Ibn al-QayyimAl‑Insan · 76:21–31

Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic

Al-Insan 76:21–31

76:21Page 579

عَٰلِيَهُمۡ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضۡرٞ وَإِسۡتَبۡرَقٞۖ وَحُلُّوٓاْ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٖ وَسَقَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡ شَرَابٗا طَهُورًا ٢١

Upon them [i.e., the inhabitants] will be green garments of fine silk and brocade. And they will be adorned with bracelets of silver, and their Lord will give them a purifying drink.

فالأساوِرُ جَمَّلَتْ ظَواهِرَهُمْ، والشَّرابُ الطَّهُورُ طَهَّرَ بَواطِنَهم.

وقال في (حادي الأرواح)

قوله ﴿عالِيَهم ثِيابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ وحُلُّوا أساوِرَ مِن فِضَّةٍ﴾ فهذه زينة الظاهر.

ثم قال ﴿وَسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾ فهذه زينة الباطن المطهر لهم من كل أذى ونقص.

(فصل)

وتأمل ما دلت عليه لفظة (عاليهم) من كون ذلك اللباس ظاهرا بارزا يجمل ظواهرهم ليس بمنزلة الشعار الباطن بل الذي يلبس فوق الثياب للزينة والجمال.

وقد اختلف القراء السبعة في نصب (عاليهم) ورفعه على قراءتين.

واختلف النحاة في وجه نصبه هل هو على الظرف أو على الحال على قولين.

واختلف المفسرون هل ذلك للولدان الذين يطوفون عليهم فيطوفون وعليهم ثياب السندس والإستبرق، أو للسادات الذين يطوفون عليهم الولدان، فيطوفون على ساداتهم، وعلى السادات هذه الثياب، وليس الحال هاهنا بالبين ولا تحته ذلك المعنى البديع الرائع.

فالصواب أنه منصوب على الظرف فإن (عاليا) لما كان بمعنى (فوق) أجرى مجراه.

قال أبو علي وهذا الوجه أبين وهو أن (عاليا) صفة فجعل ظرفا كما كان قوله ﴿الركب أسفل منكم﴾ كذلك.

وكما قالوا هو ناحية من الدار.

وأما من رفع (عاليهم) فعلى الابتداء و (ثياب سندس) خبره، ولا يمنع من هذا إفراد (عال) وجمع (الثياب) لأن (فاعلا) قد يراد به الكثرة كما قال:

ألا إن جيراني العشية رائح ...

دعتهم دواع من هوى ومناوح

وقال تعالى: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ ومن رفع (خضرا) أجراه صفة للثياب وهو الأقيس من وجوه:

أحدها: المطابقة بينهما في الجمع

الثاني: موافقته لقوله تعالى: ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيابًا خُضْرًا﴾

الثالث: تخلصه من وصف المفرد بالجمع.

ومن جر أجراه صفة للسندس على إرادة الجنس، كما يقال: أهلك الناس الدينار الصفر والدرهم البيض.

وتترجح القراءة الأولى بوجه رابع أيضا وهو أن العرب تجيء بالجمع الذي هو في لفظ الواحد فيجرونه مجرى الواحد كقوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكم مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نارا﴾ وكقوله ﴿كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾

فإذا كانوا قد أفردوا صفات هذا النوع من الجمع، فإفراد صفة الواحد وإن كان في معنى الجمع أولى.

وفي (إستبرق) قراءتان الرفع عطفا على (ثياب) والجر عطفا على (سندس).

وتأمل كيف جمع لهم بين نوعي الزينة الظاهرة من اللباس والحلي، كما جمع لهم بين الظاهرة والباطنة كما تقدم قريبا.

فجمل البواطن بالشراب الطهور، والسواعد بالأساور، والأبدان بثياب الحرير.

76:22Page 579

إِنَّ هَٰذَا كَانَ لَكُمۡ جَزَآءٗ وَكَانَ سَعۡيُكُم مَّشۡكُورًا ٢٢

[And it will be said], "Indeed, this is for you a reward, and your effort has been appreciated."

وَسَمّى نَفْسَهُ شاكِرًا وشَكُورًا وسَمّى الشّاكِرِينَ بِهَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ. فَأعْطاهم مِن وصْفِهِ. وسَمّاهم بِاسْمِهِ. وحَسْبُكَ بِهَذا مَحَبَّةً لِلشّاكِرِينَ وفَضْلًا.

وَإعادَتُهُ لِلشّاكِرِ مَشْكُورًا. كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا كانَ لَكم جَزاءً وكانَ سَعْيُكم مَشْكُورًا﴾ [الإنسان: ٢٢]

وَرِضا الرَّبِّ عَنْ عَبْدِهِ بِهِ. كَقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧] وقِلَّةُ أهْلِهِ في العالَمِينَ تَدُلُّ عَلى أنَّهم هم خَواصُّهُ. كَقَوْلِهِ: ﴿وَقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ قامَ حَتّى تَوَرَّمَتْ قَدَماهُ. فَقِيلَ لَهُ: تَفْعَلُ هَذا وقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ؟ فَقالَ: أفَلا أكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟».

«وَقالَ لِمُعاذٍ واللَّهِ يا مُعاذُ، إنِّي لَأُحِبُّكَ. فَلا تَنْسَ أنْ تَقُولَ في دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ: اللَّهُمَّ أعِنِّي عَلى ذِكْرِكَ، وشُكْرِكَ، وحُسْنِ عِبادَتِكَ».

76:23Page 579

إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡقُرۡءَانَ تَنزِيلٗا ٢٣

Indeed, it is We who have sent down to you, [O Muḥammad], the Qur’ān progressively.

No commentary for this ayah

76:24Page 579

فَٱصۡبِرۡ لِحُكۡمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعۡ مِنۡهُمۡ ءَاثِمًا أَوۡ كَفُورٗا ٢٤

So be patient for the decision of your Lord and do not obey from among them a sinner or ungrateful [disbeliever].

No commentary for this ayah

76:25Page 579

وَٱذۡكُرِ ٱسۡمَ رَبِّكَ بُكۡرَةٗ وَأَصِيلٗا ٢٥

And mention the name of your Lord [in prayer] morning and evening

No commentary for this ayah

76:26–27Page 580

وَمِنَ ٱلَّيۡلِ فَٱسۡجُدۡ لَهُۥ وَسَبِّحۡهُ لَيۡلٗا طَوِيلًا ٢٦

And during the night prostrate to Him and exalt [i.e., praise] Him a long [part of the] night.

إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ يُحِبُّونَ ٱلۡعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمۡ يَوۡمٗا ثَقِيلٗا ٢٧

Indeed, these [disbelievers] love the immediate and leave behind them1 a grave Day.

فَمَن سَبَّحَ اللَّهَ لَيْلًا طَوِيلًا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ اليَوْمُ ثَقِيلًا عَلَيْهِ بَلْ كانَ أخَفَّ شَيْءٍ عَلَيْهِ.

(قاعِدَة)

للْعَبد بَين يَدي الله موقفان، موقف بَين يَدَيْهِ في الصَّلاة، وموقف بَين يَدَيْهِ يَوْم لِقائِه.

فَمن قامَ بِحَق الموقف الأول هوّن عَلَيْهِ الموقف الآخر.

وَمن استهان بِهَذا الموقف ولم يوفّه حقّه شدّد عَلَيْهِ ذَلِك الموقف

قالَ تَعالى ﴿وَمن اللَّيْلِ فاسْجُدْ لَهُ وسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا إنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ العاجِلَةَ ويَذَرُونَ وراءَهم يَوْمًا ثَقِيلًا﴾.

وقابلهم في الفَرِيق الثّانِي فَقالُوا قد ذمّ الله سُبْحانَهُ جمال الصُّور وتَمام القامَة والخلقة فَقالَ عَن المنافقين ﴿وَإذا رَأيْتَهم تُعْجِبُكَ أجْسامُهُمْ﴾ وقالَ ﴿وَكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ هم أحْسَنُ أثاثًا ورِئْيًا﴾

أي أمْوالًا ومناظر قالَ الحسن هو الصُّور.

وَفِي صَحِيح مُسلم عَنهُ

"إن الله لا ينظر إلى صوركم وأمْوالكم وإنَّما ينظر إلى قُلُوبكم وأعْمالكُمْ"

قالُوا ومَعْلُوم أنه لم ينف نظر الإدْراك، وإنَّما نفى نظر المحبَّة.

قالُوا وقد حرّم علينا لِباس الحَرِير والذَّهَب وآنية والذَّهَب الفضة، وذَلِكَ من أعظم جمال الدُّنْيا

وَقالَ ﴿وَلا تَمُدَّن عَيْنك إلى ما متّعنا بِهِ أزْواجًا مِنهُم زهرَة الحَياة الدُّنْيا لنفتنهم فِيهِ﴾

وَفِي الحَدِيث

"البذاذة من الإيمان"

وَقد ذمّ الله المسرفين والسرف كَما يكون في الطَّعام والشراب يكون في اللباس.

وَفصل النزاع أن يُقال الجمال في الصُّورَة واللباس والهيأة ثَلاثَة أنْواع

مِنهُ ما يحمد، ومِنه ما يذم، ومِنه ما لا يتَعَلَّق بِهِ مدح ولا ذمّ.

فالمحمود مِنهُ ما كانَ لله وأعان على طاعَة الله وتنفيذ أوامره، والاستجابة لَهُ كَما كانَ النَّبِي يتجمّل للوفود، وهو نَظِير لِباس آلَة الحَرْب لِلْقِتالِ، ولباس الحَرِير في الحَرْب والخُيَلاء فِيهِ، فَإن ذَلِك مَحْمُود إذا تضمّن إعلاء كلمة الله ونصر دينه، وغيظ عدوّه.

والمذموم مِنهُ ما كانَ للدنيا والرياسة والفَخْر والخُيَلاء والتوسل إلى الشَّهَوات، وأن يكون هو غايَة العَبْد وأقصى مطلبه، فَإن كثيرا من النُّفُوس لَيْسَ لَها همّة في سوى ذَلِك.

وَأما ما لا يحمد ولا يذم هو ما خلا عَن هذَيْن القصدين وتجرّد عَن الوصفين.

والمَقْصُود أن هَذا الحَدِيث الشريف "إن الله جميل يحب الجمال"

مُشْتَمل على أصلين عظيمين، فأوله معرفَة وآخره سلوك فَيعرف الله سُبْحانَهُ بالجمال الَّذِي لا يماثله فِيهِ شَيْء، ويعبد بالجمال الَّذِي يُحِبهُ من الأقْوال والأعمال والأخلاق فيحب من عَبده أن يجمل لِسانه بِالصّدقِ وقَلبه بالإخلاص والمحبة والإنابة والتوكل، وجوارحه بِالطّاعَةِ، وبدنه بِإظْهار نعمه عَلَيْهِ في لِباسه وتطهيره لَهُ من الأنجاس والأحداث والأوساخ والشعور والمكروهة والختان وتقليم الأظْفار، فيعرفه بِصِفات بالجمال، ويتعرف إلَيْهِ بالأفعال والأقوال والأخلاق الجميلة فيعرفه بالجمال الَّذِي هو وصفه ويعبده بالجمال الَّذِي هو شَرعه ودينه.

فَجمع الحَدِيث قاعدتين المعرفَة والسلوك.

76:28Page 580

نَّحۡنُ خَلَقۡنَٰهُمۡ وَشَدَدۡنَآ أَسۡرَهُمۡۖ وَإِذَا شِئۡنَا بَدَّلۡنَآ أَمۡثَٰلَهُمۡ تَبۡدِيلًا ٢٨

We have created them and strengthened their forms, and when We will, We can change their likenesses with [complete] alteration.

﴿نَحْنُ خَلَقْناهم وشَدَدْنا أسْرَهُمْ﴾ فهذه النشأة الأولى

ثم قال ﴿وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا﴾ فهذه النشأة الأخرى.

ونظير هذا ﴿وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى وأن عليه النشأة الأخرى﴾

وهذا في القرآن كثيرا جدًا يقرن بين النشأتين مذكرًا للفطر والعقول بإحداهما على الأخرى وبالله التوفيق.

قال ابن عباس ﴿وَشَدَدْنا أسْرَهُمْ﴾ أي خلقهم.

وقال أبو عبيدة الأسر شدة الخلق يقال فرس شديد الأسر

قال وكل شيء شددته من قتب أو غير فهو مأسور.

وقال المبرد الأسر القوى كلها

وقال الليث: "الأسر قوة المفاصل والأوصال، وشد الله أسر فلان أي قوى خلقه، وكل شيء جمع طرفاه فشد أحدهما بالآخر فقد أسر"

وقال الحسن شددنا أوصالهم بعضها إلى بعض بالعروق والعصب.

وقال مجاهد هو الشرج يعني موضع البول والغائط إذا خرج الأذى تُقْبضا.

(فائدة)

قال أيضا في (التبيان)

وفي قوله ﴿وَإذا شِئْنا بَدَّلْنا أمْثالَهم تَبْدِيلًا﴾ إذا شئنا أهلكناهم وأتينا بأشباههم فجعلناهم بدلًا منهم.

قال المهدوي: قومًا موافقين لهم في الخلق، مخالفين لهم في العمل.

(فصل)

وأحرز الصانع سبحانه موضع الكبد ووضعها بأن ربطها بالمعدة والأمعاء كلها بالعروق وبالغشاء الممدود على البطن الذي يشد جميعها، ووصل بها رباطات من جميع النواحي وغشاؤها الرابط يتصل بالحجاب برباط قوي ورباط الكبد بالحجاب صلب وثيق لأن الكبد معلقة به وهو أصلب من غشاء الكبد لشدة الحاجة إلى صلابته لأنه يحرز الكبد والعرق الأجوف متى ناله آفة مات الحيوان كما تهلك أغصان الشجرة إذا أصاب ساقها آفة

وجعل أرق هذه الرباطات من خلف لشدة بالعظام وأغلظه من قدام حيث لا عظام هناك تقيه وهذا من شدة الأسر الذي قال الله تعالى فيها ﴿نَحْنُ خَلَقْناهم وشَدَدْنا أسْرَهُمْ﴾

شد أوصالهم بالرباطات المحكمة وجعل خلقهم بعضه موصولًا ببعض.

ولما كان الحجاب آلة شريفة للنفس بوعد من العضوين المجاورين له وهما المعدة والكبد بمقدار حاجته لئلا يزحماه ويعوقاه عن فعله، فبوعدت المعدة عنه بطول مجراها.

((الجزء الحادي والعشرون))

76:29Page 580

إِنَّ هَٰذِهِۦ تَذۡكِرَةٞۖ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ سَبِيلٗا ٢٩

Indeed, this is a reminder, so he who wills may take to his Lord a way.

No commentary for this ayah

76:30Page 580

وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمٗا ٣٠

And you do not will except that Allāh wills. Indeed, Allāh is ever Knowing and Wise.

No commentary for this ayah

76:31Page 580

يُدۡخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحۡمَتِهِۦۚ وَٱلظَّٰلِمِينَ أَعَدَّ لَهُمۡ عَذَابًا أَلِيمَۢا ٣١

He admits whom He wills into His mercy; but the wrongdoers - He has prepared for them a painful punishment.

No commentary for this ayah

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском