَّرَ الشّارِعُ لِما يَحْتَمِلُ المُواساةَ نُصُبًا مُقَدَّرَةً لا تَجِبُ الزَّكاةُ في أقَلَّ مِنها، ثُمَّ لَمّا كانَتْ تِلْكَ النُّصُبُ تَنْقَسِمُ إلى ما لا يُجْحِفُ المُواساةَ بِبَعْضِهِ أوْجَبَ الزَّكاةَ مِنها، وإلى ما يُجْحِفُ المُواساةَ بِبَعْضِهِ فَجَعَلَ الواجِبَ مِن غَيْرِهِ كَما دُونَ الخَمْسِ والعِشْرِينَ مِن الإبِلِ، ثُمَّ لَمّا كانَتْ المُواساةُ لا تُحْتَمَلُ كُلَّ يَوْمٍ ولا كُلَّ شَهْرٍ، إذْ فِيهِ إجْحافٌ بِأرْبابِ الأمْوالِ جَعَلَها كُلَّ عامٍ مَرَّةً كَما جَعَلَ الصِّيامَ كَذَلِكَ، ولَمّا كانَتْ الصَّلاةُ لا يَشُقُّ فِعْلُها كُلَّ يَوْمٍ وظَّفَها كُلَّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ، ولَمّا كانَ الحَجُّ يَشُقُّ تَكَرُّرُ وُجُوبِهِ كُلَّ عامٍ جَعَلَهُ وظِيفَةَ العُمْرِ.
وَإذا تَأمَّلَ العاقِلُ مِقْدارَ ما أوْجَبَهُ الشّارِعُ في الزَّكاةِ وجَدَهُ مِمّا لا يَضُرُّ المُخْرِجَ فَقْدُهُ، ويَنْفَعُ الفَقِيرَ أخْذُهُ، ورَآهُ قَدْ راعى في حالِ صاحِبِ المالِ وجانِبِهِ حَقَّ الرِّعايَةِ، ونَفَعَ الآخِذَ بِهِ، وقَصَدَ إلى كُلِّ جِنْسٍ مِن أجْناسِ الأمْوالِ فَأوْجَبَ الزَّكاةَ في أعْلاهُ وأشْرَفِهِ؛ فَأوْجَبَ زَكاةَ العَيْنِ في الذَّهَبِ والوَرِقِ دُونَ الحَدِيدِ والرَّصاصِ والنُّحاسِ ونَحْوِها، وأوْجَبَ زَكاةَ السّائِمَةِ في الإبِلِ والبَقَرِ والغَنَمِ دُونَ الخَيْلِ والبِغالِ والحَمِيرِ دُونَ ما يَقِلُّ اقْتِناؤُهُ كالصَّيُودِ عَلى اخْتِلافِ أنْواعِها ودُونَ الطَّيْرِ كُلِّهِ، وأوْجَبَ زَكاةَ الخارِجِ مِن الأرْضِ في أشْرَفَهُ وهو الحُبُوبُ والثِّمارُ دُونَ البُقُولِ والفَواكِهِ والمَقاثِي والمَباطِخِ والأنْوارِ.
وَغَيْرُ خافٍ تَمَيُّزُ ما أوْجَبَ فِيهِ الزَّكاةَ عَمّا لَمْ يُوجِبْها في جِنْسِهِ ووَصْفِهِ ونَفْعِهِ وشِدَّةِ الحاجَةِ إلَيْهِ وكَثْرَةِ وُجُودِهِ، وأنَّهُ جارٍ مَجْرى الأمْوالِ لِما عَداهُ مِن أجْناسِ الأمْوالِ، بِحَيْثُ لَوْ فُقِدَ لَأضَرَّ فَقْدُهُ بِالنّاسِ، وتَعَطَّلَ عَلَيْهِمْ كَثِيرٌ مِن مَصالِحِهِمْ، بِخِلافِ ما لَمْ يُوجِبْ فِيهِ الزَّكاةَ فَإنَّهُ جارٍ مَجْرى الفَضَلاتِ والتَّتِمّاتِ الَّتِي لَوْ فُقِدَتْ لَمْ يَعْظُمْ الضَّرَرُ بِفَقْدِها، وكَذَلِكَ راعى في المُسْتَحَقِّينَ لَها أمْرَيْنِ مُهِمَّيْنِ:
أحَدَهُما: حاجَةُ الأخْذِ.
والثّانِي: نَفْعُهُ؛ فَجَعَلَ المُسْتَحَقِّينَ لَها نَوْعَيْنِ: نَوْعًا يَأْخُذُ لِحاجَتِهِ، ونَوْعًا يَأْخُذُ لِنَفْعِهِ، وحَرَّمَها عَلى مَن عَداهُما.
6:142Page 146
وَمِنَ ٱلۡأَنۡعَٰمِ حَمُولَةٗ وَفَرۡشٗاۚ كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٞ ١٤٢
And of the grazing livestock are carriers [of burdens] and those [too] small. Eat of what Allāh has provided for you and do not follow the footsteps of Satan.1 Indeed, he is to you a clear enemy.
No commentary for this ayah
6:143Page 147
ثَمَٰنِيَةَ أَزۡوَٰجٖۖ مِّنَ ٱلضَّأۡنِ ٱثۡنَيۡنِ وَمِنَ ٱلۡمَعۡزِ ٱثۡنَيۡنِۗ قُلۡ ءَآلذَّكَرَيۡنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلۡأُنثَيَيۡنِ أَمَّا ٱشۡتَمَلَتۡ عَلَيۡهِ أَرۡحَامُ ٱلۡأُنثَيَيۡنِۖ نَبِّـُٔونِي بِعِلۡمٍ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١٤٣
[They are] eight mates - of the sheep, two and of the goats, two. Say, "Is it the two males He has forbidden or the two females or that which the wombs of the two females contain? Inform me with knowledge, if you should be truthful."
No commentary for this ayah
6:144Page 147
وَمِنَ ٱلۡإِبِلِ ٱثۡنَيۡنِ وَمِنَ ٱلۡبَقَرِ ٱثۡنَيۡنِۗ قُلۡ ءَآلذَّكَرَيۡنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلۡأُنثَيَيۡنِ أَمَّا ٱشۡتَمَلَتۡ عَلَيۡهِ أَرۡحَامُ ٱلۡأُنثَيَيۡنِۖ أَمۡ كُنتُمۡ شُهَدَآءَ إِذۡ وَصَّىٰكُمُ ٱللَّهُ بِهَٰذَاۚ فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗا لِّيُضِلَّ ٱلنَّاسَ بِغَيۡرِ عِلۡمٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٤٤
And of the camels, two and of the cattle, two. Say, "Is it the two males He has forbidden or the two females or that which the wombs of the two females contain? Or were you witnesses when Allāh charged you with this? Then who is more unjust than one who invents a lie about Allāh to mislead the people by [something] other than knowledge? Indeed, Allāh does not guide the wrongdoing people."
No commentary for this ayah
6:145Page 147
قُل لَّآ أَجِدُ فِي مَآ أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٖ يَطۡعَمُهُۥٓ إِلَّآ أَن يَكُونَ مَيۡتَةً أَوۡ دَمٗا مَّسۡفُوحًا أَوۡ لَحۡمَ خِنزِيرٖ فَإِنَّهُۥ رِجۡسٌ أَوۡ فِسۡقًا أُهِلَّ لِغَيۡرِ ٱللَّهِ بِهِۦۚ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ غَيۡرَ بَاغٖ وَلَا عَادٖ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٤٥
Say, "I do not find within that which was revealed to me [anything] forbidden to one who would eat it unless it be a dead animal or blood spilled out or the flesh of swine - for indeed, it is impure - or it be [that slaughtered in] disobedience, dedicated to other than Allāh.1 But whoever is forced [by necessity], neither desiring [it] nor transgressing [its limit], then indeed, your Lord is Forgiving and Merciful."
وَإنَّما لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ في أكْلِ المَيْتَةِ حَدًّا اكْتِفاءً بِالزّاجِرِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ في الطِّباعِ مِن كَراهَتِها، والنَّفْرَةِ عَنْها، وإبْعادِها عَنْها، بِخِلافِ الخَمْرِ.
والخِنْزِيرُ أشَدُّ تَحْرِيمًا مِنَ المَيْتَةِ، ولِهَذا أفْرَدَهُ اللَّهُ تَعالى بِالحُكْمِ عَلَيْهِ أنَّهُ رِجْسٌ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلّا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً أوْ دَمًا مَسْفُوحًا أوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإنَّهُ رِجْسٌ أوْ فِسْقًا﴾ [الأنعام: ١٤٥]، فالضَّمِيرُ في قَوْلِهِ (فَإنَّهُ) وإنْ كانَ عَوْدُهُ إلى الثَّلاثَةِ المَذْكُورَةِ بِاعْتِبارِ لَفْظِ المُحَرَّمِ، فَإنَّهُ يَتَرَجَّحُ اخْتِصاصُ لَحْمِ الخِنْزِيرِ بِهِ لِثَلاثَةِ أوْجُهٍ. أحَدُها: قُرْبُهُ مِنهُ، والثّانِي: تَذْكِيرُهُ دُونَ قَوْلِهِ، فَإنَّها رِجْسٌ، والثّالِثُ: أنَّهُ أتى (بِالفاءِ) و (إنَّ) تَنْبِيهًا عَلى عِلَّةِ التَّحْرِيمِ لِتُزْجَرَ النُّفُوسُ عَنْهُ، ويُقابِلُ هَذِهِ العِلَّةَ ما في طِباعِ بَعْضِ النّاسِ مِنِ اسْتِلْذاذِهِ واسْتِطابَتِهِ، فَنَفى عَنْهُ ذَلِكَ، وأخْبَرَ أنَّهُ رِجْسٌ، وهَذا لا يَحْتاجُ إلَيْهِ في المَيْتَةِ والدَّمِ، لِأنَّ كَوْنَهُما رِجْسًا أمْرٌ مُسْتَقِرٌّ مَعْلُومٌ عِنْدَهُمْ، ولِهَذا في القُرْآنِ نَظائِرُ، فَتَأمَّلْها. ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدُ تَحْرِيمَ بَيْعِ الأصْنامِ، وهو أعْظَمُ تَحْرِيمًا وإثْمًا، وأشَدُّ مُنافاةً لِلْإسْلامِ مِن بَيْعِ الخَمْرِ والمَيْتَةِ والخِنْزِيرِ.
6:146Page 147
وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمۡنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٖۖ وَمِنَ ٱلۡبَقَرِ وَٱلۡغَنَمِ حَرَّمۡنَا عَلَيۡهِمۡ شُحُومَهُمَآ إِلَّا مَا حَمَلَتۡ ظُهُورُهُمَآ أَوِ ٱلۡحَوَايَآ أَوۡ مَا ٱخۡتَلَطَ بِعَظۡمٖۚ ذَٰلِكَ جَزَيۡنَٰهُم بِبَغۡيِهِمۡۖ وَإِنَّا لَصَٰدِقُونَ ١٤٦
And to those who are Jews We prohibited every animal of uncloven hoof; and of the cattle and the sheep We prohibited to them their fat, except what adheres to their backs or the entrails or what is joined with bone. [By] that We repaid them for their transgression. And indeed, We are truthful.
No commentary for this ayah
6:147Page 148
فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمۡ ذُو رَحۡمَةٖ وَٰسِعَةٖ وَلَا يُرَدُّ بَأۡسُهُۥ عَنِ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡمُجۡرِمِينَ ١٤٧
So if they deny you, [O Muḥammad], say, "Your Lord is the possessor of vast mercy; but His punishment cannot be repelled from the people who are criminals."
No commentary for this ayah
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences