Ibn al-QayyimAl‑Fajr · 89:25–30

Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic

Al-Fajr 89:25–30, continued

وتطلق على الروح وحدها كقوله تعالى: ﴿يا أيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ﴾ وقوله تعالى: ﴿أخْرِجُوا أنْفُسَكُمُ﴾ وقوله تعالى: ﴿ونَهى النَّفْسَ عَنِ الهَوى﴾ وقوله تعالى: ﴿إنَّ النَّفْسَ لَأمّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾.

وأما الروح فلا تطلق على البدن بانفراده ولا مع النفس، وتطلق الروح على القرآن الذي أوحاه اللّه تعالى إلى رسوله قال تعالى: ﴿وكَذلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾.

وعلى الوحي الذي يوحيه إلى أنبيائه ورسله قال تعالى: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾

وقال تعالى: ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ أنْ أنْذِرُوا أنَّهُ لا إلهَ إلّا أنا فاتَّقُونِ﴾

وسمى ذلك روحا لما يحصل به من الحياة النافعة فإن الحياة بدونه لا تنفع صاحبها البتة بل حياة الحيوان البهيم خير منها وأسلم عاقبة.

وسميت الروح روحا لأن بها حياة البدن وكذلك سميت الريح لما يحصل بها من الحياة وهي من ذوات الواو ولهذا تجمع على أرواح. قال الشاعر:

؎إذا هبت الأرواح من نحو أرضكم ∗∗∗ وجدت لمسرها على كبدي بردا

ومنها الروح والريحان والاستراحة، فسميت النفس روحا لحصول الحياة بها وسميت نفسا إما من الشيء النفيس لنفاستها وشرفها، وإما من تنفس الشيء إذا خرج فلكثرة خروجها ودخولها في البدن سميت نفسا، ومنه النفس بالتحريك، فإن العبد كلما نام خرجت منه فإذا استيقظ رجعت إليه فإذا مات خرجت خروجا كليا فإذا دفن عادت إليه فإذا سئل خرجت فإذا بعث رجعت إليه.

فالفرق بين النفس والروح فرق بالصفات لا فرق بالذات، وإنما سمي الدم نفسا لأن خروجه الذي يكون معه الموت يلازم خروج النفس وأن الحياة لا تتم به كما تتم إلا بالنفس فلهذا قال:

؎تسيل على حد الظباة نفوسنا ∗∗∗ وليست على غير الظباة تسيل

ويقال فاضت نفسه وخرجت نفسه وفارقت نفسه كما يقال خرجت روحه وفارقت ولكن الفيض الاندفاع وهلة واحدة ومنه الإفاضة وهي الاندفاع بكثرة وسرعة لكن أفاض إذا رفع باختياره وإراداته وفاض إذا اندفع قسرا وقهرا فاللّه سبحانه هو الذي يقضيها عند الموت فتفيض هي.

فصل

وقالت: فرقة أخرى من أهل الحديث والفقه والتصوف: الروح غير النفس، قال مقاتل بن سليمان: للإنسان حياة وروح ونفس فإذا نام خرجت نفسه التي يعقل بها الأشياء ولم تفارق الجسد بل تخرج كحبل ممتد له شعاع فيرى الرؤيا بالنفس التي خرجت منه وتبقى الحياة والروح في الجسد فيه يتقلب ويتنفس فإذا حرك رجعت إليه أسرع من طرفة عين فإذا أراد اللّه عز وجل أن يميته في المنام أمسك تلك النفس التي خرجت، وقال أيضا إذا نام خرجت نفسه فصعدت إلى فوق فإذا رأت الرؤيا رجعت فأخبرت الروح ويخبر الروح فيصبح يعلم أنه قد رأى كيت وكيت.

قال أبو عبد اللّه بن منده: ثم اختلفوا في معرفة الروح والنفس فقال بعضهم النفس طينية نارية والروح نورية روحانية.

وقال: بعضهم الروح لاهوتية «١» والنفس ناسوتية «٢» وأن الخلق بها ابتلي.

وقالت طائفة: وهم أهل الأثر أن الروح غير النفس، والنفس غير الروح وقوام النفس بالروح، والنفس صورة العبد، والهوى والشهوة والبلاء معجون فيها ولا عدو أعدى لابن آدم من نفسه، فالنفس لا تريد إلا الدنيا ولا تحب إلا إياها، والروح تدعو إلى الآخرة وتؤثرها، وجعل الهوى تبعا للنفس، والشيطان تبع النفس والهوى، والملك مع العقل والروح، واللّه تعالى يمدهما بإلهامه وتوفيقه.

وقال بعضهم: الأرواح من أمر اللّه أخفي حقيقتها وعلمها على الخلق.

وقال بعضهم: الأرواح نور من اللّه وحياة من حياة اللّه.

ثم اختلفوا في الأرواح هل تموت بموت الأبدان والأنفس أو لا تموت؟

فقالت طائفة: الأرواح لا تموت ولا تبلى.

وقالت جماعة: الأرواح على صورة الخلق لها أيد وأرجل وأعين وسمع وبصر ولسان.

وقالت طائفة: للمؤمن ثلاثة أرواح، وللمنافق والكافر روح واحدة.

وقال بعضهم للأنبياء والصديقين خمس أرواح.

وقال بعضهم: الأرواح روحانية خلقت من الملكوت، فإذا صفت رجعت إلى الملكوت.

قلت: أما الروح التي تتوفى وتقبض فهي روح واحدة، وهي النفس. وأما ما يؤيد اللّه به أولياءه من الروح فهي روح أخرى غير هذه الروح كما قال تعالى: ﴿أُولئِكَ كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ وأيَّدَهم بِرُوحٍ مِنهُ﴾

وكذلك الروح الذي أيد بها روحه المسيح ابن مريم كما قال تعالى: ﴿إذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وعَلى والِدَتِكَ إذْ أيَّدْتُكَ بِرُوحِ القُدُسِ﴾

وكذلك الروح التي يلقيها على من يشاء من عباده هي غير الروح التي في البدن.

وأما القوى التي في البدن فإنها تسعى أيضا أرواحا فيقال الروح الباصر والروح السامع والروح الشام، فهذه الأرواح قوى مودعة في البدن تموت بموت الأبدان، وهي غير الروح التي لا تموت بموت البدن ولا تبلى كما يبلى، ويطلق الروح على أخص من هذا كله وهو قوة المعرفة باللّه والإنابة إليه ومحبته وانبعاث الهمة إلى طلبه وإرادته، ونسبة هذه الروح إلى الروح كنسبة الروح إلى البدن، فإذا فقدتها الروح كانت بمنزلة البدن إذا فقد روحه، وهي الروح التي يؤيد بها أهل ولايته وطاعته، ولهذا يقول الناس فلان فيه روح، وفلان ما فيه روح وهو قصبة فارغة ونحو ذلك.

فللعلم روح، وللإحسان روح، وللإخلاص روح، وللمحبة والإنابة روح، وللتوكل والصدق روح، والناس متفاوتون في هذه الأرواح أعظم تفاوت منهم من تغلب عليه هذه الأرواح فيصير روحانيا، ومنهم من يفقدها أو أكثرها فيصير أرضيا بهيميا، واللّه المستعان.

(فصل: هل النفس واحدة أم ثلاث]

فقد وقع في كلام كثير من الناس أن لابن آدم ثلاث أنفس، نفس مطمئنة، ونفس لوّامة، ونفس أمّارة، وأن منهم من تغلب عليه هذه ومنهم من تغلب عليه الأخرى، ويحتجون على ذلك بقوله تعالى: ﴿ياأيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ وبقوله تعالى: {لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ. ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾

وبقوله تعالى: ﴿إنَّ النَّفْسَ لَأمّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾

والتحقيق أنها نفس واحدة ولكن لها صفات فتسمى

باعتبار كل صفة باسم فتسمى مطمئنة باعتبار طمأنينتها إلى ربها بعبوديته ومحبته وللإنابة إليه والتوكل عليه والرضا به والسكون إليه.

فإن سمة محبته وخوفه ورجائه منها قطيع النظر عن محبة غيره وخوفه ورجائه، فيستغني بمحبته عن حب ما سواه وبذكره عن ذكر ما سواه وبالشوق إليه وإلى لقائه عن الشوق إلى ما سواه، فالطمأنينة إلى اللّه سبحانه حقيقة ترد منه سبحانه على قلب عبده تجمعه عليه، وترد قلبه الشارد إليه حتى كأنه جالس بين يديه؟ يسمع به ويبصر به ويتحرك به ويبطش به، فتسري تلك الطمأنينة في نفسه وقلبه ومفاصله وقواه الظاهرة والباطنة تجذب روحه إلى اللّه ويلين جلده وقلبه ومفاصله إلى خدمته والتقرب إليه ولا يمكن حصول الطمأنينة الحقيقة إلا باللّه وبذكره وهو كلامه الذي أنزله على رسوله كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم بِذِكْرِ اللَّهِ ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾.

فإن طمأنينة القلب سكونه واستقراره بزوال القلق والانزعاج عنه، وهذا لا يتأتى بشيء سوى اللّه تعالى وذكره البتة، وأما ما عداه فالطمأنينة إليه وبه غرور والثقة به عجز قضى اللّه سبحانه وتعالى قضاء لا مرد له أن من اطمأن إلى شيء سواه أتاه القلق والانزعاج والاضطراب من جهته كائنا من كان، بل لو اطمأن إلى سواه أغراضها بسهام البلاء ليعلم عباده وأولياؤه أن المتعلق بغيره مقطوع، والمطمئن إلى سواه عن مصالحه ومقاصده مصدود وممنوع.

وحقيقة الطمأنينة التي تصير بها النفس مطمئنة أن تطمئن في باب معرفة أسمائه وصفاته ونعوت كماله إلى خبره الذي أخبر به عن نفسه وأخبرت به عنه رسله فتتلقاه بالقبول. والتسليم، والإذعان، وانشراح الصدر له؛ وفرح القلب به.

فإنه معرف من معرفات الرب سبحانه إلى عبده على لسان رسوله، فلا يزال القلب في أعظم القلق والاضطراب في هذا الباب حتى يخالط الإيمان بأسماء الرب تعالى وصفاته وتوحيده وعلوه على عرشه، وتكلمه بالوحي بشاشة قلبه، فينزل عليه نزول الماء الزلال على القلب الملتهب بالعطش، فيطمئن إليه، ويسكن إليه، ويفرح به، ويلين له قلبه ومفاضله حتى كأنه شاهد الأمر كما أخبرت به الرسل، بل يصير ذلك لقلبه بمنزلة رؤية الشمس في الظهيرة أمينة فلو خالفه في ذلك من بين شرق الأرض وغربها لم يلتفت إلى خلافهم.

وقال: إذا استوحش من الغربة قد كان الصديق الأكبر مطمئنا بالإيمان وحده وجميع أهل الأرض يخالفه وما نقص ذلك من طمأنينته شيء.

فهذا أول درجات الطمأنينة ثم لا يزال يقوى كلما سمع بآية متضمنة لصفة من صفات ربه.

وهذا أمر لا نهاية له فهذه الطمأنينة أصل أصول الإيمان التي عليه بناؤه ثم يطمئن إلى خبره عما بعد الموت من أمور البرزخ وما بعدها من أحوال القيامة حتى كأنه يشاهد ذلك كله عيانا وهذا حقيقة اليقين الذي وصف به سبحانه وتعالى أهل الإيمان حيث قال: وبِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ}

فلا يحصل الإيمان بالآخرة حتى يطمئن القلب إلى ما أخبر اللّه سبحانه به عنها طمأنينة إلى الأمور التي لا يشك فيها ولا يرتاب.

فهذا هو المؤمن حقا باليوم الآخر كما في حديث حارثة أصبحت مؤمنا فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: إن لكل حق حقيقة فما حقيقة إيمانك؟ قال «عرفت نفسي عن الدنيا وأهلها وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا، وإلى أهل الجنة يتزاورون فيها وأهل النار يعذبون فيها» فقال: عبد نور اللّه قلبه.

(فصل)

النفس المطمئنة والملك وجنده من الإيمان يقتضيان من النفس المطمئنة التوحيد والإحسان والبر والتقوى والصبر والتوكل والتوبة والإنابة والإقبال على اللّه، وقصر الأمل والاستعدادات للموت وما بعده.

والشيطان وجنده من الكفر يقتضيان من النفس الأمّارة ضد ذلك وقد سلط اللّه سبحانه الشيطان على كل ما ليس له ولم يرد به وجهه ولا هو طاعة له وجعل ذلك إقطاعه فهو يستنيب النفس الأمّارة على هذا العمل والإقطاع ويتقاضى أن تأخذ الأعمال من النفس المطمئنة فنجعلها قوة لها فهي أحرص شيء على تخليص الأعمال كلها وأن تصير من حظوظها، فأصعب شيء على النفس المطمئنة تخليص الأعمال من الشيطان ومن الأمارة للّه فلو وصل منها عمل واحد كما ينبغي لنجابه العبد ولكن أبت الأمارة والشيطان أن يدعا لها عملا واحدا يصل إلى اللّه كما قال بعض العارفين باللّه وبنفسه واللّه لو أعلم أن لي عملا واحدا يصل إلى اللّه لكنت أفرح بالموت من الغائب يقدم على أهله، وقال عبد اللّه بن عمر لو أعلم أن اللّه تقبل مني سجدة واحدة لم يكن غائب أحب إلي من الموت إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ}.

(فصل)

وقد انتصبت الأمّارة في مقابلة المطمئنة فكما جاءت به تلك من خير ضاهتها هذه وجاءتها من الشر بما يقابله حتى تفسده عليها فإذا جاءت بالإيمان والتوحيد جاءت هذه بما يقدح في الإيمان من الشك والنفاق وما يقدح في التوحيد من الشرك ومحبة غير اللّه وخوفه ورجائه ولا نرضى حتى تقدم محبة غيره وخوفه ورجائه على محبته سبحانه وخوفه ورجائه فيكون ما له عندها هو المؤخر وما للخلق هو المقدم، وهذا حال أكثر الخلق، وإذا جاءت تلك بتجريد المتابعة للرسول جاءت هذه بتحكيم آراء الرجال وأقوالهم على الوحي وأتت من الشبه المضلة بما يمنعها من كمال المتابعة وتحكيم السنّة وعدم الالتفات إلى آراء الرجال فتقوم الحرب بين هاتين النفسين، والمنصور من نصره اللّه، وإذا جاءت تلك بالإخلاص والصدق والتوكل والإنابة والمراقبة جاءت هذه بأضدادها وأخرجتها في عدة قوالب وتقسم باللّه ما مرادها إلا الإحسان والتوفيق واللّه يعلم أنها كاذبة وما هو مرادها إلا مجرد حظها واتباع هواها والتفلت من سجن المتابعة والتحكيم والمحض للسنّة إلى قضاء إرادتها وشهوتها وحظوظها ولعمر اللّه ما تخلصت إلا من قضاء المتابعة والتسليم إلى سجن الهوى والإرادة وضيقه وظلمته ووحشته فهي مسجونة في هذا العالم وفي البرزخ وفي أضيق منه ويوم الميعاد الثاني في أضيق منهما.

ومن أعجب أمرها أنها تسجر العقل والقلب فتأتي إلى أشرف الأشياء وأفضلها وأجلها فنخرجه في صورة مذمومة وأكثر الخلق صبيان العقول أطفال الأحلام ولم يصلوا إلى حد الفطام الأول عن العوائد والمألوفات فضلا عن البلوغ الذي يميز به العاقل البالغ بين خير الخيرين فيؤثره وشر الشرين فيجتنبه فتريه صورة تجريد التوحيد التي هي أبهى من صورة الشمس والقمر صورة التنقيص المذموم وهضم العظماء منازلهم في وحطهم منها إلى مرتبة العبودية المحضة والمسكنة والذل والفقر المحض الذي لا ملكة لهم معه ولا إرادة ولا شفاعة إلا من بعد إذن اللّه فتريهم النفس السحّارة هذا القدر غاية تنقيصهم وهضمهم وتزول أقدارهم وعدم تمييزهم عن المساكين والفقراء فتغفر نفوسهم من تجريد التوحيد أشد النفار ويقولون أ جَعَلَ الآلِهَةَ إلهًا واحِدًا إنَّ هذا لَشَيْ ءٌ عُجابٌ}

وتريهم تجريد المتابعة للرسول وما جاء به وتقديمه على آراء الرجال في صورة تنقيص العلماء والرغبة عن أقوالهم وما فهموه عن اللّه ورسوله وإن هذا إساءة أدب عليهم وتقدم بين أيديهم وهو مفض إلى إساءة الظن بهم وأنهم قد فاتهم الصواب وكيف لنا قوة أن نرد عليهم ونفور ونحظى بالصواب دونهم فتنفر من ذلك أشد النفار وتجعل كلامهم هو المحكم الواجب الاتباع وكلام الرسول هو المتشابه الذي يعرض على أقوالهم فما وافقها قبلناه وما خالفها رددناه أو أولناه أو فرضناه وتقسم النفس السحّارة باللّه أن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا أولئك الذين يعلم اللّه ما في قلوبهم.

وتريه صورة الإخلاص في صورة ينفر منها وهي الخروج عن حكم العقل المعيشي والمداراة والمداهنة التي بها اندراج حال صاحبها ومشيه بين الناس فمتى أخلص أعماله ولم يعمل لأحد شيئا تجنبهم وتجنبوه وأبغضهم وأبغضوه، وعاداهم، وعادوه وسار على جادة فينفر من ذلك أشد النفار وغايته أن يخلص في القدر اليسير من أعماله التي لا تتعلق بهم وسائر أعماله لغير اللّه.

وتريه صورة الصدق مع اللّه وجهاد من خرج عن دينه وأمره في قالت الانتصاب لعداوة الخلق وأذاهم وحربهم وأنه يعرض نفسه من البلاء لما لا يطيق وأنه يصير غرضا لسهام الطاعنين. وأمثال ذلك من الشبه التي تقيمها النفس السحّارة والخيالات التي تخيلها، ويريه حقيقة الجهاد في صورة تقتل فيها النفس وتنكح المرأة ويصير الأولاد يتامى ويقسم المال، وتريه حقيقة الزكاة والصدقة في صورة مفارقة المال ونقصه وخلو اليد منه واحتياجه إلى الناس ومساواته للفقير وعوده بمنزلته، وتريه حقيقة إثبات صفات الكمال للّه في صورة التشبيه والتمثيل فيفر من التصديق بها وينفر غيره، ونريه حقيقة التعطيل والإلحاد فيها في صورة التنزيه والتعظيم.

وأعجب من ذلك أنها تضاهي ما يحبه اللّه ورسوله من الصفات والأخلاق والأفعال بما يبغضه منها، وتلبس على العبد أحد الأمرين بالآخر، ولا يخلص من هذا إلا أرباب البصائر، فإن الأفعال تصدر عن الإرادات وتظهر على الأركان من النفسي الأمّارة والمطمئنة ليتباين الفعلان في الباطن، ويشتبهان في الظاهر، ولذلك أمثلة كثيرة منها المداراة والمداهنة فالأول من المطمئنة والثاني من الأمّارة، وخشوع الإيمان وخشوع النفاق، وشرف النفس والنيّة والحمية والجفاء، والتواضع والمهانة، والقوة في أمر اللّه والعلو في الأرض والحمية للّه والغضب له والحمية للنفس والغضب لها، والجود والسرف، والمهابة والكبر، والصيانة والتكبر، والشجاعة والجرأة، والحزم والجبن والاقتصاد والشح، والاحتراز وسوء الظن، والفراسة والظن، والنصيحة والغيبة، والهدية والرشوة، والصبر والقسوة، والعفو والذل، وسلامة القلب والبله والغفلة، والثقة، والغرة والرجاء والتمني، والتحدث بنعم اللّه والفخر بها، ومرح القلب وفرح النفس. ورقة القلب والجزع، والموجدة والحقد، والمنافسة والحسد، وحب الرئاسة وحب الإمامة والدعوة إلى اللّه، والحب للّه والحب مع اللّه، والتوكل والعجز، والاحتياط والوسوسة، وإلهام الملك، وإلهام الشيطان، والإناة والتسويف، والاقتصاد والتقصير، والاجتهاد والغلو والنصيحة والتأنيب والمبادرة والعجلة، والأخبار بالحال عند الحاجة والشكوى.

فالشيء الواحد تكون صورته واحدة وهو منقسم إلى محمود ومذموم كالفرح والحزن، والأسف والغضب، والغيرة والخيلاء، والطمع والتجمل، والخشوع والحسد والغبطة والجرأة والتحسر والحرص، والتنافس وإظهار النعمة والحلف والمسكنة والصمت والزهد والورع والتخلي والعزلة، والأنفة والحمية والغيبة، وفي الحديث: «أن من الغيرة ما يحبها اللّه ومنها ما يكرهه، فالغيرة التي يحبها اللّه الغيرة في ريبة، والتي يكرهها الغيرة في غير ريبة، وأن من الخيلاء ما يحبه اللّه ومنها ما يكرهه. فالتي يحب الخيلاء في الحرب» «١»

وفي الصحيح أيضا: «لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه اللّه مالا وسلطه على هلكته في الحق، ورجل أتاه الحكمة فهو يقتضي بها ويعلمها» «٢»

وفي الصحيح أيضا: «إن اللّه رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف» «١».

وفيه أيضا: «من أعطى حظه من الرفق، فقد أعطى حظه من الخير» «٢»

فالرفق شيء والتواني والكسل شيء فإن المتواني يتثاقل عن مصلحته بعد إمكانها فيتقاعد عنها، والرفيق يتلطف في تحصيلها بحسب الإمكان مع المطاوعة وكذلك المداراة صفة مدح والمداهنة صفة ذم، والفرق بينهما أن المداري يتلطف بصاحبه حتى يستخرج منه الحق أو يرده عن الباطل، والمداهن يتلطف به ليقره على باطله ويتركه على هواه فالمداراة لأهل الإيمان والمداهنة لأهل النفاق، ولقد ضرب لذلك مثل مطابق وهو حال رجل به قرحة قد آلمته فجاءه الطبيب المداوي الرفيق فتعرف حالها ثم أخذ في تليينها حتى إذا نضجت أخذ في بطنها برفق وسهولة، حتى أخرج ما فيها ثم وضع على مكانها من الدواء والمرهم ما يمنع فساده ويقطع مادته ثم تابع عليها بالمراهم التي تنبه اللحم ثم يذر عليها بعد نبات اللحم ما ينشف رطوبتها ثم يشد عليها الرباط ولم يزل يتابع ذلك حتى صلحت، والمداهن قال لصاحبها: لا بأس عليك منها وهذه لا شيء فاسترها عن العيون بخرقة ثم آله عنها فلا تزال مدتها تقوى وتستحكم حتى عظم فسادها، وهذا المثل أيضا مطابق كل المطابقة لحال النفس الأمّارة مع المطمئنة فتأمله، فإذا كانت هذه حال قرحة بقدر الحمصة فكيف بسقم هاج من نفس أمّارة بالسوء، هي معدن الشهوات ومأوى كل فسق وقد قارنها شيطان في غاية المكر والخداع يعدها ويمنيها ويسحرها بجميع أنواع السحر حتى يخيل إليها النافع ضارا والضار نافعا والحسن قبيحا والقبيح جميلا، وهذا لعمروا اللّه من أعظم أنواع السحر، ولهذا يقول سبحانه: فَأنّى تُسْحَرُونَ}

والذي نسبوا إليه الرسل من كونهم مسحورين هو الذي أصابهم بعينه وهم أهله لا رسل اللّه صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين، كما أنهم نسبوهم إلى الأنبياء والرسل وأمراء الأمم بالاستعاذة من شر النفس الأمّارة وصاحبها وقرينها الشيطان إلا لأنهما أصل كل شر وقاعدته ومنعته وهما متساعدان عليه متعاونان.

؎رضيعي لبان ثدي أم تقاسما ∗∗∗ بألحم داج عوض لا نتفرق

قال اللّه تعالى: ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾

وقال: وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}

وقال وقُلْ رَبِّ أعُوذُ بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ وأعُوذُ بِكَ رَبِّ أنْ يَحْضُرُونِ}

وقال تعالى: ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ. مِن شَرِّ ما خَلَقَ. ومِن شَرِّ غاسِقٍ إذا وقَبَ. ومِن شَرِّ النَّفّاثاتِ في العُقَدِ. ومِن شَرِّ حاسِدٍ إذا حَسَدَ﴾

فهذا استعاذة من شر النفس وقال: قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ. مَلِكِ النّاسِ. إلهِ النّاسِ. مِن شَرِّ الوَسْواسِ الخَنّاسِ. الَّذِي يُوَسْوِسُ في صُدُورِ النّاسِ. مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ}

فهذا استعاذة من قرينها وصاحبها وبئس القرين والصاحب، فأمر اللّه سبحانه نبيه وأتباعه بالاستعاذة بربوبيته التامة الكاملة من هذين الخلقين العظيم شأنهما في الشر والفساد؛ والقلب بين هذه العدوين لا يزال شرهما يطرقه وينتابه وأول ما يدب فيه السقم من النفس الأمّارة من الشهوة وما يتبعها من الحرب والحرص والطلب والغضب ويتبعه من الكبر والحسد والظلم والتسلط فيعلم الطبيب الغاش الخائن بمرضه فيعوده ويصف له أنواع السموم والمؤذيات. يخيل إليه بسحره أن شفاءه فيها. يتفق ضعف القلب بالمرض وقوة النفس الأمّارة والشيطان وتتابع إعدادها وأنه فقد حاضر ولذة عاجلة والداعي إليه يدعو من كل ناحية والهوى ينفذ والشهوة تهون والنفس بالأكثر والتشبه بهم والرضا بأن يصيبه ما أصابهم فكيف يستجيب مع هذه القواطع وأضعافها لداعي الإيمان ومنادي الجنة إلا من أمده اللّه بإمداد التوفيق وأيده برحمته وتولى حفظه وحمايته، فتح بصيرة قلبه فرأى سرعة انقطاع الدنيا وزوالها وتقلبها بأهلها وفعلها بهم وإنهاء الحياة الدائمة كغمس إصبع في البحر بالنسبة إليه.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском