Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic
Al-Anfal 8:35–47
8:35Page 181
وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمۡ عِندَ ٱلۡبَيۡتِ إِلَّا مُكَآءٗ وَتَصۡدِيَةٗۚ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ ٣٥
And their prayer at the House [i.e., the Kaʿbah] was not except whistling and handclapping. So taste the punishment for what you disbelieved [i.e., practiced of deviations].
قال ابن عباس، وابن عمر، وعطية، ومجاهد، والضحاك، والحسن، وقتادة: "المكاء: الصفير، والتصدية: التصفيق".
وكذلك قال أهل اللغة: المكاء: الصفير، يقال: مكا، يمكو، مكاء، إذا جمع يديه ثم صفر فيهما، ومنه: مكت است الدابة، إذا خرجت منها الريح بصوت. ولهذا جاء على بناء الأصوات، كالرغاء، والعواء، والثغاء.
قال ابن السكيت: الأصوات كلها مضمومة، إلا حرفين: النداء، والغناء.
وأما التصدية: فهي في اللغة: التصفيق، يقال: صدى يصدى تصدية، إذا صفق بيديه.
قال حسان بن ثابت، يعيب المشركين بصفيرهم وتصفيقهم:
؎إذا قامَ المَلائِكَةُ انْبَعَثْتُمْ ∗∗∗ صَلاتُكُمُ التَّصَدِّى والمُكاءُ
وهكذا الأشباه يكون المسلمون في الصلوات الفرض والتطوع، وهم في الصفير والتصفيق.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: "كانت قريش يطوفون بالبيت عراة، ويصفرون ويصفقون".
وقال مجاهد: "كانوا يعارضون النبي ﷺ في الطواف ويصفرون ويصفقون، يخلطون عليه صلاته وطوافه"، ونحو ذلك عن مقاتل.
ولا ريب أنهم كانوا يفعلوا هذا وهذا.
فالمتقربون إلى الله بالصفير والتصفيق أشباه النوع الأول، وإخوانهم المخلطون به على أهل الصلاة والذكر والقراءة أشباه النوع الثاني.
قال ابن عرفة، وابن الأنباري: المكاء والتصدية ليسا بصلاة ولكن الله تعالى أخبر أنهم جعلوا مكان الصلاة التي أمروا بها المكاء والتصدية، فألزمهم ذلك عظيم الأوزار، وهذا كقولك: زرته، فجعل جفائي صلتي، أي أقام الجفاء مقام الصلة.
والمقصود: أن المصفقين والصفارين في يراع أو مزمار ونحوه فيهم شبه من هؤلاء، ولو أنه مجرد الشبه الظاهر، فلهم قسط من الذم، بحسب تشبههم بهم، وإن لم يتشبهوا بهم في جميع مكائهم وتصديتهم، والله سبحانه لم يشرع التصفيق للرجال وقت الحاجة إليه في الصلاة إذا نابهم أمر، بل أمروا بالعدول عنه إلى التسبيح، لئلا يتشبهوا بالنساء، فكيف إذا فعلوه لا لحاجة، وقرنوا به أنواعًا من المعاصي قولًا وفعلًا؟
8:36Page 181
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيۡهِمۡ حَسۡرَةٗ ثُمَّ يُغۡلَبُونَۗ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحۡشَرُونَ ٣٦
Indeed, those who disbelieve spend their wealth to avert [people] from the way of Allāh. So they will spend it; then it will be for them a [source of] regret; then they will be overcome. And those who have disbelieved - unto Hell they will be gathered.
No commentary for this ayah
8:37Page 181
لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلۡخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ وَيَجۡعَلَ ٱلۡخَبِيثَ بَعۡضَهُۥ عَلَىٰ بَعۡضٖ فَيَرۡكُمَهُۥ جَمِيعٗا فَيَجۡعَلَهُۥ فِي جَهَنَّمَۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٣٧
[It is] so that Allāh may distinguish the wicked from the good and place the wicked some of them upon others and heap them all together and put them into Hell. It is those who are the losers.
No commentary for this ayah
8:38Page 181
قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِن يَنتَهُواْ يُغۡفَرۡ لَهُم مَّا قَدۡ سَلَفَ وَإِن يَعُودُواْ فَقَدۡ مَضَتۡ سُنَّتُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٣٨
Say to those who have disbelieved [that] if they cease, what has previously occurred will be forgiven for them. But if they return [to hostility] - then the precedent of the former [rebellious] peoples has already taken place.1
(فائدة)
الكُفّارُ المُحارِبُونَ إذا اسْتَوْلَوْا عَلى أمْوالِ المُسْلِمِينَ، ثُمَّ أسْلَمُوا كانَتْ لَهُمْ، ولَمْ تُرَدَّ إلى المُسْلِمِينَ، لِأنَّها أُخِذَتْ في اللَّهِ، وأُجُورُهم فِيها عَلى اللَّهِ لِما أتْلَفَهُ الكُفّارُ مِن دِمائِهِمْ، وأمْوالِهِمْ، فالشُّهَداءُ لا يُضْمَنُونَ، ولَوْ أسْلَمَ قاتِلُ الشَّهِيدِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ دِيَةٌ ولا كَفّارَةٌ بِالسُّنَّةِ المُتَواتِرَةِ، واتِّفاقِ المُسْلِمِينَ، وقَدْ أسْلَمَ جَماعَةٌ عَلى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وقَدْ عَرَفَ مَن قَتَلُوهُ مِثْلَ وحْشِيِّ بْنِ حَرْبٍ قاتِلِ حَمْزَةَ ومِثْلَ قاتِلِ النُّعْمانِ بْنِ قَوْقَلٍ وغَيْرِهِما، فَلَمْ يَطْلُبِ النَّبِيُّ ﷺ أحَدًا بِشَيْءٍ عَمَلًا بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨].
وَكَذَلِكَ المُرْتَدُّونَ: قَدْ أسْلَمَ طُلَيْحَةُ الأسَدِيُّ بَعْدَ رِدَّتِهِ، وقَدْ قَتَلَ عُكاشَةَ بْنَ مِحْصَنٍ، فَلَمْ يُضَمِّنْهُ أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وسائِرُ الصَّحابَةِ لا دِيَةً ولا كَفّارَةً.
وَكَذَلِكَ سائِرُ مَن قَتَلَهُ المُرْتَدُّونَ، والمُحارِبُونَ لَمّا عادُوا إلى الإسْلامِ لَمْ يُضَمِّنْهُمُ المُسْلِمُونَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ.
وَهَذا فِيهِ نِزاعٌ في مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ وأحْمَدَ، وطائِفَةٌ مِن أصْحابِهِما يَنْصُرُونَ الضَّمانَ، وكَثِيرٌ مِن مُتَأخِّرِي أصْحابِ أحْمَدَ يَظُنُّ أنَّ هَذا هو ظاهِرُ مَذْهَبِهِ، وأنَّ عَدَمَ الضَّمانِ هو قَوْلُ أبِي بَكْرٍ عَبْدِ العَزِيزِ، ولَمْ يُعْلَمْ أنَّ أحْمَدَ نَصَّ عَلى قَوْلِ أبِي بَكْرٍ، وأنَّ أهْلَ الرِّدَّةِ، والمُحارِبِينَ لا يَضْمَنُونَ ما أتْلَفُوهُ مِنَ النُّفُوسِ، والأمْوالِ كَأهْلِ الحَرْبِ الكُفّارِ الأصْلِيِّينَ، فَإنَّ فِيهِنَّ نِزاعًا في مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ وأحْمَدَ، والصَّوابُ فِيهِمْ: الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ، وهو مَذْهَبُ مالِكٍ، وأبِي حَنِيفَةَ وغَيْرِهِما.
وَكَذَلِكَ البُغاةُ المُتَأوِّلُونَ مِن أهْلِ القِبْلَةِ كالمُقْتَتِلِينَ " بِالجَمَلِ "
" وصِفِّينَ " لا يُضَمَّنُونَ ما أتْلَفَهُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ في القِتالِ، وهَذا هو المَنصُورُ عِنْدَ أصْحابِ أحْمَدَ.
قالَ الزُّهْرِيُّ: " وقَعَتِ الفِتْنَةُ وأصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُتَوافِرُونَ، فَأجْمَعُوا أنَّ كُلَّ دَمٍ أوْ جُرْحٍ أُصِيبَ بِتَأْوِيلِ القُرْآنِ فَإنَّهُ هَدَرٌ، أنْزَلُوهم مَنزِلَةَ الجاهِلِيَّةِ. " يَعْنِي: لَمّا كانُوا مُتَأوِّلِينَ أنْزَلُوهم مَنزِلَةَ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ، وإنْ كانُوا مُخْطِئِينَ في التَّأْوِيلِ كالكُفّارِ والمُرْتَدِّينَ، وإنَّما يَضْمَنُ مَن كانَ يَعْلَمُ أنَّهُ لا يَحِلُّ لَهُ أنْ يَقْتُلَ، ويُؤاخَذُ كالطّائِفَتَيْنِ المُقْتَتِلَتَيْنِ عَلى عَصَبِيَّةٍ.
وَكُلٌّ مِنهُما يَعْلَمُ أنَّهُ يُقاتِلُ عَصَبِيَّةً لا عَلى حَقٍّ: فَهَؤُلاءِ تَضْمَنُ كُلُّ طائِفَةٍ ما أتْلَفَتْهُ عَلى الأُخْرى، وفي ذَلِكَ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ والأُنْثى بِالأُنْثى﴾ [البقرة: ١٧٨].
والمُحارِبُونَ قُطّاعُ الطَّرِيقِ العالِمُونَ بِأنَّ ما فَعَلُوهُ مُحَرَّمٌ يَضْمَنُونَ، وإذا تابُوا قَبْلَ القُدْرَةِ عَلَيْهِمْ سَقَطَتْ عَنْهم حُدُودُ اللَّهِ كَما تَسْقُطُ عَنِ الكُفّارِ المُمْتَنِعِينَ إذا أسْلَمُوا قَبْلَ القُدْرَةِ عَلَيْهِمْ.
8:39Page 181
وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُۥ لِلَّهِۚ فَإِنِ ٱنتَهَوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ٣٩
And fight against them until there is no fitnah1 and [until] the religion [i.e., worship], all of it, is for Allāh.2 And if they cease - then indeed, Allāh is Seeing of what they do.
(فائدة)
والفتنة بعشق الصور تنافي أن يكون دين العبد كله الله، بل ينقص من كون دينه لله بحسب ما حصل له من فتنة العشق.
وربما أخرجت صاحبه من أن يبقى معه شيء من الدين لله. قال تعالى: ﴿وَقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ﴾.
فناقض بين كون الفتنة وبين كون الدين كله. فكل منهما يناقض الآخر.
والفتنة قد فسرت بالشرك.
فما حصلت به فتنة القلوب فهو إما شرك، وإما من أسباب الشرك.
وهي جنس تحته أنواع من الشبهات، والشهوات.
(فصل)
لفظ (الفتنة) في كتاب الله تعالى يراد بها الامتحان الذي لم يفتتن صاحبه، بل خلص من الافتتان. ويراد بها الامتحان الذي حصل معه افتتان.
فمن الأول: قوله تعالى لموسى عليه السلام: ﴿وَفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ [طه: ٤٠].
ومن الثاني: قوله تعالى: ﴿وَقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَة﴾ [الأنفال:٣٩] وقوله: ﴿ألا فِى الفِتنَةِ سَقَطُوا﴾ [التوبة: ٤٩].
ويطلق على ما يتناول الأمرين، كقوله تعالى: ﴿الم أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ ولَقَدْ فَتَنّا الّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنّ الكاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ١-٣].
ومنه قول موسى عليه السلام: ﴿إنْ هِى إلا فِتْنَتُكَ تُضِل بها مَن تَشاءُ وتَهْدِى مَن تَشاءُ﴾ [الأعراف: ١٥٥]. أي امتحانك وابتلاؤك، تضل بها من وقع فيها، وتهدى من نجا منها.
وتطلق الفتنة على أعم من ذلك، كقوله تعالى: ﴿إنّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَة﴾ [التغابن: ١٥].
قال مقاتل "أى بلاء، وشغل عن الآخرة. قال ابن عباس: فلا تطيعوهم في معصية الله تعالى".
وقال الزجاج: أعلمهم الله عز وجل أن الأموال والأولاد مما يفتنون به، وهذا عام في جميع الأولاد، فإن الإنسان مفتون بولده، لأنه ربما عصى الله تعالى بسببه، تناول الحرام لأجله، ووقع في العظائم، إلا من عصمه الله تعالى.
ويشهد لهذا ما روى أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم "كان يخطب، فجاء الحسن والحسين رضي الله عنهما، وعليهما قميصان أحمران يعثران، فنزل النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم إليهما فأخذهما، فوضعهما في حجره على المنبر، وقال: صدق الله: ﴿إنَما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥] رأيت هذين الصبيين فلم أصبر عنهما".
وقال ابن مسعود رضي الله عنه "لا يقولن أحدكم: اللهم إني أعوذ بك من الفتنة، فإنه ليس منكم أحد إلا وهو مشتمل على فتنة، لأن الله تعالى يقول: ﴿إنّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥] فأيكم استعاذ فليستعذ بالله تعالى من مضُلات الفتن".
ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ [الفرقان: ٢٠].
وهذا عام في جميع الخلق، امتحن بعضهم ببعض، فامتحن الرسل بالمرسل إليهم ودعوتهم إلى الحق والصبر على أذاهم. وتحمل المشاق في تبليغهم رسالات ربهم، وامتحن المرسل إليهم بالرسل، وهل يطيعونهم، وينصرونهم، ويصدقونهم، أم يكفرون بهم، ويردون عليهم، ويقاتلونهم؟ وامتحن العلماء بالجهال، هل يعلمونهم، وينصحونهم، ويصبرون على تعليمهم ونصحهم، وإرشادهم، ولوازم ذلك؟ وامتحن الجهال بالعلماء، هل يطيعونهم، ويهتدون بهم؟ وامتحن الملوك بالرعية، والرعية بالملوك، وامتحن الأغنياء بالفقراء، والفقراء بالغنياء، وامتحن الضعفاء بالأقوياء، والأقوياء بالضعفاء، والسادة بالأتباع والأتباع بالسادة، وامتحن المالك بمملوكه، ومملوكه به، وامتحن الرجل بامرأته وامرأته به، وامتحن الرجال بالنساء والنساء بالرجال، والمؤمنين بالكفار ولكفار بالمؤمنين. وامتحن الآمرين بالمعروف بمن يأمرونهم، وامتحن المأمورين بهم، ولذلك كان فقراء المؤمنين وضعفاؤهم، من أتباع الرسل، فتنة لأغنيائهم ورؤسائهم، امتنعوا من الإيمان بعد معرفتهم بصدق الرسل، وقالوا: ﴿لَوْ كانَ خَيْراَ ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١] هؤلاء.
وقالوا لنوح عليه السلام: ﴿أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١].
قال تعالى: ﴿وَكَذلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أهؤلاء مَنَّ اللهُ عَلَيْهمْ مِن بَيْنِنا﴾ [الأنعام: ٥٣].
فإذا رأى الشريف الرئيس المسكين الذليل قد سبقه إلى الإيمان ومتابعة الرسول حمى وأنف أن يسلم، فيكون مثله، وقال: أسلم فأكون أنا وهذا الوضيع على حد سواء؟ فليس لمن قد فتن بفتنة دواء مثل الصبر، فإن صبر كانت الفتنة ممحصة له، ومخلصة من الذنوب، كما يخلص الكير خبث الذهب والفضة.
فالفتنة كير القلوب، ومحك الإيمان، وبها يتبين الصادق من الكاذب: قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتنّا الَّذِينَ مِن قَبْلهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٣].
فالفتنة قسمت الناس، إلى صادقٍ وكاذبٍ ومؤمن ومنافق، وطيبٍ وخبيثٍ. فمن صبر عليها كانت رحمة في حقه، ونجا بصبره من فتنة أعظم منها، ومن لم يصبر عليها وقع في فتنة أشد منها.
فالفتنة لا بد منها في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ هم عَلى النّار يفُتَنُونَ ذُوقُوا فِتْنَتَكمْ هذا الّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الذاريات: ١٣،: ١٤].
فالنار فتنة من لم يصبر على فتنة الدنيا، قال تعالى في شجرة الزقوم: ﴿إنّا جَعَلْناها فِتْنَة لِلظّالِمينَ﴾ [الصافات: ٦٣].
قال قتادة: لما ذكر الله تعالى هذه الشجرة افتتن بها الظلمة، فقالوا: يكون في النار شجرة والنار تأكل الشجر؟ فأنزل الله عز وجل: ﴿إنّها شَجَرَة تَخْرُجُ فِى أصْلِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٤].
فأخبرهم أن غذاءها من النار، أي غذيت بالنار.
قال ابن قتيبة: قد تكون شجرة الزقوم نبتا من النار، ومن جوهرٍ لا تأكله النار، وكذلك سلاسل النار وأغلالها وأنكالها، وعقاربها وحياتها، ولو كانت على ما يُعلم لم تبق على النار، وإنما دلَّنا الله تعالى على الغائب عنده بالحاضر عندنا، فالأسماء متفقة الدلالة، والمعاني مختلفة، وما في الجنة من ثمرها وفرشها وشجرها وجميع آلاتها على مثل ذلك.
والمقصود: أن هذه الشجرة فتنة لهم في الدنيا، بتكذيبهم بها، وفتنة لهم في الآخرة بأكلهم منها.
وكذلك إخباره سبحانه بأن عدة الملائكة الموكلين بالنار تسعة عشر، كان فتنة للكفار، حيث قال عدو الله أبو جهل: أيخوفكم محمد بتسعة عشر، وأنتم الدهم أفيعجز كل مائةٍ منكم أن يبطشوا بواحد منهم، ثم تخرجون من النار؟ فقال أبو الأسد: يا معشر قريش، إذا كان يوم القيامة فأنا أمشى بين أيديكم على الصراط، فأدفع عشرة بمنكبى الأيمن، وتسعة بمنكبى الأيسر في النار، ونمضى فندخل الجنة.
فكان ذكر هذا العدد فتنة لهم في الدنيا، وفتنة لهم يوم القيامة.
والكافر مفتون بالمؤمن في الدنيا، كما أن المؤمن مفتون به، ولهذا سأل المؤمنون ربهم أن لا يجعلهم فتنة للذين كفروا، كما قال الحنفاء: ﴿رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وإلَيْكَ أنَبْنا وإلَيْكَ المَصِيرُ رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الممتحنة: ٤-٥].
وقال أصحاب موسى عليه السلام: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنْةً لِلْقَوْمِ الظّالمِينَ﴾ [يونس: ٨٥].
قال مجاهد: المعنى، لا تعذبنا بأيديهم، ولا بعذاب من عندك، فيقولون: لو كان هؤلاء على الحق ما أصابهم هذا.
وقال الزجاج: معناه: لا تظهرهم علينا، فيظنوا أنهم على حق، فيفتنوا بذلك.
وقال الفراء: لا تظهر علينا الكفار، فيروا أنهم على حق وأنا على باطل.
وقال مقاتل: لا تقتر علينا الرزق وتبسطه عليهم، فيكون ذلك فتنة لهم.
وقد أخبر الله سبحانه أنه قد فتن كلا من الفريقين بالفريق الآخر، فقال:
﴿وَكَذلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ لِيقُولُوا أهؤلاء مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا﴾ فقال الله تعالى ﴿ألَيْسَ اللهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرين﴾.
والمقصود: أن الله سبحانه فتن أصحاب الشهوات بالصور الجميلة، وفتن أولئك بهم، فكل من النوعين فتنة للآخر، فمن صبر منهم على تلك الفتنة نجا مما هو أعظم منها، ومن أصابته تلك الفتنة سقط فيما هو شر منها، فإن تدارك ذلك بالتوبة النصح وإلا فبسبيل من هلك، ولهذا قال النبي صلى الله تعالى عليه وآله سلم: "ما تَرَكْتُ بَعْدِى فِتْنَةً أضَرَّ مِنَ النِّساءِ عَلى الرِّجالِ" أو كما قال.
فالعبد في هذه الدار مفتون بشهواته ونفسه الأمارة، وشيطانه المغوى المزين، وقرنائه وما يراه، ويشاهده، مما يعجز صبره عنه، ويتفق مع ذلك ضعف الإيمان واليقين وضعف القلب ومرارة الصبر، وذوق حلاوة العاجل، وميل النفس إلى زهرة الحياة الدنيا، وكون العوض مؤجلا في دار أخرى غير هذه الدار التي خلق فيها، وفيها نشأ، فهو مكلفٌ بأن يترك شهوته الحاضرة المشاهدة لغيب طلب منه الإيمان به:
؎فَوَ اللهِ لَوْلا اللهُ يُسْعِدُ عَبْدَهُ ∗∗∗ ِتَوْفِيقِه واللهُ بِالعَبْدِ أرْحَمُ
؎لما ثَبَتَ الإيمانُ يَوْماَ بِقَلْبِهِ ∗∗∗ عَلى هذِه العِلاّتِ، والأمْرُ أعْظَمُ
؎وَلا طاوَعَتْهُ النّفْسُ في تَرْكِ شَهْوَةٍ ∗∗∗ مَخافَةَ نارٍ جَمْرها يَتَضَرَّمُ
؎وَلا خافَ يَوْمًا منْ مَقامِ إلهِهِ ∗∗∗ عَلَيْهِ بحُكْمِ القِسْطِ، إذْ لَيْسَ يَظْلِمُ
(فصل)
والفتنة نوعان: فتنة الشبهات. وهي أعظم الفتنتين، وفتنة الشهوات.
وقد يجتمعان للعبد. وقد ينفرد بإحداهما.
ففتنة الشبهات من ضعف البصيرة، وقلة العلم، ولا سيما إذا اقترن بذلك فساد القصد، وحصول الهوى، فهنالك الفتنة العظمى، والمصيبة الكبرى، فقل ما شئت في ضلال سيئ القصد، الحاكم عليه الهوى لا الهدى، مع ضعف بصيرته، وقلة علمه بما بعث الله به رسوله، فهو من الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿إنْ يَتّبِعُونَ إلا الظّنَّ وما تَهْوى الأنُفُسُ﴾ [النجم: ٢٣].
وقد أخبر الله سبحانه أن اتباع الهوى يضل عن سبيل الله، فقال: ﴿يا داوُدُ إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِى الأرْضِ فاحْكم بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ ولا تَتّبِعِ الهَوى فَيضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ بَما نَسُوا يَوْمَ الحِسابِ﴾ [ص: ٢٦].
وهذه الفتنة مآلها إلى الكفر والنفاق، وهي فتنة المنافقين، وفتنة أهل البدع، على حسب مراتب بدعهم. فجميعهم إنما ابتدعوا من فتنة الشبهات التي اشتبه عليهم فيها الحق بالباطل، والهدى بالضلال.
ولا ينُجى من هذه الفتنة إلا تجريد اتباع الرسول، وتحكيمه في دِقِّ الدين وجِلِّه، ظاهره وباطنه، عقائده وأعماله، حقائقه وشرائعه، فيتلقى عنه حقائق الإيمان وشرائع الإسلام. وما يثبته الله من الصفات والأفعال، والأسماء، وما ينفيه عنه، كما يتلقى عنه وجوب الصلوات وأوقاتها وأعدادها، ومقادير نُصبُ الزكاة ومستحقيها، ووجوب الوضوء والغسل من الجنابة، وصوم رمضان، فلا يجعله رسولا في شيء دون شيء من أمور الدين، بل هو رسول في كل شيء تحتاج إليه الأمة في العلم والعمل، لا يتلقى إلا عنه، ولا يؤخذ إلا منه، فالهدى كله دائر على أقواله وأفعاله، وكل ما خرج عنها فهو ضلال، فإذا عقد قلبه على ذلك وأعرض عما سواه، ووزنه بما جاء به الرسول، فإن وافقه قبله، لا لكون ذلك القائل قاله، بل لموافقته للرسالة، وإن خالفه رده، ولو قاله من قاله، فهذا الذي ينجيه من فتنة الشبهات، وإن فاته ذلك أصابه من فتنتها بحسب ما فاته منه.
وهذه الفتنة تنشأ تارة من فهم فاسد، وتارة من نقل كاذب، وتارة من حق ثابت خفى على الرجل فلم يظفر به، وتارة من غرض فاسد وهوى متبع، فهي من عمى في البصيرة، وفساد في الإرادة.
وأما النوع الثاني من الفتنة. ففتنة الشهوات.
وقد جمع سبحانه بين ذكر الفتنتين في قوله: ﴿كالَّذِينَ مِن قَبْلِكم كانُوا أشَدَّ مِنكم قُوَّةً وأكْثَرَ أمْوالا وأوْلادًا فاسْتَمْتَعْوا بِخَلاقِهِمْ فاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِهِمْ﴾ [التوبة: ٦٩].
أي تمتعوا بنصيبهم من الدنيا وشهواتها، والخلاق هو النصيب المقدر، ثم قال وخضتم كالذي خاضوا فهذا الخوض بالباطل، وهو الشبهات.
فأشار سبحانه في هذه الآية إلى ما يحصل به فساد القلوب والأديان، من الاستمتاع بالخلاق، والخوض بالباطل، لأن فساد الدين إما أن يكون باعتقاد الباطل والتكلم به، أو بالعمل بخلاف العلم الصحيح.
فالأول: هو البدع وما والاها، والثاني: فسق الأعمال.
فالأول فساد من جهة الشبهات، والثاني من جهة الشهوات.
ولهذا كان السلف يقولون "احذروا من الناس صنفين: صاحب هوى قد فتنه هواه، وصاحب دنيا أعمته دنياه".
وكانوا يقولون "احذروا فتنة العالم الفاجر، والعابد الجاهل، فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون".
وأصل كل فتنة إنما هو من تقديم الرأي على الشرع، والهوى على العقل.
فالأول: أصل فتنة الشبهة، والثاني: أصل فتنة الشهوة.
ففتنة الشبهات تدفع باليقين، وفتنة الشهوات تدفع بالصبر، ولذلك جعل سبحانه إمامة الدين منوطة بهذين الأمرين، فقال: ﴿وَجَعَلْنا مِنّهم أئمِةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا لَمّا صَبَرُوا وكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤].
فدل على أنه بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين.
وجمع بينهما أيضًا في قوله: ﴿وَتَواصَوْا بِالحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ٣].
فتواصوا بالحق الذي يدفع الشبهات، وبالصبر الذي يكف عن الشهوات. وجمع بينهما في قوله:
﴿واذْكْرُ عِبادَنا إبراهيم وإسْحقَ ويَعْقُوبَ أُولِى الأيْدِى والأبْصارِ﴾ [ص: ٤٥].
فالأيدي: القوى والعزائم في ذات الله، والأبصار: البصائر في أمر الله. وعبارات السلف تدور على ذلك.
(فصل)
إذا سلم العبد من فتنة الشبهات والشهوات حصل له أعظم غايتين مطلوبتين، بهما سعادته وفلاحه وكماله. وهما الهدى، والرحمة.
قال تعالى عن موسى وفتاه:
﴿فَوَجَدا عَبْدًا مِن عِبادنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِن عِنْدِنا وعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾ [الكهف: ٦٥].
فجمع له بين الرحمة والعلم، وذلك نظير قول أصحاب الكهف: ﴿رَبَّنا آتِنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً وهَيِّئْ لَنا مِن أمْرِنا رَشَدًا﴾ [الكهف: ١٠].
فإن الرشد هو العلم بما ينفع، والعمل به. والرشد والهدى إذا أفرد كل منها تضمن الآخر، وإذا قرن أحدهما. فالهدى هو العلم بالحق. والرشد هو العمل به وضدهما الغى واتباع الهوى.
8:40Page 181
وَإِن تَوَلَّوۡاْ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَوۡلَىٰكُمۡۚ نِعۡمَ ٱلۡمَوۡلَىٰ وَنِعۡمَ ٱلنَّصِيرُ ٤٠
But if they turn away - then know that Allāh is your protector. Excellent is the protector, and excellent is the helper.
No commentary for this ayah
8:41Page 182
۞ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا غَنِمۡتُم مِّن شَيۡءٖ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ إِن كُنتُمۡ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ وَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا يَوۡمَ ٱلۡفُرۡقَانِ يَوۡمَ ٱلۡتَقَى ٱلۡجَمۡعَانِۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ٤١
And know that anything you obtain of war booty - then indeed, for Allāh is one fifth of it and for the Messenger1 and for [his] near relatives2 and the orphans, the needy, and the [stranded] traveler,3 if you have believed in Allāh and in that which We sent down to Our Servant4 on the day of criterion [i.e., decisive encounter] - the day when the two armies met [at Badr]. And Allāh, over all things, is competent.
No commentary for this ayah
8:42Page 182
إِذۡ أَنتُم بِٱلۡعُدۡوَةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُم بِٱلۡعُدۡوَةِ ٱلۡقُصۡوَىٰ وَٱلرَّكۡبُ أَسۡفَلَ مِنكُمۡۚ وَلَوۡ تَوَاعَدتُّمۡ لَٱخۡتَلَفۡتُمۡ فِي ٱلۡمِيعَٰدِ وَلَٰكِن لِّيَقۡضِيَ ٱللَّهُ أَمۡرٗا كَانَ مَفۡعُولٗا لِّيَهۡلِكَ مَنۡ هَلَكَ عَنۢ بَيِّنَةٖ وَيَحۡيَىٰ مَنۡ حَيَّ عَنۢ بَيِّنَةٖۗ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ ٤٢
[Remember] when you were on the near side of the valley, and they were on the farther side, and the caravan was lower [in position] than you. If you had made an appointment [to meet], you would have missed the appointment. But [it was] so that Allāh might accomplish a matter already destined - that those who perished [through disbelief] would perish upon evidence and those who lived [in faith] would live upon evidence; and indeed, Allāh is Hearing and Knowing.
(فصل)
وأما اللام في قوله: ﴿لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ويَحْيى مَن حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ فلام التعليل على بابها فإنها مذكورة في بيان حكمته في جمع أوليائه وأعدائه على غير ميعاد، ونصرة أوليائه مع قلتهم ورقتهم وضعف عددهم وعدتهم على أصحاب الشوكة والعدد والحد والحديد الذي لا يتوهم بشر أنهم ينصرون عليهم، فكانت تلك آية من أعظم آيات الرب سبحانه صدق بها رسوله وكتابه ليهلك بعدها من اختار لنفسه الكفر والعناد عن بينة فلا يكون له على الله حجة، ويحيي من حي بالإيمان بالله ورسوله عن بينة فلا يبقى عنده شك ولا ريب، وهذا من أعظم الحكم، ونظير هذا قوله: ﴿إنْ هو إلاّ ذِكْرٌ وقُرْآنٌ مُبِينٌ لِيُنْذِرَ مَن كانَ حَيًّا ويَحِقَّ القَوْلُ عَلى الكافِرِينَ﴾.
8:43Page 182
إِذۡ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلٗاۖ وَلَوۡ أَرَىٰكَهُمۡ كَثِيرٗا لَّفَشِلۡتُمۡ وَلَتَنَٰزَعۡتُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَۚ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٤٣
[Remember, O Muḥammad], when Allāh showed them to you in your dream as few; and if He had shown them to you as many, you [believers] would have lost courage and would have disputed in the matter [of whether to fight], but Allāh saved [you from that]. Indeed, He is Knowing of that within the breasts.
No commentary for this ayah
8:44Page 182
وَإِذۡ يُرِيكُمُوهُمۡ إِذِ ٱلۡتَقَيۡتُمۡ فِيٓ أَعۡيُنِكُمۡ قَلِيلٗا وَيُقَلِّلُكُمۡ فِيٓ أَعۡيُنِهِمۡ لِيَقۡضِيَ ٱللَّهُ أَمۡرٗا كَانَ مَفۡعُولٗاۗ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ ٤٤
And [remember] when He showed them to you, when you met, as few in your eyes, and He made you [appear] as few in their eyes so that Allāh might accomplish a matter already destined. And to Allāh are [all] matters returned.
No commentary for this ayah
8:45Page 182
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا لَقِيتُمۡ فِئَةٗ فَٱثۡبُتُواْ وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا لَّعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٤٥
O you who have believed, when you encounter a company [from the enemy forces], stand firm and remember Allāh much that you may be successful.
(فصل: من علامات المحبة التي يستدل بها عليها)
ومنها كثرة ذكر المحبوب واللهج بذكره وحديثه فمن أحب شيئا أكثر من ذكره بقلبه ولسانه ولهذا أمر الله سبحانه عباده بذكره على جميع الأحوال وأمرهم بذكره أخوف ما يكونون فقال تعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثْبُتُوا واذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾
والمحبون يفتخرون بذكرهم أحبابهم وقت المخاوف وملاقاة الأعداء كما قال قائلهم
؎ذكرتك والخطي يخطر بيننا ∗∗∗ وقد نهلت منا المثقفة السمر
وقال آخر
؎ولقد ذكرتك والرماح كأنها ∗∗∗ أشطان بئر في لبان الأدهم
؎فوددت تقبيل السيوف لأنها ∗∗∗ برقت كبارق ثغرك المتبسم
وفي بعض الآثار الإلهية إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو ملاق قرنه فعلامة المحبة الصادقة ذكر المحبوب عند الرغب والرهب وقال بعض المحبين في محبوبه
؎يذكرنيك الخير والشر والذي ∗∗∗ أخاف وأرجو والذي أتوقع
ومن الذكر الدال على صدق المحبة سبق ذكر المحبوب إلى قلب المحب ولسانه عند أول يقظة من منامه وأن يكون ذكره آخر ما ينام عليه كما قال قائلهم
؎آخر شيء أنت في كل هجعة ∗∗∗ وأول شيء أنت وقت هبوبي
وذكر المحبوب لا يكون عن نسيان مستحكم فإن ذكره بالقوة في نفس المحب ولكن لضيق المحل به يرد عليه ما يغيب ذكره فإذا زال الوارد عاد الذكر كما كان وأعلى أنواع ذكر الحبيب أن يحبس المحب لسانه على ذكره ثم يحبس قلبه على لسانه ثم يحبس قلبه ولسانه على شهود مذكوره وكما أن الذكر من نتائج الحب فالحب أيضا من نتائج الذكر فكل منهما يثمر الآخر وزرع المحبة إنما يسقى بماء الذكر وأفضل الذكر ما صدر عن المحبة فصل ومن علاماتها الانقياد لأمر المحبوب وإيثاره على مراد المحب بل يتحد مراد المحب والمحبوب وهذا هو الاتحاد الصحيح لا الاتحاد الذي يقوله إخوان النصارى من الملاحدة.
فلا اتحاد إلا في المراد وهذا الاتحاد علامة المحبة الصادقة بحيث يكون مراد الحبيب والمحب واحدا فليس بمحب صادق من له إرادة تخالف مراد محبوبه منه بل هذا مريد من محبوبه لا مريد له وإن كان مريدا له فليس مريدا لمراده فالمحبون ثلاثة أقسام منهم من يريد من المحبوب ومنهم من يريد المحبوب ومنهم من يريد مراد المحبوب مع إرادته للمحبوب وهذا أعلى أقسام المحبين وزهد هذا أعلى أنواع الزهد فإنه قد إنما يحصل بكمال المتابعة لرسول الحبيب
قال الله تعالى ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ويَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فجعل سبحانه متابعة رسوله سببا لمحبتهم له وكون العبد محبوبا لله أعلى من كونه محبا لله فليس الشأن أن تحب الله ولكن الشأن أن يحبك الله فالطاعة للمحبوب عنوان محبته كما قيل
؎تعصي الإله وأنت تزعم حبه ∗∗∗ هذا محال في القياس بديع
؎لو كان حبك صادقا لأطعته ∗∗∗ إن المحب لمن يحب مطيع
8:46Page 183
وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَٰزَعُواْ فَتَفۡشَلُواْ وَتَذۡهَبَ رِيحُكُمۡۖ وَٱصۡبِرُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ ٤٦
And obey Allāh and His Messenger, and do not dispute and [thus] lose courage and [then] your strength would depart; and be patient. Indeed, Allāh is with the patient.
أما بعد: فإن الله سبحانه جعل الصبر جوادا لا يكبو وصارما لا ينبو وجندا لا يهزم وحصنا حصينا لا يهدم ولا يثلم فهو والنصر أخوان شقيقان فالنصر مع الصبر والفرج مع الكرب والعسر مع اليسر وهو أنصر لصاحبه من الرجال بلا عدة ولا عدد ومحله من الظفر كمحل الرأس من الجسد ولقد ضمن الوفي الصادق لأهله في محكم الكتاب أنه يوفيهم أجرهم بغير حساب وأخبر أنه معهم بهدايته ونصره العزيز وفتحه المبين فقال تعالى ﴿واصْبِرُوا إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾
فظفر الصابرون بهذه المعية بخير الدنيا والآخرة وفازوا بها بنعمة الباطنة والظاهرة وجعل سبحانه الإمامة في الدين منوطة بالصبر واليقين فقال تعالى وبقوله اهتدى المهتدون ﴿وَجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا لَمّا صَبَرُوا وكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ﴾.
وأخبر أن الصبر خير لأهله مؤكدا باليمين فقال تعالى ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ وأخبر أن مع الصبر والتقوى لا يضر كيد العدو ولو كان ذا تسليط فقال تعالى ﴿وَإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا إنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾
وأخبر عن نبيه يوسف الصديق أن صبره وتقواه وصلاه إلى محل العز والتمكين فقال: ﴿إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ وعلق الفلاح بالصبر والتقوى فعقل ذلك عنه المؤمنون فقال تعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وصابِرُوا ورابِطُوا واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾.
وأخبر عن محبته لأهله وفي ذلك أعظم ترغيب للراغبين فقال تعالى ﴿واللَّهُ يُحِبُّ الصّابِرِينَ﴾ ولقد بشر الصابرين بثلاث كل منها خير مما عليه أهل الدنيا يتحاسدون فقال تعالى ﴿وَبَشِّرِ الصّابِرِينَ الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ قالُوا إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ وأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾.
وأوصى عبادة بالاستعانة بالصبر والصلاة على نوائب الدنيا والدين فقال تعالى ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ وإنَّها لَكَبِيرَةٌ إلاَّ عَلى الخاشِعِينَ﴾ وجعل الفوز بالجنة والنجاة من النار لا يحظى به إلا الصابرون فقال تعالى ﴿إنِّي جَزَيْتُهُمُ اليَوْمَ بِما صَبَرُوا أنَّهم هُمُ الفائِزُونَ﴾ وأخبر أن الرغبة في ثوابه والإعراض عن الدنيا وزينتها لا ينالها إلا أو لو الصبر المؤمنون فقال تعالى ﴿وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ويْلَكم ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ولا يُلَقّاها إلّا الصّابِرُونَ﴾ وأخبر تعالى أن دفع السيئة بالتي هي أحسن تجعل المسيء كأنه ولي حميم فقال ﴿وَلا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ فَإذا الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ﴾ وأن هذه الخصلة لا يلقاها ﴿إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم﴾
وأخبر سبحانه مؤكدا بالقسم ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ إلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وتَواصَوْا بِالحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾
وقسم خلقه قسمين أصحاب ميمنة وأصحاب مشأمة وخص أهل الميمنة أهل التواصي بالصبر والمرحمة وخص بالانتفاع بآياته أهل الصبر وأهل الشكر تمييز لهم بهذا الحظ الموفور فقال في أربع آيات من كتابه ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾
وعلق المغفرة والأجر بالعمل الصالح والصبر وذلك على من يسره عليه يسير فقال ﴿إلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾.
وأخبر أن الصبر والمغفرة من العزائم التي تجارة أربابها لا تبور فقال ﴿وَلَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ وأمر رسوله بالصبر لحكمه وأخبر أن صبره إنما هو به وبذلك جميع المصائب تهون فقال ﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ وقال ﴿واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إلاَّ بِاللَّهِ ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾.
والصبر آخيّة المؤمن التي يجول ثم يرجع إليها وساق إيمانه الذي اعتماد له الإ عليها فلا إيمان لمن لا صبر له وإن كان فإيمان قليل في غاية الضعف وصاحبه ممن يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وأن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ولم يحظ منهما الإ بالصفقة الخاسرة فخير عيش أدركه السعداء بصبرهم وترقوا إلى أعلى المازل بشكرهم فساروا بين جناحي الصبر والشكر إلى جنات النعيم وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
8:47Page 183
وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَٰرِهِم بَطَرٗا وَرِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطٞ ٤٧
And do not be like those who came forth from their homes insolently and to be seen by people and avert [them] from the way of Allāh. And Allāh is encompassing1 of what they do.
No commentary for this ayah
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences