Ibn al-QayyimAl‑Haqqah · 69:1–43

Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic

الحاقة

Al-Haqqah

The Reality · Meccan · 52 ayahs

69:1Page 566

ٱلۡحَآقَّةُ ١

The Inevitable Reality -

No commentary for this ayah

69:2Page 566

مَا ٱلۡحَآقَّةُ ٢

What is the Inevitable Reality?

No commentary for this ayah

69:3Page 566

وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا ٱلۡحَآقَّةُ ٣

And what can make you know what is the Inevitable Reality?

No commentary for this ayah

69:4Page 566

كَذَّبَتۡ ثَمُودُ وَعَادُۢ بِٱلۡقَارِعَةِ ٤

Thamūd and ʿAad denied the Striking Calamity [i.e., the Resurrection].

No commentary for this ayah

69:5Page 566

فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهۡلِكُواْ بِٱلطَّاغِيَةِ ٥

So as for Thamūd, they were destroyed by the overpowering [blast].

No commentary for this ayah

69:6Page 566

وَأَمَّا عَادٞ فَأُهۡلِكُواْ بِرِيحٖ صَرۡصَرٍ عَاتِيَةٖ ٦

And as for ʿAad, they were destroyed by a screaming,1 violent wind

وقد وكل الله سبحانه بالأفلاك والشمس والقمر ملائكة تحركها، ووكل بالرياح ملائكة تصرفها بأمره وهم خزنتها قال الله تعالى ﴿وَأمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾

وقال غير واحد من السلف عتت على الخزان فلم يقدروا على ضبطها ذكره البخاري في صحيحه.

69:7Page 566

سَخَّرَهَا عَلَيۡهِمۡ سَبۡعَ لَيَالٖ وَثَمَٰنِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومٗاۖ فَتَرَى ٱلۡقَوۡمَ فِيهَا صَرۡعَىٰ كَأَنَّهُمۡ أَعۡجَازُ نَخۡلٍ خَاوِيَةٖ ٧

Which He [i.e., Allāh] imposed upon them for seven nights and eight days in succession, so you would see the people therein fallen as if they were hollow trunks of palm trees.

No commentary for this ayah

69:8Page 566

فَهَلۡ تَرَىٰ لَهُم مِّنۢ بَاقِيَةٖ ٨

Then do you see of them any remains?

No commentary for this ayah

69:9Page 567

وَجَآءَ فِرۡعَوۡنُ وَمَن قَبۡلَهُۥ وَٱلۡمُؤۡتَفِكَٰتُ بِٱلۡخَاطِئَةِ ٩

And there came Pharaoh and those before him and the overturned cities1 with sin.

No commentary for this ayah

69:10Page 567

فَعَصَوۡاْ رَسُولَ رَبِّهِمۡ فَأَخَذَهُمۡ أَخۡذَةٗ رَّابِيَةً ١٠

And they disobeyed the messenger of their Lord, so He seized them with a seizure exceeding [in severity].

No commentary for this ayah

69:11–12Page 567

إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلۡمَآءُ حَمَلۡنَٰكُمۡ فِي ٱلۡجَارِيَةِ ١١

Indeed, when the water overflowed, We carried you [i.e., your ancestors] in the sailing ship1

لِنَجۡعَلَهَا لَكُمۡ تَذۡكِرَةٗ وَتَعِيَهَآ أُذُنٞ وَٰعِيَةٞ ١٢

That We might make it for you a reminder and [that] a conscious ear would be conscious of it.

قالَ قَتادَة أذن سَمِعت وعقلت عَن الله ما سَمِعت.

وَقالَ الفراء لتحفظها كل أُذن فَتكون عظة لمن يَأْتِي بعد، فالوعي تُوصَف بِهِ الأذن كَما يُوصف بِهِ القلب.

يُقال: قلب واع وأذن واعِيَة لما بَين الأذن والقلب من الارتباط، فالعلم يدْخل من الأذن إلى القلب فَهي بابه، والرَّسُول الموصل إليه العلم كَما أن اللِّسان رَسُوله المُؤَدي عَنهُ.

وَمن عرف ارتباط الجَوارِح بِالقَلْبِ علم أن الأذن أحقها أن تُوصَف بالوعي، وأنها إذا وعت وعى القلب.

وَفِي حَدِيث جابر في المثل الَّذِي ضَربته المَلائِكَة للنَّبِي ولأمته وقَول الملك لَهُ

"اسْمَع سَمِعت أذنك وعقل قَلْبك"

فَلَمّا كانَ القلب وعاءا، والأذن مدْخل ذَلِك الوِعاء وبابه كانَ حُصُول العلم مَوْقُوفا على حسن الِاسْتِماع وعقل القلب، والعقل هو ضبط ما وصل إلى القلب وإمساكه حَتّى لا يتفلت مِنهُ.

وَمِنه عقل البَعِير والدّابَّة والعقال لما يعقل بِهِ، وعقل الإنسان يُسمى عقلا لأنه يعقله عَن اتِّباع الغي والهلاك، ولِهَذا يُسمى حجرا لأنه يمْنَع صاحبه كَما يمْنَع الحجر ما حواه، فعقل الشَّيْء أخص من علمه ومعرفته، لأن صاحبه يعقل ما علمه فَلا يَدعه يذهب كَما تعقل الدّابَّة الَّتِي يخاف شرودها.

وللإدراك مَراتِب بَعْضها أقوى من بعض فأولها الشُّعُور ثمَّ الفَهم ثمَّ المعرفَة، ثمَّ العلم ثمَّ العقل.

ومرادنا بِالعقلِ المصدر لا القُوَّة الغريزية الَّتِي ركبها الله في الإنسان، فَخير القُلُوب ما كانَ واعيا للخير ضابطا لَهُ، ولَيْسَ كالقلب القاسي الَّذِي لا يقبله، فَهَذا قلب حجري ولا كالمائع الأخرق الَّذِي يقبل ولَكِن لا يحفظ ولا يضْبط، فتفهيم الأول كالرسم في الحجر، وتفهيم الثّانِي كالرسم على الماء، بل خير القُلُوب ما كانَ لينًا صلبا يقبل بلينه ما ينطبع فِيهِ، ويحفظ صورته بصلابته.

فَهَذا تفهيمه كالرسم في الشمع وشبهه.

وذكر الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، فإنه أهون عليكم في الحساب غدا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم، وتَزَيَّنوا للعرض الأكبر، يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية".

وذكر أيضا عن الحسن قال: "لا تلقى المؤمن إلا يحاسب نفسه: وماذا أردت تعملين؟ وماذا أردت تأكلين؟ وماذا أردت تشربين؟ والفاجر يمضى قدما قدما لا يحاسب نفسه".

(لطيفة)

[تَزَوُّجُ المَرْأةِ بِشَرْطِ ألّا يَتَزَوَّجَ عَلَيْها]

إذا خاصَمَتْهُ امْرَأتُهُ وقالَتْ: قُلْ " كُلُّ جارِيَةٍ أشْتَرِيها فَهي حُرَّةٌ، وكُلُّ امْرَأةٍ أتَزَوَّجُها فَهي طالِقٌ " فالحِيلَةُ في خَلاصِهِ أنْ يَقُولَ ذَلِكَ ويَعْنِي بِالجارِيَةِ السَّفِينَةَ لِقَوْلِهِ: ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ حَمَلْناكم في الجارِيَةِ﴾ [الحاقة: ١١]

وَيُمْسِكُ بِيَدِهِ حَصاةً أوْ خِرْقَةً ويَقُولُ: " فَهي طالِقٌ "

فَيَرُدُّ الكِنايَةَ إلَيْها، فَإنْ تَفَقَّهَتْ عَلَيْهِ الزَّوْجَةُ

وَقالَتْ: قُلْ: " كُلُّ رَقِيقَةٍ أوْ أمَةٍ " فَلِيَقُلْ ذَلِكَ ولْيَعْنِ فَهي حُرَّةُ الخِصالِ غَيْرُ فاجِرَةٍ، فَإنَّهُ لَوْ قالَ ذَلِكَ لَمْ تُعْتَقْ كَما لَوْ قالَ لَهُ رَجُلٌ: " غُلامُك فاجِرٌ زانٍ " فَقالَ: ما أعْرِفُهُ إلّا حُرًّا عَفِيفًا، ولَمْ يُرِدْ العِتْقَ، لَمْ يُعْتَقْ.

69:13Page 567

فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ نَفۡخَةٞ وَٰحِدَةٞ ١٣

Then when the Horn is blown with one blast

No commentary for this ayah

69:14Page 567

وَحُمِلَتِ ٱلۡأَرۡضُ وَٱلۡجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةٗ وَٰحِدَةٗ ١٤

And the earth and the mountains are lifted and leveled with one blow [i.e., stroke] -

No commentary for this ayah

69:15Page 567

فَيَوۡمَئِذٖ وَقَعَتِ ٱلۡوَاقِعَةُ ١٥

Then on that Day, the Occurrence [i.e., Resurrection] will occur,

No commentary for this ayah

69:16Page 567

وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَهِيَ يَوۡمَئِذٖ وَاهِيَةٞ ١٦

And the heaven will split [open], for that Day it is infirm.1

No commentary for this ayah

69:17Page 567

وَٱلۡمَلَكُ عَلَىٰٓ أَرۡجَآئِهَاۚ وَيَحۡمِلُ عَرۡشَ رَبِّكَ فَوۡقَهُمۡ يَوۡمَئِذٖ ثَمَٰنِيَةٞ ١٧

And the angels are at its edges. And there will bear the Throne of your Lord above them, that Day, eight [of them].

No commentary for this ayah

69:18Page 567

يَوۡمَئِذٖ تُعۡرَضُونَ لَا تَخۡفَىٰ مِنكُمۡ خَافِيَةٞ ١٨

That Day, you will be exhibited [for judgement]; not hidden among you is anything concealed.1

ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال:

"من نوقش الحساب عذب"

فقالت عائشة يا رسول الله أليس الله يقول: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾

فقال: "بلى ولكن ذلك العرض ومن نوقش الحساب عذب"

فأشكل عليها الجمع بين النصين حتى بين لها أنه لا تعارض بينهما وأن الحساب اليسير هو العرض الذي لا بد أن يبين الله فيه لكل عامل عمله كما قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ﴾

حتى إذا ظن أنه لن ينجو نجاه الله تعالى بعفوه ومغفرته ورحمته فإذا ناقشه الحساب عذبه ولا بد.

(موعظة)

وذكر الإمام أحمد عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنه قال:

"حاسِبُوا أنْفُسَكم قَبْلَ أنْ تُحاسَبُوا، وزِنُوا أنْفُسَكم قَبْلَ أنْ تُوزَنُوا، فإنه أهون عليكم في الحساب غدا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم، وتُزَيَّنُوا لِلْعَرْضِ الأكْبَرِ ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ﴾.

أوْ قالَ: عَلى مَن لا تَخْفى عَلَيْهِ أعْمالُكم.

وذكر أيضًا عن الحسن، قال:

"لا يُلفى المؤمنُ إلا يُحاسِبُ نفسه: ما أردتُ بكلمتي؟ وماذا أردتُ بأكلتي؟ وماذا أردت بشَرْبتي؟ والفاجر يمضي قُدُمًا، لا يحُاسِب نفسَه".

69:19Page 567

فَأَمَّا مَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ فَيَقُولُ هَآؤُمُ ٱقۡرَءُواْ كِتَٰبِيَهۡ ١٩

So as for he who is given his record in his right hand, he will say, "Here, read my record!

No commentary for this ayah

69:20Page 567

إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَٰقٍ حِسَابِيَهۡ ٢٠

Indeed, I was certain that I would be meeting my account."

No commentary for this ayah

69:21Page 567

فَهُوَ فِي عِيشَةٖ رَّاضِيَةٖ ٢١

So he will be in a pleasant life -

No commentary for this ayah

69:22Page 567

فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٖ ٢٢

In an elevated garden,

No commentary for this ayah

69:23Page 567

قُطُوفُهَا دَانِيَةٞ ٢٣

Its [fruit] to be picked hanging near.

No commentary for this ayah

69:24Page 567

كُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ هَنِيٓـَٔۢا بِمَآ أَسۡلَفۡتُمۡ فِي ٱلۡأَيَّامِ ٱلۡخَالِيَةِ ٢٤

[They will be told], "Eat and drink in satisfaction for what you put forth1 in the days past."

No commentary for this ayah

69:25Page 567

وَأَمَّا مَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ بِشِمَالِهِۦ فَيَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي لَمۡ أُوتَ كِتَٰبِيَهۡ ٢٥

But as for he who is given his record in his left hand, he will say, "Oh, I wish I had not been given my record

No commentary for this ayah

69:26Page 567

وَلَمۡ أَدۡرِ مَا حِسَابِيَهۡ ٢٦

And had not known what is my account.

No commentary for this ayah

69:27Page 567

يَٰلَيۡتَهَا كَانَتِ ٱلۡقَاضِيَةَ ٢٧

I wish it [i.e., my death] had been the decisive one.1

No commentary for this ayah

69:28–29Page 567

مَآ أَغۡنَىٰ عَنِّي مَالِيَهۡۜ ٢٨

My wealth has not availed me.

هَلَكَ عَنِّي سُلۡطَٰنِيَهۡ ٢٩

Gone from me is my authority."1

قيل المُراد بِهِ القُدْرَة والملك أي ذهب عني مالِي وملكي فَلا مال لي ولا سُلْطان.

وَقيل هو على بابه أي انْقَطَعت حجتي وبَطلَت فَلا حجَّة لي.

69:30Page 567

خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ٣٠

[Allāh will say], "Seize him and shackle him.

No commentary for this ayah

69:31Page 567

ثُمَّ ٱلۡجَحِيمَ صَلُّوهُ ٣١

Then into Hellfire drive him.

No commentary for this ayah

69:32Page 567

ثُمَّ فِي سِلۡسِلَةٖ ذَرۡعُهَا سَبۡعُونَ ذِرَاعٗا فَٱسۡلُكُوهُ ٣٢

Then into a chain whose length is seventy cubits insert him."

No commentary for this ayah

69:33Page 567

إِنَّهُۥ كَانَ لَا يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ ٱلۡعَظِيمِ ٣٣

Indeed, he did not used to believe in Allāh, the Most Great,

No commentary for this ayah

69:34Page 567

وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلۡمِسۡكِينِ ٣٤

Nor did he encourage the feeding of the poor.

No commentary for this ayah

69:35Page 568

فَلَيۡسَ لَهُ ٱلۡيَوۡمَ هَٰهُنَا حَمِيمٞ ٣٥

So there is not for him here this Day any devoted friend

No commentary for this ayah

69:36Page 568

وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنۡ غِسۡلِينٖ ٣٦

Nor any food except from the discharge of wounds;

No commentary for this ayah

69:37Page 568

لَّا يَأۡكُلُهُۥٓ إِلَّا ٱلۡخَٰطِـُٔونَ ٣٧

None will eat it except the sinners.

No commentary for this ayah

69:38–40Page 568

فَلَآ أُقۡسِمُ بِمَا تُبۡصِرُونَ ٣٨

So I swear by what you see

وَمَا لَا تُبۡصِرُونَ ٣٩

And what you do not see

إِنَّهُۥ لَقَوۡلُ رَسُولٖ كَرِيمٖ ٤٠

[That] indeed, it [i.e., the Qur’ān] is the word of a noble Messenger.

قال مقاتل بما تبصرون من الخلق وما لا تبصرون منه

وقال قتادة أقسم بالأشياء كلها بما يبصر منها وما لا يبصر

وقال الكلبي تبصرون من شيء، وما لا تبصرون من شيء.

وهذا أعم قسم وقع في القرآن فإنه يعم العلويات والسفليات والدنيا والآخرة وما يرى وما لا يرى.

ويدخل في ذلك الملائكة كلهم والجن والإنس والعرش والكرسي وكل مخلوق وكل ذلك من آيات قدرته وربوبيته وهو سبحانه يصرف الإقسام كما يصرف الآيات ففي ضمن هذا القسم أن كل ما يرى وما لا يرى آية ودليل على صدق رسوله وأن ما جاء به هو من عند الله وهو كلامه لا كلام شاعر ولا مجنون ولا كاهن.

ومن تأمل المخلوقات ما يراه منها وما لا يراه واعتبر ما جاء به الرسول بها ونقل فكرته في مجاري الخلق والأمر ظهر له أن هذا القرآن من عند الله وأنه كلامه وهو أصدق الكلام وأنه حق ثابت كما أن سائر الموجودات ما يرى منها ومالا يرى حق كما قال تعالى ﴿فَوَرَبِّ السَّماءِ والأرْضِ إنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أنَّكم تَنْطِقُونَ﴾ أي إن كان نطقكم حقيقة وهو أمر موجود لا تمارون فيه ولا تشكون.

فهكذا ما أخبرتكم به من التوحيد والمعاد والنبوة حق كما في الحديث إنه لحق مثل ما أنك هاهنا فكأنه سبحانه يقول إن القرآن حق كما أن ما شاهدوه من الخلق ومالا يشاهدونه حق موجود بل لو فكرتم فيما تبصرون وما لا تبصرون لدلكم ذلك على أن القرآن حق ويكفي الإنسان من جميع ما يبصره وما لا يبصره بعينه ومبدأ خلقه ونشأته وما يشاهده من أحواله ظاهرًا وباطنًا ففي ذلك أبين دلالة على وحدانية الرب وثبوت صفاته وصدق ما أخبر به رسوله وما لم يباشر قلبه ذلك حقيقة لم تخالط بشاشة الإيمان قلبه.

ثم ذكر سبحانه المقسم عليه فقال ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾

وهذا رسوله البشري محمد وفي إضافته إليه باسم الرسالة أبين دليل أنه كلام المرسل فمن أنكر أن يكون الله قد تكلم بالقرآن فقد أنكر حقيقة الرسالة ولو كانت إضافته إليه إضافة إنشاء وابتداء لم يكن رسولًا ولناقض ذلك إضافته إلى رسوله الملكي في سورة التكوير

ثم بين سبحانه كذب أعدائه وبهتهم في نسبة كلامه تعالى إلى غيره وأنه لم يتكلم به بل قاله من تلقاء نفسه كما بين كذب من قال ﴿إنْ هَذا إلا قَوْلُ البَشَرِ﴾ فمن زعم أنه قول البشر فقد كفر وسيصليه الله سقر

69:41Page 568

وَمَا هُوَ بِقَوۡلِ شَاعِرٖۚ قَلِيلٗا مَّا تُؤۡمِنُونَ ٤١

And it is not the word of a poet; little do you believe.

No commentary for this ayah

69:42Page 568

وَلَا بِقَوۡلِ كَاهِنٖۚ قَلِيلٗا مَّا تَذَكَّرُونَ ٤٢

Nor the word of a soothsayer; little do you remember.

No commentary for this ayah

69:43Page 568

تَنزِيلٞ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٤٣

[It is] a revelation from the Lord of the worlds.

ثم أخبر سبحانه أنه تنزيل من رب العالمين وذلك يتضمن أمورًا:

أحدها أنه تعالى فوق خلقه كلهم وأن القرآن نزل من عنده.

والثاني أنه تكلم به حقيقة لقوله ﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ولو كان غيره هو المتكلم به لكان من ذلك الغير.

ونظير هذا قوله ﴿وَلَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي﴾

ونظيره قوله ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَبِّكَ بِالحَقّ﴾

وقوله ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾

وقوله ﴿تَنْزِيلٌ مِن حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾

وما كان من الله فليس بمخلوق.

ولا ينتقض هذا بأن الرزق والمطر وما في السماوات والأرض جميعًا منه وهو مخلوق، لأن ذلك كله أعيان قائمة بنفسها وصفات وأفعال لتلك الأعيان، فإضافتها إلى الله سبحانه وأنها منه إضافة خلق كإضافة بيته وعبده وناقته وروحه وبابه إليه.

بخلاف كلامه، فإنه لا بد أن يقوم بمتكلمه، إذ كلام من غير متكلم كسمع من غير سامع، وبصر من غير مبصر.

وذلك عين المحال فإذا أضيف إلى الرب كان بمنزلة إضافة سمعه وبصر وحياته وقدرته وعلمه ومشيئته إليه.

ومن زعم أن هذه إضافة مخلوق إلى خالق فقد زعم أن الله لا سمع له ولا بصر ولا حياة ولا قدرة ولا مشيئة تقوم به.

وهذا هو التعطيل الذي هو شر من الإشراك.

وإن زعم أن إضافة السمع والبصر والعلم والحياة والقدرة إضافة صفة إلى موصوف، فإضافة الكلام إليه إضافة مخلوق إلى خالق، فقد تناقض، وخرج عن موجب العقل والفطرة والشرع ولغات الأمم، وفرق بين متماثلين حقيقة وعقلًا وشرعًا وفطرة ولغة.

وتأمل كيف أضافه سبحانه إلى الرسول بلفظ القول، وأضافه إلى نفسه بلفظ الكلام في قوله ﴿حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾

فإن الرسول يقول للمرسل إليه ما أمر بقوله، فيقول: قلت كذا وكذا، وقلت له ما أمرتني أن أقوله كما قال المسيح ﴿ما قُلْتُ لَهم إلا ما أمَرْتَنِي بِه﴾

والمرسل يقول للرسول قل لهم كذا وكذا كما قال تعالى ﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾، ﴿وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هي أحْسَنُ﴾، ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ﴾

ونظائره.

فإذا بلغ الرسول ذلك صح أن يقال قال الرسول كذا وهذا قول الرسول أي قاله مبلغًا وهذا قوله مبلغًا عن مرسله ولا يجيء في شيء من ذلك تكلم لهم بكذا وكذا ولا تكلم الرسول بكذا وكذا ولا أنه بكلام رسول كريم ولا في موضع واحد بل قيل للصديق وقد تلى آية. هذا كلامك وكلام صاحبك.

فقال ليس بكلامي ولا كلام صاحبي هذا كلام الله.

(فصل)

الأمر الثالث ما تضمنه قوله ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾

إن ربوبيته الكاملة لخلقه تأبى أن يتركهم سدى لا يأمرهم ولا ينهاهم ولا يرشدهم إلى ما ينفعهم ويحذرهم ما يضرهم بل يتركهم هملًا بمنزلة الأنعام السائمة فمن زعم ذلك لم يقدر رب العالمين قدره ونسبه إلا ما لا يليق به تعالى ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ لا إلَهَ إلا هو رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ﴾.

ثم أقام سبحانه البرهان القاطع على صدق رسوله وأنه لم يتقول عليه فيما قاله وأنه لو تقول عليه لما أقره ولعاجله بالإهلاك فإن كمال علمه وقدرته وحكمته تأبى أن يقر من تقول عليه وافترى عليه وأضل عباده واستباح دماء من كذبه وحريمهم وأموالهم وأظهر في الأرض الفساد والجور والكذب وخالف الخلق فكيف يليق بأحكم الحاكمين وأرحم الراحمين وأقدر القادرين أن يقره على ذلك بل كيف يليق به أن يؤيده وينصره ويعليه ويظهره ويظفره بأهل الحق يسفك دماءهم ويستبيح أموالهم وأولادهم ونساءهم قائلًا إن الله أمرني بذلك وأباحه لي بل كيف يليق به أن يصدقه بأنواع التصديق كلها فيصدقه بإقراره وبالآيات المستلزمة لصدقه التي دلالتها على التصديق

كدلالة التصديق بالقول وأظهر ثم يصدقه بأنواعها كلها على اختلافها فكل آية على انفرادها مصدقة له ثم يحصل باجتماع تلك الآيات تصديق فوق تصديق كل آية بمفردها ثم يعجز الخلق عن معارضته ثم يصدقه بكلامه وقوله ثم يقيم الدلالة القاطعة على أن هذا قوله وكلامه فيشهد له بإقراره وفعله وقوله فمن أعظم المحال وأبطل الباطل وأبين البهتان أن يجوز على أحكم الحاكمين ورب العالمين أن يفعل ذلك بالكاذب المفترى عليه الذي هو شر الخلق على الإطلاق فمن جوز على الله أن يفعل هذا بشر خلقه وأكذبهم فما آمن بالله قطعًا ولا عرف الله ولا هذا هو رب العالمين ولا يحسن نسبة ذلك إلى من له مسكة من عقل وحكمة وحجة ومن فعل ذلك فقد أزرى بنفسه ونادى على جهله

وأذكر في هذا مناظرة جرت لي مع بعض اليهود قلت له بعد أن أقضى في نبوة النبي إلى أن قلت له إنكار نبوته يتضمن القدح في رب العالمين وتنقصه بأقبح التنقص فكان الكلام معكم في الرسول والكلام الآن في تنزيه الرب تعالى فقال كيف تقول مثل هذا الكلام فقلت له بيانه علي فاسمع الآن أنتم تزعمون أنه لم يكن رسولًا وإنما كان ملكًا قاهرًا قهر الناس بسيفه حتى دانوا له ومكث ثلاثًا وعشرين سنة يكذب على الله ويقول أوحى إلي ولم يوح إليه وأمرني ولم يأمره ونهاني ولم ينهه وقال الله كذا ولم يقل ذلك وأحل كذا

وحرم كذا وأوجب كذا وكره كذا ولم يحل ذلك ولا حرمه ولا أوجبه بل هو فعل ذلك من تلقاء نفسه كاذبًا مفتريًا على الله وعلى أنبيائه وعلى رسله وملائكته ثم مكث من ذلك ثلاث عشرة سنة يستعرض عباده يسفك دمائهم ويأخذ أموالهم ويسترق نساءهم وأبناءهم ولا ذنب لهم إلا الرد عليه ومخالفته وهو في ذلك كله يقول الله أمرني بذلك ولم يأمره ومع ذلك فهو ساع في تبديل أديان الرسل ونسخ شرائعهم وحل نواميسهم فهذه حاله عندكم فلا يخلو إما أن يكون الرب تعالى عالمًا بذلك مطلعًا عليه من حاله يراه ويشاهده أم لا فإن قلتم إن ذلك جميعه غائب عن الله لم يعلم به قد حتم في الرب تعالى ونسيتموه إلى الجهل المفرط إذ لم يطلع على هذا الحادث العظيم ولا علمه ولا رآه وإن قلتم بل كان ذلك بعلمه وإطلاعه ومشاهدته قيل لكم فهل كان قادرًا على أن يغير ذلك ويأخذ على يده ويحول بينه وبينه أم لا فإن قلتم ليس قادرًا على ذلك نسبتموه إلى العجز المنافي للربوبية وكان هذا الإنسان هو وأتباعه أقدر منه على تنفيذ إرادتهم وإن قلتم بل كان قادرًا ولكن مكنه ونصره وسلطه على الخلق ولم ينصر أولياءه وأتباع رسله نسبتموه إلى أعظم السفه والظلم والإخلال بالحكمة هذا لو كان مخلى بينه وبين ما فعله فكيف وهو في ذلك كله ناصره ومؤيده ومجيب دعواته

ومهلك من خالفه وكذبه ومصدقه بأنواع التصديق ومظهر الآيات على يديه التي لو اجتمع أهل الأرض كلهم على أن يأتوا بواحدة منها لما أمكنهم ولعجزوا عن ذلك وكل وقت من الأوقات يحدث له من أسباب النصر والتمكين والظهور والعلو وكثرة الأتباع أمرًا خارجًا عن العادة فظهر أن من أنكر كونه رسولًا نبيًا فقد سبب الله وقدح فيه ونسبه إلى الجهل والعجز والسفه

قلت له ولا ينتقض هذا بالملوك الظلمة الذين مكنهم الله في الأرض وقتًا ما ثم قطع دابرهم وأبطل سنتهم ومحا آثارهم وجورهم فإن أولئك لم يعيدوا شيئًا من هذا ولا أيدوا ونصروا وظهرت على أيديهم الآيات ولا صدقهم الرب تعالى بإقراره ولا بفعله ولا بقوله بل أمرهم كان بالضد من أمر الرسول كفرعون ونمرود وأضرابهما ولا ينتقص هذا بمن ادعى النبوة من الكذابين فإن حالة كانت ضد حال الرسول من كل وجه بل حالهم من أظهر الأدلة على صدق الرسول ومن حكمة الله سبحانه أن أخرج مثل هؤلاء إلى الوجود ليعلم حال الكذابين وحال الصادقين وكان ظهورهم من أبين الأدلة على صدق الرسل والفرق بين هؤلاء وبينهم فبضدها تتبين الأشياء والضد يظهر حسنه الضد فمعرفة أدلة الباطل وشبهه من أنواع أدلة الحق وبراهينه

فلما سمع ذلك قال معاذ الله لا نقول أنه ملك ظالم بل نبي كريم من اتبعه فهو من السعداء، وكذلك من اتبع موسى فهو كمن اتبع محمدا

قلت له: بطل كل ما تموهون به بعد هذا فإنكم إذا أقررتم أنه نبي صادق فلا بد من تصديقه في جميع ما أخبر به وقد علم أتباعه وأعداؤه بالضرورة أنه دعا الناس كلهم إلى الإيمان وأخبر أن من لم يؤمن به فهو كافر مخلد في النار وقاتل من لم يؤمن به من أهل الكتاب وسجل عليهم بالكفر واستباح أموالهم ودماءهم ونساءهم وأبناءهم فإن كان ذلك عدوانا منه وجور ألم يكن نبيًا وعاد الأمر إلى القدح في الرب تعالى وإن كان ذلك بأمر الله ووحيه لم يسع أحدًا مخالفته وترك أتباعه ولزم تصديقه فيما أخبر به وطاعته فيما أمر.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском