Ibn al-QayyimAt‑Tawbah · 9:24–28

Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic

At-Tawbah 9:24–28

9:24Page 190

قُلۡ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمۡ وَأَبۡنَآؤُكُمۡ وَإِخۡوَٰنُكُمۡ وَأَزۡوَٰجُكُمۡ وَعَشِيرَتُكُمۡ وَأَمۡوَٰلٌ ٱقۡتَرَفۡتُمُوهَا وَتِجَٰرَةٞ تَخۡشَوۡنَ كَسَادَهَا وَمَسَٰكِنُ تَرۡضَوۡنَهَآ أَحَبَّ إِلَيۡكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادٖ فِي سَبِيلِهِۦ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٢٤

Say, [O Muḥammad], "If your fathers, your sons, your brothers, your wives, your relatives, wealth which you have obtained, commerce wherein you fear decline, and dwellings with which you are pleased are more beloved to you than Allāh and His Messenger and jihād [i.e., striving] in His cause, then wait until Allāh executes His command. And Allāh does not guide the defiantly disobedient people."

فَكُلُّ مَن قَدَّمَ طاعَةَ أحَدٍ مِن هَؤُلاءِ عَلى طاعَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، أوْ قَوْلَ أحَدٍ مِنهم عَلى قَوْلِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، أوْ مَرْضاةَ أحَدٍ مِنهم عَلى مَرْضاةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، أوْ خَوْفَ أحَدٍ مِنهم ورَجاءَهُ والتَوَكُّلَ عَلَيْهِ عَلى خَوْفِ اللَّهِ ورَجائِهِ والتَوَكُّلِ عَلَيْهِ، أوْ مُعامَلَةَ أحَدِهِمْ عَلى مُعامَلَةِ اللَّهِ فَهو مِمَّنْ لَيْسَ اللَّهُ ورَسُولُهُ أحَبَّ إلَيْهِ مِمّا سِواهُما، وإنْ قالَهُ بِلِسانِهِ فَهو كَذِبٌ مِنهُ، وإخْبارٌ بِخِلافِ ما هو عَلَيْهِ، وكَذَلِكَ مَنَّ قَدَّمَ حُكْمَ أحَدٍ عَلى حُكْمِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، فَذَلِكَ المُقَدَّمُ عِنْدَهُ أحَبُّ إلَيْهِ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ، لَكِنْ قَدْ يَشْتَبِهُ الأمْرُ عَلى مَن يُقَدِّمُ قَوْلَ أحَدٍ أوْ حُكْمَهُ، أوْ طاعَتَهُ أوْ مَرْضاتَهُ، ظَنًّا مِنهُ أنَّهُ لا يَأْمُرُ ولا يَحْكُمُ ولا يَقُولُ إلّا ما قالَهُ الرَّسُولُ، فَيُطِيعُهُ، ويُحاكِمُ إلَيْهِ، ويَتَلَقّى أقْوالَهُ كَذَلِكَ، فَهَذا مَعْذُورٌ إذا لَمْ يَقْدِرْ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ، وأمّا إذا قَدَرَ عَلى الوُصُولِ إلى الرَّسُولِ، وعَرَفَ أنَّ غَيْرَ مَنِ اتَّبَعَهُ هو أوْلى بِهِ مُطْلَقًا، أوْ في بَعْضِ الأُمُورِ، ولَمْ يَلْتَفِتْ إلى الرَّسُولِ ولا إلى مَن هو أوْلى بِهِ، فَهَذا الَّذِي يُخافُ عَلَيْهِ، وهو داخِلٌ تَحْتَ الوَعِيدِ، فَإنِ اسْتَحَلَّ عُقُوبَةَ مَن خالَفَهُ وأذَلَّهُ، ولَمْ يُوافِقْهُ عَلى اتِّباعِ شَيْخِهِ، فَهو مِنَ الظَّلَمَةِ المُعْتَدِينَ، وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا.

وقال في (الكلام على مسألة السماع)

فلا يُنجِي العبدَ إلا أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه من كل شيء، فطاعة الله ورسوله آثرُ عنده من كل شيء، والله تعالى لم يَرضَ من عباده أن يكون حبُّهم له ولرسوله كحب الأهل والمال، بل أن يكون الله ورسوله والجهاد في سبيله، أحبَّ إليهم من أهليهم

وأموالهم ومساكنهم وتجاراتهم وعشائرهم.

والمقصود أن للمحبين ثلاثة أصول، بها تتحقق محبتهم:

الإخلاص وإفراد محبوبهم تبارك وتعالى بالمحبة.

والثاني: الجهاد في سبيله، وهو الذي يُصدِّق إيمانهم ويكذِّبها، قال تعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥].

وبذلك وصف أهل المحبة في قوله: ﴿يُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة: ٥٤].

(فائدة)

وجاء ذكر البنين مقدما على الأموال كما في قوله: ﴿قُلْ إنْ كانَ آباؤُكم وأبْناؤُكم وإخْوانُكم وأزْواجُكم وعَشِيرَتُكم وأمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها﴾

وقوله: ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ والبَنِينَ والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ﴾

وأما تقديمهم على الأموال في تينك الآيتين فلحكمة باهرة وهي أن براءة متضمنة لوعيد من كانت تلك الأشياء المذكورة فيها أحب إليه من الجهاد في سبيل الله، ومعلوم أن تصور المجاهد فراق أهله وأولاده وآبائه وإخوانه وعشيرته تمنعه من الخروج عنهم أكثر مما يمنعه مفارقته ماله فإن تصور مع هذا أن يقتل فيفارقهم فراق الدهر نفرت نفسه عن هذه أكثر وأكثر ولا يكاد عند هذا التصور يخطر له مفارقة ماله بل يغيب بمفارقة الأحباب عن مفارقة المال فكان تقديم هذا الجنس أولى من تقديم المال.

وتأمل هذا الترتيب البديع في تقديم ما قدم وتأخير ما أخر يطلعك على عظمة هذا الكلام وجلالته فبدأ أولا بذكر أصول العبد وهم آباؤه المتقدمون طبعا وشرفا ورتبة وكان فخر القوم بآبائهم ومحاماتهم عنهم أكثر من محاماتهم عن أنفسهم وأموالهم وحتى عن أبنائهم ولهذا حملتهم محاماتهم عن آبائهم ومناضلتهم عنهم إلى أن احتملوا القتل وسبي الذرية ولا يشهدون على آبائهم بالكفر والنقيصة ويرغبون عن دينهم لما في ذلك من إزرائهم بهم ثم ذكر الفروع وهم الأبناء لأنهم يتلونهم في الرتبة وهم أقرب أقاربهم إليهم وأعلق بقلوبهم وألصق بأكبادهم من الإخوان والعشيرة ثم ذكر الإخوان وهم الكلالة وحواشي النسب فذكر الأصول أولا ثم الفروع ثانيا ثم النظراء ثالثا ثم الأزواج رابعا لأن الزوجة أجنبية عنده ويمكن أن يتعوض عنها بغيرها وهي إنما تراد للشهوة، وأما الأقارب من الآباء والأبناء والإخوان فلا عوض عنهم ويرادون للنصرة والدفاع، وذلك مقدم على مجرد الشهوة، ثم ذكر القرابة البعيدة خامسا وهي العشيرة وبنو العم فإن عشائرهم كانوا بني عمتهم غالبا وإن كانوا أجانب فأولى بالتأخير، ثم انتقل إلى ذكر الأموال بعد الأقارب سادسا ووصفها بكونها مقترفة أي مكتسبة، لأن القلوب إلى ما اكتسبته من المال أميل وله أحب وبقدره أعرف لما حصل له فيه من التعب والمشقة بخلاف مال جاء عفوا بلا كسب من ميراث أو هبة أو وصية فإن حفظه للأول ومراعاته له وحرصه على بقائه أعظم من الثاني والحس شاهد بهذا وحسبك به، ثم ذكر التجارة سابعا لأن محبة العبد للمال أعظم من محبته للتجارة التي يحصله بها فالتجارة عنده وسيلة إلى المال المقترف فقدم المال على التجارة تقديم الغايات على وسائلها، ثم وصف التجارة بكونها مما يخشى كسادها وهذا يدل على شرفها وخطرها وأنه قد بلغ قدرها إلى أنها مخوفة الكساد، ثم ذكر الأوطان ثامنا آخر المراتب لأن تعلق القلب بها دون تعلقه بسائر ما تقدم فإن الأوطان تتشابه وقد يقوم الوطن الثاني مقام الأول من كل وجه ويكون خيرا منه فمنها عوض، وأما الآباء والأبناء والأقارب والعشائر فلا يتعوض منهما بغيرها، فالقلب وإن كان يحن إلى وطنه الأول فحنينه إلى آبائه وأبنائه وزوجاته أعظم فمحبة الوطن آخر المراتب، وهذا هو الواقع إلا لعارض يترجح عنده إيثار البعيد على القريب فذلك جزئي لا كلي فلا تناقض به، وأما عند عدم العوارض فهذا هو الترتيب المناسب والواقع.

9:25–26Page 190

لَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٖ وَيَوۡمَ حُنَيۡنٍ إِذۡ أَعۡجَبَتۡكُمۡ كَثۡرَتُكُمۡ فَلَمۡ تُغۡنِ عَنكُمۡ شَيۡـٔٗا وَضَاقَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ ثُمَّ وَلَّيۡتُم مُّدۡبِرِينَ ٢٥

Allāh has already given you victory in many regions and [even] on the day of Ḥunayn, when your great number pleased you, but it did not avail you at all, and the earth was confining for you with [i.e., in spite of] its vastness; then you turned back, fleeing.

ثُمَّ أَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَعَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودٗا لَّمۡ تَرَوۡهَا وَعَذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٢٦

Then Allāh sent down His tranquility upon His Messenger and upon the believers and sent down soldiers [i.e., angels] whom you did not see and punished those who disbelieved. And that is the recompense of the disbelievers.

[فَصْلٌ: في الإشارَةِ إلى بَعْضِ ما تَضَمَّنَتْهُ غَزْوَةُ حُنَيْنٍ مِنَ المَسائِلِ الفِقْهِيَّةِ والنُّكَتِ الحُكْمِيَّةِ]

[تَسَبَّبَتْ حَرْبُ هَوازِنَ لَهُ ﷺ في إظْهارِ أمْرِ اللَّهِ]

كانَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ قَدْ وعَدَ رَسُولَهُ وهو صادِقُ الوَعْدِ، أنَّهُ إذا فَتَحَ مَكَّةَ دَخَلَ النّاسُ في دِينِهِ أفْواجًا، ودانَتْ لَهُ العَرَبُ بِأسْرِها، فَلَمّا تَمَّ لَهُ الفَتْحُ المُبِينُ اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ تَعالى أنْ أمْسَكَ قُلُوبَ هَوازِنَ ومَن تَبِعَها عَنِ الإسْلامِ، وأنْ يَجْمَعُوا ويَتَألَّبُوا لِحَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمُسْلِمِينَ؛ لِيَظْهَرَ أمْرُ اللَّهِ وتَمامُ إعْزازِهِ لِرَسُولِهِ ونَصْرِهِ لِدِينِهِ، ولِتَكُونَ غَنائِمُهم شُكْرانًا لِأهْلِ الفَتْحِ، ولِيُظْهِرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - رَسُولَهُ وعِبادَهُ، وقَهْرَهُ لِهَذِهِ الشَّوْكَةِ العَظِيمَةِ الَّتِي لَمْ يَلْقَ المُسْلِمُونَ مِثْلَها، فَلا يُقاوِمُهم بَعْدُ أحَدٌ مِنَ العَرَبِ، ولِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الحِكَمِ الباهِرَةِ الَّتِي تَلُوحُ لِلْمُتَأمِّلِينَ، وتَبْدُو لِلْمُتَوَسِّمِينَ.

واقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ سُبْحانَهُ أنْ أذاقَ المُسْلِمِينَ أوَّلًا مَرارَةَ الهَزِيمَةِ والكَسْرَةِ مَعَ كَثْرَةِ عَدَدِهِمْ وعُدَدِهِمْ، وقُوَّةِ شَوْكَتِهِمْ لِيُطامِنَ رُءُوسًا رُفِعَتْ بِالفَتْحِ، ولَمْ تَدْخُلْ بَلَدَهُ وحَرَمَهُ كَما دَخَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ واضِعًا رَأْسَهُ مُنْحَنِيًا عَلى فَرَسِهِ، حَتّى إنَّ ذَقْنَهُ تَكادُ تَمَسُّ سُرُجَهُ تَواضُعًا لِرَبِّهِ وخُضُوعًا لِعَظَمَتِهِ، واسْتِكانَةً لِعِزَّتِهِ، أنْ أحَلَّ لَهُ حَرَمَهُ وبَلَدَهُ، ولَمْ يَحِلَّ لِأحَدٍ قَبْلَهُ ولا لِأحَدٍ بَعْدَهُ، ولِيُبَيِّنَ سُبْحانَهُ لِمَن قالَ: (لَنْ نُغْلَبَ اليَوْمَ عَنْ قِلَّةٍ) أنَّ النَّصْرَ إنَّما هو مِن عِنْدِهِ، وأنَّهُ مَن يَنْصُرُهُ فَلا غالِبَ لَهُ، ومَن يَخْذُلُهُ فَلا ناصِرَ لَهُ غَيْرُهُ، وأنَّهُ سُبْحانَهُ هو الَّذِي تَوَلّى نَصْرَ رَسُولِهِ ودِينِهِ، لا كَثْرَتُكُمُ الَّتِي أعْجَبَتْكُمْ، فَإنَّها لَمْ تُغْنِ عَنْكم شَيْئًا، فَوَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ، فَلَمّا انْكَسَرَتْ قُلُوبُهم أُرْسِلَتْ إلَيْها خِلَعُ الجَبْرِ مَعَ بَرِيدِ النَّصْرِ ﴿ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ وأنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ [التوبة: ٢٦] وقَدِ اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ أنَّ خِلَعَ النَّصْرِ وجَوائِزَهُ إنَّما تَفِيضُ عَلى أهْلِ الِانْكِسارِ، ﴿وَنُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ ونَجْعَلَهم أئِمَّةً ونَجْعَلَهُمُ الوارِثِينَ ونُمَكِّنَ لَهم في الأرْضِ ونُرِيَ فِرْعَوْنَ وهامانَ وجُنُودَهُما مِنهم ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٦].

وَمِنها: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَمّا مَنَعَ الجَيْشَ غَنائِمَ مَكَّةَ، فَلَمْ يَغْنَمُوا مِنها ذَهَبًا، ولا فِضَّةً ولا مَتاعًا، ولا سَبْيًا، ولا أرْضًا، كَما رَوى أبو داود، عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قالَ: سَألْتُ جابرا: (هَلْ غَنِمُوا يَوْمَ الفَتْحِ شَيْئًا؟ قالَ لا) وكانُوا قَدْ فَتَحُوها بِإيجافِ الخَيْلِ والرِّكابِ، وهم عَشَرَةُ آلافٍ، وفِيهِمْ حاجَةٌ إلى ما يَحْتاجُ إلَيْهِ الجَيْشُ مِن أسْبابِ القُوَّةِ، فَحَرَّكَ سُبْحانَهُ قُلُوبَ المُشْرِكِينَ لِغَزْوِهِمْ، وقَذَفَ في قُلُوبِهِمْ إخْراجَ أمْوالِهِمْ ونَعَمِهِمْ وشائِهِمْ وسَبْيِهِمْ مَعَهم نُزُلًا، وضِيافَةً وكَرامَةً لِحِزْبِهِ وجُنْدِهِ، وتَمَّمَ تَقْدِيرَهُ سُبْحانَهُ بِأنْ أطْمَعَهم في الظَّفَرِ، وألاحَ لَهم مَبادِئَ النَّصْرِ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا، فَلَمّا أنْزَلَ اللَّهُ نَصْرَهُ عَلى رَسُولِهِ وأوْلِيائِهِ، وبَرَدَتِ الغَنائِمُ لِأهْلِها، وجَرَتْ فِيها سِهامُ اللَّهِ ورَسُولِهِ، قِيلَ: لا حاجَةَ لَنا في دِمائِكُمْ، ولا في نِسائِكم وذَرارِيِّكُمْ، فَأوْحى اللَّهُ سُبْحانَهُ إلى قُلُوبِهِمُ التَّوْبَةَ والإنابَةَ، فَجاءُوا مُسْلِمِينَ. فَقِيلَ: إنَّ مِن شُكْرِ إسْلامِكم وإتْيانِكم أنْ نَرُدَّ عَلَيْكم نِساءَكم وأبْناءَكم وسَبْيَكم و﴿إنْ يَعْلَمِ اللَّهُ في قُلُوبِكم خَيْرًا يُؤْتِكم خَيْرًا مِمّا أُخِذَ مِنكم ويَغْفِرْ لَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنفال: ٧٠].

وَمِنها: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ افْتَتَحَ غَزْوَ العَرَبِ بِغَزْوَةِ بَدْرٍ، وخَتَمَ غَزْوَهم بِغَزْوَةِ حُنَيْنٍ، ولِهَذا يُقْرَنُ بَيْنَ هاتَيْنِ الغَزاتَيْنِ بِالذِّكْرِ، فَيُقالُ: بَدْرٌ وحُنَيْنٌ، وإنْ كانَ بَيْنَهُما سَبْعُ سِنِينَ، والمَلائِكَةُ قاتَلَتْ بِأنْفُسِها مَعَ المُسْلِمِينَ في هاتَيْنِ الغَزاتَيْنِ، والنَّبِيُّ ﷺ رَمى في وُجُوهِ المُشْرِكِينَ بِالحَصْباءِ فِيهِما، وبِهاتَيْنِ الغَزاتَيْنِ طُفِئَتْ جَمْرَةُ العَرَبِ لِغَزْوِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمُسْلِمِينَ، فالأُولى: خَوَّفَتْهم وكَسَرَتْ مِن حَدِّهِمْ، والثّانِيَةُ اسْتَفْرَغَتْ قُواهُمْ، واسْتَنْفَدَتْ سِهامَهُمْ، وأذَلَّتْ جَمْعَهُمْ، حَتّى لَمْ يَجِدُوا بُدًّا مِنَ الدُّخُولِ في دِينِ اللَّهِ.

وَمِنها: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ جَبَرَ بِها أهْلَ مَكَّةَ، وفَرَّحَهم بِما نالُوهُ مِنَ النَّصْرِ والمَغْنَمِ، فَكانَتْ كالدَّواءِ لِما نالَهم مِن كَسْرِهِمْ، وإنْ كانَ عَيْنَ جَبْرِهِمْ وعَرَّفَهم تَمامَ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ بِما صَرَفَ عَنْهم مِن شَرِّ هَوازِنَ، فَإنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهم بِهِمْ طاقَةٌ، وإنَّما نُصِرُوا عَلَيْهِمْ بِالمُسْلِمِينَ، ولَوْ أُفْرِدُوا عَنْهم لَأكَلَهم عَدُوُّهُمْ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الحِكَمِ الَّتِي لا يُحِيطُ بِها إلّا اللَّهُ تَعالى.

وَفِيها: مِنَ الفِقْهِ أنَّ الإمامَ يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَبْعَثَ العُيُونَ، ومَن يَدْخُلُ بَيْنَ عَدُوِّهِ لِيَأْتِيَهُ بِخَبَرِهِمْ، وأنَّ الإمامَ إذا سَمِعَ بِقَصْدِ عَدُوِّهِ لَهُ وفي جَيْشِهِ قُوَّةٌ ومَنَعَةٌ، لا يَقْعُدُ يَنْتَظِرُهُمْ، بَلْ يَسِيرُ إلَيْهِمْ، كَما سارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى هَوازِنَ، حَتّى لَقِيَهم بِحُنَيْنٍ.

وَمِنها: أنَّ الإمامَ لَهُ أنْ يَسْتَعِيرَ سِلاحَ المُشْرِكِينَ وعُدَّتَهُمْ، لِقِتالِ عَدُوِّهِ، كَما اسْتَعارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أدْراعَ صفوان، وهو يَوْمَئِذٍ مُشْرِكٌ.

وَمِنها: أنَّ مِن تَمامِ التَّوَكُّلِ اسْتِعْمالَ الأسْبابِ الَّتِي نَصَبَها اللَّهُ لِمُسَبَّباتِها قَدَرًا وشَرْعًا، فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وأصْحابَهُ أكْمَلُ الخَلْقِ تَوَكُّلًا، وإنَّما كانُوا يَلْقَوْنَ عَدُوَّهم وهم مُتَحَصِّنُونَ بِأنْواعِ السِّلاحِ، ودَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ، والبَيْضَةُ عَلى رَأْسِهِ، وقَدْ أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧].

وَكَثِيرٌ مِمَّنْ لا تَحْقِيقَ عِنْدَهُ، ولا رُسُوخَ في العِلْمِ يَسْتَشْكِلُ هَذا، ويَتَكايَسُ في الجَوابِ تارَةً بِأنَّ هَذا فَعَلَهُ تَعْلِيمًا لِلْأُمَّةِ، وتارَةً بِأنَّ هَذا كانَ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ. ووَقَعَتْ في مِصْرَ مَسْألَةٌ سَألَ عَنْها بَعْضُ الأُمَراءِ، وقَدْ ذُكِرَ لَهُ حَدِيثٌ ذَكَرَهُ أبُو القاسِمِ بْنُ عَساكِرَ، في " تارِيخِهِ الكَبِيرِ " أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ بَعْدَ أنْ أهْدَتْ لَهُ اليَهُودِيَّةُ الشّاةَ المَسْمُومَةَ لا يَأْكُلُ طَعامًا قُدِّمَ لَهُ حَتّى يَأْكُلَ مِنهُ مَن قَدَّمَهُ.

قالُوا: وفي هَذا أُسْوَةٌ لِلْمُلُوكِ في ذَلِكَ. فَقالَ قائِلٌ: كَيْفَ يُجْمَعُ بَيْنَ هَذا، وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] فَإذا كانَ اللَّهُ سُبْحانَهُ قَدْ ضَمِنَ لَهُ العِصْمَةَ فَهو يَعْلَمُ أنَّهُ لا سَبِيلَ لِبَشَرٍ إلَيْهِ.

وَأجابَ بَعْضُهم بِأنَّ هَذا يَدُلُّ عَلى ضَعْفِ الحَدِيثِ، وبَعْضُهم بِأنَّ هَذا كانَ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ، فَلَمّا نَزَلَتْ لَمْ يَكُنْ لِيَفْعَلَ ذَلِكَ بَعْدَها. ولَوْ تَأمَّلَ هَؤُلاءِ أنَّ ضَمانَ اللَّهِ لَهُ العِصْمَةَ لا يُنافِي تَعاطِيَهُ لِأسْبابِها، لَأغْناهم عَنْ هَذا التَّكَلُّفِ، فَإنَّ هَذا الضَّمانَ لَهُ مِن رَبِّهِ تَبارَكَ وتَعالى لا يُناقِضُ احْتِراسَهُ مِنَ النّاسِ، ولا يُنافِيهِ، كَما أنَّ إخْبارَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لَهُ بِأنَّهُ يُظْهِرُ دِينَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ ويُعْلِيهِ لا يُناقِضُ أمْرَهُ بِالقِتالِ وإعْدادِ العُدَّةِ والقُوَّةِ ورِباطِ الخَيْلِ، والأخْذِ بِالجِدِّ والحَذَرِ والِاحْتِراسِ مِن عَدُوِّهِ، ومُحارَبَتِهِ بِأنْواعِ الحَرْبِ والتَّوْرِيَةِ، فَكانَ إذا أرادَ الغَزْوَةَ ورّى بِغَيْرِها، وذَلِكَ لِأنَّ هَذا إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَنْ عاقِبَةِ حالِهِ ومَآلِهِ بِما يَتَعاطاهُ مِنَ الأسْبابِ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ مُفْضِيَةً إلى ذَلِكَ مُقْتَضِيَةً لَهُ، وهو ﷺ أعْلَمُ بِرَبِّهِ، وأتْبَعُ لِأمْرِهِ مِن أنْ يُعَطِّلَ الأسْبابَ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ لَهُ بِحِكْمَتِهِ مُوجِبَةً لِما وعَدَهُ بِهِ مِنَ النَّصْرِ والظَّفَرِ إظْهارِ دِينِهِ وغَلَبَتِهِ لِعَدُوِّهِ، وهَذا كَما أنَّهُ سُبْحانَهُ ضَمِنَ لَهُ حَياتَهُ حَتّى يُبَلِّغَ رِسالاتِهِ، ويُظْهِرَ دِينَهُ، وهو يَتَعاطى أسْبابَ الحَياةِ مِنَ المَأْكَلِ والمَشْرَبِ والمَلْبَسِ والمَسْكَنِ، وهَذا مَوْضِعٌ يَغْلَطُ فِيهِ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ، حَتّى آلَ ذَلِكَ بِبَعْضِهِمْ إلى أنْ تَرَكَ الدُّعاءِ، وزَعَمَ أنَّهُ لا فائِدَةَ فِيهِ؛ لِأنَّ المَسْئُولَ إنْ كانَ قَدْ قُدِّرَ نالَهُ، ولا بُدَّ وإنْ لَمْ يُقَدَّرْ لَمْ يَنَلْهُ، فَأيُّ فائِدَةٍ في الِاشْتِغالِ بِالدُّعاءِ؟

ثُمَّ تَكايَسَ في الجَوابِ، بِأنْ قالَ: الدُّعاءُ عِبادَةٌ، فَيُقالُ لِهَذا الغالِطِ: بَقِيَ عَلَيْكَ قِسْمٌ آخَرُ - وهو الحَقُّ - أنَّهُ قَدْ قَدَّرَ لَهُ مَطْلُوبَهُ بِسَبَبٍ إنْ تَعاطاهُ حَصَلَ لَهُ المَطْلُوبُ، وإنْ عَطَّلَ السَّبَبَ فاتَهُ المَطْلُوبُ، والدُّعاءُ مِن أعْظَمِ الأسْبابِ في حُصُولِ المَطْلُوبِ، وما مِثْلُ هَذا الغالِطِ إلّا مِثْلُ مَن يَقُولُ: وإنْ كانَ اللَّهُ قَدْ قَدَّرَ لِيَ الشَّبَعَ فَأنا أشْبَعُ أكَلْتُ أوْ لَمْ آكُلْ، إنْ لَمْ يُقَدِّرْ لِيَ الشَّبَعَ لَمْ أشْبَعْ أكَلْتُ أوْ لَمْ آكُلْ فَما فائِدَةُ الأكْلِ؟ وأمْثالُ هَذِهِ التُّرَّهاتِ الباطِلَةِ المُنافِيَةِ لِحِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى وشَرْعِهِ وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

وَفِيها: جَوازُ عَقْرِ فَرَسِ العَدُوِّ ومَرْكُوبِهِ إذا كانَ ذَلِكَ عَوْنًا عَلى قَتْلِهِ، كَما عَقَرَ علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - جَمَلَ حامِلِ رايَةِ الكُفّارِ، ولَيْسَ هَذا مِن تَعْذِيبِ الحَيَوانِ المَنهِيِّ عَنْهُ.

وَفِيها: عَفْوُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَمَّنْ هَمَّ بِقَتْلِهِ، ولَمْ يُعاجِلْهُ، بَلْ دَعا لَهُ، ومَسَحَ صَدْرَهُ حَتّى عادَ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ.

وَمِنها: ما ظَهَرَ في هَذِهِ الغَزاةِ مِن مُعْجِزاتِ النُّبُوَّةِ وآياتِ الرِّسالَةِ، مِن إخْبارِهِ لِشَيْبَةَ بِما أضْمَرَ في نَفْسِهِ ومِن ثَباتِهِ، وقَدْ تَوَلّى عَنْهُ النّاسُ وهو يَقُولُ

؎أنا النَّبِيُّ لا كَذِبَ ∗∗∗ أنا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ

وَقَدِ اسْتَقْبَلَتْهُ كَتائِبُ المُشْرِكِينَ.

وَمِنها: إيصالُ اللَّهِ قَبْضَتَهُ الَّتِي رَمى بِها إلى عُيُونِ أعْدائِهِ عَلى البُعْدِ مِنهُ،

وَبَرَكَتُهُ في تِلْكَ القَبْضَةِ حَتّى مَلَأتْ أعْيُنَ القَوْمِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن مُعْجِزاتِهِ فِيها، كَنُزُولِ المَلائِكَةِ لِلْقِتالِ مَعَهُ حَتّى رَآهُمُ العَدُوُّ جَهْرَةً ورَآهم بَعْضُ المُسْلِمِينَ.

وَمِنها: جَوازُ انْتِظارِ الإمامِ بِقَسْمِ الغَنائِمِ إسْلامَ الكُفّارِ ودُخُولَهم في الطّاعَةِ، فَيَرُدَّ عَلَيْهِمْ غَنائِمَهم وسَبْيَهُمْ، وفي هَذا دَلِيلٌ لِمَن يَقُولُ: إنَّ الغَنِيمَةَ إنَّما تُمْلَكُ بِالقِسْمَةِ لا بِمُجَرَّدِ الِاسْتِيلاءِ عَلَيْها، إذْ لَوْ مَلَكَها المُسْلِمُونَ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِيلاءِ لَمْ يَسْتَأْنِ بِهِمُ النَّبِيُّ ﷺ لِيَرُدَّها عَلَيْهِمْ، وعَلى هَذا فَلَوْ ماتَ أحَدٌ مِنَ الغانِمِينَ قَبْلَ القِسْمَةِ، أوْ إحْرازِها بِدارِ الإسْلامِ، رُدَّ نَصِيبُهُ عَلى بَقِيَّةِ الغانِمِينَ دُونَ ورَثَتِهِ، وهَذا مَذْهَبُ أبي حنيفة، لَوْ ماتَ قَبْلَ الِاسْتِيلاءِ لَمْ يَكُنْ لِوَرَثَتِهِ شَيْءٌ، ولَوْ ماتَ بَعْدَ القِسْمَةِ فَسَهْمُهُ لِوَرَثَتِهِ.

9:27Page 191

ثُمَّ يَتُوبُ ٱللَّهُ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٢٧

Then Allāh will accept repentance after that for whom He wills; and Allāh is Forgiving and Merciful.

No commentary for this ayah

9:28Page 191

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡمُشۡرِكُونَ نَجَسٞ فَلَا يَقۡرَبُواْ ٱلۡمَسۡجِدَ ٱلۡحَرَامَ بَعۡدَ عَامِهِمۡ هَٰذَاۚ وَإِنۡ خِفۡتُمۡ عَيۡلَةٗ فَسَوۡفَ يُغۡنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦٓ إِن شَآءَۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٢٨

O you who have believed, indeed the polytheists are unclean, so let them not approach al-Masjid al-Ḥarām after this, their [final] year. And if you fear privation, Allāh will enrich you from His bounty if He wills. Indeed, Allāh is Knowing and Wise.

No commentary for this ayah

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском