Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic
At-Tawbah 9:117–118, continued
وَمِنها: جَوازُ الرَّدِّ عَلى الطّاعِنِ إذا غَلَبَ عَلى ظَنِّ الرّادِّ أنَّهُ وهْمٌ وغَلَطٌ، كَما قالَ معاذ لِلَّذِي طَعَنَ في كعب: بِئْسَ ما قُلْتَ، واللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ إلّا خَيْرًا، ولَمْ يُنْكِرْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى واحِدٍ مِنهُما
وَمِنها: أنَّ السُّنَّةَ لِلْقادِمِ مِنَ السَّفَرِ أنْ يَدْخُلَ البَلَدَ عَلى وُضُوءٍ وأنْ يَبْدَأ بِبَيْتِ اللَّهِ قَبْلَ بَيْتِهِ، فَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَجْلِسُ لِلْمُسَلِّمِينَ عَلَيْهِ ثُمَّ يَنْصَرِفُ إلى أهْلِهِ
وَمِنها: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقْبَلُ عَلانِيَةَ مَن أظْهَرَ الإسْلامَ مِنَ المُنافِقِينَ، ويَكِلُ سَرِيرَتَهُ إلى اللَّهِ، ويُجْرِي عَلَيْهِ حُكْمَ الظّاهِرِ، ولا يُعاقِبُهُ بِما لَمْ يَعْلَمْ مِن سِرِّهِ
وَمِنها: تَرْكُ الإمامِ والحاكِمِ رَدَّ السَّلامِ عَلى مَن أحْدَثَ حَدَثًا؛ تَأْدِيبًا لَهُ وزَجْرًا لِغَيْرِهِ، فَإنَّهُ ﷺ لَمْ يُنْقَلْ أنَّهُ رَدَّ عَلى كعب، بَلْ قابَلَ سَلامَهُ بِتَبَسُّمِ المُغْضَبِ
وَمِنها: أنَّ التَّبَسُّمَ قَدْ يَكُونُ عَنِ الغَضَبِ كَما يَكُونُ عَنِ التَّعَجُّبِ والسُّرُورِ، فَإنَّ كُلًّا مِنهُما يُوجِبُ انْبِساطَ دَمِ القَلْبِ وثَوَرانَهُ، ولِهَذا تَظْهَرُ حُمْرَةُ الوَجْهِ لِسُرْعَةِ ثَوَرانِ الدَّمِ فِيهِ، فَيَنْشَأُ عَنْ ذَلِكَ السُّرُورُ، والغَضَبُ تَعَجُّبٌ يَتْبَعُهُ ضَحِكٌ وتَبَسُّمٌ، فَلا يَغْتَرُّ المُغْتَرُّ بِضَحِكِ القادِرِ عَلَيْهِ في وجْهِهِ، ولا سِيَّما عِنْدَ المَعْتَبَةِ كَما قِيلَ
؎إذا رَأيْتَ نُيُوبَ اللَّيْثِ بارِزَةً ∗∗∗ فَلا تَظُنَّنَّ أنَّ اللَّيْثَ مُبْتَسِمُ
وَمِنها: مُعاتَبَةُ الإمامِ والمُطاعِ أصْحابَهُ ومَن يَعِزُّ عَلَيْهِ ويَكْرُمُ عَلَيْهِ، فَإنَّهُ عاتَبَ الثَّلاثَةَ دُونَ سائِرِ مَن تَخَلَّفَ عَنْهُ، وقَدْ أكْثَرَ النّاسُ مِن مَدْحِ عِتابِ الأحِبَّةِ واسْتِلْذاذِهِ والسُّرُورِ بِهِ، فَكَيْفَ بِعِتابِ أحَبِّ الخَلْقِ عَلى الإطْلاقِ إلى المَعْتُوبِ عَلَيْهِ، ولِلَّهِ ما كانَ أحْلى ذَلِكَ العِتابَ وما أعْظَمَ ثَمَرَتَهُ وأجَلَّ فائِدَتَهُ، ولِلَّهِ ما نالَ بِهِ الثَّلاثَةُ مِن أنْواعِ المَسَرّاتِ وحَلاوَةِ الرِّضا وخِلَعِ القَبُولِ
وَمِنها: تَوْفِيقُ اللَّهِ لكعب وصاحِبَيْهِ فِيما جاءُوا بِهِ مِنَ الصِّدْقِ، ولَمْ يَخْذُلْهم حَتّى كَذَبُوا واعْتَذَرُوا بِغَيْرِ الحَقِّ، فَصَلُحَتْ عاجِلَتُهم وفَسَدَتْ عاقِبَتُهم كُلَّ الفَسادِ، والصّادِقُونَ تَعِبُوا في العاجِلَةِ بَعْضَ التَّعَبِ فَأعْقَبَهم صَلاحَ العاقِبَةِ والفَلاحَ كُلَّ الفَلاحِ، وعَلى هَذا قامَتِ الدُّنْيا والآخِرَةُ، فَمَراراتُ المُبادِي حَلاواتٌ في العَواقِبِ، وحَلاواتُ المُبادِي مَراراتٌ في العَواقِبِ. «وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لكعب: (أمّا هَذا فَقَدْ صَدَقَ)»، دَلِيلٌ ظاهِرٌ في التَّمَسُّكِ بِمَفْهُومِ اللَّقَبِ عِنْدَ قِيامِ قَرِينَةٍ تَقْتَضِي تَخْصِيصَ المَذْكُورِ بِالحُكْمِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَداوُدَ وسُلَيْمانَ إذْ يَحْكُمانِ في الحَرْثِ إذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ القَوْمِ وكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ - فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ﴾ [الأنبياء: ٧٨-٧٩]، وقَوْلُهُ ﷺ: «جُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ مَسْجِدًا وتُرْبَتُها طَهُورًا»، وقَوْلُهُ في هَذا الحَدِيثِ: (أمّا هَذا فَقَدْ صَدَقَ)، وهَذا مِمّا لا يَشُكُّ السّامِعُ أنَّ المُتَكَلِّمَ قَصَدَ تَخْصِيصَهُ بِالحُكْمِ.
وَقَوْلُ كعب: هَلْ لَقِيَ هَذا مَعِي أحَدٌ؟ فَقالُوا: نَعَمْ، مرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، فِيهِ أنَّ الرَّجُلَ يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَرُدَّ حَرَّ المُصِيبَةِ بِرُوحِ التَّأسِّي بِمَن لَقِيَ مِثْلَ ما لَقِيَ، وقَدْ أرْشَدَ سُبْحانَهُ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا في ابْتِغاءِ القَوْمِ إنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإنَّهم يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ﴾ [النساء: ١٠٤]، وهَذا هو الرَّوْحُ الَّذِي مَنَعَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أهْلَ النّارِ فِيها بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ إذْ ظَلَمْتُمْ أنَّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف: ٣٩]. وقَوْلُهُ: " فَذَكَرُوا لِي رَجُلَيْنِ صالِحَيْنِ قَدْ شَهِدا بَدْرًا لِي فِيهِما أُسْوَةٌ ".
هَذا المَوْضِعُ مِمّا عُدَّ مِن أوْهامِ الزُّهْرِيِّ، فَإنَّهُ لا يُحْفَظُ عَنْ أحَدٍ مِن أهْلِ المَغازِي والسِّيَرِ ألْبَتَّةَ ذِكْرُ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ في أهْلِ بَدْرٍ، لا ابْنُ إسْحاقَ، ولا مُوسى بْنُ عُقْبَةَ ولا الأموي، ولا الواقِدِيُّ، ولا أحَدٌ مِمَّنْ عَدَّ أهْلَ بَدْرٍ، وكَذَلِكَ يَنْبَغِي ألّا يَكُونا مِن أهْلِ بَدْرٍ، فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَهْجُرْ حاطبا، ولا عاقَبَهُ وقَدْ جَسَّ عَلَيْهِ، وقالَ لعمر لَمّا هَمَّ بِقَتْلِهِ: «وَما يُدْرِيكَ أنَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ، فَقالَ: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ»، وأيْنَ ذَنْبُ التَّخَلُّفِ مِن ذَنْبِ الجَسِّ.
قالَ أبُو الفَرَجِ ابْنُ الجَوْزِيِّ: ولَمْ أزَلْ حَرِيصًا عَلى كَشْفِ ذَلِكَ وتَحْقِيقِهِ حَتّى رَأيْتُ أبا بَكْرٍ الأثْرَمَ قَدْ ذَكَرَ الزُّهْرِيَّ، وذَكَرَ فَضْلَهُ وحِفْظَهُ وإتْقانَهُ، وأنَّهُ لا يَكادُ يُحْفَظُ عَلَيْهِ غَلَطٌ إلّا في هَذا المَوْضِعِ، فَإنَّهُ قالَ: إنَّ مرارة بن الربيع، وهلال بن أمية شَهِدا بَدْرًا، وهَذا لَمْ يَقُلْهُ أحَدٌ غَيْرُهُ، والغَلَطُ لا يُعْصَمُ مِنهُ إنْسانٌ.
[فصل في نَهْيُهُ ﷺ عَنْ كَلامِ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ لِتَأْدِيبِهِمْ دَلِيلٌ عَلى صِدْقِهِمْ]
فَصْلٌ
وَفِي نَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ كَلامِ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ مِن بَيْنِ سائِرِ مَن تَخَلَّفَ عَنْهُ دَلِيلٌ عَلى صِدْقِهِمْ وكَذِبِ الباقِينَ، فَأرادَ هَجْرَ الصّادِقِينَ وتَأْدِيبَهم عَلى هَذا الذَّنْبِ، وأمّا المُنافِقُونَ فَجُرْمُهم أعْظَمُ مِن أنْ يُقابَلَ بِالهَجْرِ، فَدَواءُ هَذا المَرَضِ لا يَعْمَلُ في مَرَضِ النِّفاقِ، ولا فائِدَةَ فِيهِ، وهَكَذا يَفْعَلُ الرَّبُّ سُبْحانَهُ بِعِبادِهِ في عُقُوباتِ جَرائِمِهِمْ، فَيُؤَدِّبُ عَبْدَهُ المُؤْمِنَ الَّذِي يُحِبُّهُ وهو كَرِيمٌ عِنْدَهُ بِأدْنى زَلَّةٍ وهَفْوَةٍ، فَلا يَزالُ مُسْتَيْقِظًا حَذِرًا، وأمّا مَن سَقَطَ مِن عَيْنِهِ وهانَ عَلَيْهِ، فَإنَّهُ يُخَلِّي بَيْنَهُ وبَيْنَ مَعاصِيهِ، وكُلَّما أحْدَثَ ذَنْبًا أحْدَثَ لَهُ نِعْمَةً، والمَغْرُورُ يَظُنُّ أنَّ ذَلِكَ مِن كَرامَتِهِ عَلَيْهِ، ولا يَعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ عَيْنُ الإهانَةِ، وأنَّهُ يُرِيدُ بِهِ العَذابَ الشَّدِيدَ والعُقُوبَةَ الَّتِي لا عاقِبَةَ مَعَها، كَما في الحَدِيثِ المَشْهُورِ: «إذا أرادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا عَجَّلَ لَهُ عُقُوبَتَهُ في الدُّنْيا، وإذا أرادَ بِعَبْدٍ شَرًّا أمْسَكَ عَنْهُ عُقُوبَتَهُ في الدُّنْيا، فَيَرِدُ يَوْمَ القِيامَةِ بِذُنُوبِهِ».
وَفِيهِ دَلِيلٌ أيْضًا عَلى هِجْرانِ الإمامِ والعالِمِ والمُطاعِ لِمَن فَعَلَ ما يَسْتَوْجِبُ العَتْبَ، ويَكُونُ هِجْرانُهُ دَواءً لَهُ بِحَيْثُ لا يَضْعُفُ عَنْ حُصُولِ الشِّفاءِ بِهِ، ولا يَزِيدُ في الكَمِّيَّةِ والكَيْفِيَّةِ عَلَيْهِ فَيُهْلِكَهُ، إذِ المُرادُ تَأْدِيبُهُ لا إتْلافُهُ.
وَقَوْلُهُ: «حَتّى تَنَكَّرَتْ لِيَ الأرْضُ، فَما هي بِالَّتِي أعْرِفُ»، هَذا التَّنَكُّرُ يَجِدُهُ الخائِفُ والحَزِينُ والمَهْمُومُ في الأرْضِ، وفي الشَّجَرِ والنَّباتِ، حَتّى يَجِدَهُ فِيمَن لا يَعْلَمُ حالَهُ مِنَ النّاسِ، ويَجِدُهُ أيْضًا المُذْنِبُ العاصِي بِحَسَبِ جُرْمِهِ حَتّى في خُلُقِ زَوْجَتِهِ ووَلَدِهِ، وخادِمِهِ ودابَّتِهِ، ويَجِدُهُ في نَفْسِهِ أيْضًا، فَتَتَنَكَّرُ لَهُ نَفْسُهُ حَتّى ما كَأنَّهُ هُوَ، ولا كَأنَّ أهْلَهُ وأصْحابَهُ، ومَن يُشْفِقُ عَلَيْهِ بِالَّذِينَ يَعْرِفُهُمْ، وهَذا سِرٌّ مِنَ اللَّهِ لا يَخْفى إلّا عَلى مَن هو مَيِّتُ القَلْبِ، وعَلى حَسَبِ حَياةِ القَلْبِ، يَكُونُ إدْراكُ هَذا التَّنَكُّرِ والوَحْشَةِ.
وَما لِجُرْحٍ بِمَيِّتٍ إيلامُ
وَمِنَ المَعْلُومِ أنَّ هَذا التَّنَكُّرَ والوَحْشَةَ كانا لِأهْلِ النِّفاقِ أعْظَمَ، ولَكِنْ لِمَوْتِ قُلُوبِهِمْ لَمْ يَكُونُوا يَشْعُرُونَ بِهِ، وهَكَذا القَلْبُ إذا اسْتَحْكَمَ مَرَضُهُ، واشْتَدَّ ألَمُهُ بِالذُّنُوبِ والإجْرامِ، لَمْ يَجِدْ هَذِهِ الوَحْشَةَ والتَّنَكُّرَ، ولَمْ يُحِسَّ بِها، وهَذِهِ عَلامَةُ الشَّقاوَةِ، وأنَّهُ قَدْ أيِسَ مِن عافِيَةِ هَذا المَرَضِ، وأعْيا الأطِبّاءَ شِفاؤُهُ، والخَوْفُ والهَمُّ مَعَ الرِّيبَةِ، والأمْنُ والسُّرُورُ مَعَ البَراءَةِ مِنَ الذَّنْبِ.
؎فَما في الأرْضِ أشْجَعُ مِن بَرِيءٍ ∗∗∗ ولا في الأرْضِ أخْوَفُ مِن مُرِيبِ
وَهَذا القَدْرُ قَدْ يَنْتَفِعُ بِهِ المُؤْمِنُ البَصِيرُ إذا ابْتُلِيَ بِهِ ثُمَّ راجَعَ، فَإنَّهُ يَنْتَفِعُ بِهِ نَفْعًا عَظِيمًا مِن وُجُوهٍ عَدِيدَةٍ تَفُوتُ الحَصْرَ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ مِنها إلّا اسْتِثْمارُهُ مِن ذَلِكَ أعْلامَ النُّبُوَّةِ، وذَوْقُهُ نَفْسَ ما أخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ فَيَصِيرُ تَصْدِيقُهُ ضَرُورِيًّا عِنْدَهُ، ويَصِيرُ ما نالَهُ مِنَ الشَّرِّ بِمَعاصِيهِ، ومِنَ الخَيْرِ بِطاعاتِهِ مِن أدِلَّةِ صِدْقِ النُّبُوَّةِ الذَّوْقِيَّةِ الَّتِي لا تَتَطَرَّقُ إلَيْها الِاحْتِمالاتُ، وهَذا كَمَن أخْبَرَكَ أنَّ في هَذِهِ الطَّرِيقِ مِنَ المَعاطِبِ والمَخاوِفِ كَيْتَ وكَيْتَ عَلى التَّفْصِيلِ، فَخالَفْتَهُ وسَلَكْتَها، فَرَأيْتَ عَيْنَ ما أخْبَرَكَ بِهِ، فَإنَّكَ تَشْهَدُ صِدْقَهُ في نَفْسِ خِلافِكَ لَهُ، وأمّا إذا سَلَكْتَ طَرِيقَ الأمْنِ وحْدَها، ولَمْ تَجِدْ مِن تِلْكَ المَخاوِفِ شَيْئًا، فَإنَّهُ وإنْ شَهِدَ صِدْقَ المُخْبِرِ بِما نالَهُ مِنَ الخَيْرِ والظَّفَرِ مُفَصَّلًا، فَإنَّ عِلْمَهُ بِتِلْكَ يَكُونُ مُجْمَلًا.
وَفِي مُكاتَبَةِ مَلِكِ غَسّانَ لَكَعْبِ بْنِ مالِكٍ بِالمَصِيرِ إلَيْهِ ابْتِلاءٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وامْتِحانٌ لِإيمانِهِ ومَحَبَّتِهِ لِلَّهِ ورَسُولِهِ، وإظْهارٌ لِلصَّحابَةِ أنَّهُ لَيْسَ مِمَّنْ ضَعُفَ إيمانُهُ بِهَجْرِ النَّبِيِّ ﷺ والمُسْلِمِينَ لَهُ، ولا هو مِمَّنْ تَحْمِلُهُ الرَّغْبَةُ في الجاهِ والمُلْكِ مَعَ هِجْرانِ الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ لَهُ عَلى مُفارَقَةِ دِينِهِ، فَهَذا فِيهِ مِن تَبْرِئَةِ اللَّهِ لَهُ مِنَ النِّفاقِ وإظْهارِ قُوَّةِ إيمانِهِ، وصِدْقِهِ لِرَسُولِهِ ولِلْمُسْلِمِينَ ما هو مِن تَمامِ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ، ولُطْفِهِ بِهِ وجَبْرِهِ لِكَسْرِهِ، وهَذا البَلاءُ يُظْهِرُ لُبَّ الرَّجُلِ وسِرَّهُ وما يَنْطَوِي عَلَيْهِ، فَهو كالكِيرِ الَّذِي يُخْرِجُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ.
فَأبَتْ لَهُ سابِقَةُ الحُسْنى أنْ يَرْغَبَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ودِينِهِ.
[فصل في سُجُودُ الشُّكْرِ مِن عادَةِ الصَّحابَةِ]
فَصْلٌ
وَفِي سُجُودِ كعب حِينَ سَمِعَ صَوْتَ المُبَشِّرِ دَلِيلٌ ظاهِرٌ أنَّ تِلْكَ كانَتْ عادَةَ الصَّحابَةِ، وهي سُجُودُ الشُّكْرِ عِنْدَ النِّعَمِ المُتَجَدِّدَةِ والنِّقَمِ المُنْدَفِعَةِ، وقَدْ سَجَدَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ لَمّا جاءَهُ قَتْلُ مسيلمة الكذاب، وسَجَدَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ لَمّا وجَدَ ذا الثُّدَيَّةِ مَقْتُولًا في الخَوارِجِ، وسَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ بَشَّرَهُ جِبْرِيلُ أنَّهُ مَن صَلّى عَلَيْهِ مَرَّةً صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِها عَشْرًا، وسَجَدَ حِينَ شَفَعَ لِأُمَّتِهِ فَشَفَّعَهُ اللَّهُ فِيهِمْ ثَلاثَ مَرّاتٍ، وأتاهُ بَشِيرٌ فَبَشَّرَهُ بِظَفَرِ جُنْدٍ لَهُ عَلى عَدُوِّهِمْ ورَأْسُهُ في حِجْرِ عائشة، فَقامَ فَخَرَّ ساجِدًا، وقالَ أبو بكرة: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ إذا أتاهُ أمْرٌ يَسُرُّهُ خَرَّ لِلَّهِ ساجِدًا»، وهي آثارٌ صَحِيحَةٌ لا مَطْعَنَ فِيها.
وَفِي اسْتِباقِ صاحِبِ الفَرَسِ والرّاقِي عَلى سِلَعٍ لِيُبَشِّرا كعبا دَلِيلٌ عَلى حِرْصِ القَوْمِ عَلى الخَيْرِ، واسْتِباقِهِمْ إلَيْهِ، وتَنافُسِهِمْ في مَسَرَّةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا.
وَفِي نَزْعِ كعب ثَوْبَيْهِ وإعْطائِهِما لِلْبَشِيرِ، دَلِيلٌ عَلى أنَّ إعْطاءَ المُبَشِّرِينَ مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ والشِّيَمِ وعادَةِ الأشْرافِ، وقَدْ أعْتَقَ العباس غُلامَهُ لَمّا بَشَّرَهُ أنَّ عِنْدَ الحجاج بن علاط مِنَ الخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ما يَسُرُّهُ.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ إعْطاءِ البَشِيرِ جَمِيعَ ثِيابِهِ.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلى اسْتِحْبابِ تَهْنِئَةِ مَن تَجَدَّدَتْ لَهُ نِعْمَةٌ دِينِيَّةٌ، والقِيامِ إلَيْهِ إذا أقْبَلَ، ومُصافَحَتِهِ، فَهَذِهِ سُنَّةٌ مُسْتَحَبَّةٌ، وهو جائِزٌ لِمَن تَجَدَّدَتْ لَهُ نِعْمَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ، وأنَّ الأوْلى أنْ يُقالَ لَهُ: لِيَهْنِكَ ما أعْطاكَ اللَّهُ، وما مَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلَيْكَ، ونَحْوُ هَذا الكَلامِ، فَإنَّ فِيهِ تَوْلِيَةَ النِّعْمَةِ رَبَّها، والدُّعاءَ لِمَن نالَها بِالتَّهَنِّي بِها.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ خَيْرَ أيّامِ العَبْدِ عَلى الإطْلاقِ وأفْضَلَها يَوْمُ تَوْبَتِهِ إلى اللَّهِ، وقَبُولِ اللَّهِ تَوْبَتَهُ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «أبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ ولَدَتْكَ أُمُّكَ». فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ يَكُونُ هَذا اليَوْمُ خَيْرًا مِن يَوْمِ إسْلامِهِ؟
قِيلَ: هو مُكَمِّلٌ لِيَوْمِ إسْلامِهِ، ومِن تَمامِهِ، فَيَوْمُ إسْلامِهِ بِدايَةُ سَعادَتِهِ، ويَوْمُ تَوْبَتِهِ كَمالُها وتَمامُها، واللَّهُ المُسْتَعانُ.
وَفِي سُرُورِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ وفَرَحِهِ بِهِ واسْتِنارَةِ وجْهِهِ دَلِيلٌ عَلى ما جَعَلَ اللَّهُ فِيهِ مِن كَمالِ الشَّفَقَةِ عَلى الأُمَّةِ والرَّحْمَةِ بِهِمْ والرَّأْفَةِ، حَتّى لَعَلَّ فَرَحَهُ كانَ أعْظَمَ مِن فَرَحِ كعب وصاحِبَيْهِ.
وَقَوْلُ كعب: «يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ مِن تَوْبَتِي أنْ أنْخَلِعَ مِن مالِي».
دَلِيلٌ عَلى اسْتِحْبابِ الصَّدَقَةِ عِنْدَ التَّوْبَةِ بِما قُدِرَ عَلَيْهِ مِنَ المالِ.
وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: " «أمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مالِكَ، فَهو خَيْرٌ لَكَ»، دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِكُلِّ مالِهِ، لَمْ يَلْزَمْهُ إخْراجُ جَمِيعِهِ، بَلْ يَجُوزُ لَهُ أنْ يُبْقِيَ لَهُ مِنهُ بَقِيَّةً، وقَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ في ذَلِكَ، فَفي " الصَّحِيحَيْنِ " أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لَهُ: " «أمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مالِكَ» "
وَلَمْ يُعَيِّنْ لَهُ قَدْرًا، بَلْ أطْلَقَ، ووَكَلَهُ إلى اجْتِهادِهِ في قَدْرِ الكِفايَةِ، وهَذا هو الصَّحِيحُ، فَإنَّ ما نَقَصَ عَنْ كِفايَتِهِ وكِفايَةِ أهْلِهِ لا يَجُوزُ لَهُ التَّصَدُّقُ بِهِ، فَنَذْرُهُ لا يَكُونُ طاعَةً، فَلا يَجِبُ الوَفاءُ بِهِ، وما زادَ عَلى قَدْرِ كِفايَتِهِ وحاجَتِهِ، فَإخْراجُهُ والصَّدَقَةُ بِهِ أفْضَلُ، فَيَجِبُ إخْراجُهُ إذا نَذَرَهُ، هَذا قِياسُ المَذْهَبِ، ومُقْتَضى قَواعِدِ الشَّرِيعَةِ، ولِهَذا تُقَدَّمُ كِفايَةُ الرَّجُلِ، وكِفايَةُ أهْلِهِ عَلى أداءِ الواجِباتِ المالِيَّةِ، سَواءٌ كانَتْ حَقًّا لِلَّهِ كالكَفّاراتِ والحَجِّ، أوْ حَقًّا لِلْآدَمِيِّينَ كَأداءِ الدُّيُونِ، فَإنّا نَتْرُكُ لِلْمُفْلِسِ ما لا بُدَّ مِنهُ مِن مَسْكَنٍ وخادِمٍ وكُسْوَةٍ وآلَةِ حِرْفَةٍ، أوْ ما يَتَّجِرُ بِهِ لِمُؤْنَتِهِ إنْ فُقِدَتِ الحِرْفَةُ، ويَكُونُ حَقُّ الغُرَماءِ فِيما بَقِيَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences