Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:33–50, continued
وَكَذَلِكَ عِنْدَ هَؤُلاءِ أيْضًا العَبَثُ والسُّدى والباطِلُ، كُلُّها هي المُسْتَحِيلاتُ المُمْتَنِعَةُ الَّتِي لا تَدْخُلُ تَحْتَ المَقْدُورِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ قَدْ نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْها، إذْ نَسَبَهُ إلَيْها أعْداؤُهُ المُكَذِّبُونَ بِوَعْدِهِ ووَعِيدِهِ، المُنْكِرُونَ لِأمْرِهِ ونَهْيِهِ، فَأخْبَرَ أنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ كَوْنَ الخَلْقِ عَبَثًا وباطِلًا، وحِكْمَتُهُ وعِزَّتُهُ تَأْبى ذَلِكَ، قالَ تَعالى ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] أيْ لِغَيْرِ شَيْءٍ، لا تُؤْمَرُونَ ولا تُنْهَوْنَ، ولا تُثابُونَ ولا تُعاقَبُونَ، والعَبَثُ قَبِيحٌ، فَدَلَّ عَلى أنَّ قُبْحَ هَذا مُسْتَقِرٌّ في الفِطَرِ والعُقُولِ، ولِذَلِكَ أنْكَرَهُ عَلَيْهِمْ إنْكارَ مُنَبِّهٍ لَهم عَلى الرُّجُوعِ إلى عُقُولِهِمْ وفِطَرِهِمْ، وأنَّهم لَوْ فَكَّرُوا وأبْصَرُوا لَعَلِمُوا أنَّهُ لا يَلِيقُ بِهِ، ولا يَحْسُنُ مِنهُ أنْ يَخْلُقَ خَلْقَهُ عَبَثًا، لا لِأمْرٍ ولا لِنَهْيٍ، ولا لِثَوابٍ ولا لِعِقابٍ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ حُسْنَ الأمْرِ والنَّهْيِ والجَزاءِ مُسْتَقِرٌّ في العُقُولِ والفِطَرِ، وأنَّ مَن جَوَّزَ عَلى اللَّهِ الإخْلالَ بِهِ فَقَدْ نَسَبَهُ إلى ما لا يَلِيقُ بِهِ، وإلى ما تَأْباهُ أسْماؤُهُ الحُسْنى وصِفاتُهُ العُلْيا.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] قالَ الشّافِعِيُّ: مُهْمَلًا لا يُؤْمَرُ ولا يُنْهى، وقالَ غَيْرُهُ: لا يُثابُ ولا يُعاقَبُ، وهُما مُتَلازِمانِ، فَأنْكَرَ عَلى مَن يَحْسَبُ ذَلِكَ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ قَبِيحٌ تَأْباهُ حِكْمَتُهُ وعِزَّتُهُ، وأنَّهُ لا يَلِيقُ بِهِ، ولِهَذا اسْتَدَلَّ عَلى أنَّهُ لا يَتْرُكُهُ سُدًى بِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ [القيامة: ٣٧] إلى آخِرِ السُّورَةِ، ولَوْ كانَ قُبْحُهُ إنَّما عُلِمَ بِالسَّمْعِ لَكانَ يَسْتَدِلُّ عَلَيْهِ بِأنَّهُ خِلافُ السَّمْعِ، وخِلافُ ما أعْلَمَناهُ وأخْبَرَنا بِهِ، ولَمْ يَكُنْ إنْكارُهُ لِكَوْنِهِ قَبِيحًا في نَفْسِهِ، بَلْ لِكَوْنِهِ خِلافَ ما أخْبَرَ بِهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا لَيْسَ وجْهَ الكَلامِ.
وَكَذَلِكَ إنْكارُهُ سُبْحانَهُ قُبْحَ الشِّرْكِ بِهِ في إلَهِيَّتِهِ، وعِبادَةَ غَيْرِهِ مَعَهُ بِما ضَرَبَهُ لَهم مِنَ الأمْثالِ، وأقامَ عَلى بُطْلانِهِ مِنَ الأدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ، ولَوْ كانَ إنَّما قَبُحَ بِالشَّرْعِ لَمْ يَكُنْ لِتِلْكَ الأدِلَّةِ والأمْثالِ مَعْنًى.
وَعِنْدَ نُفاةِ التَّحْسِينِ والتَّقْبِيحِ يَجُوزُ في العَقْلِ أنْ يَأْمُرَ بِالإشْراكِ بِهِ وبِعِبادَةِ غَيْرِهِ! وإنَّما عُلِمَ قُبْحُهُ بِمُجَرَّدِ النَّهْيِ عَنْهُ!.
فَيا عَجَبًا! أيُّ فائِدَةٍ تَبْقى في تِلْكَ الأمْثالِ والحُجَجِ، والبَراهِينِ الدّالَّةِ عَلى قُبْحِهِ في صَرِيحِ العُقُولِ والفِطَرِ؟ وأنَّهُ أقْبَحُ القَبِيحِ وأظْلَمُ الظُّلْمِ؟ وأيُّ شَيْءٍ يَصِحُّ في العَقْلِ إذا لَمْ يَكُنْ فِيهِ عِلْمٌ بِقُبْحِ الشِّرْكِ الذّاتِيِّ، وأنَّ العِلْمَ بِقُبْحِهِ بَدِيهِيٌّ مَعْلُومٌ بِضَرُورَةِ العَقْلِ، وأنَّ الرُّسُلَ نَبَّهُوا الأُمَمَ عَلى ما في عُقُولِهِمْ وفِطَرِهِمْ مِن قُبْحِهِ، وأنَّ أصْحابَهُ لَيْسَتْ لَهم عُقُولٌ ولا ألْبابٌ ولا أفْئِدَةٌ، بَلْ نَفى عَنْهُمُ السَّمْعَ والبَصَرَ، والمُرادُ سَمْعُ القَلْبِ وبَصَرُهُ، فَأخْبَرَ أنَّهم صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ، وذَلِكَ وصْفُ قُلُوبِهِمْ أنَّها لا تَسْمَعُ ولا تُبَصِرُ ولا تَنْطِقُ، وشَبَّهَهم بِالأنْعامِ الَّتِي لا عُقُولَ لَها تُمَيِّزُ بِها بَيْنَ الحَسَنِ والقَبِيحِ، والحَقِّ والباطِلِ، ولِذَلِكَ اعْتَرَفُوا في النّارِ بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا مِن أهْلِ السَّمْعِ والعَقْلِ، وأنَّهم لَوْ رَجَعُوا إلى أسْماعِهِمْ وعُقُولِهِمْ لَعَلِمُوا حُسْنَ ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ وقُبْحَ مُخالَفَتِهِمْ.
قالَ اللَّهُ تَعالى حاكِيًا عَنْهم ﴿وَقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أوْ نَعْقِلُ ما كُنّا في أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠] وكَمْ يَقُولُ لَهم في كِتابِهِ " أفَلا تَعْقِلُونَ "، " لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ ".
فَيُنَبِّهُهم عَلى ما في عُقُولِهِمْ وفِطَرِهِمْ مِنَ الحَسَنِ والقَبِيحِ، ويَحْتَجُّ عَلَيْهِمْ بِها، ويُخْبِرُ أنَّهُ أعْطاهُمُوها لِيَنْتَفِعُوا بِها، ويُمَيِّزُوا بِها بَيْنَ الحَسَنِ والقَبِيحِ والحَقِّ والباطِلِ.
وَكَمْ في القُرْآنِ مِن مَثَلٍ عَقْلِيٍّ وحِسِّيٍّ يُنَبِّهُ بِهِ العُقُولَ عَلى حُسْنِ ما أمَرَ بِهِ، وقُبْحِ ما نَهى عَنْهُ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ في نَفْسِهِ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِضَرْبِ الأمْثالِ لِلْعُقُولِ مَعْنًى، ولَكانَ إثْباتُ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ الأمْرِ والنَّهْيِ دُونَ ضَرْبِ الأمْثالِ، وتَبْيِينِ جِهَةِ القُبْحِ المَشْهُودَةِ بِالحُسْنِ والعَقْلِ.
والقُرْآنُ مَمْلُوءٌ بِهَذا لِمَن تَدَبَّرَهُ.
7:34Page 154
وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٞۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ لَا يَسۡتَأۡخِرُونَ سَاعَةٗ وَلَا يَسۡتَقۡدِمُونَ ٣٤
And for every nation is a [specified] term. So when their time has come, they will not remain behind an hour, nor will they precede [it].
No commentary for this ayah
7:35Page 154
يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ إِمَّا يَأۡتِيَنَّكُمۡ رُسُلٞ مِّنكُمۡ يَقُصُّونَ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِي فَمَنِ ٱتَّقَىٰ وَأَصۡلَحَ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٣٥
O children of Adam, if there come to you messengers from among you relating to you My verses [i.e., scriptures and laws], then whoever fears Allāh and reforms - there will be no fear concerning them, nor will they grieve.
(لطيفة)
ودّع ابْن عون رجلا فَقالَ عَلَيْك بتقوى الله فَإن المتقي لَيست عَلَيْهِ وحْشَة.
وَقالَ زيد بن أسلم كانَ يُقال من اتَّقى الله أحبه النّاس وإن كَرهُوا.
وَقالَ الثَّوْريّ لِابْنِ أبي ذِئْب إن اتَّقَيْت الله كَفاك النّاس، وإن اتَّقَيْت النّاس لن يغنوا عَنْك من الله شَيْئا
وَقالَ سُلَيْمان بن داوُد: أوتينا مِمّا أُوتِيَ النّاس ومِمّا لم يؤتوا، وعلّمنا مِمّا علّم النّاس ومِمّا لم يعلمُوا، فَلم نجد شَيْئا أفضل من تقوى الله في السِّرّ والعَلانِيَة، والعدْل في الغَضَب والرِّضا والقَصْد في الفقر والغنى.
وَفِي الزّهْد للْإمام أحْمد أثر إلهي:
"ما من مَخْلُوق اعْتصمَ بمخلوق دوني إلّا قطعت أسباب السَّماوات والأرْض دونه، فَإن سَألَني لم أعْطه، وإن دَعاني لم أجبه، وإن استغفرني لم أغفر لَهُ، وما من مَخْلُوق اعْتصمَ بِي دون خلقي إلّا ضمنت السَّماوات والأرْض رزقه، فَإن سَألَني أعْطيته، وإن دَعاني أجَبْته، وإن استغفرني غفرت لَهُ.
7:36Page 154
وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَٱسۡتَكۡبَرُواْ عَنۡهَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٣٦
But the ones who deny Our verses and are arrogant toward them - those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.
No commentary for this ayah
7:37Page 154
فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِهِۦٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ يَنَالُهُمۡ نَصِيبُهُم مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوۡنَهُمۡ قَالُوٓاْ أَيۡنَ مَا كُنتُمۡ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِۖ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا وَشَهِدُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَنَّهُمۡ كَانُواْ كَٰفِرِينَ ٣٧
And who is more unjust than one who invents about Allāh a lie or denies His verses? Those will attain their portion of the decree1 until, when Our messengers [i.e., angels] come to them to take them in death, they will say, "Where are those you used to invoke besides Allāh?" They will say, "They have departed from us," and will bear witness against themselves that they were disbelievers.
قوله تعالى: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولَئِكَ يَنالُهم نَصِيبُهم مِنَ الكِتابِ﴾
قال سعيد بن جبير ومجاهد وعطية: "أي ما سبق لهم في الكتاب من الشقاوة والسعادة ثم قرأ عطية: ﴿فَرِيقًا هَدى وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ "
والمعنى أن هؤلاء أدركهم ما كتب لهم من الشقاوة وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء
قال: "يريد ما سبق عليهم في علمي في اللوح المحفوظ"
فالكتاب على هذا القول الكتاب الأول ونصيبهم ما كتب لهم من الشقاوة وأسبابها.
وقال ابن زيد والقرطبي والربيع بن أنس: "ينالهم ما كتب لهم من الأرزاق والأعمال فإذا فني نصيبهم واستكملوه جاءتهم رسلنا يتوفونهم.
ورجح بعضهم هذا القول لمكان حتى التي هي للغاية يعني أنهم يستوفون أرزاقهم وأعمارهم إلى الموت.
ولمن نصر القول الأول أن يقول ﴿حتى﴾ في هذا الموضع هي التي تدخل على الجمل ويتصرف الكلام فيها إلى الابتداء كما في كقوله:
فيا عجبا حتى كليب تسبني
والصحيح أن نصيبهم من الكتاب يتناول الأمرين فهو نصيبهم من الشقاوة ونصيبهم من الأعمال التي هي أسبابها، ونصيبهم من الأعمار التي هي مدة اكتسابها، ونصيبهم من الأرزاق التي استعانوا بها على ذلك.
فعمت الآية هذا النصيب كله.
وذكر هؤلاء بعضه وهؤلاء بعضه هذا على القول الصحيح وأن المراد ما سبق لهم في أم الكتاب وقالت طائفة المراد بالكتاب القرآن.
قال الزجاج: "معنى نصيبهم من الكتاب ما أخبر الله من جزائهم نحو قوله: ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ وقوله: ﴿يَسْلُكْهُ عَذابًا صَعَدًا﴾ ".
قال أرباب هذا القول وهذا هو الظاهر لأنه ذكر عذابهم في القرآن في مواضع ثم أخبر أنه ينالهم نصيبهم منه.
والصحيح القول الأول وهو نصيبهم الذي كتب لهم أن ينالوه قبل أن يخلقوا، ولهذا القول وجه حسن وهو أن نصيب المؤمنين منه الرحمة والسعادة، ونصيب هؤلاء منه العذاب والشقاء، فنصيب كل فريق منه ما اختاروه لأنفسهم وآثروه على غيره كما أن حظ المؤمنين منه كان الهدى والرحمة، فحظ هؤلاء منه الضلال والخيبة فكان حظهم من هذه النعمة أن صارت نقمة وحسرة عليهم، وقريب من هذا قوله: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ أي تجعلونه حظكم من هذا الرزق الذي به حياتكم التكذيب به.
قال الحسن: "تجعلون حظكم ونصيبكم من القرآن أنكم تكذبون قال وخسر عبد لا يكون حظه من كتاب الله إلا التكذيب به".
(فصل)
وقوله تعالى: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ﴾ ذكر الصنفين المبطلين.
أحدهما: منشئ الباطل والفرية وواضعها وداعي الناس إليها.
والثاني: مكذب بالحق.
فالأول: كفره بالافتراء وإنشاء الباطل
والثاني: كفره بجحود الحق.
وهذان النوعان يعرضان لكل مبطل. فان انضاف إلى ذلك دعوته إلى باطلة وصد الناس عن الحق، استحق تضعيف العذاب لكفره وشره.
ولهذا قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ﴾
فلما كفروا وصدوا عباده عن سبيله عذبهم عذابين: عذابا بكفرهم وعذابا بصدهم عن سبيله، وحيث يذكر الكفر المجرد لا يعدد العذاب، كقوله تعالى: ﴿والكافرون لهم عذاب أليم﴾ وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَنالُهم نَصِيبُهم مِنَ الكِتابِ﴾ يعني ينالهم ما كتب لهم في الدنيا من الحياة والرزق وغير ذلك ﴿حَتّى إذا جاءَتْهم رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهم قالُوا أيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا﴾ زالوا وفارقوا وبطلت تلك الدعوة ﴿وَشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ قالَ ادْخُلُوا في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم مِنَ الجِنِّ والأِنْسِ في النّارِ﴾ ادخلوا في جملة هذه الأمم كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا اداركوا فيها جميعًا قالت أخراهم لأولاهم} كل أمة متأخرة لأسلافها ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ﴾ ضاعفه عليهم بما أضلونا وصدونا عن طاعة رسلك، قال الله تعالى: ﴿قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ من الأتباع والمتبوعين بحسب ضلالة وكفره ﴿وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ لا تعلم كل طائفة بما فيه أختها من العذاب المضاعف ﴿وَقالَتْ أُولاهم لِأُخْراهم فَما كانَ لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ﴾ فإنكم جئتم بعدنا فأرسلت فيكم الرسل وبينوا لكم الحق وحذروكم من ضلالنا ونهوكم عن اتباعنا وتقليدنا، فأبيتم إلا اتباعنا وتقليدنا وترك الحق الذي أتتكم به الرسل.
فأي فضل كان لكم علينا، وقد ضللتم كما ضللنا، وتركتم الحق كما تركنا، فضللتم انتم بنا كما ضللنا نحن بقوم آخرين. فأي فضل كان لكم علينا ﴿فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾
فلله ما أشفاها من موعظة وما أبلغها من نصيحة لو صادفت من القلوب حياة فان هذه الآية وأمثالها مما يذكر قلوب السائرين إلى الله وأما أهل البطالة فليس عندهم من ذلك خبر.
7:38Page 155
قَالَ ٱدۡخُلُواْ فِيٓ أُمَمٖ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِكُم مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ فِي ٱلنَّارِۖ كُلَّمَا دَخَلَتۡ أُمَّةٞ لَّعَنَتۡ أُخۡتَهَاۖ حَتَّىٰٓ إِذَا ٱدَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعٗا قَالَتۡ أُخۡرَىٰهُمۡ لِأُولَىٰهُمۡ رَبَّنَا هَٰٓؤُلَآءِ أَضَلُّونَا فَـَٔاتِهِمۡ عَذَابٗا ضِعۡفٗا مِّنَ ٱلنَّارِۖ قَالَ لِكُلّٖ ضِعۡفٞ وَلَٰكِن لَّا تَعۡلَمُونَ ٣٨
[Allāh] will say, "Enter among nations which had passed on before you of jinn and mankind into the Fire." Every time a nation enters, it will curse its sister1 until, when they have all overtaken one another therein, the last of them2 will say about the first of them,3 "Our Lord, these had misled us, so give them a double punishment of the Fire." He will say, "For each is double, but you do not know."
No commentary for this ayah
7:39Page 155
وَقَالَتۡ أُولَىٰهُمۡ لِأُخۡرَىٰهُمۡ فَمَا كَانَ لَكُمۡ عَلَيۡنَا مِن فَضۡلٖ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡسِبُونَ ٣٩
And the first of them will say to the last of them, "Then you had not any favor over us, so taste the punishment for what you used to earn."
No commentary for this ayah
7:40Page 155
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَٱسۡتَكۡبَرُواْ عَنۡهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمۡ أَبۡوَٰبُ ٱلسَّمَآءِ وَلَا يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلۡجَمَلُ فِي سَمِّ ٱلۡخِيَاطِۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُجۡرِمِينَ ٤٠
Indeed, those who deny Our verses and are arrogant toward them - the gates of Heaven will not be opened for them, nor will they enter Paradise until a camel enters into the eye of a needle [i.e., never]. And thus do We recompense the criminals.
No commentary for this ayah
7:41Page 155
لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٞ وَمِن فَوۡقِهِمۡ غَوَاشٖۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلظَّٰلِمِينَ ٤١
They will have from Hell a bed and over them coverings [of fire]. And thus do We recompense the wrongdoers.
No commentary for this ayah
7:42Page 155
وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَا نُكَلِّفُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٤٢
But those who believed and did righteous deeds - We charge no soul except [within] its capacity. Those are the companions of Paradise; they will abide therein eternally.
No commentary for this ayah
7:43Page 155
وَنَزَعۡنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنۡ غِلّٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمُ ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ وَقَالُواْ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي هَدَىٰنَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهۡتَدِيَ لَوۡلَآ أَنۡ هَدَىٰنَا ٱللَّهُۖ لَقَدۡ جَآءَتۡ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلۡحَقِّۖ وَنُودُوٓاْ أَن تِلۡكُمُ ٱلۡجَنَّةُ أُورِثۡتُمُوهَا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٤٣
And We will have removed whatever is within their breasts of resentment,1 [while] flowing beneath them are rivers. And they will say, "Praise to Allāh, who has guided us to this; and we would never have been guided if Allāh had not guided us. Certainly the messengers of our Lord had come with the truth." And they will be called, "This is Paradise, which you have been made to inherit for what you used to do."
وأما قَول أهل الجنَّة ﴿الحَمد لله الَّذِي هدانا لهَذا وما كُنّا لنهتدي لَوْلا أن هدانا الله﴾ فَيحْتَمل أن يَكُونُوا أرادوا الهِدايَة إلى طَرِيق الجنَّة، وأن يَكُونُوا أرادوا الهِدايَة في الدُّنْيا الَّتِي أوصلتهم إلى دار النَّعيم.
وَلَو قيل إن كلا الأمريْنِ مُراد لَهُم وأنهم حمدوا الله على هدايته لَهُم في الدُّنْيا وهدايتهم إلى طَرِيق الجنَّة كانَ أحسن وأبلغ.
(فائدة)
قال أهل الجنة: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا وما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أنْ هَدانا اللَّه﴾ ولم يريدوا أن بعض الهدى منه وبعضه منهم، بل الهدى كله منه، ولولا هدايته لهم لما اهتدوا.
(فصل)
وهاهنا أمر يجب التنبيه عليه وهو أن الجنة إنما تدخل برحمة الله تعالى وليس عمل العبد مستقلا بدخولها وإن كان سببا ولهذا أثبت الله تعالى دخولها بالأعمال في قوله: ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ونفى رسول الله دخولها بالأعمال بقوله
"لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله"
ولا تنافي بين الأمرين لوجهين:
أحدهما: ما ذكره سفيان وغيره قال كانوا يقولون النجاة من النار بعفو الله ودخول الجنة برحمته واقتسام المنازل والدرجات بالأعمال ويدل على هذا حديث أبي هريرة الذي سيأتي إن شاء الله تعالى أن أهل الجنة إذا دخلوها نزلوا فيها بفضل أعمالهم رواه الترمذي
والثاني: أن الباء التي نفت الدخول هي باء المعاوضة التي يكون فيها أحد العوضين مقابلا للآخر والباء التي أثبتت الدخول هي باء السببية التي تقتضي سببية ما دخلت عليه لغيره وأن لم يكن مستقلا بحصوله وقد جمع النبي ﷺ بين الأمرين بقوله:
"سددوا وقاربوا وأبشروا واعلموا أن أحدا منكم لن ينجو بعمله"
قالوا: ولا أنت يا رسول الله ﷺ
قال: "ولا أنا ألا أن يتغمدني الله برحمته".
ومن عرف الله تعالى وشهد مشهد حقه عليه ومشهد تقصيره وذنوبه وأبصر هذين المشهدين بقلبه عرف ذلك وجزم به. والله سبحانه وتعالى المستعان.
[فَصْلٌ: القَدَرِيَّةُ النُفاةُ]
الصِّنْفُ الثّانِي: القَدَرِيَّةُ النُفاةُ، الَّذِينَ يُثْبِتُونَ نَوْعًا مِنَ الحِكْمَةِ والتَّعْلِيلِ ولَكِنْ لا يَقُومُ بِالرَّبِّ، ولا يَرْجِعُ إلَيْهِ، بَلْ يَرْجِعُ إلى مُجَرَّدِ مَصْلَحَةِ المَخْلُوقِ ومَنفَعَتِهِ.
فَعِنْدَهُمْ: أنَّ العِباداتِ شُرِعَتْ أثْمانًا لِما يَنالُهُ العِبادُ مِنَ الثَّوابِ والنَّعِيمِ، وأنَّها بِمَنزِلَةِ اسْتِيفاءِ أُجْرَةِ الأجِيرِ.
قالُوا: ولِهَذا يَجْعَلُها اللَّهُ تَعالى عِوَضًا كَقَوْلِهِ ﴿وَنُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣] وقَوْلِهِ ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢] وقَوْلِهِ ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٠] وقَوْلِهِ ﷺ فِيما يَحْكِي عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ «يا عِبادِي، إنَّما هي أعْمالُكم أُحْصِيها لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكم إيّاها» وقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [الزمر: ١٠]
قالُوا: وقَدْ سَمّاهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ جَزاءً وأجْرًا وثَوابًا، لِأنَّهُ يَثُوبُ إلى العامِلِ مِن عَمَلِهِ، أيْ يَرْجِعُ إلَيْهِ مِنهُ.
قالُوا: ولَوْلا ارْتِباطُهُ بِالعَمَلِ لَمْ يَكُنْ لِتَسْمِيَتِهِ جَزاءً ولا أجْرًا ولا ثَوابًا مَعْنًى.
قالُوا: ويَدُلُّ عَلَيْهِ الوَزْنُ، فَلَوْلا تَعَلُّقُ الثَّوابِ والعِقابِ بِالأعْمالِ واقْتِضاؤُها لَها، وكَوْنُها كالأثْمانِ لَها لَمْ يَكُنْ لِلْوَزْنِ مَعْنًى، وقَدْ قالَ تَعالى ﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ - ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ٨-٩].
وَهاتانِ الطّائِفَتانِ مُتَقابِلَتانِ أشَدَّ التَّقابُلِ، وبَيْنَهُما أعْظَمُ التَّبايُنِ.
فالجَبْرِيَّةُ لَمْ تَجْعَلْ لِلْأعْمالِ ارْتِباطًا بِالجَزاءِ ألْبَتَّةَ، وجَوَّزَتْ أنْ يُعَذِّبَ اللَّهُ مَن أفْنى عُمْرَهُ في طاعَتِهِ، ويُنَعِّمَ مَن أفْنى عُمْرَهُ في مَعْصِيَتِهِ، وكِلاهُما بِالنِسْبَةِ إلَيْهِ سَواءٌ، وجَوَّزَتْ أنْ يَرْفَعَ صاحِبَ العَمَلِ القَلِيلِ عَلى مَن هو أعْظَمُ مِنهُ عَمَلًا، وأكْثَرُ وأفْضَلُ دَرَجاتٍ، والكُلُّ عِنْدَهم راجِعٌ إلى مَحْضِ المَشِيئَةِ، مِن غَيْرِ تَعْلِيلٍ ولا سَبَبٍ، ولا حِكْمَةٍ تَقْتَضِي تَخْصِيصَ هَذا بِالثَوابِ، وهَذا بِالعِقابِ.
والقَدَرِيَّةُ أوْجَبَتْ عَلى اللَّهِ رِعايَةَ الأصْلَحِ، وجَعَلَتْ ذَلِكَ كُلَّهُ بِمَحْضِ الأعْمالِ وثَمَنًا لَها، وأنَّ وُصُولَ الثَّوابِ إلى العَبْدِ بِدُونِ عَمَلِهِ فِيهِ تَنْغِيصٌ بِاحْتِمالِ مِنَّةِ الصَّدَقَةِ عَلَيْهِ بِلا ثَمَنٍ.
فَقاتَلَهُمُ اللَّهُ، ما أجْهَلَهم بِاللَّهِ وأغَرَّهم بِهِ! جَعَلُوا تَفَضُّلَهُ وإحْسانَهُ إلى عَبْدِهِ بِمَنزِلَةِ صَدَقَةِ العَبْدِ عَلى العَبْدِ، حَتّى قالُوا: إنَّ إعْطاءَهُ ما يُعْطِيهِ أُجْرَةً عَلى عَمَلِهِ أحَبُّ إلى العَبْدِ وأطْيَبُ لَهُ مِن أنْ يُعْطِيَهُ فَضْلًا مِنهُ بِلا عَمَلٍ.
فَقابَلَتْهُمُ الجَبْرِيَّةُ أشَدَّ المُقابَلَةِ، ولَمْ يَجْعَلُوا لِلْأعْمالِ تَأْثِيرًا في الجَزاءِ ألْبَتَّةَ.
والطائِفَتانِ جائِرَتانِ، مُنْحَرِفَتانِ عَنِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، الَّذِي فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ عِبادَهُ، وجاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، ونَزَلَتْ بِهِ الكُتُبُ، وهو أنَّ الأعْمالَ أسْبابٌ مُوَصِّلَةٌ إلى الثَّوابِ والعِقابِ، مُقْتَضِيَةٌ لَهُما كاقْتِضاءِ سائِرِ الأسْبابِ لِمُسَبَّباتِها، وأنَّ الأعْمالَ الصّالِحَةَ مِن تَوْفِيقِ اللَّهِ وفَضْلِهِ ومَنِّهِ، وصَدَقَتِهِ عَلى عَبْدِهِ، إنْ أعانَهُ عَلَيْها ووَفَّقَهُ لَها، وخَلَقَ فِيهِ إرادَتَها والقُدْرَةَ عَلَيْها، وحَبَّبَها إلَيْهِ، وزَيَّنَها في قَلْبِهِ وكَرَّهَ إلَيْهِ أضْدادُها، ومَعَ هَذا فَلَيْسَتْ ثَمَنًا لِجَزائِهِ وثَوابِهِ، ولا هي عَلى قَدْرِهِ، بَلْ غايَتُها إذا بَذَلَ العَبْدُ فِيها نُصْحَهُ وجُهْدَهُ، وأوْقَعَها عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ أنْ تَقَعَ شُكْرًا لَهُ عَلى بَعْضِ نِعَمِهِ عَلَيْهِ، فَلَوْ طالَبَهُ بِحَقِّهِ لَبَقِيَ عَلَيْهِ مِنَ الشُّكْرِ عَلى تِلْكَ النِّعْمَةِ بَقِيَّةٌ لَمْ يَقُمْ بِشُكْرِها، فَلِذَلِكَ لَوْ عَذَّبَ أهْلَ سَماواتِهِ وأهْلَ أرْضِهِ لَعَذَّبَهم وهو غَيْرُ ظالِمٍ لَهُمْ، ولَوْ رَحِمَهم لَكانَتْ رَحْمَتُهُ خَيْرًا لَهم مِن أعْمالِهِمْ، كَما ثَبَتَ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، ولِهَذا نَفى النَّبِيُّ ﷺ دُخُولَ الجَنَّةِ بِالعَمَلِ، كَما قالَ «لَنْ يُدْخِلَ أحَدًا مِنكُمُ الجَنَّةَ عَمَلُهُ» وفي لَفْظٍ: «لَنْ يَدْخُلَ أحَدٌ مِنكُمُ الجَنَّةَ بِعَمَلِهِ،» وفي لَفْظٍ: «لَنْ يُنْجِيَ أحَدًا مِنكم عَمَلُهُ قالُوا: ولا أنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: ولا أنا، إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنهُ وفَضْلٍ» وأثْبَتَ سُبْحانَهُ دُخُولَ الجَنَّةِ بِالعَمَلِ، كَما في قَوْلِهِ ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢] ولا تَنافِي بَيْنَهُما، إذْ تَوارُدُ النَّفْيِ والإثْباتِ لَيْسَ عَلى مَعْنًى واحِدٍ، فالمَنفِيُّ اسْتِحْقاقُها بِمُجَرَّدِ الأعْمالِ، وكَوْنِ الأعْمالِ ثَمَنًا وعِوَضًا لَها، رَدًّا عَلى القَدَرِيَّةِ
المَجُوسِيَّةِ، الَّتِي زَعَمَتْ أنَّ التَفَضُّلَ بِالثَوابِ ابْتِداءً مُتَضَمِّنٌ لِتَكْرِيرِ المِنَّةِ.
وَهَذِهِ الطّائِفَةُ مِن أجْهَلِ الخَلْقِ بِاللَّهِ، وأغْلَظِهِمْ عَنْهُ حِجابًا، وحُقَّ لَهم أنْ يَكُونُوا مَجُوسَ هَذِهِ الأُمَّةِ، ويَكْفِي في جَهْلِهِمْ بِاللَّهِ أنَّهم لَمْ يَعْلَمُوا أنَّ أهْلَ سَماواتِهِ وأرْضِهِ في مِنَّتِهِ، وأنَّ مِن تَمامِ الفَرَحِ والسُرُورِ، والغِبْطَةِ واللَّذَّةِ اغْتِباطُهم بِمِنَّةِ سَيِّدِهِمْ ومَوْلاهُمُ الحَقِّ، وأنَّهم إنَّما طابَ لَهم عَيْشُهم بِهَذِهِ المِنَّةِ، وأعْظَمُهم مِنهُ مَنزِلَةً، وأقْرَبُهم إلَيْهِ أعْرَفُهم بِهَذِهِ المِنَّةِ، وأعْظَمُهم إقْرارًا بِها، وذِكْرًا لَها، وشُكْرًا عَلَيْها، ومَحَبَّةً لَهُ لِأجْلِها، فَهَلْ يَتَقَلَّبُ أحَدٌ قَطٌّ إلّا في مِنَّتِهِ؟ ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكم أنْ هَداكم لِلْإيمانِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الحجرات: ١٧].
واحْتِمالُ مِنَّةِ المَخْلُوقِ إنَّما كانَتْ نَقْصًا لِأنَّهُ نَظِيرُهُ، فَإذا مَنَّ عَلَيْهِ اسْتَعْلى عَلَيْهِ، ورَأى المَمْنُونُ عَلَيْهِ نَفْسَهُ دُونَهُ، هَذا مَعَ أنَّهُ لَيْسَ في كُلِّ مَخْلُوقٍ، فَلِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ المِنَّةُ عَلى أُمَّتِهِ، وكانَ أصْحابُهُ يَقُولُونَ: " اللَّهُ ورَسُولُهُ أمَنُّ " ولا نَقْصَ في مِنَّةِ الوالِدِ عَلى ولَدِهِ، ولا عارَ عَلَيْهِ في احْتِمالِها، وكَذَلِكَ السَّيِّدُ عَلى عَبْدِهِ، فَكَيْفَ بِرَبِّ العالَمِينَ الَّذِي إنَّما يَتَقَلَّبُ الخَلائِقُ في بَحْرِ مِنَّتِهِ عَلَيْهِمْ، ومَحْضِ صَدَقَتِهِ عَلَيْهِمْ، بِلا عِوَضٍ مِنهُمُ ألْبَتَّةَ؟ وإنْ كانَتْ أعْمالُهم أسْبابًا لِما يَنالُونَهُ مِن كَرَمِهِ وجُودِهِ، فَهو المَنّانُ عَلَيْهِمْ، بِأنْ وفَّقَهم لِتِلْكَ الأسْبابِ وهَداهم لَها، وأعانَهم عَلَيْها، وكَمَّلَها لَهُمْ، وقَبِلَها مِنهم عَلى ما فِيها؟ وهَذا هو المَعْنى الَّذِي أثْبَتَ بِهِ دُخُولَ الجَنَّةِ في قَوْلِهِ ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣].
فَهَذِهِ باءُ السَّبَبِيَّةِ، رَدًّا عَلى القَدَرِيَّةِ والجَبْرِيَّةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: لا ارْتِباطَ بَيْنَ الأعْمالِ والجَزاءِ، ولا هي أسْبابٌ لَهُ، وإنَّما غايَتُها أنْ تَكُونَ أماراتٍ.
قالُوا: ولَيْسَتْ أيْضًا مُطَّرِدَةً، لِتَخَلُّفِ الجَزاءِ عَنْها في الخَيْرِ والشَّرِّ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا مَحْضُ الأمْرِ الكَوْنِيِّ والمَشِيئَةِ.
فالنُّصُوصُ مُبْطِلَةٌ لِقَوْلِ هَؤُلاءِ، كَما هي مُبْطِلَةٌ لِقَوْلِ أُولَئِكَ، وأدِلَّةُ المَعْقُولِ والفِطْرَةِ أيْضًا تُبْطِلُ قَوْلَ الفَرِيقَيْنِ، وتُبَيِّنُ لِمَن لَهُ قَلْبٌ ولُبٌّ مِقْدارَ قَوْلِ أهْلِ السُّنَّةِ، وهُمُ الفِرْقَةُ الوَسَطُ، المُثْبِتُونَ لِعُمُومِ مَشِيئَةِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ، وخَلْقِهِ العِبادَ وأعْمالَهُمْ، ولِحِكْمَتِهِ التّامَّةِ المُتَضَمِّنَةِ رَبْطَ الأسْبابِ بِمُسَبَّباتِها، وانْعِقادَها بِها شَرْعًا وقَدَرًا، وتَرْتِيبَها عَلَيْها عاجِلًا وآجِلًا.
وَكُلُّ واحِدَةٍ مِنَ الطّائِفَتَيْنِ المُنْحَرِفَتَيْنِ تَرَكَتْ نَوْعًا مِنَ الحَقِّ، وارْتَكَبَتْ لِأجْلِهِ نَوْعًا مِنَ الباطِلِ، بَلْ أنْواعًا، وهَدى اللَّهُ أهْلَ السُّنَّةِ لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإذْنِهِ ﴿واللَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ٢١٣] و﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١].
7:44Page 156
وَنَادَىٰٓ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِ أَصۡحَٰبَ ٱلنَّارِ أَن قَدۡ وَجَدۡنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّٗا فَهَلۡ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمۡ حَقّٗاۖ قَالُواْ نَعَمۡۚ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنُۢ بَيۡنَهُمۡ أَن لَّعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ ٤٤
And the companions of Paradise will call out to the companions of the Fire, "We have already found what our Lord promised us to be true. Have you found what your Lord promised to be true?" They will say, "Yes." Then an announcer will announce among them, "The curse of Allāh shall be upon the wrongdoers
No commentary for this ayah
7:45Page 156
ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبۡغُونَهَا عِوَجٗا وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ كَٰفِرُونَ ٤٥
Who averted [people] from the way of Allāh and sought to make it [seem] deviant while they were, concerning the Hereafter, disbelievers."
No commentary for this ayah
7:46–49Page 156
وَبَيۡنَهُمَا حِجَابٞۚ وَعَلَى ٱلۡأَعۡرَافِ رِجَالٞ يَعۡرِفُونَ كُلَّۢا بِسِيمَىٰهُمۡۚ وَنَادَوۡاْ أَصۡحَٰبَ ٱلۡجَنَّةِ أَن سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمۡۚ لَمۡ يَدۡخُلُوهَا وَهُمۡ يَطۡمَعُونَ ٤٦
And between them will be a partition [i.e., wall], and on [its] elevations are men1 who recognize all2 by their mark. And they call out to the companions of Paradise, "Peace be upon you." They have not [yet] entered it, but they long intensely.
۞ وَإِذَا صُرِفَتۡ أَبۡصَٰرُهُمۡ تِلۡقَآءَ أَصۡحَٰبِ ٱلنَّارِ قَالُواْ رَبَّنَا لَا تَجۡعَلۡنَا مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٤٧
And when their eyes are turned toward the companions of the Fire, they say, "Our Lord, do not place us with the wrongdoing people."
وَنَادَىٰٓ أَصۡحَٰبُ ٱلۡأَعۡرَافِ رِجَالٗا يَعۡرِفُونَهُم بِسِيمَىٰهُمۡ قَالُواْ مَآ أَغۡنَىٰ عَنكُمۡ جَمۡعُكُمۡ وَمَا كُنتُمۡ تَسۡتَكۡبِرُونَ ٤٨
And the companions of the Elevations will call to men [within Hell] whom they recognize by their mark, saying, "Of no avail to you was your gathering1 and [the fact] that you were arrogant."
أَهَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَقۡسَمۡتُمۡ لَا يَنَالُهُمُ ٱللَّهُ بِرَحۡمَةٍۚ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ لَا خَوۡفٌ عَلَيۡكُمۡ وَلَآ أَنتُمۡ تَحۡزَنُونَ ٤٩
[Allāh will say], "Are these1 the ones whom you [inhabitants of Hell] swore that Allāh would never offer them mercy? Enter Paradise, [O people of the Elevations]. No fear will there be concerning you, nor will you grieve."
(الطبقة الثانية عشر)
قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم، فتقابل أثراهما فتقاوما فمنعتهم حسناتهم المساوية من دخول النار وسيئاتهم المساوية من دخول الجنة.
فهؤلاء هم أهل الأعراف، لم يفضل لأحدهم حسنة يستحق بها الرحمة من ربه، ولم يفضل عليه سيئة يستحق بها العذاب.
وقد وصف الله سبحانه وتعالى أهل هذه الطبقة في سورة الأعراف - بعد أن ذكر دخول أهل النار وتلاعنهم فيها ومخاطبة أتباعهم لرؤسائهم وردهم عليهم، ثم مناداة أهل الجنة أهل النار - فقال تعالى: ﴿وَبَيْنَهُما حِجابٌ وعَلى الأعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلا بِسِيماهُمْ، ونادوْا أصْحابَ الجَنَّةِ أن سَلامٌ عَلَيْكم لَمْ يَدْخُلُوها وهُمَ يَطْمَعُونَ وإذا صُرِفَتْ أبْصارُهم تِلْقاءَ أصْحابِ النّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٦-٤٧]، فقوله تعالى: ﴿وَبَيْنَهُما حِجابٌ﴾ [الأعراف: ٤٦] أي بين أهل الجنة والنار حجاب، قيل: هو السور الذي يضرب بينهم له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب: باطنه الذي يلى المؤمنين فيه الرحمة، وظاهره الذي يلى الكفار من جهته العذاب.
والأعراف جمع عرف وهو المكان المرتفع، وهو سور عال بين الجنة والنار
قيل: هو هذا السور الذي يضرب بينهم
وقيل جبل بين الجنة والنار عليه أهل الأعراف.
قال حذيفة وعبد الله بن عباس: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة، وتجاوزت بهم حسناتهم عن النار، فوقفوا هناك حتى يقضى الله فيهم ما يشاءُ ثم يدخلهم الجنة بفضل رحمته.
قال عبد الله بن المبارك: أخبرنا أبو بكر الهذلي قال: كان سعيد بن جبير يحدث عن ابن مسعود قال: يحاسب الله الناس يوم القيامة، فمن كانت حسناته أكثر من سيئاته بواحدة دخل الجنة، ومن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحده بواحدة دخل النار، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنفُسَهُمْ﴾ [الأعراف: ٨-٩]، ثم قال: إن الميزان يخف بمثقال حبة أو يرجح.
قال: ومن استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف.
فوقفوا على الصراط ثم عرفوا أهل الجنة وأهل النار، فإذا نظروا إلى أهل الجنة نادوا: سلام عليكم، وإذا صرفوا أبصارهم إلى أصحاب النار قالوا: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ القَوْمِ الظّالِمِين﴾ [الأعراف: ٤٧]، فأما أصحاب الحسنات فإنهم يعطون نورًا يمشون به بين أيديهم وبأيمانهم ويعطى كل عبد يومئذ نورًا، فإذا أتوا على الصراط سلب الله تعالى نور كل منافق ومنافقة، فلما رأى أهل الجنة ما لقى المنافقون قالوا: ﴿رَبَّنا أتمِمْ لَنا نُورَنا﴾ [التحريم: ٨]، وأما أصحاب الأعراف فإن النور لم ينزع من أيديهم [ومنعتهم سيئاتهم أن يمضوا وبقى في قلوبهم الطمع إذا لم يزغ النور من أيديهم] فيقول الله: ﴿لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ﴾ [الأعراف: ٤٦]، فكان الطمع للنور الذي في أيديهم ثم أدخلوا الجنة وكانوا آخر أهل الجنة دخولًا. يريد آخر أهل الجنة دخولًا ممن لم يدخل النار.
وقيل: هم قوم خرجوا في الغزو بغير إذن آبائهم فقتلوا، فأُعتقوا من النار لقتلهم في سبيل الله وحبسوا عن الجنة لمعصية آبائهم. وهذا من جنس القول الأول، وقيل: هم قوم رضى عنهم أحد الأبوين دون الآخر، يحبسون على الأعراف حتى يقضى الله بين الناس ثم يدخلهم الجنة، وهي من جنس ما قبله فلا تناقض بينهما.
وقيل: هم أصحاب الفترة وأطفال المشركين. وقيل: هم أُولو الفضل من المؤمنين علوا على الأعراف، فيطلعون على أهل النار وأهل الجنة جميعًا. وقيل: هم الملائكة لا من بني آدم.
والثابت عن الصحابة هو القول الأول، وقد رويت فيه آثار كثيرة مرفوعة لا تكاد تثبت أسانيدها. وآثار الصحابة في ذلك المعتمدة.
وقد اختلف في تفسير الصحابي هل له حكم المرفوع، أو الموقوف؟ على قولين:
الأول اختيار أبي عبد الله الحاكم، والثاني هو الصواب، ولا نقول على رسول الله ﷺ ما لم نعلم أنه قاله. وقوله تعالى: ﴿وَعَلى الأعْرافِ رِجالٌ﴾ [الأعراف: ٤٦] صريح في أنهم من بني آدم ليسوا من الملائكة. وقوله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ كُلا بِسِيماهُمْ﴾ [الأعراف: ٤٦]، يعني يعرفون الفريقين بسيماهم، ﴿وَنادوْا أصْحابَ الجَنَّةِ أن سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الأعراف: ٤٦]، أي نادى أهل الأعراف أهل الجنة بالسلام. قوله تعالى: ﴿لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطمَعُونَ﴾ الضميرات في الجملتين لأصحاب الأعراف لم يدخلوا الجنة بعد وهم يطمعون في دخولها.
قال أبو العالية: ما جعل الله ذلك الطمع فيهم إلا كرامة يريدها بهم.
وقال الحسن: الذي [جعل] الطمع في قلوبهم يوصلهم إلى ما يطمعون، وفي هذا رد على وقول من قال: إنهم أفاضل المؤمنين علوا على الأعراف يطالعون أحوال الفريقين، فعاد الصواب إلى تفسير الصحابة، وهم أعلم الأُمة بكتاب الله، ومراده منه.
ثم قال تعالى: ﴿وَإذا صُرِفَتْ أبْصارُهم تِلْقاءَ أصْحابِ النّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ هذا دليل على [أنهم] بمكان مرتفع بين الجنة والنار، فإذا أشرفوا على أهل الجنة نادوهم بالسلام وطمعوا في الدخول إليها، وإذا أشرفوا على أهل النار سألوا الله أن لا يجعلهم معهم، ثم قال تعالى: ﴿وَنادى أصْحابُ الأعْرافِ رِجالًا يَعْرِفُونهم بِسِيماهُمْ﴾ يعني من الكفار الذين في النار، فقالوا لهم: ﴿ما أغْنى عَنكم جَمْعُكم وما كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأعراف:٤٨] يعني ما نفعكم جمعكم وعشيرتكم وتجرؤكم على أهل الحق ولا استكباركم، وهذا إما نفى، وإما استفهام وتوبيخ، وهو أبلغ وأفخم.
ثم نظروا إلى الجنة فرأوا من الضعفاء الذين كان الكفار يسترذلونهم في الدنيا ويزعمون أن الله لا يختصهم دونهم بفضله كما لم يختصهم دونهم في الدنيا، فيقول لهم أهل الأعراف: ﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ﴾ أيها المشركون أن الله تعالى لا ينالهم برحمة، فها هم في الجنة يتمتعون ويتنعمون وفي رياضها يحبرون ثم يقال لأهل الأعراف: ﴿ادْخُلُوا الجنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكم ولا أنتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف: ٤٩].
وقيل: إن أصحاب الأعراف إذا عيروا الكفار وأخبروهم أنهم لم يغن عنهم جموعهم واستكبارهم، عيرهم الكفار بتخلفهم عن الجنة، وأقسموا أن الله لا ينالهم برحمة، لما رأوا من تخلفهم عن الجنة، وأنهم يصيرون إلى النار، فتقول لهم الملائكة حينئذ: ﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهم اللهُ بِرَحْمَةٍ، ادْخُلُوا الجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكم ولا أنتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف: ٤٩]، والقولان قويان محتملان، والله أعلم.
فهؤلاء الطبقات هم أهل الجنة الذين لم تمسهم النار.
((الجزء السادس))
7:50Page 156
وَنَادَىٰٓ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ أَصۡحَٰبَ ٱلۡجَنَّةِ أَنۡ أَفِيضُواْ عَلَيۡنَا مِنَ ٱلۡمَآءِ أَوۡ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُۚ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٥٠
And the companions of the Fire will call to the companions of Paradise, "Pour upon us some water or from whatever Allāh has provided you." They will say, "Indeed, Allāh has forbidden them both to the disbelievers
No commentary for this ayah
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences