Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic
As-Saf 61:6, continued
وَلَوْ عَرَفُوهُ لَما سارَعُوا إلى مُحارَبَةِ أنْبِيائِهِ وقَتْلِهِمْ وحَبْسِهِمْ ونَفْيِهِمْ، ولَما تَحايَلُوا عَلى تَحْلِيلِ مَحارِمِهِ وإسْقاطِ فَرائِضِهِ بِأنْواعِ الحِيَلِ.
وَلَقَدْ شَهِدَتِ التَّوْراةُ بِعَدَمِ فَطانَتِهِمْ وأنَّهم مِنَ الأغْبِياءِ.
(فصل)
ولا يمكن ألبتة أن يؤمن يهودي بنبوة موسى عليه السلام إن لم يؤمن بنبوة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم. ولا يمكن نصرانيا أن يقر بنبوة المسيح إلا بعد إقراره بنبوة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم.
وبيان ذلك أن يقال لهاتين الأمتين:
أنتم لم تشاهدوا هذين الرسولين، ولا شاهدتم آياتهما وبراهين نبوتهما. فكيف يسع العاقل أن يكذب نبيا ذا دعوة سابقة، وكلمة قائمة، وآيات باهرة، وتصديق من ليس مثله ولا قريبا منه في ذلك؟ لأنه لم ير أحد النبيين، ولا شاهد معجزاته. فإذا كذب بنبوة أحدهما لزمه التكذيب بنبوتهما. وإن صدق بأحدهما لزمه التصديق بنبوتهما فمن كفر بنبي واحد فقد كفر بالأنبياء كلهم، ولم ينفعه إيمانه به.
قال الله تعالى: ﴿إنَّ الّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ ورُسُلِه ويُرِيدُونَ أنْ يفُرِّقوا بْينَ اللهِ ورُسُلِه ويَقُولُونَ نُؤْمِنُ ببِعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضِ ويُرِيدُونَ أنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاَ أُولئِكَ هُمُ الكافِرُونَ، حَقا وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا * والّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ ورُسُلِهِ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهم أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهم وكانَ اللهُ غفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٥٠-١٥٢]، وقال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِن رَبِّهِ والمُؤْمنُونَ كُل آمَنَ بِاللهَ مَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِه لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِه﴾ [البقرة: ٢٨٥].
فنقول للمغضوب عليه: هل رأيت موسى وعاينت معجزاته؟ فبالضرورة يقول: لا.
فنقول له: بأي شيء عرفت نبوته وصدقه؟
فله جوابان.
أحدهما: أن يقول: أبي عرفني ذلك، وأخبرني به.
والثاني: أن يقول: التواتر وشهادات الأمم حقق ذلك عندى، كما حققت شهادتهم وجود البلاد النائية، والبحار، والأنهار المعروفة وإن لم أشاهدها.
فإن اختار الجواب الأول، وقال: إن شهادة أبي وإخباره إياي بنبوة موسى هي سبب تصديقى بنبوته.
قلنا له: ولم كان أبوك عندك صادقا في ذلك، معصومًا عن الكذب؟ وأنت ترى الكفار يعلمهم آباؤهم ما هو كفر عندك. فإذا كنت ترى الأديان الباطلة، والمذاهب الفاسدة، قد أخذها أربابها عن آبائهم كأخذك مذهبك عن أبيك، وأنت تعلم أن الذي هم عليه ضلال. فلزمك أن تبحث ما أخذته عن أبيك، خوفا أن تكون هذه حاله.
فإن قال: إن الذي أخذته عن أبي أصح من الذي أخذه الناس عن آبائهم، كفاه معارضة غيره له بمثل قوله.
فإن قال: أبي أصدق من آبائهم وأعرف وأفضل، عارضه سائر الناس في آبائهم بنظير ذلك.
فإن قال: أنا أعرف حال أبي، ولا أعرف حال غيره.
قيل له: فما يؤمنك أن يكون غير أبيك أصدق من أبيك، وأصدق وأعرف؟
وبكل حال. فإن كان تقليد أبيه حجة صحيحة، كان تقليد غيره لأبيه كذلك. وإن كان ذلك باطلا، كان تقليده لأبيه باطلا.
فإن رجع عن هذا الجواب واختار الجواب الثاني، وقال: إنما علمت نبوة موسى بالتواتر قرنا بعد قرن. فإنهم أخبروا بظهوره وبمعجزاته وآياته وبراهين نبوته التي تضطرنى إلى تصديقه.
فيقال له: لا ينفعك هذا الجواب. لأنك قد أبطلت ما شهد به التواتر من نبوة عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام:
فإن قلت: تواتر ظهور موسى ومعجزاته وآياته، ولم يتواتر ذلك في المسيح ومحمد عليهما الصلاة والسلام.
قيل لك: هذا هو اللائق ببهت الأمة الغضبية. فإن الأمم جميعهم قد عرفوا أنهم قوم بهت. وإلا فمن المعلوم أن الناقلين لمعجزات المسيح ومحمد صلى الله تعالى عليهما وسلم أضعاف أضعافكم بكثير. والمعجزات التي شاهدها أوائلهم لا تنقص عن المعجزات التي أتى بها موسى عليه السلام، وقد نقلها عنهم أهل التواتر جيلا بعد جيل، وقرنا بعد قرن.
وأنت لا تقبل خبر التواتر في ذلك وترده، فيلزمك أن لا تقبله في أمر موسى عليه السلام.
ومن المعلوم بالضرورة: أن من أثبت شيئا ونفى نظيره فقد تناقض.
وإذا اشتهر النبي في عصر وصحت نبوته في ذلك العصر بالآيات التي ظهرت عليه لأهل عصره، ووصل خبره إلى أهل عصر آخر، وجب عليهم تصديقه والإيمان به. وموسى ومحمد والمسيح في هذا سواء ولعل تواتر الشهادات بنبوة موسى أضعف من تواتر الشهادات بنبوة عيسى ومحمد، لأن الأمة الغضبية قد مزقها الله تعالى كل ممزق، وقطعها في الأرض، وسلبها ملكها وعزها، فلا عيش لها إلا تحت قهر سواهم من الأمم لها، بخلاف أمة عيسى عليه السلام، فإنها قد انتشرت في الأرض، وفيهم الملوك، ولهم الممالك.
وأما الحنفاء، فممالكهم قد طبقت مشارق الأرض ومغاربها، وملأوا الدنيا سهلا وجبلا فكيف يكون نقلهم لما نقلوه كذبا، ونقل الأمة الغضبية الخاملة القليلة الزائلة صدقا؟
فثبت أنه لا يمكن يهوديا على وجه الأرض أن يصدق بنبوة موسى عليه السلام إلا بتصديقه وإقراره بنبوة محمد ﷺ. ولا يمكن نصرانيا ألبتة الإيمان بالمسيح عليه السلام إلا بعد الإيمان بمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم.
ولا ينفع هاتين الأمتين شهادة المسلمين بنبوة موسى والمسيح. لأنهم آمنوا بهما على يد محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، وكان إيمانهم بهما من الإيمان بمحمد، وبما جاء له. فلولاه ما عرفنا نبوتهما، ولا أمنا بهما.
ولا سيما فإن أمة الغضب والضلال ليس بأيديهم عن أنبيائهم ما يوجب الإيمان بهم فلولا القرآن ومحمد صلى الله تعالى عليه وسلم ما عرفنا شيئا من آيات الأنبياء المتقدمين.
فمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم وكتابه هو الذي قرر نبوة موسى ونبوة المسيح، لا اليهود ولا النصارى.
بل كان نفس ظهوره ومجيئه تصديقا لنبوتهما. فإنهما أخبرا بظهوره، وبشرا به قبل ظهوره. فلما بعث كان بعثه تصديقا لهما.
وهذا أحد المعنيين في قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ أئِنّا لَتارِكُوا آلَهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ؟ بَلْ جاءَ بالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ٣٦-٣٧].
أي مجيئه تصديق لهم من جهتين.
من جهة إخبارهم بمجيئه ومبعثه، ومن جهة إخباره بمثل ما أخبروا به، ومطابقة ما جاءوا به لما جاءوا به. فإن الرسول الأول إذا أتى بأمر لا يعلم إلا بالوحي، ثم جاء نبي آخر لم يقارنه في الزمان ولا في المكان، ولا تلقى عنه ما جاء به، وأخبر بمثل ما أخبر به سواء، دل ذلك على صدق الرسولين الأول والآخر. وكان ذلك بمنزلة رجلين أخبر أحدهما بخبر عن عيان، ثم جاء آخر من غير بلده وناحيته، بحيث يعلم أنه لم يجتمع به، ولا تلقى عنه، ولا عمن تلقى عنه فأخبر بمثل ما أخبر به الأول سواء. فإنه يضطر السامع إلى تصديق الأول والثاني.
والمعنى الثاني: أنه لم يأت مكذبا لمن قبله من الأنبياء، مزريا عليهم، كما يفعل الملوك المتغلبون على الناس بمن تقدمهم من الملوك بل جاء مصدقا لهم، شاهدا بنبوتهم. ولو كان كاذبا متقولا منشئا من عنده سياسة، لم يصدق من قبله، بل كان يزرى بهم، ويطعن عليهم، كما يفعل أعداء الأنبياء.
(فَصْلٌ آخر)
قال في (هداية الحيارى)
وَنَحْنُ نُبَيِّنُ لَهم أنَّهم لا يُمْكِنُهم أنْ يُثْبِتُوا لِلْمَسِيحِ فَضِيلَةً ولا نُبُوَّةً ولا آيَةً ولا مُعْجِزَةً إلّا بِإقْرارِهِمْ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ رَسُولُ اللَّهِ، وإلّا فَمَعَ تَكْذِيبِهِ إيّاهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَثْبُتَ لِلْمَسِيحِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ ألْبَتَّةَ. فَنَقُولُ: إذا كَفَرْتُمْ مَعاشِرَ المُثَلِّثَةِ عُبّادَ الصَّلِيبِ بِالقُرْآنِ ومُحَمَّدٍ ﷺ، فَمِن أيْنَ لَكم أنْ تُثْبِتُوا لِعِيسى فَضِيلَةً أوْ مُعْجِزَةً؟
وَمَن نَقَلَ إلَيْكم عَنْهُ آيَةً أوْ مُعْجِزَةً؟ فَإنَّكم إنَّما تَبِعْتُمْ مَن بَعْدَهُ ما يَنِيفُ عَلى مِائَتَيْنِ وعَشَراتٍ مِنَ السِّنِينَ، أخْبَرْتُمْ عَنْ مَنامٍ رُؤِيَ وأسْرَعْتُمْ إلى تَصْدِيقِهِ، وكانَ الأوْلى لِمَن كَفَرَ بِالقُرْآنِ أنْ يُنْكِرَ وُجُودَ عِيسى في العالَمِ لِأنَّهُ لا يَقْبَلُ قَوْلَ اليَهُودِ فِيهِ، ولا سِيَّما وهم أعْظَمُ أعْدائِهِ الَّذِينَ رَمَوْهُ وأمَّهُ بِالعَظائِمِ، فَأخْبارُ المَسِيحِ والصَّلِيبِ إنَّما شُيُوخُكم فِيها اليَهُودُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ، وهم فِيما بَيْنَهم مُخْتَلِفُونَ في أمْرِهِ أعْظَمَ اخْتِلافٍ، وأنْتُمْ مُخْتَلِفُونَ مَعَهم في أمْرِهِ.
فَإنَّ اليَهُودَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ تَزْعُمُ أنَّهم حِينَ أخَذُوهُ وحَبَسُوهُ في السِّجْنِ أرْبَعِينَ يَوْمًا، وقالُوا: ما كانَ لَكم أنْ تَحْبِسُوهُ أكْثَرَ مِن ثَلاثَةِ أيّامٍ، ثُمَّ تَقْتُلُوهُ، إلّا أنَّهُ كانَ يُعَضِّدُهُ أحَدُ قُوّادِ الرُّومِ، لِأنَّهُ كانَ يُداخِلُهُ في صِناعَةِ الطِّبِّ عِنْدَهم.
وَفِي الإنْجِيلِ الَّذِي في أيْدِيكم أنَّهُ أُخِذَ صُبْحَ يَوْمِ الجُمُعَةِ وصُلِبَ في السّاعَةِ التّاسِعَةِ مِنَ اليَوْمِ بِعَيْنِهِ فَمَتى تَتَوافَقُونَ مَعَ اليَهُودِ في خَبَرِهِ.
واليَهُودُ مُجْمِعَةٌ أنَّهُ لَمْ تَظْهَرْ لَهُ مُعْجِزَةٌ ولا بَدَتْ مِنهُ لَهم آيَةٌ غَيْرَ أنَّهُ طارَ يَوْمًا، وقَدْ هَمُّوا بِأخْذِهِ فَطارَ عَلى أثَرِهِ آخَرُ مِنهُمْ، فَعَلاهُ في طَيَرانِهِ فَسَقَطَ إلى الأرْضِ بِزَعْمِهِمْ.
وَفِي الإنْجِيلِ الَّذِي بِأيْدِيكم في غَيْرِ مَوْضِعٍ ما يَشْهَدُ أنَّهُ لا مُعْجِزَةَ لَهُ ولا آيَةَ فَمِن ذَلِكَ أنَّ فِيهِ مَنصُوصا إنَّ اليَهُودَ قالُوا لَهُ يَوْمًا: ماذا تَفْعَلُ حَتّى نَنْتَهِيَ بِهِ إلى أمْرِ اللَّهِ، قالَ: أنْ تُؤْمِنُوا بِمَن بَعَثَهُ، قالُوا لَهُ: وما آيَتُكَ الَّتِي تُرِينا ونُؤْمِنُ بِكَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ آباءَنا قَدْ أكَلُوا المَنَّ والسَّلْوى بِالمَفاوِزِ؟
قالَ: إنْ كانَ أطْعَمَكم مُوسى خُبْزًا فَأنا أُطْعِمُكم خُبْزًا سَماوِيًّا، يُرِيدُ نَعِيمَ الآخِرَةِ ولَوْ عَرَفُوا لَهُ مُعْجِزَةً ما قالُوا ذَلِكَ.
وَفِي الإنْجِيلِ الَّذِي بِأيْدِيكم أنَّ اليَهُودَ قالَتْ لَهُ: ما آيَتُكَ الَّتِي نُصَدِّقُكَ بِها؟ قالَ: اهْدِمُوا البَيْتَ أبْنِيهِ لَكم في ثَلاثَةِ أيّامٍ، فَلَوْ كانَتِ اليَهُودُ تَعْرِفُ لَهُ آيَةً لَمْ تَقُلْ هَذا، ولَوْ كانَ قَدْ أظْهَرَ لَهم مُعْجِزَةً لَذَكَّرَهم بِها حِينَئِذٍ.
وَفِي الإنْجِيلِ الَّذِي بِأيْدِيكم أيْضًا: أنَّهم جاءُوا يَسْألُونَهُ آيَةً فَقَذَفَهُمْ، فَقالَ: إنَّ القَبِيلَةَ الفاجِرَةَ الخَبِيثَةَ آيَةٌ، فَلا تُعْطى ذَلِكَ.
وَفِيهِ أيْضًا أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لَهُ وهو عَلى الخَشَبَةِ بِظَنِّهِمْ: إنْ كُنْتَ المَسِيحَ فَأنْزَلَ نَفْسَكَ نُؤْمِن بِكَ، يَطْلُبُونَ بِذَلِكَ آيَةً فَلَمْ يَفْعَلْ.
فَإذا كَفَرْتُمْ مَعاشِرَ المُثَلِّثَةِ عُبّادَ الصَّلِيبِ بِالقُرْآنِ لَمْ يَتَحَقَّقْ لِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ آيَةٌ ولا فَضِيلَةٌ، فَإنَّ أخْبارَكم عَنْهُ وأخْبارُ اليَهُودِ لا يُلْتَفَتُ إلَيْها، لِاخْتِلافِكم في شَأْنِهِ أشَدَّ الِاخْتِلافِ وعَدَمِ يَقِينِكم لِجَمِيعِ أُمُورِهِ.
وَكَذَلِكَ اليَهُودُ اجْتَمَعَتْ عَلى أنَّهُ لَمْ يَدَّعِ شَيْئًا مِنَ الإلَهِيَّةِ الَّتِي نَسَبْتُمْ إلَيْهِ أنَّهُ ادَّعاها.
وَكانَ أقْصى مُرادِهِمْ أنْ يَدَّعِيَ ذَلِكَ لِيَكُونَ أبْلَغَ تَسَلُّطِهِمْ عَلَيْهِ، وقَدْ ذَكَرْتُمُ السَّبَبَ في اسْتِفاضَةِ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وهو أنَّ أحْبارَهم وعُلَماءَهم لَمّا مَضى وبَقِيَ ذِكْرُهُ، خافُوا أنْ يَصِيرَ عامَّتُهم إلَيْهِ، إذْ كانَ عَلى سُنَنٍ تَقْبَلُهُ قُلُوبُ الَّذِينَ لا غَرَضَ لَهُمْ، فَشَنَّعُوا عَلَيْهِ أُمُورًا كَثِيرَةً، ونَسَبُوا إلَيْهِ دَعْوى الإلَهِيَّةِ تَزْهِيدًا لِلنّاسِ في أمْرِهِ.
ثُمَّ إنَّ اليَهُودَ عِنْدَهم مِنَ الِاخْتِلافِ في أمْرِهِ ما يَدُلُّ عَلى عَدَمِ يَقِينِهِمْ بِشَيْءٍ مِن أخْبارِهِ، فَمِنهم مَن يَقُولُ: إنَّهُ كانَ رَجُلًا مِنهم ويَعْرِفُونَ أباهُ وأُمَّهُ، ويَنْسِبُونَهُ لِزانِيَةٍ، وحاشاهُ وحاشا أُمَّهُ الصِّدِّيقَةَ الطّاهِرَةَ البَتُولَ، الَّتِي لَمْ يَقْرَعُها فَحْلٌ قَطُّ، قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفَكُونَ، ويُسَمُّونَ أباهُ لِلزّانِيَةِ البَنْدِيرا الرُّومِيَّ، وأُمَّهُ مَرْيَمَ الماشِطَةَ، ويَزْعُمُونَ أنَّ زَوْجَها يُوسُفَ بْنَ يَهُودًا وجَدَ البَنْدِيرا عِنْدَها عَلى فِراشِها أوْ شَعَرَ بِذَلِكَ فَهَجَرَها وأنْكَرَ ابْنَها.
وَمِنَ اليَهُودِ لَعَنَهُمُ اللَّهُ مَن رَغِبَ عَنْ هَذا القَوْلِ وقالُوا: إنَّما أبُوهُ يُوسُفُ بْنُ يَهُودا الَّذِي كانَ زَوْجًا لِمَرْيَمَ، ويَذْكُرُونَ أنَّ السَّبَبَ في اسْتِفاضَةِ اسْمِ الزَّنِيمِ عَلَيْهِ: أنَّهُ بَيْنا هو يَوْمًا مَعَ مُعَلِّمِهِ يَهْشُوعَ بْنِ بَرْضِيا وسائِرِ التَّلامِيذِ فَنَزَلُوا في سَفَرٍ مَوْضِعًا، وجاءَتِ امْرَأةٌ مِن أهْلِهِ وجَعَلَتْ تُبالِغُ في إكْرامِهِمْ، فَقالَ يَهْشُوعُ: ما أحْسَنَ هَذِهِ المَرْأةَ؟ يُرِيدُ أفْعالَها، فَقالَ عِيسى - بِزَعْمِهِمْ - لَوْلا عَمَشٌ في عَيْنِها، فَصاحَ يَهْشُوعُ وقالَ: مِمْزارُ - تَرْجَمَتُهُ: يا زَنِيمُ - أتَزْنِي بِالنَّظَرِ؟ وغَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا، وعادَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، وحَرَّمَ اسْمَهُ ولَعَنَهُ في أرْبَعِمِائَةِ قَرْنٍ، فَحِينَئِذٍ لَحِقَ بِبَعْضِ قُوّادِ الرُّومِ وأدْخَلَهُ بِصِناعَةِ الطِّبِّ فَقَوِيَ لِذَلِكَ عَلى اليَهُودِ، وهم يَوْمَئِذٍ في ذِمَّةِ قَيْصَرَ بَتارْيُوشَ، وجَعْلَ يُخالِفُ حُكْمَ التَّوْراةِ، ويَسْتَدْرِكُ عَلَيْها، ويُعْرِضُ عَنْ بَعْضِها إلى أنْ كانَ مِن أمْرِهِ ما كانَ.
وَطَوائِفُ مِنَ اليَهُودِ لَعَنَهُمُ اللَّهُ يَقُولُونَ غَيْرَ هَذا، ويَقُولُونَ إنَّهُ كانَ يُلاعِبُ الصِّبْيانَ بِالكُرَةِ فَوَقَفَتْ لَهُمُ الكُرَةُ بَيْنَ جَماعَةٍ مِن مَشايِخِ اليَهُودِ، فَضَعُفَ الصِّبْيانُ عَنِ اسْتِخْراجِها مِن بَيْنِهِمْ، حَياءً مِنهم أيْ مِن مَشايِخِهِمْ، فَقَوِيَ عِيسى وتَخَطّى رِقابَهم وأخَذَها، فَقالُوا لَهُ: ما نَظُنُّكَ إلّا زَنِيمًا.
وَمِنَ اخْتِلافِ اليَهُودِ لَعَنَهُمُ اللَّهُ في أمْرِهِ أنَّهم يُسَمُّونَ أباهُ بِزَعْمِهِمُ الَّذِي هو خَطِيبُ مَرْيَمَ يُوسُفُ بْنُ يَهُودا النَّجّارُ، وبَعْضُهم يَقُولُ: إنَّما هو يُوسُفُ الحَدّادُ. والنَّصارى تَزْعُمُ أنَّها ذاتُ بَعْلٍ، وأنَّ زَوْجَها يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ، وبَعْضُهم يَقُولُ يُوسُفُ بْنُ آلٍ.
وَهم يَخْتَلِفُونَ أيْضًا في آبائِهِ وعَدَدِهِمْ إلى إبْراهِيمِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَمِن مُقِلٍّ ومِن مُكْثِرٍ. فَهَذا ما عِنْدَ اليَهُودِ لَعَنَهُمُ اللَّهُ، وهم شُيُوخُكم في نَقْلِ الصَّلْبِ وأمْرِهِ، وإلّا فَمِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لَمْ يَحْضُرْهُ أحَدٌ مِنَ النَّصارى. وإنَّما حَضَرَهُ اليَهُودُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ، وقالُوا: قَتَلْناهُ وصَلَبْناهُ وهُمُ الَّذِينَ قالُوا فِيهِ ما حَكَيْناهُ عَنْهُمْ، فَإنْ صَدَّقْتُمُوهم في الصَّلْبِ فَصَدِّقُوهم في سائِرٍ ما ذَكَرُوهُ، وإنْ كَذَّبْتُمُوهم فِيما نَقَلُوهُ عَنْهُ فَما المُوجِبُ لِتَصْدِيقِهِمْ في الصَّلْبِ وتَكْذِيبِهِمْ، وما صَلَبُوهُ بَلْ صانَهُ اللَّهُ وحَماهُ وحَفِظَهُ، وكانَ أكْرَمَ عَلى اللَّهِ وأوْجَهَ عِنْدِهِ مِن أنْ يَبْتَلِيَهُ بِما تَقُولُونَ أنْتُمْ، قاتَلَكُمُ اللَّهُ، واليَهُودُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ؟
وَأمّا خَبَرُ ما عِنْدَكم أنْتُمْ، فَلا نَعْلَمُ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ أشَدَّ اخْتِلافًا في مَعْبُودِها ونَبِيِّها ودِينِها مِنكُمْ، فَلَوْ سَألْتَ الرَّجُلَ وامْرَأتَهُ وابْنَتَهُ وأباهُ وأُمَّهُ عَنْ دِينِهِمْ لَأجابَكَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم بِغَيْرِ جَوابِ الآخَرِ.
وَلَوِ اجْتَمَعَ عَشَرَةٌ مِنهم يَتَذاكَرُونَ الدِّينَ لَتَفَرَّقُوا عَنْ أحَدَ عَشَرَ مَذْهَبًا. مَعَ اتِّفاقِ فِرَقِهِمُ المَشْهُورَةِ اليَوْمَ عَلى القَوْلِ بِالتَّثْلِيثِ وعِبادَةِ الصَّلِيبِ، وأنَّ المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ لَيْسَ بِعَبْدٍ صالِحٍ، ولا نَبِيٍّ ولا رَسُولٍ، وأنَّهُ إلَهٌ في الحَقِيقَةِ، وأنَّهُ خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ والمَلائِكَةِ والنَّبِيِّينَ، وأنَّهُ هو الَّذِي أرْسَلَ وأظْهَرَ عَلى أيْدِيهِمُ المُعْجِزاتِ والآياتِ، وأنَّ لِلْعالَمِ إلَهًا هو أبٌ والِدٌ لَمْ يَزَلْ، وأنَّ ابْنَهُ نَزَلَ مِنَ السَّماءِ وتَجَسَّمَ مِن رُوحِ القُدُسِ، ومِن مَرْيَمَ، وصارَ هو وابْنُها النّاسُوتِيُّ إلَهًا واحِدًا ومَسِيحًا واحِدًا وخالِقًا واحِدًا ورازِقًا، وحَبِلَتْ بِهِ مَرْيَمُ ووَلَدَتْهُ، وأُخِذَ وصُلِبَ وأُلِمَ وماتَ ودُفِنَ، وقامَ بَعْدَ ثَلاثَةِ أيّامٍ، وصَعِدَ إلى السَّماءِ وجَلَسَ عَلى يَمِينِ أبِيهِ.
وَقالُوا: والَّذِي ولَدْتُهُ مَرْيَمُ وعايَنَهُ النّاسُ وكانَ بَيْنَهم هو اللَّهُ وهو ابْنُ اللَّهِ وهو كَلِمَةُ اللَّهِ.
فالقَدِيمُ الأزَلِيُّ خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ، هو الَّذِي حَبِلَتْ بِهِ مَرْيَمُ، وأقامَ هُناكَ تِسْعَةَ أشْهُرٍ، وهو الَّذِي وُلِدَ ورَضَعَ وفُطِمَ وأكَلَ وشَرِبَ وتَغَوَّطَ وأُخِذَ وصُلِبَ وشُدَّ بِالحِبالِ وسُمِّرَتْ يَداهُ.
ثُمَّ اخْتَلَقُوا: فَقالَتِ اليَعْقُوبِيَّةُ - قاتَلَهُمُ اللَّهُ - وهم أتْباعُ يَعْقُوبَ البَرادِعِيِّ ولُقِّبَ بِذَلِكَ لِأنَّ لِباسَهُ كانَ مِن خُرُوقِ بِرادِعِ الدَّوابِّ يُرَقِّعُ بَعْضَها بِبَعْضٍ ويَلْبَسُها - إنَّ المَسِيحَ طَبِيعَةٌ واحِدَةٌ مِن طَبِيعَتَيْنِ: إحْداهُما طَبِيعَةُ النّاسُوتِ، والأُخْرى طَبِيعَةُ اللّاهُوتِ، وأنَّ هاتَيْنِ الطَّبِيعَتَيْنِ تَرَكَّبَتا فَصارَتا إنْسانًا واحِدًا وجْوَهَرًا واحِدًا وشَخْصًا واحِدًا، وهَذِهِ الطَّبِيعَةُ الواحِدَةُ والشَّخْصُ الواحِدُ هو المَسِيحُ، هو إلَهُ كُلُّهُ وإنْسانٌ كُلُّهُ، وهو شَخْصٌ واحِدٌ، وطَبِيعَةٌ واحِدَةٌ مِن طَبِيعَتَيْنِ.
وَقالُوا: إنَّ مَرْيَمَ ولَدَتِ اللَّهَ، وإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى قُبِضَ عَلَيْهِ، وصُلِبَ وسُمِّرَ وماتَ ودُفِنَ ثُمَّ عاشَ بَعْدَ ذَلِكَ.
فَصْلٌ: وقالَتِ المَلِكِيَّةُ - وهُمُ الرُّومُ نِسْبَةً إلى دِينِ المَلِكِ، لا إلى رَجُلٍ يُدْعى مَلِكايا، وهو صاحِبُ مَقالَتِهِمْ، كَما يَقُولُهُ بَعْضُ مَن لا عِلْمَ لَهُ بِذَلِكَ - إنَّ الِابْنَ الأزَلِيَّ الَّذِي هو الكَلِمَةُ تَجَسَّدَتْ مِن مَرْيَمَ تَجَسُّدا كامِلًا كَسائِرِ أجْسادِ النّاسِ. ورَكِبَتْ في ذَلِكَ الجَسَدِ نَفْسًا كامِلَةً بِالعَقْلِ والمَعْرِفَةِ والعِلْمِ كَسائِرِ أنْفُسِ النّاسِ، وأنَّهُ صارَ إنْسانًا بِالجَسَدِ والنَّفْسِ اللَّذَيْنِ هُما مِن جَوْهَرِ النّاسِ، إلَهًا بِجَوْهَرِ اللّاهُوتِ كَمِثْلِ أبِيهِ لَمْ يَزَلْ، وهو إنْسانٌ بِجَوْهَرِ النّاسِ كَمِثْلِ إبْراهِيمَ ومُوسى وداوُدَ، وهو شَخْصٌ واحِدٌ لَمْ يَزِدْ عَدَدُهُ، وثَبَتَ لَهُ جَوْهَرُ اللّاهُوتِ كَما لَمْ يَزَلْ، وصَحَّ لَهُ جَوْهَرُ النّاسُوتُ الَّذِي لَبِسَهُ ابْنُ مَرْيَمَ، وهو شَخْصٌ واحِدٌ لَمْ يَزِدْ عَدَدُهُ، وطَبِيعَتانِ ولِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الطَّبِيعَتَيْنِ مَشِيئَةٌ كامِلَةٌ، فَلَهُ بِاللّاهُوتِيَّةِ مَشِيئَةٌ مِثْلُ الأبِّ، ولَهُ بِناسُوتِيَّتِهِ مَشِيئَةٌ كَمَشِيئَةِ إبْراهِيمَ وداوُدَ. وقالُوا: إنَّ مَرْيَمَ ولَدَتِ المَسِيحَ وهو اسْمٌ يَجْمَعُ اللّاهُوتَ والنّاسُوتَ. وقالُوا: إنَّ الَّذِي ماتَ هو الَّذِي ولَدَتْهُ مَرْيَمُ، وهو الَّذِي وقَعَ عَلَيْهِ الصَّلْبُ والتَّسْمِيرُ والصَّفْعُ والرَّبْطُ بِالحِبالِ، واللّاهُوتُ لَمْ يَمُتْ ولَمْ يَأْلَمْ ولَمْ يُدْفَنْ.
قالُوا: وهو إلَهٌ قامَ بِجَوْهَرِ لاهُوتِهِ، وإنْسانٌ قائِمٌ بِجَوْهَرِ ناسُوتِهِ، ولَهُ المَشِيئَتانِ: مَشِيئَةُ اللّاهُوتِ، ومَشِيئَةُ النّاسُوتِ، فَأتَوْا بِمِثْلِ ما أتى بِهِ اليَعْقُوبِيَّةُ مِن أنَّ مَرْيَمَ بِزَعْمِهِمْ نَزَّهُوا الإلَهَ عَنِ المَوْتِ.
وَإذا تَدَبَّرَتْ قَوْلَهم وجَدْتَهُ في الحَقِيقَةِ هو قَوْلُ اليَعْقُوبِيَّةِ مَعَ تُناقِضُهُمْ، واليَعْقُوبِيَّةُ أطْرَدُ لِكُفْرِهِمْ لَفْظًا ومَعْنًى.
وَأمّا النّسْطُورِيَّةُ فَقَدْ ذَهَبُوا إلى القَوْلِ بِأنَّ المَسِيحَ شَخْصانِ وطَبِيعَتانِ لَهُما مَشِيئَةٌ واحِدَةٌ، وأنَّ طَبِيعَةَ اللّاهُوتِ لَمّا وُجِدَتْ بِالنّاسُوتِ صارَ لَهُما إرادَةٌ واحِدَةٌ، واللّاهُوتُ لا يَقْبَلُ زِيادَةً ولا نُقْصانًا ولا يَمْتَزِجُ بِشَيْءٍ، والنّاسُوتُ يَقْبَلُ بِالزِّيادَةِ والنُّقْصانِ، وكانَ المَسِيحُ بِذَلِكَ إلَهًا وإنْسانًا، فَهو الإلَهُ بِجَوْهَرِ اللّاهُوتِ الَّذِي لا يَقْبَلُ الزِّيادَةَ والنُّقْصانَ، وهو إنْسانٌ بِجَوْهَرِ النّاسُوتِ الَّذِي يَقْبَلُ الزِّيادَةَ والنُّقْصانَ. وقالُوا: إنَّ مَرْيَمَ ولَدَتِ المَسِيحَ بِناسُوتِهِ وإنَّ اللّاهُوتَ لَمْ يُفارِقْهُ قَطُّ.
وَكُلُّ هَذِهِ الفِرَقِ اسْتَنْكَفَتْ أنْ يَكُونَ المَسِيحُ عَبْدَ اللَّهِ وهو لَمْ يَسْتَنْكِفْ مِن ذَلِكَ، ورَغِبَتْ بِهِ عَنْ عُبُودِيَّةِ اللَّهِ، وهو لَمْ يَرْغَبْ عَنْها، بَلْ أعْلى مَنازِلِهِ عُبُودِيَّةُ اللَّهِ، ومُحَمَّدٌ وإبْراهِيمُ خَيْرٌ مِنهُ، وأعْلى مَنازِلِهِما تَكْمِيلُ مَراتِبِ العُبُودِيَّةِ بِاللَّهِ تَعالى، ويا فَوْزَ مَن رَضِيَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ عَبْدًا، فَلَمْ تَرْضَ المُثَلِّثَةُ بِذَلِكَ.
وَقالَتِ الآرْيُوسِيَّةُ مِنهُمْ، وهم أتْباعُ آرِيُوسَ: إنَّ المَسِيحَ عَبْدُ اللَّهِ كَسائِرِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ، وهو مَرْبُوبٌ مَخْلُوقٌ مَصْنُوعٌ.
وَكانَ النَّجاشِيُّ عَلى هَذا المَذْهَبِ.
وَإذا ظَفَرَتِ المُثَلِّثَةُ بِواحِدٍ مِن هَؤُلاءِ قَتَلُوهُ شَرَّ قِتْلَةٍ، وفَعَلُوا بِهِ ما يُفْعَلُ بِمَن سَبَّ المَسِيحَ وشَتَمَهُ أعْظَمَ سَبٍّ.
وَكُلٌّ مِن تِلْكَ الفِرَقِ الثَّلاثِ عَوامُّهم لا يَفْهَمُ مَقالَةَ خَواصِّهِمْ عَلى حَقِيقَتِها، بَلْ يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ تَخَطّى مَرْيَمَ كَما يَتَخَطّى الرَّجُلُ المَرْأةَ، وأحْبَلَها فَوَلَدَتْ لَهُ ابْنًا، ولا يَعْرِفُونَ تِلْكَ الهَذَياناتِ الَّتِي وضَعَها خَواصُّهُمْ، فَهم يَقُولُونَ: الَّذِي تُدَنْدِنُونَ حَوْلَهُ نَحْنُ نَعْتَقِدُهُ بِغَيْرِ حاجَةٍ مِنّا إلى مَعْرِفَةِ الأقالِيمِ الثَّلاثِ والطَّبِيعَتَيْنِ والمَشِيئَتَيْنِ، وذَلِكَ التَّهْوِيلِ والتَّطْوِيلِ.
وَهم يُصَرِّحُونَ بِأنَّ مَرْيَمَ والِدَةُ الإلَهِ، واللَّهَ أبُوهُ، وهو الِابْنُ فَهَذا الزَّوْجُ والزَّوْجَةُ، والوَلَدُ وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا لَقَدْ أحْصاهم وعَدَّهم عَدًّا وكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَرْدًا.
فَهَذِهِ أقْوالُ أعْداءِ المَسِيحِ مِنَ اليَهُودِ والمُغالِينَ فِيهِ مِنَ النَّصارى والمُثَلِّثَةِ عُبّادِ الصَّلِيبِ قاتَلَ اللَّهُ الفِئَتَيْنِ أنّى يُؤْفَكُونَ.
بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ بِما أزالَ الشُّبْهَةَ في أمْرِهِ، وكَشَفَ الغُمَّةَ، وبَرَّأ المَسِيحَ وأمَّهُ مِمّا افْتَراهُ (مِنَ افْتِراءِ اليَهُودِ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وبَهْتِهِمْ وكَذِبِهِمْ، وتَنَزَّهَ رَبُّ العالَمِينَ وخالِقُ المَسِيحِ وأُمِّهِ مِمّا افْتَراهُ) عَلَيْهِ المُثَلِّثَةُ عُبّادُ الصَّلِيبِ الَّذِينَ سَبُّوهُ أعْظَمَ السَّبِّ قاتَلَهُمُ اللَّهُ. وأنْزَلَ أخاهُ المَسِيحَ بِالمَنزِلَةِ الَّتِي أنْزَلَهُ اللَّهُ بِها، وهي أشْرَفُ مَنازِلِهِ، فَآمَنَ بِهِ وصَدَّقَهُ، وشَهِدَ لَهُ بِأنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ ورُوحُهُ، وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ العَذْراءِ البَتُولِ الطّاهِرَةِ الصِّدِّيقَةِ سَيِّدَةِ نِساءِ العالَمِينَ في زَمانِها، وقَرَّرَ مُعْجِزاتِ المَسِيحِ وآياتِهِ، وأخْبَرَ عَنْ رَبِّهِ تَعالى بِتَخْلِيدِ مَن كَفَرَ بِالمَسِيحِ في النّارِ، وأنَّ رَبَّهُ تَعالى أكْرَمَ عَبْدَهُ ورَسُولَهُ ونَزَّهَهُ وصانَهُ أنْ يَنالَ إخْوانُ القِرَدَةِ أُمَّةُ الغَضَبِ مِنهُ ما زَعَمَتْهُ النَّصارى أنَّهم نالُوهُ مِنهُ، بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ مُؤَيَّدًا مَنصُورًا لَمْ يَشُكْهُ أعْداؤُهُ بِشَوْكَةٍ، ولا نالَتْهُ أيْدِيهِمْ بِأذًى، فَرَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ وأسْكَنَهُ سَماءَهُ وسَيُعِيدُهُ إلى الأرْضِ يَنْتَقِمُ بِهِ مِن مَسِيحِ الضَّلالِ وأتْباعِهِ، ثُمَّ يَكْسِرُ الصَّلِيبَ، ويَقْتُلُ بِهِ الخِنْزِيرَ، ويُعْلِي بِهِ الإسْلامَ، ويَنْصُرُ بِهِ مِلَّةَ أخِيهِ وأوْلى النّاسِ بِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ.
فَإذا وُضِعَ هَذا القَوْلُ في المَسِيحِ في كِفَّةٍ، وقَوْلُ عُبّادِ الصَّلِيبِ المُثَلِّثَةِ في كِفَّةٍ، تَبَيَّنَ لِكُلِّ مَن لَهُ أدْنى مُسْكَةٍ مِن عَقْلٍ، ما بَيْنَهُما مِنَ التَّفاوُتِ، وأنَّ تَفاوُتَهُما كَتَفاوُتِ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ فِيهِ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
فَلَوْلا مُحَمَّدٌ ﷺ لَما عَرَفْنا أنَّ المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ الَّذِي هو رَسُولُ اللَّهِ وعَبْدُهُ وكَلِمَتُهُ ورُوحُهُ مَوْجُودٌ أصْلًا، فَإنَّ هَذا المَسِيحَ الَّذِي أثْبَتَهُ اليَهُودُ مِن شَرارِ خَلْقِ اللَّهِ لَيْسَ بِمَسِيحِ الهُدى.
والَّذِي أثْبَتَهُ النَّصارى مِن أبْطَلِ الباطِلِ لا يُمْكِنُ وُجُودُهُ في عَقْلٍ ولا فِطْرَةٍ. ويَسْتَحِيلُ أنْ يَدْخُلَ في الوُجُودِ أعْظَمَ اسْتِحالَةٍ، ولَوْ أمْكَنَ وجُودَهُ لَبَطَلَتْ أدِلَّةُ العُقُولِ، ولَمْ يَبْقَ لِأحَدٍ ثِقَةٌ بِمَعْقُولٍ أصْلًا، فَإنَّ اسْتِحالَةَ وجُودِهِ فَوْقَ اسْتِحالَةِ جَمِيعِ المُحالاتِ، ولَوْ صَحَّ ما يَقُولُونَ لَبَطَلَ العالَمُ واضْمَحَلَّتِ السَّماواتُ والأرْضُ، وعَدِمَتِ المَلائِكَةُ والعَرْشُ والكُرْسِيُّ، ولَمْ يَكُنْ بَعْثٌ ولا نُشُورٌ ولا جَنَّةٌ ولا نارٌ.
وَلا يُسْتَعْجَبُ مِن إطْباقِ أُمَّةِ الضَّلالِ، الَّذِينَ شَهِدَ اللَّهُ أنَّهم أضَلُّ مِنَ الأنْعامِ عَلى ذَلِكَ، فَكُلُّ باطِلٍ في الوُجُودِ يُنْسَبُ إلى أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ فَإنَّها مُطْبِقَةٌ عَلَيْهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ إطْباقِ الأُمَمِ العَظِيمَةِ الَّتِي لا يُحْصِيها إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى الكُفْرِ والضَّلالِ بَعْدَ مُعايَنَةِ الآياتِ البَيِّناتِ، فَلِعِبادِ الصَّلِيبِ أُسْوَةٌ بِإخْوانِهِمْ مِن أهْلِ الشِّرْكِ والضَّلالِ.
(فَصْلٌ: من بِشاراتُ التَّوْراةِ برسول الله ﷺ)
فِي السِّفْرِ الأوَّلِ مِنَ التَّوْراةِ: إنَّ اللَّهَ قالَ لِإبْراهِيمَ إنِّي جاعِلٌ ابْنَكَ إسْماعِيلَ لِأُمَّةٍ عَظِيمَةٍ إذْ هو مِن زَرْعِكَ.
وَهَذِهِ بِشارَةٌ بِمَن جُعِلَ مِن ولَدِهِ لِأُمَّةٍ عَظِيمَةٍ، ولَيْسَ هو سِوى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﷺ.
الَّذِي هو مِن صَمِيمِ ولَدِهِ، فَإنَّهُ جُعِلَ لِأُمَّةٍ عَظِيمَةٍ، ومَن تَدَبَّرَ هَذِهِ البِشارَةَ جَزَمَ بِأنَّ المُرادَ بِها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، لِأنَّ إسْماعِيلَ لَمْ تَكُنْ يَدُهُ فَوْقَ يَدِ إسْحاقَ قَطُّ، ولا كانَتْ يَدُ إسْحاقَ مَبْسُوطَةً إلَيْهِ بِالخُضُوعِ، وكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ وقَدْ كانَتِ النُّبُوَّةُ والمُلْكُ في ولَدِ إسْرائِيلَ والعِيصِ وهُما ابْنا إسْحاقَ. فَلَمّا بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ انْتَقَلَتِ النُّبُوَّةُ إلى ولَدِ إسْماعِيلَ ودانَتْ لَهُ الأُمَمُ، وخَضَعَتْ لَهُ المُلُوكُ، وجُعِلَ خِلافَةُ المُلْكِ إلى أهْلِ بَيْتِهِ إلى آخِرِ الدَّهْرِ، وصارَتْ أيْدِيهِمْ فَوْقَ أيْدِي الجَمِيعِ، وأيْدِي الجَمِيعِ مَبْسُوطَةً إلَيْهِمْ بِالخُضُوعِ، وكَذَلِكَ في السِّفْرِ الأوَّلِ: إنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لِإبْراهِيمَ: إنَّ في هَذا العامِ يُولَدُ لَكَ ولَدٌ اسْمُهُ إسْحاقَ، فَقالَ إبْراهِيمُ: لَيْتَ إسْماعِيلَ هَذا يَحْيى بَيْنَ يَدَيْكَ ويُمَجِّدُكَ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: {قَدِ اسْتَجَبْتُ لَكَ في إسْماعِيلِ وإنِّي أُبارِكُهُ وأُنَمِّيهِ وأُعَظِّمُهُ جِدًّا جِدًّا بِما قَدِ اسْتَجَبْتُ فِيهِ، وإنِّي أُصَيِّرُهُ إلى أُمَّةٍ كَبِيرَةٍ عَظِيمَةٍ، وأُعْطِيهِ شَعْبًا جَلِيلًا. ولَمْ يَأْتِ مِن صُلِبَ إسْماعِيلَ مَن بُورِكَ وعَظُمَ وانْطَبَقَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ العَلاماتُ غَيْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأُمَّتِهِ، مَلَئُوا الآفاقَ وأرْبُوا في الكَثْرَةِ عَلى نَسْلِ إسْحاقَ.
قالَ في التَّوْراةِ في السِّفْرِ الخامِسِ: قالَ مُوسى لِبَنِي إسْرائِيلَ: لا تُطِيعُوا العَرّافِينَ والمُنَجِّمِينَ، فَسَيُقِيمُ لَكُمُ الرَّبُّ سُبْحانَهُ وتَعالى نَبِيًّا مِن إخْوَتِكم مِثْلِي، فَأطِيعُوا ذَلِكَ النَّبِيَّ.
وَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا النَّبِيُّ المَوْعُودُ بِهِ مِن أنْفُسِ بَنِي إسْرائِيلَ لِما تَقَدَّمَ أنَّ إخْوَةَ القَوْمِ لَيْسُوا أنْفُسَهُمْ، كَما تَقُولُ: بَكْرٌ وتَغْلِبُ ابْنا وائِلٍ، ثُمَّ تَقُولُ: تَغْلِبُ أخُو بَكْرٍ، وبَنُو تَغْلِبَ إخْوَةُ بَكْرٍ، فَلَوْ قُلْتَ: إخْوَةُ بَنِي بَكْرٍ بَنُو بَكْرٍ كانَ مُحالًا، ولَوْ قُلْتَ لِرَجُلٍ: ائْتِنِي بِرَجُلٍ مِن إخْوَةِ بَنِي بَكْرِ بْنِ وائِلٍ لَكانَ الواجِبُ أنْ تَأْتِيَ بِرَجُلٍ مِن بَنِي تَغْلِبَ بْنِ وائِلٍ لا بِواحِدٍ مِن بَنِي بَكْرٍ.
ما في الإنْجِيلِ أنَّ المَسِيحَ قالَ لِلْحِوارِيَّيْنِ: أنا أذْهَبُ وسَيَأْتِيكُمُ البارَقْلِيطُ رُوحُ الحَقِّ، لا يَتَكَلَّمُ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ، إنَّما هو كَما يُقالُ لَهُ، وهو يَشْهَدُ لِي وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ، لِأنَّكم مَعِي مِن قَبْلِ النّاسِ، وكُلُّ شَيْءٍ أعَدَّهُ اللَّهُ لَكم يُخْبِرُكم بِهِ.
وَفِي إنْجِيلِ يُوحَنّا: البارَقْلِيطُ لا يَجِيئُكم ما لَمْ أذْهَبْ، وإذا جاءَ وبَّخَّ العالَمَ عَلى الخَطِيئَةِ، ولا يَقُولُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ، ولَكِنَّهُ مِمّا يَسْمَعُ بِهِ يُكَلِّمُكم ويَسُوسُكم بِالحَقِّ، ويُخْبِرُكم بِالحَوادِثِ والغُيُوبِ.
وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ: إنِّي سائِلٌ أبِي أنْ يَبْعَثَ إلَيْكم بارَقْلِيطًا آخَرَ يَكُونُ مُعَلِّمَ الأبَدِ، وهو يُعَلِّمُكم كُلَّ شَيْءٍ.
وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ: ابْنُ البَشَرِ ذاهِبٌ، والبارَقْلِيطُ مِن بَعْدِهِ يَجِيءُ لَكم بِالأسْرارِ، ويُفَسِّرُ لَكم كُلَّ شَيْءٍ، وهو يَشْهَدُ لِي كَما شَهِدْتُ لَهُ، فَإنِّي أجِيئُكم بِالأمْثالِ وهو يَأْتِيكم بِالتَّأْوِيلِ.
قالَ أبُو مُحَمَّدِ بْنُ قُتَيْبَةَ: وهَذِهِ الأشْياءُ عَلى اخْتِلافِها مُتَقارِبَةٌ، وإنَّما اخْتَلَفَتْ لِأنَّ مَن نَقَلَها عَنِ المَسِيحِ ﷺ في الإنْجِيلِ مِنَ الحَوارِيِّينَ بَعْدَهُ، والبارَقْلِيطُ في لُغَتِهِمْ مِن ألْفاظِ الحَمْدِ، إمّا أحْمَدُ أوْ مُحَمَّدٌ أوْ مَحْمُودٌ أوْ حامِدٌ ونَحْوُ ذَلِكَ ... وهو في الإنْجِيلِ الحَبَشِيِّ: بَرَفْقِطِيسُ.
وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ: إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونِي فاحْفَظُوا وصايايَ، وأنا أطْلُبُ مِنَ الأبِ أنْ يُعْطِيَكم بارَقْلِيطًا آخَرَ يَثْبُتُ مَعَكم إلى الأبَدِ، ويَتَكَلَّمُ بِرُوحِ الحَقِّ الَّذِي لَمْ يُطِقِ العالَمُ أنْ يَقْبَلُوهُ لِأنَّهم لَمْ يَعْرِفُوهُ، ولَسْتُ أدَعُكم أيْتامًا لِأنِّي سَآتِيكم عَنْ قَرِيبٍ.
وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ: مَن يُحِبَّنِي بِحْفَظِ كَلِمَتِي يُحِبَّهُ وإلَيْهِ يَأْتِ وعِنْدَهُ يَتَّخِذُ المَنزِلَ، كَلَّمْتُكم بِهَذا لِأنِّي لَسْتُ عِنْدَكم مُقِيمًا، والبارَقْلِيطُ رُوحُ الحَقِّ الَّذِي يُرْسِلُهُ أبِي، وهو يُعَلِّمُكم كُلَّ شَيْءٍ، وهو يُذَكِّرُكم كُلَّ ما قُلْتُ لَكُمْ، اسْتَوْدَعْتُكم سَلامِي، لا تَقْلَقُ قُلُوبُكُمْ، ولا تَجْزَعُوا، فَإنِّي مُنْطَلِقٌ وعائِدٌ إلَيْكُمْ، لَوْ كُنْتُمْ تُحِبُّونِي كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ بِمُضِيِّي إلى أبِي، فَإنْ ثَبَتَ كَلامِي فِيكم كانَ لَكم كُلُّ ما تُرِيدُونَ.
وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ: إذا جاءَ البارَقْلِيطُ الَّذِي أبِي يُرْسِلُهُ رُوحُ الحَقِّ الَّذِي مِن أبِي يَشْهَدُ لِي ما قُلْتُ لَكم حَتّى إذا كانَ تُؤْمِنُوا ولا تَشُكُّوا فِيهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences