Ibn al-QayyimAt‑Tahrim · 66:6

Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic

At-Tahrim 66:6, continued

وَسَمِعْتُ شَيْخَ الإسْلامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ: أمَرَ اللَّهُ بِقَدْرٍ زائِدٍ عَلى سَتْرِ العَوْرَةِ في الصَّلاةِ. وهو أخْذُ الزِّينَةِ. فَقالَ تَعالى ﴿خُذُوا زِينَتَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]

فَعَلَّقَ الأمْرَ بِأخْذِ الزِّينَةِ، لا بِسَتْرِ العَوْرَةِ، إيذانًا بِأنَّ العَبْدَ يَنْبَغِي لَهُ: أنْ يَلْبَسَ أزْيَنَ ثِيابِهِ، وأجْمَلَها في الصَّلاةِ.

وَكانَ لِبَعْضِ السَّلَفِ حُلَّةٌ بِمَبْلَغٍ عَظِيمٍ مِنَ المالِ. وكانَ يَلْبَسُها وقْتَ الصَّلاةِ. ويَقُولُ: رَبِّي أحَقُّ مَن تَجَمَّلْتُ لَهُ في صَلاتِي.

وَمَعْلُومٌ: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى يُحِبُّ أنْ يَرى أثَرَ نِعْمَتِهِ عَلى عَبْدِهِ. لاسِيَّما إذا

وَقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ. فَأحْسَنُ ما وقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ بِمَلابِسِهِ ونِعْمَتِهِ الَّتِي ألْبَسَهُ إيّاها ظاهِرًا وباطِنًا.

وَمِنَ الأدَبِ: نَهى النَّبِيُّ ﷺ المُصَلِّيَ: «أنْ يَرْفَعَ بَصَرَهُ إلى السَّماءِ».

فَسَمِعْتُ شَيْخَ الإسْلامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ - يَقُولُ: هَذا مِن كَمالِ أدَبِ الصَّلاةِ: أنْ يَقِفَ العَبْدُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ مُطْرِقًا، خافِضًا طَرْفَهُ إلى الأرْضِ. ولا يَرْفَعَ بَصَرَهُ إلى فَوْقٍ.

قالَ: والجَهْمِيَّةُ - لَمّا لَمْ يَفْقَهُوا هَذا الأدَبَ، ولا عَرَفُوهُ - ظَنُّوا أنَّ هَذا دَلِيلٌ أنَّ اللَّهَ لَيْسَ فَوْقَ سَمَواتِهِ عَلى عَرْشِهِ. كَما أخْبَرَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ. واتَّفَقَتْ عَلَيْهِ رُسُلُهُ وجَمِيعُ أهْلِ السُّنَّةِ.

قالَ: وهَذا مِن جَهْلِهِمْ. بَلْ هَذا دَلِيلٌ لِمَن عَقَلَ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ عَلى نَقِيضِ قَوْلِهِمْ؛ إذْ مِنَ الأدَبِ مَعَ المُلُوكِ: أنَّ الواقِفَ بَيْنَ أيْدِيهِمْ يَطْرُقُ إلى الأرْضِ. ولا يَرْفَعُ بَصَرَهُ إلَيْهِمْ. فَما الظَّنُّ بِمَلِكِ المُلُوكِ سُبْحانَهُ؟

وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ - في نَهْيِهِ ﷺ عَنْ قِراءَةِ القُرْآنِ في الرُّكُوعِ والسُّجُودِ - إنَّ القُرْآنَ هو أشْرَفُ الكَلامِ. وهو كَلامُ اللَّهِ. وحالَتا الرُّكُوعِ والسُّجُودِ حالَتا ذُلٍّ وانْخِفاضٍ مِنَ العَبْدِ. فَمِنَ الأدَبِ مَعَ كَلامِ اللَّهِ: أنْ لا يُقْرَأ في هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ. ويَكُونَ حالُ القِيامِ والِانْتِصابِ أوْلى بِهِ.

وَمِنَ الأدَبِ مَعَ اللَّهِ: أنْ لا يَسْتَقْبِلَ بَيْتَهُ ولا يَسْتَدْبِرَهُ عِنْدَ قَضاءِ الحاجَةِ. كَما ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في حَدِيثِ أبِي أيُّوبَ وسَلْمانَ وأبِي هُرَيْرَةَ، وغَيْرِهِمْ. رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم. والصَّحِيحُ: أنَّ هَذا الأدَبَ: يَعُمُّ الفَضاءَ والبُنْيانَ. كَما ذَكَرْنا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ.

وَمِنَ الأدَبِ مَعَ اللَّهِ، في الوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْهِ في الصَّلاةِ: وضَعُ اليُمْنى عَلى اليُسْرى حالَ قِيامِ القِراءَةِ، فَفي المُوَطَّأِ لِمالِكٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أنَّهُ مِنَ السُّنَّةِ، وكانَ النّاسُ يُؤْمَرُونَ بِهِ ولا رَيْبَ أنَّهُ مِن أدَبِ الوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيِ المُلُوكِ والعُظَماءِ. فَعَظِيمُ العُظَماءِ أحَقُّ بِهِ.

وَمِنها: السُّكُونُ في الصَّلاةِ. وهو الدَّوامُ الَّذِي قالَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ: ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ [المعارج: ٢٣].

قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبارَكِ عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أبِي حَبِيبٍ: أنَّ أبا الخَيْرِ أخْبَرَهُ قالَ: سَألْنا عُقْبَةَ بْنَ عامِرٍ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ [المعارج: ٢٣] أهُمُ الَّذِينَ يُصَلُّونَ دائِمًا؟ قالَ: لا. ولَكِنَّهُ إذا صَلّى لَمْ يَلْتَفِتْ عَنْ يَمِينِهِ، ولا عَنْ شِمالِهِ ولا خَلْفَهُ.

قُلْتُ: هُما أمْرانِ. الدَّوامُ عَلَيْها. والمُداوَمَةُ عَلَيْها. فَهَذا الدَّوامُ. والمُداوَمَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ [المعارج: ٣٤] وفُسِّرَ الدَّوامُ بِسُكُونِ الأطْرافِ والطُّمَأْنِينَةِ.

وَأدَبِهِ في اسْتِماعِ القِراءَةِ: أنْ يُلْقِيَ السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ.

وَأدَبُهُ في الرُّكُوعِ: أنْ يَسْتَوِيَ. ويُعَظِّمَ اللَّهَ تَعالى، حَتّى لا يَكُونَ في قَلْبِهِ شَيْءٌ أعْظَمُ مِنهُ. ويَتَضاءَلَ ويَتَصاغَرَ في نَفْسِهِ. حَتّى يَكُونَ أقَلَّ مِنَ الهَباءِ.

والمَقْصُودُ: أنَّ الأدَبَ مَعَ اللَّهِ تَبارَكَ وتَعالى: هو القِيامُ بِدِينِهِ، والتَّأدُّبُ بِآدابِهِ ظاهِرًا وباطِنًا.

وَلا يَسْتَقِيمُ لِأحَدٍ قَطُّ الأدَبُ مَعَ اللَّهِ إلّا بِثَلاثَةِ أشْياءَ: مَعْرِفَتُهُ بِأسْمائِهِ وصِفاتِهِ، ومَعْرِفَتُهُ بِدِينِهِ وشَرْعِهِ، وما يُحِبُّ وما يَكْرَهُ. ونَفْسٌ مُسْتَعِدَّةٌ قابِلَةٌ لَيِّنَةٌ، مُتَهَيِّئَةٌ لِقَبُولِ الحَقِّ عِلْمًا وعَمَلًا وحالًا. واللَّهُ المُسْتَعانُ.

[فَصْلٌ الأدَبُ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ]

وَأمّا الأدَبُ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ: فالقُرْآنُ مَمْلُوءٌ بِهِ.

فَرَأسُ الأدَبِ مَعَهُ: كَمالُ التَّسْلِيمِ لَهُ، والِانْقِيادُ لِأمْرِهِ. وتَلَقِّي خَبَرِهِ بِالقَبُولِ والتَّصْدِيقِ، دُونَ أنْ يُحَمِّلَهُ مُعارَضَةَ خَيالٍ باطِلٍ، يُسَمِّيهِ مَعْقُولًا. أوْ يُحَمِّلَهُ شُبْهَةً أوْ شَكًّا، أوْ يُقَدِّمَ عَلَيْهِ آراءَ الرِّجالِ، وزُبالاتِ أذْهانِهِمْ، فَيُوَحِّدُهُ بِالتَّحْكِيمِ والتَّسْلِيمِ، والِانْقِيادِ والإذْعانِ. كَما وحَّدَ المُرْسِلَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالعِبادَةِ والخُضُوعِ والذُّلِّ، والإنابَةِ والتَّوَكُّلِ.

فَهُما تَوْحِيدانِ. لا نَجاةَ لِلْعَبْدِ مِن عَذابِ اللَّهِ إلّا بِهِما:

تَوْحِيدُ المُرْسِلِ. وتَوْحِيدُ مُتابَعَةِ الرَّسُولِ.

فَلا يُحاكِمُ إلى غَيْرِهِ. ولا يَرْضى بِحُكْمِ غَيْرِهِ. ولا يَقِفُ تَنْفِيذُ أمْرِهِ. وتَصْدِيقُ خَبَرِهِ. عَلى عَرْضِهِ عَلى قَوْلِ شَيْخِهِ وإمامِهِ، وذَوِي مَذْهَبِهِ وطائِفَتِهِ، ومَن يُعَظِّمُهُ.

فَإنْ أذِنُوا لَهُ نَفَّذَهُ وقَبِلَ خَبَرَهُ، وإلّا فَإنْ طَلَبَ السَّلامَةَ: أعْرَضَ عَنْ أمْرِهِ وخَبَرِهِ وفَوَّضَهُ إلَيْهِمْ، وإلّا حَرَّفَهُ عَنْ مَواضِعِهِ. وسَمّى تَحْرِيفَهُ: تَأْوِيلًا، وحَمْلًا. فَقالَ: نُؤَوِّلُهُ ونَحْمِلُهُ.

فَلَأنْ يَلْقى العَبْدُ رَبَّهُ بِكُلِّ ذَنْبٍ عَلى الإطْلاقِ - ما خَلا الشِّرْكَ بِاللَّهِ - خَيْرٌ لَهُ مِن أنْ يَلْقاهُ بِهَذِهِ الحالِ.

وَلَقَدْ خاطَبْتُ يَوْمًا بَعْضَ أكابِرِ هَؤُلاءِ. فَقُلْتُ لَهُ: سَألْتُكَ بِاللَّهِ. لَوْ قُدِّرَ أنَّ الرَّسُولَ ﷺ حَيٌّ بَيْنَ أظْهُرِنا. وقَدْ واجَهَنا بِكَلامِهِ وبِخِطابِهِ. أكانَ فَرْضًا عَلَيْنا أنْ نَتْبَعَهُ مِن غَيْرِ أنْ نَعْرِضَهُ عَلى رَأْيِ غَيْرِهِ وكَلامِهِ ومَذْهَبِهِ، أمْ لا نَتْبَعَهُ حَتّى نَعْرِضَ ما سَمِعْناهُ مِنهُ عَلى آراءِ النّاسِ وعُقُولِهِمْ؟

فَقالَ: بَلْ كانَ الفَرْضُ المُبادَرَةَ إلى الِامْتِثالِ مِن غَيْرِ التِفاتٍ إلى سِواهُ.

فَقُلْتُ: فَما الَّذِي نَسَخَ هَذا الفَرْضَ عَنّا؟ وبِأيِّ شَيْءٍ نُسِخَ؟

فَوَضَعَ إصْبَعَهُ عَلى فِيهِ. وبَقِيَ باهِتًا مُتَحَيِّرًا. وما نَطَقَ بِكَلِمَةٍ.

هَذا أدَبُ الخَواصِّ مَعَهُ. لا مُخالَفَةِ أمْرِهِ والشِّرْكِ بِهِ. ورَفْعِ الأصْواتِ، وإزْعاجِ الأعْضاءِ بِالصَّلاةِ عَلَيْهِ والتَّسْلِيمِ. وعَزْلِ كَلامِهِ عَنِ اليَقِينِ. وأنْ يُسْتَفادَ مِنهُ مَعْرِفَةُ اللَّهِ، أوْ يُتَلَقّى مِنهُ أحْكامُهُ. بَلِ المُعَوَّلُ في بابِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ عَلى العُقُولِ المُتَهَوِّكَةِ المُتَحَيِّرَةِ المُتَناقِضَةِ. وفي الأحْكامِ: عَلى تَقْلِيدِ الرِّجالِ وآرائِها. والقُرْآنُ والسُّنَّةُ إنَّما نَقْرَؤُهُما تَبَرُّكًا، لا أنّا نَتَلَقّى مِنهُما أُصُولَ الدِّينِ ولا فُرُوعَهُ. ومَن طَلَبَ ذَلِكَ ورامَهُ عادَيْناهُ وسَعَيْنا في قَطْعِ دابِرِهِ. واسْتِئْصالِ شَأْفَتِهِ ﴿بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ مِن هَذا ولَهم أعْمالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ هم لَها عامِلُونَ - حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ إذا هم يَجْأرُونَ - لا تَجْأرُوا اليَوْمَ إنَّكم مِنّا لا تُنْصَرُونَ - قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فَكُنْتُمْ عَلى أعْقابِكم تَنْكِصُونَ - مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِرًا تَهْجُرُونَ - أفَلَمْ يَدَّبَّرُوا القَوْلَ أمْ جاءَهم ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ - أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهم فَهم لَهُ مُنْكِرُونَ - أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ وأكْثَرُهم لِلْحَقِّ كارِهُونَ - ولَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهم لَفَسَدَتِ السَّماواتُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ بَلْ أتَيْناهم بِذِكْرِهِمْ فَهم عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ - أمْ تَسْألُهم خَرْجًا فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وهو خَيْرُ الرّازِقِينَ - وإنَّكَ لَتَدْعُوهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ - وإنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٣-٧٤].

والنّاصِحُ لِنَفْسِهِ. العامِلُ عَلى نَجاتِها: يَتَدَبَّرُ هَذِهِ الآياتَ حَقَّ تَدَبُّرِها. ويَتَأمَّلُها حَقَّ تَأمُّلِها. ويُنْزِلُها عَلى الواقِعِ: فَيَرى العَجَبَ. ولا يَظُنُّها اخْتَصَّتْ بِقَوْمٍ كانُوا فَبانُوا. فالحَدِيثُ لَكِ. واسْمَعِي يا جارَةُ. واللَّهُ المُسْتَعانُ.

وَمِنَ الأدَبِ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ: أنْ لا يَتَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ بِأمْرٍ ولا نَهْيٍ، ولا إذَنٍ ولا تَصَرُّفٍ. حَتّى يَأْمُرَ هُوَ، ويَنْهى ويَأْذَنَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] وهَذا باقٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ولَمْ يُنْسَخْ. فالتَّقَدُّمُ بَيْنَ يَدَيْ سُنَّتِهِ بَعْدَ وفاتِهِ، كالتَّقَدُّمِ بَيْنَ يَدَيْهِ في حَيّاتِهِ، ولا فَرْقَ بَيْنَهُما عِنْدَ ذِي عَقْلٍ سَلِيمٍ.

قالَ مُجاهِدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: لا تَفْتاتُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.

وَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: تَقُولُ العَرَبُ: لا تُقَدِّمْ بَيْنَ يَدَيِ الإمامِ وبَيْنَ يَدَيِ الأبِ. أيْ لا تُعَجِّلُوا بِالأمْرِ والنَّهْيِ دُونَهُ.

وَقالَ غَيْرُهُ: لا تَأْمُرُوا حَتّى يَأْمُرَ. ولا تَنْهُوا حَتّى يَنْهى.

وَمِنَ الأدَبِ مَعَهُ: أنْ لا تُرْفَعَ الأصْواتُ فَوْقَ صَوْتِهِ. فَإنَّهُ سَبَبٌ لِحُبُوطِ الأعْمالِ فَما الظَّنُّ بِرَفْعِ الآراءِ، ونَتائِجِ الأفْكارِ عَلى سُنَّتِهِ وما جاءَ بِهِ؟ أتُرى ذَلِكَ مُوجِبًا لِقَبُولِ الأعْمالِ، ورَفْعُ الصَّوْتِ فَوْقَ صَوْتِهِ مُوجِبٌ لِحُبُوطِها؟

وَمِنَ الأدَبِ مَعَهُ: أنْ لا يَجْعَلَ دُعاءَهُ كَدُعاءِ غَيْرِهِ. قالَ تَعالى: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكم كَدُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣]. وفِيهِ قَوْلانِ لِلْمُفَسِّرِينَ.

أحَدُهُما: أنَّكم لا تَدْعُونَهُ بِاسْمِهِ، كَما يَدْعُو بَعْضُكم بَعْضًا، بَلْ قُولُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، يا نَبِيَّ اللَّهِ، فَعَلى هَذا: المَصْدَرُ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ، أيْ دُعاءَكُمُ الرَّسُولَ.

الثّانِي: أنَّ المَعْنى: لا تَجْعَلُوا دُعاءَهُ لَكم بِمَنزِلَةِ دُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا. إنْ شاءَ أجابَ، وإنْ شاءَ تَرَكَ، بَلْ إذا دَعاكم لَمْ يَكُنْ لَكم بُدٌّ مِن إجابَتِهِ، ولَمْ يَسَعْكُمُ التَّخَلُّفُ عَنْها ألْبَتَّةَ. فَعَلى هَذا: المَصْدَرُ مُضافٌ إلى الفاعِلِ. أيْ دُعاؤُهُ إيّاكم.

وَمِنَ الأدَبِ مَعَهُ: أنَّهم إذا كانُوا مَعَهُ عَلى أمْرٍ جامِعٍ - مِن خُطْبَةٍ، أوْ جِهادٍ، أوْ رِباطٍ - لَمْ يَذْهَبْ أحَدٌ مِنهم مَذْهَبًا في حاجَتِهِ حَتّى يَسْتَأْذِنَهُ.

كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وإذا كانُوا مَعَهُ عَلى أمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ [النور: ٦٢]. فَإذا كانَ هَذا مَذْهَبًا مُقَيَّدًا بِحاجَةٍ عارِضَةٍ، ولَمْ يُوَسِّعْ لَهم فِيهِ إلّا بِإذْنِهِ فَكَيْفَ بِمَذْهَبٍ مُطْلَقٍ في تَفاصِيلِ الدِّينِ: أُصُولِهِ، وفُرُوعِهِ، دَقِيقِهِ، وجَلِيلِهِ؟ هَلْ يُشْرَعُ الذَّهابُ إلَيْهِ بِدُونِ اسْتِئْذانِهِ؟ ﴿فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣].

وَمِنَ الأدَبِ مَعَهُ: أنْ لا يُسْتَشْكَلَ قَوْلُهُ:. بَلْ تُسْتَشْكَلُ الآراءُ لِقَوْلِهِ: ولا يُعارَضُ نَصُّهُ بِقِياسٍ بَلْ تُهْدَرُ الأقْيِسَةُ وتُلْقى لِنُصُوصِهِ. ولا يُحَرَّفُ كَلامُهُ عَنْ حَقِيقَتِهِ لِخَيالٍ يُسَمِّيهِ أصْحابُهُ مَعْقُولًا، نَعَمْ هو مَجْهُولٌ، وعَنِ الصَّوابِ مَعْزُولٌ، ولا يُوقَفُ قَبُولُ ما جاءَ بِهِ ﷺ عَلى مُوافَقَةِ أحَدٍ، فَكُلُّ هَذا مِن قِلَّةِ الأدَبِ مَعَهُ ﷺ. وهو عَيْنُ الجُرْأةِ.

[فَصْلٌ الأدَبُ مَعَ الخَلْقِ]

وَأمّا الأدَبُ مَعَ الخَلْقِ: فَهو مُعامَلَتُهم - عَلى اخْتِلافِ مَراتِبِهِمْ - بِما يَلِيقُ بِهِمْ. فَلِكُلِّ مَرْتَبَةٍ أدَبٌ. والمَراتِبُ فِيها أدَبٌ خاصٌّ. فَمَعَ الوالِدَيْنِ: أدَبٌ خاصٌّ ولِلْأبِ مِنهُما: أدَّبٌ هو أخُصُّ بِهِ، ومَعَ العالِمِ: أدَبٌ آخَرُ، ومَعَ السُّلْطانِ: أدَبٌ يَلِيقُ بِهِ، ولَهُ مَعَ الأقْرانِ أدَبٌ يَلِيقُ بِهِمْ. ومَعَ الأجانِبِ: أدَبٌ غَيْرُ أدَبِهِ مَعَ أصْحابِهِ وذَوِي أُنْسِهِ. ومَعَ الضَّيْفِ: أدَبٌ غَيْرُ أدَبِهِ مَعَ أهْلِ بَيْتِهِ.

وَلِكُلِّ حالٍ أدَبٌ: فَلِلْأكْلِ آدابٌ. ولِلشُّرْبِ آدابٌ. ولِلرُّكُوبِ والدُّخُولِ والخُرُوجِ والسَّفَرِ والإقامَةِ والنَّوْمِ آدابٌ. ولِلْبَوْلِ آدابٌ. ولِلْكَلامِ آدابٌ. ولِلسُّكُوتِ والِاسْتِماعِ آدابٌ.

وَأدَبُ المَرْءِ: عُنْوانُ سَعادَتِهِ وفَلاحِهِ. وقِلَّةُ أدَبِهِ: عُنْوانُ شَقاوَتِهِ وبَوارِهِ.

فَما اسْتُجْلِبَ خَيْرُ الدُّنْيا والآخِرَةِ بِمِثْلِ الأدَبِ، ولا اسْتُجْلِبَ حِرْمانُهُما بِمِثْلِ قِلَّةِ الأدَبِ.

فانْظُرْ إلى الأدَبِ مَعَ الوالِدَيْنِ: كَيْفَ نَجّى صاحِبَهُ مِن حَبْسِ الغارِ حِينَ أطْبَقَتْ عَلَيْهِمُ الصَّخْرَةُ؟ والإخْلالُ بِهِ مَعَ الأُمِّ - تَأْوِيلًا وإقْبالًا عَلى الصَّلاةِ - كَيْفَ امْتُحِنَ صاحِبُهُ بِهَدْمِ صَوْمَعَتِهِ وضَرْبِ النّاسِ لَهُ، ورَمْيِهِ بِالفاحِشَةِ؟

وَتَأمَّلْ أحْوالَ كُلِّ شَقِيٍّ ومُغْتَرٍّ ومُدْبِرٍ: كَيْفَ تَجِدُ قِلَّةَ الأدَبِ هي الَّتِي ساقَتْهُ إلى الحِرْمانِ؟

وانْظُرْ قِلَّةَ أدَبِ عَوْفٍ مَعَ خالِدٍ: كَيْفَ حَرَمَهُ السَّلْبَ بَعْدَ أنْ بَرَدَ بِيَدَيْهِ؟

وانْظُرْ أدَبَ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في الصَّلاةِ: أنْ يَتَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ. فَقالَ: ما كانَ يَنْبَغِي لِابْنِ أبِي قُحافَةَ أنْ يَتَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. كَيْفَ أوْرَثَهُ مَقامَهُ والإمامَةَ بِالأُمَّةِ بَعْدَهُ؟ فَكانَ ذَلِكَ التَّأخُّرُ إلى خَلْفِهِ - وقَدْ أوْمَأ إلَيْهِ أنِ اثْبُتْ مَكانَكَ - جَمْزًا، وسَعْيًا إلى قُدّامَ؟ بِكُلِّ خُطْوَةٍ إلى وراءَ مَراحِلُ إلى قُدّامَ. تَنْقَطِعُ فِيها أعْناقُ المَطِيِّ. واللَّهُ أعْلَمُ.

[فَصْلٌ حَقِيقَةُ الأدَبِ]

قالَ صاحِبُ " المَنازِلِ ":

الأدَبُ: حِفْظُ الحَدِّ، بَيْنَ الغُلُوِّ والجَفاءِ، بِمَعْرِفَةِ ضَرَرِ العُدْوانِ.

هَذا مِن أحْسَنِ الحُدُودِ. فَإنَّ الِانْحِرافَ إلى أحَدِ طَرَفَيِ الغُلُوِّ والجَفاءِ: هو قِلَّةُ الأدَبِ. والأدَبُ: الوُقُوفُ في الوَسَطِ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ، فَلا يُقَصِّرُ بِحُدُودِ الشَّرْعِ عَنْ تَمامِها. ولا يَتَجاوَزُ بِها ما جُعِلَتْ حُدُودًا لَهُ. فَكِلاهُما عُدْوانٌ. واللَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ. والعُدْوانُ: هو سُوءُ الأدَبِ.

وَقالَ بَعْضُ السَّلَفِ: دِينُ اللَّهِ بَيْنَ الغالِي فِيهِ والجافِي عَنْهُ.

فَإضاعَةُ الأدَبِ بِالجَفاءِ: كَمَن لَمْ يُكْمِلْ أعْضاءَ الوُضُوءِ. ولَمْ يُوفِّ الصَّلاةَ آدابَها الَّتِي سَنَّها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وفَعَلَها. وهي قَرِيبٌ مِن مِائَةِ أدَبٍ: ما بَيْنَ واجِبٍ ومُسْتَحَبٍّ.

وَإضاعَتُهُ بِالغُلُوِّ: كالوَسْوَسَةِ في عَقْدِ النِّيَّةِ. ورَفَعِ الصَّوْتِ بِها. والجَهْرِ بِالأذْكارِ والدَّعَواتِ الَّتِي شُرِعَتْ سِرًّا. وتَطْوِيلِ ما السُّنَّةُ تَخْفِيفُهُ وحَذْفُهُ. كالتَّشَهُّدِ الأوَّلِ والسَّلامِ الَّذِي حَذْفُهُ سُنَّةٌ. وزِيادَةِ التَّطْوِيلِ عَلى ما فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا عَلى ما يَظُنُّهُ سُرّاقُ الصَّلاةِ والنَّقّارُونَ لَها ويَشْتَهُونَهُ. فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ لِيَأْمُرَ بِأمْرٍ ويُخالِفَهُ. وقَدْ صانَهُ اللَّهُ مِن ذَلِكَ. وكانَ يَأْمُرُهم بِالتَّخْفِيفِ ويَؤُمُّهم بِالصّافّاتِ، ويَأْمُرُهم بِالتَّخْفِيفِ وتُقامُ صَلاةُ الظُّهْرِ، فَيَذْهَبُ الذّاهِبُ إلى البَقِيعِ، فَيَقْضِي حاجَتَهُ. ويَأْتِي أهْلَهُ ويَتَوَضَّأُ. ويُدْرِكُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في الرَّكْعَةِ الأُولى. فَهَذا هو التَّخْفِيفُ الَّذِي أمَرَ بِهِ. لا نَقْرَ الصَّلاةِ وسَرْقَها. فَإنَّ ذَلِكَ اخْتِصارٌ، بَلِ اقْتِصارٌ عَلى ما يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ. ويُسَمّى بِهِ مُصَلِّيًا، وهو كَأكْلِ المُضْطَرِّ في المَخْمَصَةِ ما يَسُدُّ بِهِ رَمَقَهُ: فَلَيْتَهُ شِبَعَ عَلى القَوْلِ الآخَرِ، وهو كَجائِعٍ قُدِّمَ إلَيْهِ طَعامٌ لَذِيذٌ جِدًّا. فَأكَلَ مِنهُ لُقْمَةً أوْ لُقْمَتَيْنِ. فَماذا يُغْنِيانِ عَنْهُ؟ ولَكِنْ لَوْ أحَسَّ بِجُوعِهِ لَما قامَ مِنَ الطَّعامِ حَتّى يَشْبَعَ مِنهُ وهو يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ. لَكِنَّ القَلْبَ شَبْعانُ مِن شَيْءٍ آخَرَ.

وَمِثالُ هَذا التَّوَسُّطُ في حَقِّ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ: أنْ لا يَغْلُوَ فِيهِمْ، كَما غَلَتِ النَّصارى في المَسِيحِ، ولا يَجْفُوَ عَنْهُمْ، كَما جَفَتِ اليَهُودُ. فالنَّصارى عَبَدُوهم. واليَهُودُ قَتَلُوهم وكَذَّبُوهم. والأُمَّةُ الوَسَطُ: آمَنُوا بِهِمْ، وعَزَّرُوهم ونَصَرُوهُمْ، واتَّبَعُوا ما جاءُوا بِهِ.

وَمِثالُ ذَلِكَ في حُقُوقِ الخَلْقِ: أنْ لا يُفَرِّطَ في القِيامِ بِحُقُوقِهِمْ، ولا يَسْتَغْرِقَ فِيها، بِحَيْثُ يَشْتَغِلُ بِها عَنْ حُقُوقِ اللَّهِ، أوْ عَنْ تَكْمِيلِها، أوْ عَنْ مَصْلَحَةِ دِينِهِ وقَلْبِهِ، وأنْ لا يَجْفُوَ عَنْها حَتّى يُعَطِّلَها بِالكُلِّيَّةِ. فَإنَّ الطَّرَفَيْنِ مِنَ العُدْوانِ الضّارِّ. وعَلى هَذا الحَدِّ، فَحَقِيقَةُ الأدَبِ: هي العَدْلُ. واللَّهُ أعْلَمُ.

(فصل: في وجوب تَأْدِيب الأوْلاد وتعليمهم والعدْل بَينهم)

قالَ الله تَعالى ﴿يا أيها الَّذين آمنُوا قوا أنفسكُم وأهليكم نارا وقودها النّاس والحِجارَة﴾

قالَ عَليّ رَضِي الله عَنهُ علموهم وأدبوهم وقالَ الحسن مُرُوهم بِطاعَة الله وعلموهم الخَيْر وفي المسند وسنَن أبي داوُد من حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أبِيه عَن جده قالَ قالَ رَسُول الله ﷺ مروا أبناءكم بِالصَّلاةِ لسبع واضْرِبُوهم عَلَيْها لعشر وفرقُوا بَينهم في المضاجِع فَفي هَذا الحَدِيث ثَلاثَة آداب أمرهم بها وضربهم عَلَيْها والتفريق بَينهم في المضاجِع

وَقد روى الحاكِم عَن أبي النَّضر الفَقِيه ثَنا مُحَمَّد بن حموية ثَنا أبي ثَنا النَّضر بن مُحَمَّد عَن الثَّوْريّ عَن إبْراهِيم بن مهاجر عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبّاس عَن النَّبِي ﷺ قالَ افتحوا على صِبْيانكم أول كلمة بِلا إلَه إلّا الله ولقنوهم عند المَوْت لا إلَه إلّا الله

وَفِي تارِيخ البُخارِيّ من رِوايَة بشر بن يُوسُف عَن عامر بن أبي عامر سمع أيُّوب بن مُوسى القرشِي عَن أبِيه عَن جده عَن النَّبِي ﷺ قالَ ما نحل والِد ولدا أفضل من أدب حسن قالَ البُخارِيّ ولم يَصح سَماع جده من النَّبِي ﷺ

وَفِي مُعْجم الطَّبَرانِيّ من حَدِيث سماك عَن جابر بن سَمُرَة قالَ قالَ رَسُول الله ﷺ لِأن يُؤَدب أحدكُم ولَده خير لَهُ من أم يتَصَدَّق كل يَوْم بِنصْف صاع على المَساكِين.

وَذكر البَيْهَقِيّ من حَدِيث مُحَمَّد بن الفضل بن عَطِيَّة وهو ضَعِيف عَن أبِيه عَن عَطاء عَن ابْن عَبّاس قالَ قالُوا يا رَسُول الله قد علمنا ما حق الوالِد فَما حق الوَلَد قالَ أن يحسن اسْمه ويحسن أدبه قالَ سُفْيان الثَّوْريّ يَنْبَغِي للرجل أن يكره ولَده على طلب الحَدِيث فَإنَّهُ مسؤول عَنهُ وقالَ إن هَذا الحَدِيث عز من أرادَ بِهِ الدُّنْيا وجدها ومن أرادَ بِهِ الآخِرَة وجدها وقالَ عبد الله بن عمر أدب ابْنك فَإنّك مسؤول عَنهُ ماذا أدبته وماذا عَلمته وهو مسؤول عَن برك وطواعيته لَك.

وَذكر البَيْهَقِيّ من حَدِيث مُسلم بن إبْراهِيم حَدثنا شَدّاد بن سعيد عَن الجريرِي عَن أبي سعيد وابْن عَبّاس قالا قالَ رَسُول الله ﷺ

"من ولد لَهُ ولد فليحسن اسْمه وأدبه، فَإذا بلغ فليزوجه فَإن بلغ ولم يُزَوجهُ فَأصاب إثْمًا فَإنَّما إثمه على أبِيه"

وَقالَ سعيد بن مَنصُور حَدثنا حزم قالَ سَمِعت الحسن وسَألَهُ كثير ابْن زِياد عَن قَوْله تَعالى ﴿رَبنا هَب لنا من أزواجنا وذُرِّيّاتنا قُرَّة أعين﴾ [الفرقان: ٧٤]

فَقالَ يا أبا سعيد ما هَذِه القرة الأعْين أفِي الدُّنْيا أم في الآخِرَة؟

قالَ لا. بل والله في الدُّنْيا.

قالَ وما هِيَ؟ قالَ والله أن يري الله العَبْد من زَوجته من أخِيه من حميمه طاعَة الله لا والله ما شَيْء أحب إلى المَرْء المُسلم من أن يرى ولدا أو والدا أو حميما أو أخا مُطيعًا لله عز وجل.

وَقد روى البُخارِيّ في صَحِيحه من حَدِيث نافِع عَن ابْن عمر قالَ قالَ رَسُول الله ﷺ

"كلكم راع وكلكم مسؤول عَن رَعيته فالأمير راع على النّاس وهو مسؤول عَن رَعيته والرجل راع على أهل بَيته وامْرَأة الرجل راعية على بَيت بَعْلها وولده وهِي مسؤولة عَنْهُم وعبد الرجل راع على مال سَيّده وهو مسؤول عَنهُ ألا فكلكم راع وكلكم مسؤول عَن رَعيته"

(فصل)

وَمن حُقُوق الأوْلاد العدْل بَينهم في العَطاء والمَنع

فَفِي السّنَن ومسند أحْمد وصحيح ابْن حبان من حَدِيث النُّعْمان بن بشير قالَ قالَ رَسُول الله ﷺ

"اعدلوا بَين أبْنائِكُم اعدلوا بَين أبْنائِكُم"

وَفِي صَحِيح مُسلم

"أن امْرَأة بشير قالَت لَهُ انحل ابْني غُلاما وأشْهد لي رَسُول الله ﷺ فَأتى رَسُول الله ﷺ فَقالَ: إن ابْنة فلان سَألتنِي أن أنحل ابْنها غلامي.

قالَ لَهُ إخْوَة؟ قالَ نعم.

قالَ أفكلهم أعْطَيْت مثل ما أعْطيته؟

قالَ لا.

قالَ فَلَيْسَ يصلح هَذا وإنِّي لا أشهد إلّا على حق"

وَرَواهُ الإمام أحْمد وقالَ فِيهِ "لا تشهدني على جور إن لبنيك عَلَيْك من الحق أن تعدل بَينهم".

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن النُّعْمان بن بشير أن أباهُ أتى بِهِ النَّبِي ﷺ فَقالَ: إنِّي نحلت ابْني هَذا غُلاما كانَ لي فَقالَ رَسُول ﷺ

"أكل ولدك نحلت مثل هَذا؟

فَقالَ لا.

فَقالَ أرجعه.

وَفِي رِوايَة لمُسلم "فَقالَ أفعلتَ هَذا بولدك كلهم؟

قالَ لا.

قالَ اتَّقوا الله واعدلوا في أوْلادكُم، فَرجع أبي في تِلْكَ الصَّدَقَة"

وَفِي الصَّحِيح أشهد على هَذا غَيْرِي وهَذا أمر تهديد لا إباحَة فَإن تِلْكَ العَطِيَّة كانَت جورا بِنَصّ الحَدِيث ورَسُول الله ﷺ لا يَأْذَن لأحد أن يشْهد على صِحَة الجور.

وَمن ذا الَّذِي كانَ يشْهد على تِلْكَ العَطِيَّة وقد أبى رَسُول الله ﷺ أن يشْهد عَلَيْها وأخْبر أنَّها لا تصلح وأنَّها جور وأنَّها خلاف العدْل.

وَمن العجب أن يحمل قَوْله "اعدلوا بَين أوْلادكُم"

على غير الوُجُوب، وهو أمر مُطلق مُؤَكد ثَلاث مَرّات، وقد أخبر الآمِر بِهِ أن خِلافه جور وأنه لا يصلح، وأنه لَيْسَ بِحَق وما بعد الحق إلّا الباطِل.

هَذا والعدْل واحب في كل حال فَلَو كانَ الأمر بِهِ مُطلقًا لوَجَبَ حمله على الوُجُوب فَكيف وقد اقْترن بِهِ عشرَة أشْياء تؤكد وُجُوبه فتأملها في ألْفاظ القِصَّة.

وَقد ذكر البَيْهَقِيّ من حَدِيث أبي أحْمد بن عدي حَدثنا القاسِم بن مهْدي حَدثنا يَعْقُوب بن كاسب حَدثنا عبد الله بن معاذ عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن أنس

"أن رجلا كانَ جالِسا مَعَ النَّبِي ﷺ فجاء بني لَهُ فَقبله وأجْلسهُ في حجره، ثمَّ جاءَت بنية فَأخذها فأجلسها إلى جنبه.

فَقالَ النَّبِي ﷺ فَما عدلت بَينهما"

وَكانَ السّلف يستحبون أن يعدلُوا بَين الأوْلاد في القُبْلَة.

وَقالَ بعض أهل العلم إن الله سُبْحانَهُ يسْأل الوالِد عَن ولَده يَوْم القِيامَة قبل أن يسْأل الوَلَد عَن والِده فانه كَما أن للْأب على ابنه حَقًا فللابن على أبِيه حق فَكَما قالَ تَعالى ﴿وَوَصينا الإنْسان بِوالِديهِ حسنا﴾ [العنكبوت: ٨]

قالَ تَعالى ﴿قوا أنفسكُم وأهليكم نارا وقودها النّاس والحِجارَة﴾ [التحريم: ٦]

قالَ عَليّ بن أبي طالب علموهم وأدبوهم وقالَ تَعالى ﴿واعبدوا الله ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا وبالوالدين إحسانا وبذي القُرْبى﴾ [النساء: ٣٦]

وَقالَ النَّبِي ﷺ "اعدلوا بَين أوْلادكُم"

فوصية الله للآباء بأولادهم سابِقَة على وصِيَّة الأوْلاد بآبائهم قالَ الله تَعالى ﴿وَلا تقتلُوا أوْلادكُم خشيَة إملاق﴾ [الإسراء: ٣١]

فَمن أهمل تَعْلِيم ولَده ما يَنْفَعهُ وتَركه سدى فقد أساءَ إلَيْهِ غايَة الإساءَة وأكْثر الأوْلاد إنَّما جاءَ فسادهم من قبل الآباء وإهمالهم لَهُم وترك تعليمهم فَرائض الدّين وسننه فأضاعوهم صغارًا فَلم ينتفعوا بِأنْفسِهِم ولم ينفعوا آباءَهُم كبارًا كَما عاتب بَعضهم ولَده على العقوق فَقالَ يا أبَت إنَّك عققتني صَغِيرا فعققتك كَبِيرا وأضعتني وليدا فأضعتك شَيخا

(فُصُول نافعة في تربية الأطْفال تحمد عواقبها عند الكبر)

(فصل)

يَنْبَغِي أن يكون رضاع المَوْلُود من غير أمه بعد وضعه يَوْمَيْنِ أو ثَلاثَة وهو الأجود لما في لَبنها ذَلِك الوَقْت من الغلظ والأخلاط بِخِلاف لبن من قد اسْتَقَلت على الرَّضاع وكل العَرَب تعتني بذلك حَتّى تسترضع أوْلادها عند نساء البَوادِي كَما استرضع النَّبِي ﷺ في بني سعد.

(فصل)

وَيَنْبَغِي أن يمْنَع حملهمْ والطّواف بهم حَتّى يَأْتِي عَلَيْهِم ثَلاثَة أشهر فَصاعِدا لقرب عَهدهم ببطون الأُمَّهات وضعف أبدانهم.

(فصل)

وَيَنْبَغِي أن يقْتَصر بهم على اللَّبن وحده إلى نَبات أسنانهم لضعف معدتهم وقوتهم الهاضمة عَن الطَّعام فَإذا نَبتَت أسْنانه قويت معدته وتغذى بِالطَّعامِ، فَإن الله سُبْحانَهُ أخر إنباتها إلى وقت حاجته إلى الطَّعام لحكمته ولطفه ورَحْمَة مِنهُ بِالأُمِّ وحلمة ثديها فَلا يعضه الوَلَد بِأسْنانِهِ.

(فصل)

وَيَنْبَغِي تدريجهم في الغذاء فَأول ما يُطْعِمُونَهم الغذاء اللين فيطعمونهم الخبز المنقوع في الماء الحار واللَّبن والحليب ثمَّ بعد ذَلِك الطبيخ والأمراق الخالية من اللَّحْم ثمَّ بعد ذَلِك ما لطف جدا من اللَّحْم بعد إحكام مضغه أو رضه رضا ناعِمًا.

(فصل)

فَإذا قربوا من وقت التَّكَلُّم وأُرِيد تسهيل الكَلام عَلَيْهِم فليدلك ألسنتهم بالعسل والملح الاندراني لما فيهما من الجلاء للرطوبات الثَّقِيلَة المانِعَة من الكَلام فَإذا كانَ وقت نطقهم فليلقنوا لا إلَه إلّا الله مُحَمَّد رَسُول الله وليكن أول ما يقرع مسامعهم معرفَة الله سُبْحانَهُ وتوحيده وأنه سُبْحانَهُ فَوق عَرْشه ينظر إلَيْهِم ويسمع كَلامهم وهو مَعَهم أيْنَما كانُوا وكانَ بَنو إسْرائِيل كثيرا ما يسمون أوْلادهم ب عمانويل ومعنى هَذِه الكَلِمَة إلهنا مَعنا، ولِهَذا كانَ أحب الأسْماء إلى الله عبد الله وعبد الرَّحْمَن بِحَيْثُ إذا وعى الطِّفْل وعقل علم أنه عبد الله وأن الله هو سَيّده ومولاه.

(فصل)

فَإذا حضر وقت نَبات الأسْنان فَيَنْبَغِي أن يدلك لثاهم كل يَوْم بالزبد والسمن ويمرخ خرز العُنُق تمريخا كثيرا ويحذر عَلَيْهِم كل الحذر وقت نباتها إلى حِين تكاملها وقوتها من الأشْياء الصلبة ويمْنَعُونَ مِنها كل المَنع لما في التَّمَكُّن مِنها من تَعْرِيض الأسْنان لفسادها وتعويجها وخللها.

(فصل)

وَلا يَنْبَغِي أن يشق على الأبَوَيْنِ بكاء الطِّفْل وصراخه ولا سِيما لشربه اللَّبن إذا جاع فَإنَّهُ ينْتَفع بذلك البكاء انتفاعا عَظِيما فَإنَّهُ يروض أعضاءه ويوسع أمعاءه ويفسح صَدره ويسخن دماغه ويحمي مزاجه ويثير حرارته الغريزية ويحرك الطبيعة لدفع ما فِيها من الفضول ويدْفَع فضلات الدِّماغ من المخاط وغَيره.

(فصل)

وَيَنْبَغِي أن لا يهمل أمر قماطه ورباطه ولَو شقّ عَلَيْهِ إلى أن يصلب بدنه وتقوى أعضاؤه ويجْلس على الأرْض فَحِينَئِذٍ يمرن ويدرب على الحَرَكَة والقِيام قَلِيلا قَلِيلا إلى أن يصير لَهُ ملكة وقُوَّة يفعل ذَلِك بِنَفسِهِ.

(فصل)

وَيَنْبَغِي أن يوقى الطِّفْل كل أمر يفزعه من الأصْوات الشَّدِيدَة الشنيعة والمناظر الفظيعة والحركات المزعجة فَإن ذَلِك رُبما أدّى إلى فَساد قوته العاقِلَة لِضعْفِها فَلا ينْتَفع بها بعد كبره فَإذا عرض لَهُ عارض من ذَلِك فَيَنْبَغِي المُبادرَة إلى تلافيه بضده وإيناسه بِما ينسيه إيّاه وأن يلقم ثديه في الحال ويسارع إلى رضاعه ليزول عَنهُ ذَلِك المزعج لَهُ ولا يرتسم في قوته الحافظة فيعسر زَواله ويسْتَعْمل تمهيده بالحركة اللطيفة إلى أن ينام فينسى ذَلِك ولا يهمل هَذا الأمر فَإن في إهماله إسكان الفَزع والروع في قلبه فينشأ على ذَلِك ويعسر زَواله ويتعذر.

(فصل)

ويتغير حال المَوْلُود عند نَبات أسْنانه ويهيج بِهِ التقيء والحميات وسُوء الأخْلاق ولا سِيما إذا كانَ نباتها في وقت الشتاء والبرد أو في وقت الصَّيف وشدَّة الحر وأحمد أوْقات نباتها الرّبيع والخريف ووقت نباتها لسبعة أشهر وقد تنْبت في الخامِس وقد تتأخر إلى العاشِر فَيَنْبَغِي التلطف في تَدْبيره وقت نباتها وأن يُكَرر عَلَيْهِ دُخُول الحمام وأن يغذى غذاء يَسِيرا فَلا يمْلَأ بَطْنه من الطَّعام وقد يعرض لَهُ انطلاق البَطن فيعصب بِما يَكْفِيهِ مثل عِصابَة صوف عَلَيْها كمون ناعم وكرفس وأنيسون وتدلك لثته بِما تقدم ذكره، ومَعَ هَذا فانطلاق بَطْنه في ذَلِك الوَقْت خير لَهُ من اعتقاله فَإن كانَ بَطْنه معتقلا عند نَبات أسْنانه فَيَنْبَغِي أن يُبادر إلى تليين طَبِيعَته فَلا شَيْء أضرّ على الطِّفْل عند نَبات أسْنانه من اعتقال طَبِيعَته ولا شَيْء أنْفَع لَهُ من سهولتها باعتدال

وَأحمد ما تلين بِهِ عسل مطبوخ يتَّخذ مِنهُ فتائل ويحمل بها أو حبق مسحوق معجون بِعَسَل يتَّخذ مِنهُ فتائل كَذَلِك ويَنْبَغِي للمرضع في ذَلِك الوَقْت تلطيف طعامها وشرابها وتجتنب الأغذية المضرَّة.

(فصل)

وَمِمّا يَنْبَغِي أن يحذر أن يحمل الطِّفْل على المَشْي قبل وقته لما يعرض في أرجُلهم بِسَبَب ذَلِك من الانفتال والاعوجاج بِسَبَب ضعفها وقبولها لذَلِك واحْذَرْ كل الحذر أن تحبس عَنهُ ما يحْتاج إلَيْهِ في قيء أو نوم أو طَعام أو شراب أو عطاس أو بَوْل أو إخْراج دم فَإن لحبس ذَلِك عواقب رديئه في حق الطِّفْل والكَبِير

(فصل)

وَمِمّا يحْتاج إلَيْهِ الطِّفْل غايَة الِاحْتِياج الاعتناء بِأمْر خلقه فَإنَّهُ ينشأ على ما عوده المربي في صغره من حرد وغَضب ولجاج وعجلة وخفة مَعَ هَواهُ وطيش وحدة وجشع فيصعب عَلَيْهِ في كبره تلافي ذَلِك وتصير هَذِه الأخْلاق صِفات وهيئات راسخة لَهُ فَلَو تحرز مِنها غايَة التَّحَرُّز فضحته ولا بُد يَوْمًا ما ولِهَذا تَجِد أكثر النّاس منحرفة أخْلاقهم وذَلِكَ من قبل التربية الَّتِي نَشأ عَلَيْها وكَذَلِكَ يجب أن يتَجَنَّب الصَّبِي إذا عقل مجالِس اللَّهْو والباطِل والغناء وسَماع الفُحْش والبدع ومنطق السوء فَإنَّهُ إذا علق بسمعه عسر عَلَيْهِ مُفارقَته في الكبر وعز على وليه استنقاذه مِنهُ فتغيير العوائد من أصعب الأُمُور يحْتاج صاحبه إلى استجداد طبيعة ثانِيَة والخُرُوج عَن حكم الطبيعة عسر جدا.

وَيَنْبَغِي لوَلِيِّه أن يجنبه الأخْذ من غَيره غايَة التجنب فَإنَّهُ مَتى اعْتادَ الأخْذ صار لَهُ طبيعة ونَشَأ بِأن يَأْخُذ لا بِأن يُعْطي ويعوده البَذْل والإعطاء وإذا أرادَ الوَلِيّ أن يُعْطي شَيْئا أعطاهُ إيّاه على يَده ليذوق حلاوة الإعْطاء ويجنبه الكَذِب والخيانة أعظم مِمّا يجنبه السم الناقع فَإنَّهُ مَتى سهل لَهُ سَبِيل الكَذِب والخيانة أفسد عَلَيْهِ سَعادَة الدُّنْيا والآخِرَة وحرمه كل خير

ويجنبه الكسل والبطالة والدعة والراحة بل يَأْخُذهُ بأضدادها ولا يريحه إلّا بِما يجم نَفسه وبدنه للشغل فَإن الكسل والبطالة عواقب سوء ومغبة نَدم وللجد والتعب عواقب حميدة إمّا في الدُّنْيا وإمّا في العقبى وإمّا فيهما فأروح النّاس أتعب النّاس وأتعب النّاس أروح النّاس فالسيادة في الدُّنْيا والسعادة في العقبى لا يُوصل إلَيْها إلّا على جسر من التَّعَب.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском