Ibn al-QayyimAl‑A'raf · 7:157–166

Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:157–166, continued

فَدَعْوى الكاذِبِ الباحِثِ أنَّ نُسَخَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ مُتَّفِقَةٌ شَرْقًا وغَرْبًا، بُعْدًا وقُرْبًا مِن أعْظَمِ الفِرْيَةِ والكَذِبِ، وقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ مِن عُلَماءِ الإسْلامِ ما بَيْنَها مِنَ التَّفاوُتِ والزِّيادَةِ والنُّقْصانِ والتَّناقُضِ، لِمَن أرادَ الوُقُوفَ عَلَيْها، ولَوْلا الإطالَةُ وقَصْدُ ما هو أهَمُّ مِنهُ لَذَكَرْنا مِنهُ طَرَفًا كَبِيرًا.

وَقَدْ وبَّخَهُمُ اللَّهُ تَعالى سُبْحانَهُ وجُلَّ شَأْنُهُ، وبَكَّتَهم عَلى لِسانِ رَسُولِهِ بِالتَّحْرِيفِ والكِتْمانِ والإخْفاءِ، فَقالَ تَعالى: ﴿ياأهْلَ الكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالباطِلِ وتَكْتُمُونَ الحَقَّ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.

وَقالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلْنا مِنَ البَيِّناتِ والهُدى مِن بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ في الكِتابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ ويَلْعَنُهُمُ اللّاعِنُونَ﴾

وَقالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتابِ ويَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ ما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ إلّا النّارَ ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ ولا يُزَكِّيهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ وقالَ تَعالى: ﴿ياأهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكم رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكم كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتابِ ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكم مِنَ اللَّهِ نُورٌ وكِتابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ ويُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ بِإذْنِهِ ويَهْدِيهِمْ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.

وَأمّا التَّحْرِيفُ: فَقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْهُ في مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ، وكَذَلِكَ لَيُّ اللِّسانِ بِالكِتابِ لِيَحْسَبَهُ السّامِعُ مِنهُ وما هو مِنهُ. فَهَذِهِ خَمْسَةُ أُمُورٍ:

أحَدُها: لَبْسُ الحَقِّ بِالباطِلِ، وهو خَلْطُهُ بِهِ بِحَيْثُ لا يَتَمَيَّزُ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ.

الثّانِي: كِتْمانُ الحَقِّ.

الثّالِثُ: إخْفاؤُهُ وهو قَرِيبٌ مِن كِتْمانِهِ.

الرّابِعُ: تَحْرِيفُ الكَلِمِ عَنْ مَواضِعِهِ، وهو نَوْعانِ: تَحْرِيفُ لَفْظِهِ، وتَحْرِيفُ مَعْناهُ.

الخامِسُ: لَيُّ اللِّسانِ بِهِ لِيَلْتَبِسَ عَلى السّامِعِ اللَّفْظُ المُنَزَّلُ بِغَيْرِهِ.

وَهَذِهِ الأُمُورُ إنَّما ارْتَكَبُوها لِأغْراضٍ لَهم دَعَتْهم إلى ذَلِكَ. فَإذا عادَوُا الرَّسُولَ وجَحَدُوا نُبُوَّتَهُ وكَذَّبُوهُ وقاتَلُوهُ، فَهم إلى أنْ يَجْحَدُوا نَعْتَهُ وصِفَتَهُ، ويَكْتُمُوا ذَلِكَ ويُزِيلُوهُ عَنْ مَواضِعِهِ ويَتَأوَّلُوهُ عَلى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ - أقْرَبُ بِكَثِيرٍ، وهَكَذا فَعَلُوا، ولَكِنْ لِكَثْرَةِ البِشاراتِ

وَتَنَوُّعِها غُلِبُوا عَلى كِتْمانِها وإفْضائِها فَصارُوا إلى تَحْرِيفِ التَّأْوِيلِ وإزالَةِ مَعْناها عَمّا لا تَصْلُحُ لِغَيْرِهِ، وجَعْلِها لِمَعْدُومٍ لَمْ يَخْلُقْهُ اللَّهُ تَعالى ولا وُجُودَ لَهُ ألْبَتَّةَ.

العاشِرُ: أنَّهُ اسْتَشْهَدَ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ بِعُلَماءِ أهْلِ الكِتابِ، وقَدْ شَهِدَ لَهُ عُدُولُهم فَلا يَقْدَحُ جَحْدُ الكَفَرَةِ الكاذِبِينَ المُعانِدِينَ بَعْدَ ذَلِكَ، قالَ تَعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾.

وَقالَ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾.

وَقالَ تَعالى: ﴿وَإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْكم وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾.

وَقالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا وأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ وإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾.

وَقالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ هم بِهِ يُؤْمِنُونَ وإذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنّا بِهِ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّنا إنّا كُنّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾.

وَإذا شَهِدَ واحِدٌ مِن هَؤُلاءِ لَمْ يُوزَنْ بِهِ مِلْءُ الأرْضِ مِنَ الكَفَرَةِ، ولا تُعارَضُ شَهادَتُهُ بِجُحُودِ مِلْءِ الأرْضِ مِنَ الكَفَرَةِ، كَيْفَ والشّاهِدُ لَهُ مِن عُلَماءِ أهْلِ الكِتابِ أضْعافُ أضْعافِ المُكَذِّبِينَ لَهُ مِنهُمْ؟

وَلَيْسَ كُلُّ مَن قالَ مِن أشْباهِ الحَمِيرِ مِن عُبّادِ الصَّلِيبِ وأُمَّةِ الغَضَبِ، أنَّهُ مِن عُلَمائِهِمْ فَهو كَذَلِكَ - يَعْنِي عالِمًا -، كَما قالُوا، وإذا كانَ أكْثَرُ عَوامِ المُسْلِمِينَ يَظُنُّونَ أنَّهُ مِن عُلَمائِهِمْ - يَعْنِي أهْلَ الكِتابِ - لَيْسَ كَذَلِكَ فِيما ظَنَّ بِغَيْرِهِمْ؟ يَعْنِي عُلَماءَ المُسْلِمِينَ - .

وَعُلَماءُ أهْلِ الكِتابِ إنْ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِمْ مَن لَمْ يَعْمَلْ بِعِلْمِهِ فَلَيْسَ عُلَماؤُهم إلّا مَن آمَنَ بِهِ وصَدَّقَهُ، وإنْ دَخَلَ فِيهِمْ مَن عَلِمَ ولَمْ يَعْمَلْ كَعُلَماءِ السُّوءِ لَمْ يَكُنْ إنْكارُهم نُبُوَّتَهُ قادِحًا في شَهادَةِ العُلَماءِ القائِلِينَ بِعِلْمِهِمْ.

الحادِي عَشَرَ: أنَّهُ لَوْ قُدِّرَ أنَّهُ لا ذِكْرَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِنَعْتِهِ ولا صِفَتِهِ ولا عَلامَتِهِ في الكُتُبِ الَّتِي بِأيْدِي أهْلِ الكِتابِ اليَوْمَ، لَمْ يَلْزَمْ مِن ذَلِكَ أنْ لا يَكُونَ مَذْكُورًا في الكُتُبِ الَّتِي كانَتْ بِأيْدِي أسْلافِهِمْ وقْتَ مَبْعَثِهِ ولا تَكُونُ اتَّصَلَتْ عَلى وجْهِها إلى هَؤُلاءِ، بَلْ حَرَّفَها أُولَئِكَ وبَدَّلُوا وكَتَمُوا، تَواصَوْا وكَتَبُوا ما أرادُوا، وقالُوا: هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ، ثُمَّ اشْتُهِرَتْ تِلْكَ الكُتُبُ وتَناقَلَها خَلَفُهم عَنْ سَلَفِهِمْ، فَصارَتِ المُغَيَّرَةُ المُبْدَلَةُ هي المَشْهُورَةُ، والصَّحِيحَةُ بَيْنَهم خَفِيَّةٌ جِدًّا، ولا سَبِيلَ إلى العِلْمِ بِاسْتِحالَةِ ذَلِكَ، بَلْ هو في غايَةِ الإمْكانِ.

فَهَؤُلاءِ السّامِرَةُ غَيَّرُوا مَواضِعَ مِنَ التَّوْراةِ ثُمَّ اشْتُهِرَتِ النُّسَخُ المُغَيَّرَةُ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ فَلا يَعْرِفُونَ سِواها، وهُجِرَتْ بَيْنَهُمُ النُّسْخَةُ الصَّحِيحَةُ بِالكُلِّيَّةِ، وكَذَلِكَ التَّوْراةُ الَّتِي بِأيْدِي النَّصارى.

وَهَكَذا تُبَدَّلُ الأدْيانُ والكُتُبُ، ولَوْلا أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى تَوَلّى حِفْظَ القُرْآنِ بِذاتِهِ وضَمَنَ لِلْأُمَّةِ أنْ لا تَجْتَمِعَ عَلى ضَلالَةٍ - لَأصابَهُ ما أصابَ الكُتُبَ قَبْلَهُ، قالَ تَعالى: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾.

الثّانِي عَشَرَ: أنَّهُ مِنَ المُمْتَنِعِ أنْ تَخْلُوَ الكُتُبُ المُتَقَدِّمَةُ عَنِ الإخْبارِ بِهَذا الأمْرِ العَظِيمِ الَّذِي لَمْ يَطْرُقِ العالَمَ مِن حِينِ خُلِقَ إلى قِيامِ السّاعَةِ أمْرٌ أعْظَمُ مِنهُ، ولا شَأْنٌ أكْبَرُ مِنهُ، فَإنَّ العِلْمَ بِهِ طَبَقَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها، واسْتَمَرَّ عَلى تَعاقُبِ القُرُونِ وإلى أنْ يَرِثَ اللَّهُ الأرْضَ ومَن عَلَيْها، ومِثْلُ هَذا النَّبَأِ العَظِيمِ لا بُدَّ أنْ تُطابِقَ الرُّسُلُ عَلى الإخْبارِ بِهِ. وإذا كانَ الدَّجّالُ - رَجُلٌ كاذِبٌ يَخْرُجُ في آخِرِ الزَّمانِ وبَقاؤُهُ في الأرْضِ أرْبَعُونَ يَوْمًا وقِيلَ سِتَّةُ أشْهُرٍ - قَدْ تَطابَقَتِ الرُّسُلُ عَلى الإخْبارِ بِهِ، وأنْذَرَ بِهِ كُلُّ نَبِيِّ قَوْمَهُ مِن نُوحٍ إلى خاتَمِ الأنْبِياءِ، وخاتَمِ الرُّسُلِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وسَلَّمَ أجْمَعِينَ، فَكَيْفَ تَتَطابَقُ الكُتُبُ الإلَهِيَّةُ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها عَلى السُّكُوتِ عَنِ الإخْبارِ بِهَذا النَّبَأِ العَظِيمِ، وبِهَذا الأمْرِ العَظِيمِ الَّذِي لَمْ يَطْرُقِ العالَمَ أمْرٌ أعْظَمُ مِنهُ، ولا تَطَرُقُهُ أبَدًا. هَذا مِمّا لا يَسُوغُهُ عَقْلُ عاقِلٍ، وتَأْباهُ حِكْمَةُ أحْكَمِ الحاكِمِينَ، بَلِ الأمْرُ بِضِدِّ ذَلِكَ، وما بَعَثَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى نَبِيًّا إلّا أخَذَ عَلَيْهِ المِيثاقَ بِالإيمانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وتَصْدِيقِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أأقْرَرْتُمْ وأخَذْتُمْ عَلى ذَلِكم إصْرِي قالُوا أقْرَرْنا قالَ فاشْهَدُوا وأنا مَعَكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ما بَعَثَ اللَّهُ مِن نَبِيٍّ إلّا أخَذَ عَلَيْهِ المِيثاقَ لَئِنْ بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ وهو حَيٌّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ ولَيَنْصُرَنَّهُ، وأمَرَهُ أنْ يَأْخُذَ المِيثاقَ عَلى أُمَّتِهِ، لَئِنْ بُعِثَ مُحَمَّدٌ وهم أحْياءٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَيُبايِعُنَّهُ.

(فَصْلٌ)

فَهَذِهِ الوُجُوهُ عَلى تَقْدِيرِ عَدَمِ العِلْمِ بِوُجُودِ نَعْتِهِ وصِفَتِهِ والخَبَرِ عَنْهُ في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ ... ونَحْنُ نَذْكُرُ بَعْضَ ما ورَدَ فِيها مِنَ البِشارَةِ بِهِ، ونَعْتِهِ وصِفَتِهِ وصِفَةِ أُمَّتِهِ، وذَلِكَ يَظْهَرُ لَكَ مِن وُجُوهٍ:

(١ - بِشاراتُ التَّوْراةِ)

الوَجْهُ الأوَّلُ:

قَوْلُهُ في التَّوْراةِ: (أُقِيمُ لِبَنِي إسْرائِيلَ نَبِيًّا مِن إخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ أجْعَلُ كَلامِي في فِيهِ، ويَقُولُ لَهم ما آمُرُهُ، والَّذِي لا يَقْبَلُ قَوْلَ ذَلِكَ النَّبِيِّ الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِاسْمِي أنا أنْتَقِمُ مِنهُ ومِن سِبْطِهِ).

تَأْوِيلُ أهْلِ الكِتابِ لِهَذا النَّصِّ: فَهَذا النَّصُّ مِمّا لا يُمْكِنُ لِأحَدٍ مِنهم جَحْدُهُ وإنْكارُهُ: ولَكِنْ لِأهْلِ الكِتابِ فِيهِ أرْبَعَةُ طُرُقٍ:

أحَدُها: حَمْلُهُ عَلى المَسِيحِ، وهَذِهِ طَرِيقُ النَّصارى، وهو دَلِيلٌ يُخالِفُ مُعْتَقَدَهم في المَسِيحِ.

وَأمّا اليَهُودُ فَلَهم فِيهِ ثَلاثَةُ طُرُقٍ:

أحَدُها: عَلى حَذْفِ أداةِ الِاسْتِفْهامِ، والتَّقْدِيرُ (أأُقِيمَ لِبَنِي إسْرائِيلَ نَبِيًّا مِن إخْوَتِهِمْ) أيْ لا أفْعَلُ هَذا.

فَهُوَ اسْتِفْهامُ إنْكارٍ حُذِفَتْ مِنهُ أداةُ الِاسْتِفْهامِ.

الثّانِي: أنَّهُ خَبَرٌ ووَعِيدٌ ولَكِنَّ المُرادَ بِهِ شَمْوَئِيلُ النَّبِيُّ فَإنَّهُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ.

والبِشارَةُ إنَّما وقَعَتْ بِنَبِيٍّ مِن إخْوَتِهِمْ، وإخْوَةُ القَوْمِ هم بَنُو أبِيهِمْ، وهم بَنُو إسْرائِيلَ.

الثّالِثُ: أنَّهُ نَبِيٌّ يَبْعَثُهُ اللَّهُ في آخِرِ الزَّمانِ يُقِيمُ بِهِ مُلْكَ اليَهُودِ ويَعْلُو بِهِ شَأْنُهم وهم يَنْتَظِرُونَهُ الآنَ ويُسَمُّونَهُ المُنْتَظَرَ.

قالَ المُسْلِمُونَ: البِشارَةُ صَرِيحَةٌ في النَّبِيِّ العَرَبِيِّ الأُمِّيِّ مُحَمَّدٍ ﷺ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ لا تُحْتَمَلُ عَلى غَيْرِهِ، لِأنَّها إنَّما وقَعَتْ بِنَبِيٍّ مِن إخْوَةِ بَنِي إسْرائِيلَ لا مِن بَنِي إسْرائِيلَ أنْفُسِهِمْ، والمَسِيحُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَلَوْ كانَ المُرادُ بِها هو المَسِيحُ لَقالَ: أُقِيمَ لَهم نَبِيًّا مِن أنْفُسِهِمْ.

كَما قالَ تَعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِن أنْفُسِهِمْ، وإخْوَةُ بَنِي إسْرائِيلَ هم بَنُو إسْماعِيلَ، ولا يُقالُ في لُغَةِ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ إنْ بَنِي إسْرائِيلَ هم إخْوَةُ بَنِي إسْرائِيلَ، كَما أنَّ إخْوَةَ زَيْدٍ لا يَدْخُلُ فِيهِمْ زَيْدٌ نَفْسَهُ.

وَأيْضًا فَإنَّهُ قالَ: نَبِيًّا مِثْلَكَ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ صاحِبُ شَرِيعَةٍ عامَّةٍ مِثْلَ مُوسى، وهَذا يُبْطِلُ حَمْلَهُ عَلى شَمْوَئِيلَ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ أيْضًا، ويُبْطِلُ حَمْلَهُ عَلى يُوشَعَ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:

أحَدُها: أنَّهُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ لا مِن إخْوَتِهِمْ.

الثّانِي أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِثْلَ مُوسى، في التَّوْراةِ الَّتِي بِأيْدِيهِمْ: لا يَقُومُ في بَنِي إسْرائِيلَ مِثْلُ مُوسى.

الثّالِثُ: أنَّ يُوشَعَ نَبِيٌّ في زَمَنِ مُوسى، وهو كالِبُ، وهَذا الوَعْدُ إنَّما هو بِنَبِيٍّ يُقِيمُهُ اللَّهُ تَعالى بَعْدَ مُوسى.

وَبِهَذِهِ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ يَبْطُلُ حَمْلُهُ عَلى هارُونَ، مَعَ أنَّ هارُونَ تُوُفِّيَ قَبْلَ مُوسى، ونَبَّأهُ اللَّهُ تَعالى مَعَ مُوسى في حَياتِهِ، ويَبْطَلُ ذَلِكَ مِن وجْهٍ رابِعٍ أيْضًا وهُوَ: أنَّ في هَذِهِ البِشارَةِ أنَّهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ كِتابًا يَظْهَرُ لِلنّاسِ مِن فِيهِ، وهَذا لَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ بَعْدَ مُوسى غَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ، وهَذا مِن عَلاماتِ نُبُوَّتِهِ الَّتِي أخْبَرَ بِها الأنْبِياءُ المُتَقَدِّمُونَ، قالَ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ أوَلَمْ يَكُنْ لَهم آيَةً أنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ﴾.

فالقُرْآنُ نَزَلَ عَلى قَلْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وظَهَرَ لِلْأُمَّةِ مِن فِيهِ، ولا تَصِحُّ هَذِهِ البِشارَةُ عَلى المَسِيحِ بِاتِّفاقِ النَّصارى، لِأنَّها إنَّما جاءَتْ بِواحِدٍ مِن إخْوَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، وبَنُو إسْرائِيلَ وإخْوَتُهم كُلُّهم عَبِيدٌ لِلَّهِ، لَيْسَ فِيهِمْ إلَهٌ، والمَسِيحُ عِنْدَهم إلَهٌ مَعْبُودٌ، وهو أجَلُّ عِنْدِهِمْ مِن أنْ يَكُونَ مِن إخْوَةِ بَنِي إسْرائِيلَ العَبِيدِ، والبِشارَةُ وقَعَتْ بِعَبْدٍ مَخْلُوقٍ يُقِيمُهُ اللَّهُ مِن جُمْلَةِ عِبادِهِ وإخْوَتِهِمْ، وغايَتُهُ أنْ يَكُونَ نَبِيًّا لا غايَةَ لَهُ فَوْقَها، وهَذا لَيْسَ هو المَسِيحُ عِنْدَ النَّصارى. وأمّا مَقالَتُهم أنَّهُ عَلى حَذْفِ ألِفِ الِاسْتِفْهامِ، وهو اسْتِفْهامُ إنْكارٍ، والمَعْنى (أأُقِيمَ لِبَنِي إسْرائِيلَ نَبِيًّا مِثْلَكَ) - عادَةٌ لَهم مَعْرُوفَةٌ في تَحْرِيفِ كَلامِ اللَّهِ عَنْ مَواضِعِهِ والكَذِبِ عَلى اللَّهِ، وقَوْلُهم لِما يُبَدِّلُونَهُ ويُحَرِّفُونَهُ: هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ.

وَحَمْلُ هَذا الكَلامُ عَلى الِاسْتِفْهامِ والإنْكارِ غايَةُ ما يَكُونُ مِنَ التَّحْرِيفِ والتَّبْدِيلِ.

وَهَذا التَّحْرِيفُ والتَّبْدِيلُ مِن مُعْجِزاتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّتِي أخْبَرَ بِها عَنِ اللَّهِ مِن تَحْرِيفِهِمْ وتَبْدِيلِهِمْ، فَأظْهَرَ اللَّهُ صِدْقَهُ في ذَلِكَ كُلِّهِ إلى كُلِّ ذِي لُبٍّ وعَقْلٍ، فازْدادَ إيمانًا إلى إيمانِهِ، وازْدادَ الكافِرُونَ رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ.

قالَ في التَّوْراةِ في السِّفْرِ الخامِسِ: أقْبَلَ اللَّهُ مِن سَيْناءَ، وتَجَلّى مِن ساعِيرَ، وظَهَرَ مِن جِبالِ فارانَ، ومَعَهُ رَبْواتُ الأطْهارُ عَنْ يَمِينِهِ، وهَذِهِ مُتَضَمِّنَةٌ لِلنُّبُوّاتِ الثَّلاثَةِ: نُبُوَّةِ مُوسى، ونُبُوَّةِ عِيسى، ونُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ.

فَمَجِيئُهُ مِن سَيْناءَ وهو الجَبَلُ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى ونَبَأهُ عَلَيْهِ إخْبارٌ عَنْ نُبُوَّتِهِ.

وَتَجَلِّيهِ مِن ساعِيرَ هو مَظْهَرُ عِيسى المَسِيحِ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ، وساعِيرُ: قَرْيَةٌ مَعْرُوفَةٌ هُناكَ إلى اليَوْمِ، وهَذِهِ بِشارَةٌ بِنُبُوَّةِ المَسِيحِ.

وَفارانُ: هي مَكَّةُ، وشَبَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى نُبُوَّةَ مُوسى بِمَجِيءِ الصُّبْحِ، وفَلْقِهِ، ونُبُوَّةَ المَسِيحِ بَعْدَها بِإشْراقِهِ وضِيائِهِ، ونُبُوَّةَ خاتَمِ النَّبِيِّينَ بَعْدَهُما ﷺ بِاسْتِعْلانِ الشَّمْسِ وظُهُورِها وظُهُورِ ضَوْئِها في الآفاقِ، ووَقَعَ الأمْرُ كَما أخْبَرَ بِهِ سَواءً، فَإنَّ اللَّهَ صَدَعَ بِنُبُوَّةِ مُوسى لَيْلَ الكُفْرِ فَأضاءَ فَجْرَهُ بِنُبُوَّتِهِ، وزادَ الضِّياءُ والإشْراقُ بِنُبُوَّةِ المَسِيحِ، وكَمُلَ الضِّياءُ واسْتَعْلَنَ وطَبَقَ الأرْضَ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ.

وَذِكْرُ هَذِهِ النُّبُوّاتِ الثَّلاثَةِ الَّتِي اشْتَمَلَتْ عَلَيْها هَذِهِ البِشارَةُ نَظِيرُ ذِكْرِها في أوَّلِ سُورَةِ التِّينِ والتِّينِ والزَّيْتُونِ وطُورِ سِينِينَ وهَذا البَلَدِ الأمِينِ

فَذَكَرَ أمْكِنَةَ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ وأرْضَهُمُ الَّتِي خَرَجُوا مِنها، والتِّينِ والزَّيْتُونِ: المُرادُ بِهِ مَنبَتُهُما وأرْضُهُما، وهي الأرْضُ المُقَدَّسَةُ الَّتِي هي مَظْهَرُ المَسِيحِ، وطُورِ سِينِينَ الجَبَلُ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسى فَهو مَظْهَرُ نُبُوَّتُهُ، ووَهَذا البَلَدِ الأمِينِ: مَكَّةُ، حَرَمُ اللَّهِ وأمْنُهُ الَّتِي هي مَظْهَرُ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ.

فَهَذِهِ الثَّلاثَةُ نَظِيرُ تِلْكَ الثَّلاثَةِ سَواءٌ.

قالَتِ اليَهُودُ: فارانُ هي أرْضُ الشّامِ ولَيْسَتْ أرْضَ الحِجازِ، ولَيْسَ هَذا بِبِدْعٍ مَن بَهْتِهِمْ وتَحْرِيفِهِمْ، وعِنْدَهم في التَّوْراةِ: أنَّ إسْماعِيلَ لَمّا فارَقَ أباهُ سَكَنَ في بَرِّيَّةِ فارانَ، هَكَذا نَطَقَتِ التَّوْراةُ ولَفْظُها (وَأقامَ إسْماعِيلُ في بَرِّيَّةِ فارانَ وأنْكَحَتْهُ أُمُّهُ امْرَأةً مِن أرْضِ مِصْرَ).

وَلا يَشْكُ عُلَماءُ أهْلِ الكِتابِ أنَّ فارانَ مَسْكَنٌ لِآلِ إسْماعِيلَ، فَقَدْ تَضَمَّنَتِ التَّوْراةُ نُبُوَّةً تَنْزِلُ بِأرْضِ فارانَ، وتَضَمَّنَتْ نُبُوَّةً تَنْزِلُ عَلى عَظِيمٍ مِن ولَدِ إسْماعِيلَ، وتَضَمَّنَتِ انْتِشارَ أُمَّتِهِ وأتْباعِهِ حَتّى يَمْلَئُوا السَّهْلَ والجَبَلَ، كَما سَنَذْكُرُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ.

وَلَمْ يَبْقَ بَعْدَ هَذا شُبْهَةٌ أصْلًا أنَّ هَذِهِ هي نُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ الَّتِي نَزَلَتْ بِفارانَ عَلى أشْرَفِ ولَدِ إسْماعِيلَ حَتّى مَلَأ الأرْضَ ضِياءً ونُورًا، ومَلَأ أتْباعُهُ السَّهْلَ والجَبَلَ، ولا يَكْثُرُ عَلى الشَّعْبِ الَّذِي نَطَقَتِ التَّوْراةُ بِأنَّهم عادِمُو الرَّأْيِ والفَطانَةِ أنْ يَنْقَسِمُوا إلى جاهِلٍ بِذَلِكَ وجاحِدٍ مُكابِرٍ مُعانِدٍ.

وَلَفْظُ التَّوْراةِ فِيهِمْ: أنَّهُمُ الشَّعْبُ عادِمُ الرَّأْيِ، ولَيْسَ فِيهِمْ فَطانَةٌ.

وَيُقالُ لِهَؤُلاءِ المُكابِرِينَ: أيُّ نُبُوَّةٍ خَرَجَتْ مِنَ الشّامِ فاسْتَعْلَنَتِ اسْتِعْلانَ ضِياءِ الشَّمْسِ، وظَهَرَتْ فَوْقَ ظُهُورِ النُّبُوَّتَيْنِ قَبْلَها؟! وهَلْ هَذا إلّا بِمَنزِلَةِ مُكابَرَةِ مَن يَرى الشَّمْسَ قَدْ طَلَعَتْ مِنَ المَشْرِقِ فَيُغالِطُ ويُكابِرُ ويَقُولُ بَلْ طَلَعَتْ مِنَ المَغْرِبِ؟

قالَ في التَّوْراةِ في السِّفْرِ الأوَّلِ: (إنَّ المَلَكَ ظَهَرَ لِهاجَرَ أُمِّ إسْماعِيلَ، فَقالَ: يا هاجَرُ، مِن أيْنَ أقْبَلْتِ؟ وإلى أيْنَ تُرِيدِينَ؟ فَلَمّا شَرَحَتْ لَهُ الحالَ، قالَ: ارْجِعِي فَإنِّي سَأُكَثِّرُ ذُرِّيَّتَكِ وزَرْعَكِ حَتّى لا يُحْصَوْنَ كَثْرَةً، وها أنْتِ تَحْبَلِينَ وتَلِدِينَ ابْنًا اسْمُهُ إسْماعِيلَ لِأنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ تَذَلُّلَكِ وخُضُوعَكِ، ووَلَدُكِ يَكُونُ وحْشِيَّ النّاسِ، وتَكُونُ يَدُهُ عَلى الكُلِّ، ويَدُ الكُلِّ مَبْسُوطَةٌ إلَيْهِ بِالخُضُوعِ).

وَهَذِهِ بِشارَةٌ تضمنت أنَّ يَدَ ابْنِها عَلى يَدِ كُلِّ الخَلائِقِ، وأنَّ كَلِمَتَهُ العُلْيا، وأنَّ يَدَ ابْنِها عالِيَةٌ، ويَدَ الخَلْقِ تَحْتَ يَدِهِ، فَمَن هَذا الَّذِي يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ هَذا الوَصْفُ سِوى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ.

7:158Page 170

قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُمۡ جَمِيعًا ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِيِّ ٱلۡأُمِّيِّ ٱلَّذِي يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَٰتِهِۦ وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ ١٥٨

Say, [O Muḥammad], "O mankind, indeed I am the Messenger of Allāh to you all, [from Him] to whom belongs the dominion of the heavens and the earth. There is no deity except Him; He gives life and causes death." So believe in Allāh and His Messenger, the unlettered prophet, who believes in Allāh and His words, and follow him that you may be guided.

قَوْلُهُ في نُبُوَّةِ أرْمِيا: قَبْلَ أنْ أخْلُقَكَ قَدْ عَظَّمْتُكَ مِن قَبْلِ أنْ أُصَوِّرَكَ في البَطْنِ، وأرْسَلْتُكَ وجَعَلْتُكَ نَبِيًّا لِلْأجْناسِ كُلِّهِمْ. فَهَذِهِ بِشارَةٌ عَلى لِسانِ أرْمِيا لِمَن بَعْدُهُ، وهو إمّا المَسِيحُ وإمّا مُحَمَّدٌ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِما، لا تَعْدُوهُما إلى غَيْرِهِما، ومُحَمَّدٌ أوْلى بِها لِأنَّ المَسِيحَ إنَّما كانَ نَبِيًّا لِبَنِي إسْرائِيلَ، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَرَسُولًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾.

والنَّصارى تُقِرُّ بِذَلِكَ، ولَمْ يَدَّعِ المَسِيحُ أنَّهُ رَسُولٌ إلى سائِرِ الأجْناسِ مِن أهْلِ الأرْضِ، فَإنَّ الأنْبِياءَ مِن عَهِدَ مُوسى إلى المَسِيحِ إنَّما كانُوا يُبْعَثُونَ إلى قَوْمِهِمْ، بَلْ عِنْدَهم في الإنْجِيلِ أنَّ المَسِيحَ قالَ لِلْحِوارِيَّيْنِ: لا تَسْلُكُوا إلى سَبِيلِ الأجْناسِ، ولَكِنِ اخْتَصِرُوا عَلى الغَنَمِ الرّابِضَةِ مَن نَسْلِ إسْرائِيلَ.

وَأمّا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَهو الَّذِي بَعَثَهُ اللَّهُ إلى سائِرِ أجْناسٍ الأرْضِ وطَوائِفِ بَنِي آدَمَ.

وَهَذِهِ البِشارَةُ مُطابَقَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم جَمِيعًا﴾.

وَلِقَوْلِهِ ﷺ: بُعِثْتُ إلى الأسْوَدِ والأحْمَرِ.

وَقَوْلِهِ: وكانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إلى قَوْمِهِ وبُعِثْتُ إلى النّاسِ عامَّةً.

وَقَدِ اعْتَرَفَتِ النَّصارى بِهَذِهِ البِشارَةِ ولَمْ يُنْكِرُوها، لَكِنْ قالَ بَعْضُ زُعَمائِهِمْ إنَّها بِشارَةُ مُوسى بْنِ عِمْرانَ، وإلْياسَ، واليَسَعَ، وأنَّهم سَيَأْتُونَ في آخِرِ الزَّمانِ، وهَذا مِن أعْظَمِ البَهْتِ والجُرْأةِ عَلى اللَّهِ تَعالى والِافْتِراءِ عَلَيْهِ: فَإنَّهُ لا يَأْتِي مَن قَدْ ماتَ إلى يَوْمِ المِيقاتِ المَعْلُومِ.

7:159Page 170

وَمِن قَوۡمِ مُوسَىٰٓ أُمَّةٞ يَهۡدُونَ بِٱلۡحَقِّ وَبِهِۦ يَعۡدِلُونَ ١٥٩

And among the people of Moses is a community1 which guides by truth and by it establishes justice.

No commentary for this ayah

7:160Page 171

وَقَطَّعۡنَٰهُمُ ٱثۡنَتَيۡ عَشۡرَةَ أَسۡبَاطًا أُمَمٗاۚ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ إِذِ ٱسۡتَسۡقَىٰهُ قَوۡمُهُۥٓ أَنِ ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡحَجَرَۖ فَٱنۢبَجَسَتۡ مِنۡهُ ٱثۡنَتَا عَشۡرَةَ عَيۡنٗاۖ قَدۡ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٖ مَّشۡرَبَهُمۡۚ وَظَلَّلۡنَا عَلَيۡهِمُ ٱلۡغَمَٰمَ وَأَنزَلۡنَا عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَنَّ وَٱلسَّلۡوَىٰۖ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡۚ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ١٦٠

And We divided them into twelve descendant tribes1 [as distinct] nations. And We inspired to Moses when his people implored him for water, "Strike with your staff the stone," and there gushed forth from it twelve springs. Every people [i.e., tribe] knew its watering place. And We shaded them with clouds and sent down upon them manna and quails, [saying], "Eat from the good things with which We have provided you." And they wronged Us not, but they were [only] wronging themselves.

No commentary for this ayah

7:161Page 171

وَإِذۡ قِيلَ لَهُمُ ٱسۡكُنُواْ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةَ وَكُلُواْ مِنۡهَا حَيۡثُ شِئۡتُمۡ وَقُولُواْ حِطَّةٞ وَٱدۡخُلُواْ ٱلۡبَابَ سُجَّدٗا نَّغۡفِرۡ لَكُمۡ خَطِيٓـَٰٔتِكُمۡۚ سَنَزِيدُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٦١

And [mention, O Muḥammad], when it was said to them, "Dwell in this city [i.e., Jerusalem] and eat from it wherever you will and say, 'Relieve us of our burdens [i.e., sins],' and enter the gate bowing humbly; We will [then] forgive you your sins. We will increase the doers of good [in goodness and reward]."

No commentary for this ayah

7:162Page 171

فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡ قَوۡلًا غَيۡرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمۡ فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِجۡزٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَظۡلِمُونَ ١٦٢

But those who wronged among them changed [the words] to a statement other than that which had been said to them. So We sent upon them a punishment from the sky for the wrong that they were doing.

No commentary for this ayah

7:163Page 171

وَسۡـَٔلۡهُمۡ عَنِ ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلَّتِي كَانَتۡ حَاضِرَةَ ٱلۡبَحۡرِ إِذۡ يَعۡدُونَ فِي ٱلسَّبۡتِ إِذۡ تَأۡتِيهِمۡ حِيتَانُهُمۡ يَوۡمَ سَبۡتِهِمۡ شُرَّعٗا وَيَوۡمَ لَا يَسۡبِتُونَ لَا تَأۡتِيهِمۡۚ كَذَٰلِكَ نَبۡلُوهُم بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ ١٦٣

And ask them about the town that was by the sea - when they transgressed in [the matter of] the sabbath - when their fish came to them openly on their sabbath day, and the day they had no sabbath they did not come to them. Thus did We give them trial because they were defiantly disobedient.

No commentary for this ayah

7:164Page 172

وَإِذۡ قَالَتۡ أُمَّةٞ مِّنۡهُمۡ لِمَ تَعِظُونَ قَوۡمًا ٱللَّهُ مُهۡلِكُهُمۡ أَوۡ مُعَذِّبُهُمۡ عَذَابٗا شَدِيدٗاۖ قَالُواْ مَعۡذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمۡ وَلَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ ١٦٤

And when a community among them said, "Why do you advise [or warn] a people whom Allāh is [about] to destroy or to punish with a severe punishment?" they [the advisors] said, "To be absolved before your Lord and perhaps they may fear Him."

No commentary for this ayah

7:165Page 172

فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِۦٓ أَنجَيۡنَا ٱلَّذِينَ يَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلسُّوٓءِ وَأَخَذۡنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابِۭ بَـِٔيسِۭ بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ ١٦٥

And when they [i.e., those advised] forgot that by which they had been reminded, We saved those who had forbidden evil and seized those who wronged, with a wretched punishment, because they were defiantly disobeying.

No commentary for this ayah

7:166Page 172

فَلَمَّا عَتَوۡاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنۡهُ قُلۡنَا لَهُمۡ كُونُواْ قِرَدَةً خَٰسِـِٔينَ ١٦٦

So when they were insolent about that which they had been forbidden, We said to them, "Be apes, despised."

No commentary for this ayah

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском