Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic
At-Tawbah 9:111–116, continued
وَقالَ: «رِباطُ يَوْمٍ في سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِن ألْفِ يَوْمٍ فِيما سِواهُ مِنَ المَنازِلِ».
وَذَكَرَ ابْنُ ماجَهْ عَنْهُ: «مَن رابَطَ لَيْلَةً في سَبِيلِ اللَّهِ، كانَتْ لَهُ كَألْفِ لَيْلَةٍ صِيامِها وقِيامِها».
وَقالَ: «مُقامُ أحَدِكم في سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِن عِبادَةِ أحَدِكم في أهْلِهِ سِتِّينَ سَنَةً، أما تُحِبُّونَ أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكم وتَدْخُلُونَ الجَنَّةَ؟ جاهِدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ، مَن قاتَلَ في سَبِيلِ اللَّهِ فُواقَ ناقَةٍ، وجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ».
وَذَكَرَ أحمد عَنْهُ: «مَن رابَطَ في شَيْءٍ مِن سَواحِلِ المُسْلِمِينَ ثَلاثَةَ أيّامٍ، أجْزَأتْ عَنْهُ رِباطَ سَنَةٍ».
وَذُكِرَ عَنْهُ أيْضًا: «حَرَسُ لَيْلَةٍ في سَبِيلِ اللَّهِ أفْضَلُ مِن ألْفِ لَيْلَةٍ يُقامُ لَيْلُها، ويُصامُ نَهارُها».
وَقالَ: «حُرِّمَتِ النّارُ عَلى عَيْنٍ دَمَعَتْ أوْ بَكَتْ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ، وحُرِّمَتِ النّارُ عَلى عَيْنٍ سَهِرَتْ في سَبِيلِ اللَّهِ».
وَذَكَرَ أحمد عَنْهُ: «مَن حَرَسَ مِن وراءِ المُسْلِمِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ مُتَطَوِّعًا لا يَأْخُذُهُ سُلْطانٌ، لَمْ يَرَ النّارَ بِعَيْنَيْهِ إلّا تَحِلَّةَ القَسَمِ، فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١]».
وَقالَ لِرَجُلٍ حَرَسَ المُسْلِمِينَ لَيْلَةً في سَفَرِهِمْ مِن أوَّلِها إلى الصَّباحِ عَلى ظَهْرِ فَرَسِهِ لَمْ يَنْزِلْ إلّا لِصَلاةٍ أوْ قَضاءِ حاجَةٍ: «قَدْ أوْجَبْتَ فَلا عَلَيْكَ ألّا تَعْمَلَ بَعْدَها».
وَقالَ: «مَن بَلَغَ بِسَهْمٍ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَلَهُ دَرَجَةٌ في الجَنَّةِ».
وَقالَ: «مَن رَمى بِسَهْمٍ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَهو عِدْلُ مُحَرَّرٍ، ومَن شابَ شَيْبَةً فِي
سَبِيلِ اللَّهِ، كانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ القِيامَةِ» وعِنْدَ النَّسائِيِّ تَفْسِيرُ الدَّرَجَةِ بِمِائَةِ عامٍ.
وَقالَ: «إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ بِالسَّهْمِ الواحِدِ الجَنَّةَ: صانِعَهُ يَحْتَسِبُ في صَنْعَتِهِ الخَيْرَ، والمُمِدَّ بِهِ، والرّامِيَ بِهِ، وارْمُوا وارْكَبُوا، وأنْ تَرْمُوا أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ تَرْكَبُوا، وكُلُّ شَيْءٍ يَلْهُو بِهِ الرَّجُلُ فَباطِلٌ إلّا رَمْيَهُ بِقَوْسِهِ، أوْ تَأْدِيبَهُ فَرَسَهُ، ومُلاعَبَتَهُ امْرَأتَهُ، ومَن عَلَّمَهُ اللَّهُ الرَّمْيَ فَتَرَكَهُ رَغْبَةً عَنْهُ، فَنِعْمَةٌ كَفَرَها» رَواهُ أحمد وأهْلُ السُّنَنِ وعِنْدَ ابْنِ ماجَهْ «مَن تَعَلَّمَ الرَّمْيَ ثُمَّ تَرَكَهُ، فَقَدْ عَصانِي».
وَذَكَرَ أحمد عَنْهُ أنَّ رَجُلًا قالَ لَهُ: أوْصِنِي فَقالَ: «أُوصِيكَ بِتَقْوى اللَّهِ، فَإنَّهُ رَأْسُ كُلِّ شَيْءٍ، وعَلَيْكَ بِالجِهادِ، فَإنَّهُ رَهْبانِيَّةُ الإسْلامِ، وعَلَيْكَ بِذِكْرِ اللَّهِ وتِلاوَةِ القُرْآنِ، فَإنَّهُ رُوحُكَ في السَّماءِ، وذِكْرٌ لَكَ في الأرْضِ».
وَقالَ: «ذِرْوَةُ سَنامِ الإسْلامِ الجِهادُ».
وَقالَ: «ثَلاثَةٌ حَقٌّ عَلى اللَّهِ عَوْنُهُمْ: المُجاهِدُ في سَبِيلِ اللَّهِ، والمُكاتَبُ الَّذِي يُرِيدُ الأداءَ، والنّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ العَفافَ».
وَقالَ: «مَن ماتَ، ولَمْ يَغْزُ، ولَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ، ماتَ عَلى شُعْبَةٍ مِن نِفاقٍ».
وَذَكَرَ أبو داود عَنْهُ: «مَن لَمْ يَغْزُ، أوْ يُجَهِّزْ غازِيًا، أوْ يَخْلُفْ غازِيًا في أهْلِهِ بِخَيْرٍ، أصابَهُ اللَّهُ بِقارِعَةٍ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ».
وَقالَ: «إذا ضَنَّ النّاسُ بِالدِّينارِ والدِّرْهَمِ، وتَبايَعُوا بِالعِينَةِ، واتَّبَعُوا أذْنابَ البَقَرِ، وتَرَكُوا الجِهادَ في سَبِيلِ اللَّهِ، أنْزَلَ اللَّهُ بِهِمْ بَلاءً، فَلَمْ يَرْفَعْهُ عَنْهم حَتّى يُراجِعُوا دِينَهُمْ»
وَذَكَرَ ابْنُ ماجَهْ عَنْهُ: «مَن لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، ولَيْسَ لَهُ أثَرٌ في سَبِيلِ اللَّهِ، لَقِيَ اللَّهَ وفِيهِ ثُلْمَةٌ».
وَقالَ تَعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وفَسَّرَ أبُو أيُّوبَ الأنْصارِيُّ الإلْقاءَ بِاليَدِ إلى التَّهْلُكَةِ بِتَرْكِ الجِهادِ، وصَحَّ عَنْهُ ﷺ: «إنَّ أبْوابَ الجَنَّةِ تَحْتَ ظِلالِ السُّيُوفِ».
وَصَحَّ عَنْهُ: «مَن قاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا، فَهو في سَبِيلِ اللَّهِ».
وَصَحَّ عَنْهُ: «إنَّ النّارَ أوَّلُ ما تُسَعَّرُ بِالعالِمِ والمُنْفِقِ والمَقْتُولِ في الجِهادِ إذا فَعَلُوا ذَلِكَ لِيُقالَ».
وَصَحَّ عَنْهُ: «أنَّ مَن جاهَدَ يَبْتَغِي عَرَضَ الدُّنْيا، فَلا أجْرَ لَهُ».
وَصَحَّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: «إنْ قاتَلْتَ صابِرًا مُحْتَسِبًا، بَعَثَكَ اللَّهُ صابِرًا مُحْتَسِبًا، وإنْ قاتَلْتَ مُرائِيًا مُكاثِرًا، بَعَثَكَ اللَّهُ مُرائِيًا مُكاثِرًا، يا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو عَلى أيِّ وجْهٍ قاتَلْتَ أوْ قُتِلْتَ، بَعَثَكَ اللَّهُ عَلى تِلْكَ الحالِ».
(تَنْبِيه)
يا أيها الأعز لا حذر فراسة المتقي فَإنَّهُ يرى عَورَة عَمَلك من وراء ستر.
اتَّقوا فراسة المُؤمن سُبْحانَ الله في النَّفس كِبر إبْلِيس وحسد قابيل وعتو عاد وطغيان ثَمُود وجرأة نمْرُود واستطالة فِرْعَوْن وبغي قارون وقحّة هامان وهوى بلعام وحيل أصْحاب السبت وتمرد الوليد وجَهل أبي جهل.
وفيها من أخْلاق البَهائِم حرص الغُراب، وشره الكَلْب، ورعونة الطاووس، ودناءة الجعل، وعقوق الضَّب، وحقد الجمل، ووثوب الفهد، وصولة الأسد، وفسق الفَأْرَة، وخبث الحَيَّة، وعبث القرد، وجمع النملة، ومكر الثَّعْلَب، وخفة الفراش، ونوم الضبع، غير أن الرياضة والمجاهدة تذْهب ذَلِك، فَمن استرسل مَعَ طبعه فَهو من هَذا الجند ولا تصلح سلْعَته لعقد ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهُمْ﴾
فَما اشْترى إلّا سلْعَة هذبها الإيمان، فَخرجت من طبعها إلى بلد سكانه ﴿التائبون العابدون﴾
سلِّم المَبِيع قبل أن يتْلف في يدك فَلا يقبله المُشْتَرِي.
قد علم المُشْتَرِي بِعَيْب السّلْعَة قبل أن يَشْتَرِيها فسلِّمْها ولَك الأمان من الرَّد.
قدر السّلْعَة يعرف بِقدر مشتريها، والثمن المبذول فِيهِ، والمنادي عَلَيْها، فَإذا كانَ المُشْتَرى عَظِيما والثمن خطيرا والمنادي جَلِيلًا كانَت السّلْعَة نفيسة
يا بائِعا نَفسه بيع الهوان لَو استرجعت ذا البيع قبل الفَوْت لم تخب
؎وبائعا طيب عَيْش ما لَهُ خطر ∗∗∗ بطيف عَيْش من الآلام منتهب
؎غبنت والله غبنا فاحِشا ولدى ∗∗∗ يَوْم التغابن تلقى غايَة الحَرْب
؎وواردا صفو عَيْش كُله كدر ∗∗∗ أمامك الورْد حَقًا لَيْسَ بِالكَذِبِ
؎وحاطب اللَّيْل في الظلماء منتصبا ∗∗∗ لكل داهية تدني من العطب
؎ترجوا الشِّفاء بأحداق بها مرض ∗∗∗ فَهَل سَمِعت ببرء جاءَ من عطب
؎ومفنيا نَفسه في أثر أقبحهم ∗∗∗ وصفا للطخ جمال فِيهِ مستلب
؎وواهبا نَفسه من مثل ذا سفها ∗∗∗ لَو كنت تعرف قدر النَّفس لم تهب
؎شاب الصِّبا والتصابي لم يشب ∗∗∗ وضاع وقتك بَين اللَّهْو واللعب
؎وشمس عمرك قد حان الغُرُوب لَها ∗∗∗ والفيء في الأُفق الشَّرْقِي لم يغب
؎وفاز بالوصل من قد جدوا انقشعت ∗∗∗ عَن أفقه ظلمات اللَّيْل والسحب
؎كم ذا التَّخَلُّف والدُّنْيا قد ارتحلت ∗∗∗ ورسل رَبك قد وافتك في الطّلب
؎ما في الديار وقد سارَتْ ركائب من ∗∗∗ تهواه للصب من شكر ولا أرب
؎فافرش الخد ذياك التُّراب وقل ∗∗∗ ما قالَه صاحب الأشواق والحقب
؎ما ربع مية محفوفا يطِيف بِهِ ∗∗∗ غيلان أشهى لَهُ من ربعك الخرب
؎منازلا كانَ يهواها ويألفها ∗∗∗ أيّام كانَ منال الوَصْل عَن كثب
؎وَلا الخدود ولَو أدمين من ضرج ∗∗∗ أشهى إلى ناظري من ربعك الخرب
؎وَكلما جليت تِلْكَ الربوع لَهُ ∗∗∗ يهوى إلَيْها هوى الماء في الصبب
؎أحيي لَهُ الشوق تذكار العهود بها ∗∗∗ فَلَو دعِي القلب للسلوان لم يجب
؎هَذا وكم منزل في الأرْض يألفه ∗∗∗ وماله في سواها الدَّهْر من رغب
؎ما في الخيام أخُو وجدير يحك إن ∗∗∗ بثثته بعض شَأْن الحبّ فاغترب
؎وَأسر في غَمَرات اللَّيْل متهديا ∗∗∗ بنفحة الطّيب لا بِالعودِ والحطب
؎وَعاد كل أخي جبن ومعجزة ∗∗∗ وحارب النَّفس لا تلقيك في الحَرْب
؎وَخذ لنَفسك نورا تستضيء بِهِ ∗∗∗ يَوْم اقتسام الورى الأنْوار بالرتب
؎إن كانَ يُوجب صبري رَحْمَتي فرضا ∗∗∗ بِسوء حالي وحل للضنا بدني
؎منحتك الرّوح لا أبغي لَها ثمنا ∗∗∗ إلّا رضاك ووافقري إلا الثّمن
؎أحن بأطراف النَّهار صبابَة ∗∗∗ وبالليل يدعوني الهوى فَأُجِيب
؎وَإذا لم يكن من العِشْق بُد ∗∗∗ فَمن عجز عشق غير الجَمِيل
؎فَلَو أن ما أسعى لعيش معجل ∗∗∗ كفاني مِنهُ بعض ما أنا فِيهِ
؎ولكنما أسمى لملك مخلد ∗∗∗ فوا أسفا إن لم أكن بملاقيه
9:112Page 205
ٱلتَّٰٓئِبُونَ ٱلۡعَٰبِدُونَ ٱلۡحَٰمِدُونَ ٱلسَّٰٓئِحُونَ ٱلرَّٰكِعُونَ ٱلسَّٰجِدُونَ ٱلۡأٓمِرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡحَٰفِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١١٢
[Such believers are] the repentant, the worshippers, the praisers [of Allāh], the travelers [for His cause], those who bow and prostrate [in prayer], those who enjoin what is right and forbid what is wrong, and those who observe the limits [set by] Allāh. And give good tidings to the believers.
النّاسُ قِسْمانِ: تائِبٌ وظالِمٌ لَيْسَ إلّا، فالتّائِبُونَ هُمُ ﴿العابِدُونَ الحامِدُونَ السّائِحُونَ الرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ والنّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ والحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١١٢]
فَحِفْظُ حُدُودِ اللَّهِ جُزْءُ التَّوْبَةِ، والتَّوْبَةُ هي مَجْمُوعُ هَذِهِ الأُمُورِ، وإنَّما سُمِّيَ تائِبًا لِرُجُوعِهِ إلى أمْرِ اللَّهِ مِن نَهْيِهِ، وإلى طاعَتِهِ مِن مَعْصِيَتِهِ، كَما تَقَدَّمَ.
فَإذًا التَّوْبَةُ هي حَقِيقَةُ دِينِ الإسْلامِ، والدِّينُ كُلُّهُ داخِلٌ في مُسَمّى التَّوْبَةِ وبِهَذا اسْتَحَقَّ التّائِبُ أنْ يَكُونَ حَبِيبَ اللَّهِ، فَإنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ، وإنَّما يُحِبُّ اللَّهُ مَن فَعَلَ ما أمَرَ بِهِ، وتَرَكَ ما نَهى عَنْهُ.
[فصل: الكلام على (واو الثمانية)]
قولهم إن الواو تأتي للثمانية ليس عليه دليل مستقيم
وقد ذكروا ذلك في مواضع فلنتكلم عليها واحدا واحدا:
الموضع الأول: قوله تعالى: ﴿التّائِبُونَ العابِدُونَ الحامِدُونَ السّائِحُونَ الرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ والنّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ﴾
فقيل الواو في ﴿والناهون﴾ واو الثمانية لمجيئها بعد استيفاء الأوصاف السبعة.
وذكروا في الآية وجوها أُخر:
منها أن هذا من التفنن في الكلام أن يعطف بعضه ويترك عطف بعضه.
ومنها أن الصفات التي قبل هاتين الصفتين صفات لازمة متعلقة بالعامل، وهاتان الصفتان متعديتان متعلقتان بالغير فقطعتا عما قبلهما بالعطف.
ومنها أن المراد التنبيه على أن الموصوفين بالصفات المتقدمة هم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر.
وكل هذه الأجوبة غير سديدة.
وأحسن ما يقال فيها: أن الصفات إذا ذكرت في مقام التعداد فتارة يتوسط بينها حرف العطف لتغايرها في نفسها، وللإيذان بأن المراد ذكر كل صفة بمفردها.
وتارة لا يتوسطها العاطف لاتحاد موصوفها وتلازمها في نفسها، وللإيذان بأنها في تلازمها كالصفة الواحدة.
وتارة يتوسط العاطف بين بعضها ويحذف مع بعض بحسب هذين المقامين، فإذا كان المقام مقام تعداد الصفات من غير نظر إلى جمع أو انفراد حسن إسقاط حرف العطف.
وإن أريد الجمع بين الصفات، أو التنبيه على تغايرها حسن إدخال حرف العطف.
فمثال الأول: ﴿التّائِبُونَ العابِدُونَ الحامِدُونَ﴾ وقوله: ﴿مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ﴾
ومثال الثاني قوله تعالى: ﴿هُوَ الأوَّلُ والآخر والظّاهِرُ والباطِنُ﴾
وتأمل كيف اجتمع النوعان في قوله تعالى: ﴿حم تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ ذِي الطَّوْلِ﴾
فأتي بالواو في الوصفين الأولين، وحذفها في الوصفين الآخرين، لأن غفران الذنب وقبول التوب، قد يظن أنهما يجريان مجرى الوصف الواحد لتلازمهما، فمن غفر الذنب قبل التوب.
فكان في عطف أحدهما على الآخر ما يدل على أنهما صفتان وفعلان متغايران، ومفهومان مختلفان لكل منهما حكمة: أحدهما: يتعلق بالإساءة والإعراض وهو المغفرة.
والثاني: يتعلق بالإحسان والإقبال على الله تعالى والرجوع إليه وهو التوبة فتقبل هذه الحسنة وتغفر تلك السيئة، وحسن العطف هاهنا هذا التغاير الظاهر، وكلما كان التغاير أبين كان العطف أحسن، ولهذا جاء العطف في قوله: ﴿هُوَ الأوَّلُ والآخر والظّاهِرُ والباطِنُ﴾ وترك في قوله: ﴿المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ﴾
وقوله: ﴿الخالِقُ البارِئُ المُصَوِّرُ﴾
وأما: ﴿شَدِيدِ العِقابِ ذِي الطَّوْلِ﴾ فترك العطف بينهما لنكته بديعة وهي الدلالة على اجتماع هذين الأمرين في ذاته سبحانه، وأنه حال كونه شديد العقاب فهو ذو الطول وطوله لا ينافي شدة عقابه بل هما مجتمعان له بخلاف الأول والآخر فإن الأولية لا تجامع الآخرية، ولهذا فسرها النبي ﷺ بقوله
"أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء"
فأوليته أزليته وآخريته أبديته.
فإن قلت فما تصنع بقوله ﴿والظاهر والباطن﴾ فإن ظهوره تعالى ثابت مع بطونه فيجتمع في حقه الظهور والبطون، والنبي ﷺ [فسر] (الظاهر) بأنه الذي ليس فوقه شيء، (والباطن) بأنه الذي ليس دونه شيء، وهذا العلو والفوقية مجامع لهذا القرب والدنو والإحاطة؟
قلت هذا سؤال حسن والذي حسن دخوله الواو هاهنا أن هذه الصفات متقابلة متضادة، وقد عطف الثاني منها على الأول للمقابلة التي بينهما والصفتان الآخريان كالأوليين في المقابلة، ونسبة الباطن إلى الظاهر كنسبة الآخِر إلى الأول.
فكما حسن العطف بين الأوليين حسن بين الآخريين، فإذا عرف هذا فالآية التي نحن فيها يتضح بما ذكرناه معنى العطف وتركه فيها لأن كل صفة لم تعطف على ما قبلها فيها كان فيه تنبيه على أنها في اجتماعها كالوصف الواحد لموصوف واحد فلم يحتج إلى عطف، فلما ذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهما متلازمان مستمدان من مادة واحدة حسن العطف ليتبين أن كل وصف منهما قائم على حدته مطلوب تعيينه لا يكتفي فيه بحصول الوصف الآخر بل لا بد أن يظهر أمره بالمعروف بصريحة ونهيه عن المنكر بصريحة وأيضا فحسن العطف هاهنا ما تقدم من التضاد فلما كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ضدين أحدهما طلب الإيجاد والآخر طلب الإعدام كانا كالنوعين المتغايرين المتضادين فحسن لذلك العطف.
الموضع الثاني: قوله تعالى: ﴿عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبْدِلَهُ أزْواجًا خَيْرًا مِنكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ثَيِّباتٍ وأبْكارًا﴾
فقيل هذه واو الثمانية لمجيئها بعد الوصف السابع وليس كذلك ودخول الواو هاهنا متعين لأن الأوصاف التي قبلها المراد اجتماعها في النساء وأما وصفا البكارة والثيوبة فلا يمكن اجتماعهما فتعين العطف لأن المقصود أنه يزوجه بالنوعين الثيبات والأبكار.
الموضع الثالث: قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهم كَلْبُهم ويَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهم كَلْبُهم رَجْمًا بِالغَيْبِ ويَقُولُونَ سَبْعَةٌ وثامِنُهم كَلْبُهُمْ﴾
قيل المراد إدخال الواو هاهنا لأجل الثمانية وهذا يحتمل أمرين: أحدهما: هذا والثاني: أن يكون دخول الواو هاهنا إيذانا بتمام كلامهم عند قولهم سبعة ثم ابتدأ قوله وثامنهم كلبهم وذلك يتضمن تقرير قولهم سبعة كما إذا قال لك زيد فقيه فقلت ونحوي وهذا اختيار السهيلي وقد تقدم الكلام عليه وأن هذا إنما يتم إذا كان قوله وثامنهم كلبهم ليس داخلا في المحكي بالقول والظاهر خلافه والله أعلم.
الموضع الرابع: قوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم إلى الجَنَّةِ زُمَرًا حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ أبْوابُها﴾
فأتى بالواو لما كانت أبواب الجنة ثمانية وقال في النار ﴿حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ أبْوابُها﴾ لما كانت سبعة وهذا في غاية البعد ولا دلالة في اللفظ على الثمانية حتى تدخل الواو لأجلها بل هذا من باب حذف الجواب لنكتة بديعة وهي أن تفتيح أبواب النار كان حال موافاة أهلها ففتحت في وجوههم لأنه أبلغ في مفاجأة المكروه وأما الجنة فلما كانت ذات الكرامة وهي مأدبة الله وكان الكريم إذا دعا أضيافه إلى داره شرع لهم أبوابها ثم استدعاهم إليها مفتحة الأبواب أتى بالواو العاطفة هاهنا الدالة على أنها جاءوها بعدما فتحت أبوابها وحذف الجواب تفخيما لشأنه وتعظيما لقدرة كعادتهم في حذف الأجوبة.
وقد أشبعنا الكلام على هذا فيما تقدم والله أعلم.
9:113Page 205
مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن يَسۡتَغۡفِرُواْ لِلۡمُشۡرِكِينَ وَلَوۡ كَانُوٓاْ أُوْلِي قُرۡبَىٰ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمۡ أَنَّهُمۡ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ ١١٣
It is not for the Prophet and those who have believed to ask forgiveness for the polytheists, even if they were relatives, after it has become clear to them that they are companions of Hellfire.
No commentary for this ayah
9:114Page 205
وَمَا كَانَ ٱسۡتِغۡفَارُ إِبۡرَٰهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوۡعِدَةٖ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥٓ أَنَّهُۥ عَدُوّٞ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنۡهُۚ إِنَّ إِبۡرَٰهِيمَ لَأَوَّٰهٌ حَلِيمٞ ١١٤
And the request of forgiveness of Abraham for his father was only because of a promise he had made to him. But when it became apparent to him [i.e., Abraham] that he [i.e., the father] was an enemy to Allāh, he disassociated himself from him. Indeed was Abraham compassionate and patient.
No commentary for this ayah
9:115Page 205
وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوۡمَۢا بَعۡدَ إِذۡ هَدَىٰهُمۡ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٌ ١١٥
And Allāh would not let a people stray after He has guided them until He makes clear to them what they should avoid. Indeed, Allāh is Knowing of all things.
[فَصْلٌ المَرْتَبَةُ السّادِسَةُ مَرْتَبَةُ البَيانِ العامِّ]
وَهُوَ تَبْيِينُ الحَقِّ وتَمْيِيزُهُ مِنَ الباطِلِ بِأدِلَّتِهِ وشَواهِدِهِ وأعْلامِهِ، بِحَيْثُ يَصِيرُ مَشْهُودًا لِلْقَلْبِ، كَشُهُودِ العَيْنِ لِلْمَرْئِيّاتِ.
وَهَذِهِ المَرْتَبَةُ هي حُجَّةُ اللَّهِ عَلى خَلْقِهِ، الَّتِي لا يُعَذِّبُ أحَدًا ولا يُضِلُّهُ إلّا بَعْدَ ُصُولِهِ إلَيْها، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَداهم حَتّى يُبَيِّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ﴾
فَهَذا الإضْلالُ عُقُوبَةٌ مِنهُ لَهُمْ، حِينَ بَيَّنَ لَهم فَلَمْ يَقْبَلُوا ما بَيَّنَهُ لَهُمْ، ولَمْ يَعْمَلُوا بِهِ، فَعاقَبَهم بِأنْ أضَلَّهم عَنِ الهُدى، وما أضَلَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ أحَدًا قَطُّ إلّا بَعْدَ هَذا البَيانِ.
وَإذا عَرَفْتَ هَذا عَرَفْتَ سِرَّ القَدَرِ، وزالَتْ عَنْكَ شُكُوكٌ كَثِيرَةٌ، وشُبَهاتٌ في هَذا البابِ، وعَلِمْتَ حِكْمَةَ اللَّهِ في إضْلالِهِ مَن يُضِلُّهُ مِن عِبادِهِ، والقُرْآنُ يُصَرِّحُ بِهَذا في غَيْرِ مَوْضِعٍ، كَقَوْلِهِ ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]، ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥] فالأوَّلُ: كُفْرُ عِنادٍ، والثّانِي: كُفْرُ طَبْعٍ، وقَوْلِهِ ﴿وَنُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ ونَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠] فَعاقَبَهم عَلى تَرْكِ الإيمانِ بِهِ حِينَ تَيَقَّنُوهُ وتَحَقَّقُوهُ، بِأنْ قَلَّبَ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم فَلَمْ يَهْتَدُوا لَهُ.
فَتَأمَّلْ هَذا المَوْضِعَ حَقَّ التَّأمُّلِ، فَإنَّهُ مَوْضِعٌ عَظِيمٌ.
وَقالَ تَعالى ﴿وَأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهم فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ [فصلت: ١٧] فَهَذا هُدًى بَعْدَ البَيانِ والدِّلالَةِ، وهو شَرْطٌ لا مُوجِبٌ، فَإنَّهُ إنْ لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ هُدًى آخَرُ بَعْدَهُ لَمْ يَحْصُلْ بِهِ كَمالُ الِاهْتِداءِ، وهو هُدى التَّوْفِيقِ والإلْهامِ.
وَهَذا البَيانُ نَوْعانِ: بَيانٌ بِالآياتِ المَسْمُوعَةِ المَتْلُوَّةِ، وبَيانٌ بِالآياتِ المَشْهُودَةِ المَرْئِيَّةِ، وكِلاهُما أدِلَّةٌ وآياتٌ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وأسْمائِهِ وصِفاتِهِ وكَمالِهِ، وصِدْقِ ما أخْبَرَتْ بِهِ رُسُلُهُ عَنْهُ، ولِهَذا يَدْعُو عِبادَهُ بِآياتِهِ المَتْلُوَّةِ إلى التَّفَكُّرِ في آياتِهِ المَشْهُودَةِ ويَحُضُّهم عَلى التَّفْكِيرِ في هَذِهِ وهَذِهِ، وهَذا البَيانُ هو الَّذِي بُعِثَتْ بِهِ الرُّسُلُ، وجُعِلَ إلَيْهِمْ وإلى العُلَماءِ بَعْدَهُمْ، وبَعْدَ ذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وَما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهم فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [إبراهيم: ٤] فالرُّسُلُ تُبَيِّنُ، واللَّهُ هو الَّذِي يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ بِعِزَّتِهِ وحِكْمَتِهِ.
9:116Page 205
إِنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۚ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٖ ١١٦
Indeed, to Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth; He gives life and causes death. And you have not besides Allāh any protector or any helper.
No commentary for this ayah
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences