Ibn al-QayyimAt‑Tawbah · 9:31–45

Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic

At-Tawbah 9:31–45

9:31Page 191

ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُوٓاْ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗاۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ سُبۡحَٰنَهُۥ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٣١

They have taken their scholars and monks as lords besides Allāh,1 and [also] the Messiah, the son of Mary.2 And they were not commanded except to worship one God; there is no deity except Him. Exalted is He above whatever they associate with Him.

(فائدة

ومن تلاعب الشيطان باليهود أيضا: أنهم كانوا يقتلون الأنبياء الذين لا تنال الهداية إلا على أيديهم.

ويتخذون أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله تعالى، يحرمون عليهم ويحلون لهم. فيأخذون بتحريمهم وتحليلهم.

ولا يلتفتون: هل ذلك التحريم والتحليل من عند الله تعالى أم لا؟

قال عدي بن حاتم: "أتيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، فسألته عن قوله: ﴿اتّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللهِ﴾.

فقلت: يا رسول الله، ما عبدوهم، فقال: حرموا عليهم الحلال، وأحلوا لهم الحرام، فأطاعوهم. فكانت تلك عبادتهم إياهم"

رواه الترمذي وغيره.

وهذا من أعظم تلاعب الشيطان بالإنسان: أن يقتل أو يقاتل من هداه على يديه، ويتخذ من لم تضمن له عصمته ندا لله يحرم عليه، ويحلل له.

[فصل: الفَرْقُ بَيْنَ الِاتِّباعِ والتَّقْلِيدِ]

قالَ أبُو عُمَرَ في الجامِعِ: بابُ فَسادِ التَّقْلِيدِ ونَفْيِهِ، والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الإتْباعِ، قَوْلُ أبُو عُمَرَ: قَدْ ذَمَّ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى التَّقْلِيدَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن كِتابِهِ فَقالَ: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾

رُوِيَ عَنْ حُذَيْفَةَ وغَيْرِهِ قالَ: لَمْ يَعْبُدُوهم مِن دُونِ اللَّهِ، ولَكِنَّهم أحَلُّوا لَهم وحَرَّمُوا عَلَيْهِمْ فاتَّبَعُوهم.

وَقالَ عَدِيُّ بْنُ حاتِمٍ: أتَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وفي عُنُقِي صَلِيبٌ، فَقالَ: «يا عَدِيُّ ألْقِ هَذا الوَثَنَ مِن عُنُقِك، وانْتَهَيْت إلَيْهِ وهو يَقْرَأُ سُورَةَ بَراءَةَ حَتّى أتى عَلى هَذِهِ الآيَةِ: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾

قالَ: فَقُلْت: يا رَسُولَ اللَّهِ إنّا لَمْ نَتَّخِذْهم أرْبابًا، قالَ: بَلى، ألَيْسَ يُحِلُّونَ لَكم ما حُرِّمَ عَلَيْكم فَتَحِلُّونَهُ ويُحَرِّمُونَ عَلَيْكم ما أُحِلَّ لَكم فَتُحَرِّمُونَهُ؟ فَقُلْت: بَلى، قالَ: فَتِلْكَ عِبادَتُهُمْ».

قُلْت: الحَدِيثُ في المُسْنَدِ والتِّرْمِذِيِّ مُطَوَّلًا.

وَقالَ أبُو البَخْتَرِيِّ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أمّا إنّهم لَوْ أمَرُوهم أنْ يَعْبُدُوهم مِن دُونِ اللَّهِ ما أطاعُوهُمْ، ولَكِنَّهم أمَرُوهم فَجَعَلُوا حَلالَ اللَّهِ حَرامَهُ وحَرامَهُ حَلالَهُ فَأطاعُوهم فَكانَتْ تِلْكَ الرِّبَوِيَّةُ.

وَقالَ وكِيعٌ: ثنا سُفْيانُ والأعْمَشُ جَمِيعًا عَنْ حَبِيبِ بْنِ أبِي ثابِتٍ عَنْ أبِي ثابِتٍ عَنْ أبِي البَخْتَرِيِّ

قالَ: قِيلَ لِحُذَيْفَةَ في قَوْله تَعالى: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أكانُوا يَعْبُدُونَهُمْ؟

فَقالَ: لا، ولَكِنْ كانُوا يَحِلُّونَ لَهم الحَرامَ فَيَحِلُّونَهُ ويُحَرِّمُونَ عَلَيْهِمْ الحَلالَ فَيُحَرِّمُونَهُ.

وَقالَ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلا قالَ مُتْرَفُوها إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣] ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكم بِأهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ﴾ [الزخرف: ٢٤] فَمَنَعَهم الِاقْتِداءَ بِآبائِهِمْ مِن قَبُولِ الِاهْتِداءِ، فَقالُوا: إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ، وفي هَؤُلاءِ ومِثْلِهِمْ قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا ورَأوُا العَذابَ وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ - وقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأ مِنهم كَما تَبَرَّءُوا مِنّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أعْمالَهم حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ١٦٦-١٦٧]

وَقالَ تَعالى مُعاتِبًا لِأهْلِ الكُفْرِ وذامًّا لَهُمْ: ﴿ما هَذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٢] ﴿قالُوا وجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٥٣] وقالَ ﴿وَقالُوا رَبَّنا إنّا أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا فَأضَلُّونا السَّبِيلا﴾ [الأحزاب: ٦٧] ومِثْلُ هَذا في القُرْآنِ كَثِيرٌ مِن ذَمِّ تَقْلِيدِ الآباءِ والرُّؤَساءِ، وقَدْ احْتَجَّ العُلَماءُ بِهَذِهِ الآياتِ في إبْطالِ التَّقْلِيدِ ولَمْ يَمْنَعْهم كُفْرُ أُولَئِكَ مِن الِاحْتِجاجِ بِها؛ لِأنَّ التَّشْبِيهَ لَمْ يَقَعْ مِن جِهَةِ كُفْرِ أحَدِهِما وإيمانِ الآخَرِ، وإنَّما وقَعَ التَّشْبِيهُ بَيْنَ المُقَلِّدِينَ بِغَيْرِ حُجَّةٍ لِلْمُقَلِّدِ، كَما لَوْ قَلَّدَ رَجُلًا فَكَفَرَ وقَلَّدَ آخَرَ فَأذْنَبَ وقَلَّدَ آخَرَ في مَسْألَةٍ فَأخْطَأ وجْهَها كانَ كُلُّ واحِدٍ مَلُومًا عَلى التَّقْلِيدِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ؛ لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ تَقْلِيدٌ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا وإنْ اخْتَلَفَتْ الآثامُ فِيهِ، وقالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَداهم حَتّى يُبَيِّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥].

قالَ: فَإذا بَطَلَ التَّقْلِيدُ بِكُلِّ ما ذَكَرْنا وجَبَ التَّسْلِيمُ لِلْأُصُولِ الَّتِي يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَها، وهي الكِتابُ والسُّنَّةُ وما كانَ في مَعْناهُما بِدَلِيلٍ جامِعٍ، ثُمَّ ساقَ مِن طَرِيقِ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنِّي لا أخافُ عَلى أُمَّتِي مِن بَعْدِي إلّا مِن أعْمالِ ثَلاثَةٍ، قالُوا: وما هي يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: أخافُ عَلَيْهِمْ زَلَّةَ العالِمِ، ومِن حُكْمٍ جائِرٍ، ومِن هَوًى مُتَّبَعٍ» وبِهَذا الإسْنادِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «تَرَكْت فِيكم أمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا ما تَمَسَّكْتُمْ بِهِما: كِتابَ اللَّهِ، وسُنَّةَ رَسُولِهِ ﷺ».

قُلْت: والمُصَنِّفُونَ في السُّنَّةِ جَمَعُوا بَيْنَ فَسادِ التَّقْلِيدِ وإبْطالِهِ وبَيانِ زَلَّةِ العالِمِ لِيُبَيِّنُوا بِذَلِكَ فَسادَ التَّقْلِيدِ، وأنَّ العالِمَ قَدْ يَزِلُّ ولا بُدَّ؛ إذْ لَيْسَ بِمَعْصُومٍ، فَلا يَجُوزُ قَبُولُ كُلِّ ما يَقُولُهُ، ويُنَزَّلُ قَوْلُهُ مَنزِلَةِ قَوْلِ المَعْصُومِ؛ فَهَذا الَّذِي ذَمَّهُ كُلُّ عالِمٍ عَلى وجْهِ الأرْضِ، وحَرَّمُوهُ، وذَمُّوا أهْلَهُ وهو أصْلُ بَلاءِ المُقَلِّدِينَ وفِتْنَتِهِمْ، فَإنَّهم يُقَلِّدُونَ العالِمَ فِيما زَلَّ فِيهِ وفِيما لَمْ يَزِلَّ فِيهِ، ولَيْسَ لَهم تَمْيِيزٌ بَيْنَ ذَلِكَ، فَيَأْخُذُونَ الدِّينَ بِالخَطَأِ - ولا بُدَّ - فَيَحِلُّونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ ويُحَرِّمُونَ ما أحَلَّ اللَّهُ ويُشَرِّعُونَ ما لَمْ يُشَرِّعْ، ولا بُدَّ لَهم مِن ذَلِكَ إذْ كانَتْ العِصْمَةُ مُنْتَفِيَةً عَمَّنْ قَلَّدُوهُ، والخَطَأُ واقِعٌ مِنهُ ولا بُدَّ.

وَقَدْ ذَكَرَ البَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ كَثِيرٍ هَذا عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا: «اتَّقُوا زَلَّةَ العالِمِ، وانْتَظِرُوا فَيْئَتَهُ».

9:32Page 192

يُرِيدُونَ أَن يُطۡفِـُٔواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَيَأۡبَى ٱللَّهُ إِلَّآ أَن يُتِمَّ نُورَهُۥ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٣٢

They want to extinguish the light of Allāh with their mouths, but Allāh refuses except to perfect His light, although the disbelievers dislike it.

No commentary for this ayah

9:33Page 192

هُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلۡهُدَىٰ وَدِينِ ٱلۡحَقِّ لِيُظۡهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُشۡرِكُونَ ٣٣

It is He who has sent His Messenger with guidance and the religion of truth to manifest it over all religion, although they who associate others with Allāh dislike it.

No commentary for this ayah

9:34Page 192

۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡأَحۡبَارِ وَٱلرُّهۡبَانِ لَيَأۡكُلُونَ أَمۡوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡبَٰطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۗ وَٱلَّذِينَ يَكۡنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلۡفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٖ ٣٤

O you who have believed, indeed many of the scholars and the monks devour the wealth of people unjustly1 and avert [them] from the way of Allāh. And those who hoard gold and silver and spend it not in the way of Allāh - give them tidings of a painful punishment.

(فصل)

ثمَّ تَأمل حِكْمَة الله عز وجل في عزة هذَيْن النَّقْدَيْنِ الذَّهَب والفِضَّة، وقصور خيرة العالم عَمّا حاولوا من صنعتهما، والتشبه بِخلق الله إياهما مَعَ شدَّة حرصهم وبلوغ أقصى جهدهمْ واجتهادهم في ذَلِك فَلم يظفروا بسوى الصَّنْعَة ولَو مكنوا أن يصنعوا مثل ما خلق الله من ذَلِك لفسد أمر العالم واستفاض الذَّهَب والفِضَّة في النّاس حَتّى صار كالسعف والفخار، وكانَت تتعطل المصلحَة الَّتِي وضعا لأجلها وكانَت كثرتهما جدا سَبَب تعطل الِانْتِفاع بهما فإنه لا يبْقى لَهما قيمَة ويبْطل كَونهما قيمًا لنفائس الأموال والمعاملات وأرزاق المُقاتلَة، ولم يتسخر بعض النّاس لبَعض إذْ يصير الكل أرباب ذهب وفِضة فَلَو أغنى خلقه كلهم لأفقرهم كلهم فَمن يرضى لنَفسِهِ بامتهانها في الصَّنائِع الَّتِي لا قوام للْعالم إلا بها.

فسبحان من جعل عزتهما سَبَب نظام العالم ولم يجعلهما في العِزَّة كالكبريت الأحمر الَّذِي لا يُوصل إليه فتفوت المصلحَة بِالكُلِّيَّةِ بل وضعهما وأنبتهما في العالم بِقدر اقتضه حكمته ورَحمته ومصالح عباده.

وقرأت بِخَط الفاضِل جِبْرِيل بن روح الأنباري قالَ أخبرني بعض من تداول المَعادِن أنهم أوغلوا في طلبَها إلى بعض نواحي الجَبَل فانْتَهوا إلى مَوضِع وإذا فِيهِ أمثال الجبال من الفضة، ومن دون ذَلِك واد يجري متصلبا بِماء غزير لا يدْرك ولا حِيلَة في عبوره فانصرفوا إلى حَيْثُ يعْملُونَ ما يعبرون بِهِ فَلَمّا هيئوه وعادوا راموا طَرِيق النَّهر فَما وقفُوا لَهُ على أثر ولا عرفُوا إلى أيْنَ يتوجهون فإنصرفوا آيسين، وهَذا أحد ما يدل على بطلان صناعَة الكيمياء وأنها عند التَّحْقِيق زغل وصبغة لا غير.

وَقد ذكرنا بُطْلانها وبينا فَسادها من أربعين وجها في رِسالَة مُفْردَة.

والمَقْصُود أن حِكْمَة الله تَعالى اقْتَضَت عزة هذَيْن الجوهرين، وقلتهما بِالنِّسْبَةِ إلى الحَدِيد والنحاس والرصاص لصلاح أمر النّاس، واعْتبر ذَلِك بِأنَّهُ إذا ظهر الشَّيْء الظريف المستحسن مِمّا يحدثه النّاس من الأمتعة كانَ نفيسا عَزِيزًا ما دامَ فِيهِ قلَّة وهو مَرْغُوب فِيهِ، فَإذا فشى وكثر في أيدي النّاس وقدر عَلَيْهِ الخاص والعام سقط عِنْدهم، وقلت رغباتهم فِيهِ.

وَمن هَذا قَول القائِل:

"نفاسه الشَّيْء من عزته"

وَلِهَذا كانَ أزهد النّاس في العالم أهله وجيرانه وأرغبهم فِيهِ البعداء عَنهُ.

9:35Page 192

يَوۡمَ يُحۡمَىٰ عَلَيۡهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكۡوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمۡ وَجُنُوبُهُمۡ وَظُهُورُهُمۡۖ هَٰذَا مَا كَنَزۡتُمۡ لِأَنفُسِكُمۡ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمۡ تَكۡنِزُونَ ٣٥

The Day when it1 will be heated in the fire of Hell and seared therewith will be their foreheads, their flanks, and their backs, [it will be said], "This is what you hoarded for yourselves, so taste what you used to hoard."

No commentary for this ayah

9:36Page 192

إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثۡنَا عَشَرَ شَهۡرٗا فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ يَوۡمَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ مِنۡهَآ أَرۡبَعَةٌ حُرُمٞۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُۚ فَلَا تَظۡلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمۡۚ وَقَٰتِلُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ كَآفَّةٗ كَمَا يُقَٰتِلُونَكُمۡ كَآفَّةٗۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ ٣٦

Indeed, the number of months with Allāh is twelve [lunar] months in the register of Allāh [from] the day He created the heavens and the earth; of these, four are sacred.1 That is the correct religion [i.e., way], so do not wrong yourselves during them.2 And fight against the disbelievers collectively as they fight against you collectively. And know that Allāh is with the righteous [who fear Him].

No commentary for this ayah

9:37Page 193

إِنَّمَا ٱلنَّسِيٓءُ زِيَادَةٞ فِي ٱلۡكُفۡرِۖ يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلُّونَهُۥ عَامٗا وَيُحَرِّمُونَهُۥ عَامٗا لِّيُوَاطِـُٔواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُۚ زُيِّنَ لَهُمۡ سُوٓءُ أَعۡمَٰلِهِمۡۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٣٧

Indeed, the postponing [of restriction within sacred months] is an increase in disbelief by which those who have disbelieved are led [further] astray. They make it1 lawful one year and unlawful another year to correspond to the number made unlawful by Allāh2 and [thus] make lawful what Allāh has made unlawful. Made pleasing to them is the evil of their deeds; and Allāh does not guide the disbelieving people.

No commentary for this ayah

9:38Page 193

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَا لَكُمۡ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلۡتُمۡ إِلَى ٱلۡأَرۡضِۚ أَرَضِيتُم بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا مِنَ ٱلۡأٓخِرَةِۚ فَمَا مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا فِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ٣٨

O you who have believed, what is [the matter] with you that, when you are told to go forth in the cause of Allāh, you adhere heavily to the earth?1 Are you satisfied with the life of this world rather than the Hereafter? But what is the enjoyment of worldly life compared to the Hereafter except a [very] little.

No commentary for this ayah

9:39Page 193

إِلَّا تَنفِرُواْ يُعَذِّبۡكُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا وَيَسۡتَبۡدِلۡ قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيۡـٔٗاۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ٣٩

If you do not go forth, He will punish you with a painful punishment and will replace you with another people, and you will not harm Him at all. And Allāh is over all things competent.

No commentary for this ayah

9:40Page 193

إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدۡ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذۡ أَخۡرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ٱثۡنَيۡنِ إِذۡ هُمَا فِي ٱلۡغَارِ إِذۡ يَقُولُ لِصَٰحِبِهِۦ لَا تَحۡزَنۡ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَاۖ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَيۡهِ وَأَيَّدَهُۥ بِجُنُودٖ لَّمۡ تَرَوۡهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفۡلَىٰۗ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلۡعُلۡيَاۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ٤٠

If you do not aid him [i.e., the Prophet (ﷺ)] - Allāh has already aided him when those who disbelieved had driven him out [of Makkah] as one of two,1 when they were in the cave and he [i.e., Muḥammad (ﷺ)] said to his companion, "Do not grieve; indeed Allāh is with us." And Allāh sent down His tranquility upon him and supported him with soldiers [i.e., angels] you did not see and made the word2 of those who disbelieved the lowest,3 while the word of Allāh4 - that is the highest. And Allāh is Exalted in Might and Wise.

(ومن خط القاضي من جزء فيه تفسير آيات من القرآن عن الإمام أحمد)

قوله تعالى: ﴿فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾

قال على أبي بكر، وكان النبي ﷺ قد أنزلت عليه السكينة.

قلت: وكان شيخنا أبو العباس بن تيمية قدس الله روحه يذهب إلى خلاف هذا ويقول: "الضمير عائد إلى النبي ﷺ وإلى صاحبه تبعا له فهو الذي أنزلت عليه السكينة وهو الذي أيده الله بالجنود وسرى ذلك إلى صاحبه" انتهى.

(لطيفة)

قال بعض العارفين: ليست الخاصة من الحزن في شيء.

وقوله رحمه الله: "معرفة الله جلا نورها كل ظلمة، وكشف سرورها كل غمة" كلام في غاية الحسن، فإن من عرف الله أحبه ولا بد، ومن أحبه انقشعت عنه سحائب الظلمات، وانكشفت عن قلبه الهموم والغموم والأحزان، وعمر قلبه بالسرور والأفراح وأقبلت إليه وفود التهانى والبشائر من كل جانب، فإنه لا حزن مع الله أبدًا، ولهذا قال تعالى حكاية عن نبيه ﷺ أنه قال لصاحبه أبي بكر: ﴿لا تَحْزَنْ إنَّ اللهَ مَعَنا﴾ [التوبة: ٤٠]، فدل أنه لا حزن مع الله، وأن من كان الله معه فما له وللحزن؟ وإنما الحزن كل الحزن لمن فاته الله، فمن حصل الله له فعلى أي شيء يحزن؟ ومن فاته الله فبأى شيء يفرح؟

قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨]، فالفرح بفضله ورحمته تبع للفرح به سبحانه.

فالمؤمن يفرح بربه أعظم من فرح كل أحد بما يفرح به: من حبيب أو حياة، أو مال، أو نعمة، أو ملك.

يفرح المؤمن بربه أعظم من هذا كله، ولا ينال القلب حقيقة الحياة حتى يجد طعم هذه الفرحة والبهجة، فيظهر سرورها في قلبه ومضرتها في وجهه، فيصير له حال من حال أهل الجنة حيث لقّاهم الله نضرة وسرورًا.

فلمثل هذا فليعمل العاملون، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، فهذا هو العلم الذي شمر إليه أولو الهمم والعزائم، واستبق إليه أصحاب الخصائص والمكارم.

؎تلك المكارم لا قعبانِ من لبن ∗∗∗ شيبًا بماءٍ فماذا بعد أبوالا

(فصل)

لما بايع الرَّسُول أهل العقبَة أمر أصْحابه بِالهِجْرَةِ إلى المَدِينَة فَعلمت قُرَيْش أن أصْحابه قد كَثُرُوا وأنَّهم سيمنعونه فأعملت آراءها في اسْتِخْراج الحِيَل فَمنهمْ من رأى الحَبْس، ومِنهُم من رأى النَّفْي، ثمَّ اجْتمع رَأْيهمْ على القَتْل فجاء البَرِيد بالخبر من السَّماء، وأمره أن يُفارق المضجع، فَباتَ عَليّ مَكانَهُ ونهض الصِّدِّيق لرفقة السّفر، فَلَمّا فارقا بيُوت مَكَّة اشْتَدَّ الحذر بالصدّيق فَجعل يذكر الرصد فيسير أمامه، وتارَة يذكر الطّلب فَيتَأخَّر وراءه، وتارَة عَن يَمِينه، وتارَة عَن شِماله إلى أن انتهيا إلى الغار فَبَدَأ الصدّيق بِدُخُولِهِ ليَكُون وقاية لَهُ إن كانَ ثَمَّ موذ وأنْبت الله شَجَرَة لم تكن قبل فأظلمت المَطْلُوب، وأضلّت الطّالِب، وجاءَت عنكبوت فحازت وجه الغار فحاكت ثوب نسجها على منوال السّتْر فأحكمت الشقة حَتّى عمي على القائِف المطلب، وأرْسل حَمامَتَيْنِ فاتخذتا هُناكَ عشا جعل على أبصار الطالبين غشاوة، وهَذا أبلغ في الإعجاز من مقاومة القَوْم بالجنود، فَلَمّا وقف القَوْم على رؤوسهم وصارَ كَلامهم بسمع الرَّسُول والصدّيق قالَ الصدّيق وقد اشْتَدَّ بِهِ القلق يا رَسُول الله لَو أن أحدهم نظر إلى ما تَحت قَدَمَيْهِ لَأبْصَرنا تَحت قَدَمَيْهِ فَقالَ رَسُول الله يا أبا بكر ما ظَنك بِاثْنَيْنِ الله ثالثهما.

لما رأى الرَّسُول حزنه قد اشْتَدَّ لكن على نَفسه قوّى قلبه بِبِشارَة ﴿لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعنا﴾ فَظهر سر هَذا الاقتران في المَعِيَّة لفظا كَما ظهر حكما ومعنى، إذ يُقال رَسُول الله وصاحب رَسُول الله فَلَمّا ماتَ قيل خَليفَة رَسُول الله، ثمَّ انْقَطَعت إضافَة الخلافَة بِمَوْتِهِ فَقيل أمِير المُؤمنِينَ.

فأقاما في الغار ثَلاثًا ثمَّ خرجا مِنهُ ولسان القدر يَقُول لتدخلنها دُخُولا لم يدْخلهُ أحد قبلك ولا يَنْبَغِي لأحد من بعْدك فَلَمّا استقلا على البَيْداء لحقهما سراقَة بن مالك فَلَمّا شارف الظفر أرسل عَلَيْهِ الرَّسُول سَهْما من سِهام الدُّعاء فساخت قَوائِم فرسه في الأرْض إلى بَطنها، فَلَمّا علم أنه لا سَبِيل لَهُ عَلَيْهِما أخذ يعرض المال على من قد رد مَفاتِيح الكُنُوز، ويقدم الزّاد إلى شبعان

"أبيت عند رَبِّي يطعمني ويسقيني" كانَ تحفة (ثانِي اثْنَيْنِ) مدخرة للصديق دون الجَمِيع فَهو الثّانِي في الإسْلام، وفي بذل النَّفس، وفي الزّهْد، وفي الصُّحْبَة وفي الخلافَة، وفي العُمر، وفي سَبَب المَوْت لِأن الرَّسُول ماتَ عَن أثر السم وأبُو بكر سم فَماتَ.

أسلم على يَدَيْهِ من العشْرَة عُثْمان وطَلْحَة والزُّبَيْر وعبد الرَّحْمَن بن عَوْف وسعد بن أبي وقّاص، وكانَ عِنْده يَوْم أسلم أرْبَعُونَ ألف دِرْهَم فأنفقها أحْوج ما كانَ الإسْلام إلَيْها، فَلهَذا أجلبت نَفَقَته عَلَيْهِ ما نَفَعَنِي مال ما نَفَعَنِي مال أبي بكر، فَهو خير من مُؤمن آل فِرْعَوْن لِأن ذَلِك كانَ يكتم إيمانه، والصدّيق أعلن بِهِ، وخير من مُؤمن آل ياسين، لِأن ذَلِك جاهد ساعَة، والصديق جاهد سِنِين.

عاين طائِر الفاقَة يحوم حول حب الإيثار ويصيح ﴿من ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حسنا﴾ فَألْقى لَهُ حب المال على روض الرِّضا واستلقى على فراش الفقر فَنقل الطّائِر الحبّ إلى حوصلة المضاعفة ثمَّ علا على أفنان شَجَرَة الصدْق يغرد بفنون المَدْح ثمَّ قالَ في محاريب الإسْلام يَتْلُو ﴿وَسَيُجَنَّبُها الأتْقى الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يتزكى﴾

نطقت بفضله الآيات والأخْبار واجْتمعَ على بيعَته المُهاجِرُونَ والأنْصار فيا مبغضيه في قُلُوبكم من ذكره نار كلما تليت فضائله علا عَلَيْهِم الصغار، أتَرى لم يسمع الروافض الكفّار ﴿ثانِيَ اثْنَيْنِ إذْ هُما في الغار﴾

دعِي إلى الإسْلام فَما تلعثم ولا أبى، وسار على المحجة فَما زل ولا كبا، وصبر في مدَّته من مدى العدى على وقع الشبا، وأكْثر في الإنْفاق فَما قلل حَتّى تخَلّل بالعبا، تالله لقد زاد على السبك في كل دِينار دِينار ﴿ثانِيَ اثْنَيْنِ إذْ هُما في الغار﴾

من كانَ قرين النَّبِي في شبابه من ذا الَّذِي سبق إلى الإيمان من أصْحابه من الَّذِي أفتى بِحَضْرَتِهِ سَرِيعا في جَوابه من أوّل من صلى مَعَه من آخر من صلّى بِهِ من الَّذِي ضاجعه بعد المَوْت في ترابه فاعرفوا حق الجار.

نَهَضَ يَوْم الرِّدَّة بفهم واستيقاظ وأبان من نَص الكتاب معنى دق عَن حَدِيد الإلحاظ، فالمحب يفرح بفضائله، والمبغض يغتاظ حسرة الرافضي أن يفر من مجْلِس ذكره، ولَكِن أيْن الفِرار؟!

كم وقى الرَّسُول بِالمالِ والنَّفس، وكانَ أخص بِهِ في حَياته، وهو ضجيعه في الرمس، فضائله جليلة، وهِي خليّة عَن اللّبْس

يا عجبا من يُغطي عين ضوء الشَّمْس في نصف النَّهار، لقد دخلا غارا لا يسكنهُ لابث فاستوحش الصّديق من خوف الحَوادِث فَقالَ الرَّسُول ما ظَنك بِاثْنَيْنِ والله الثّالِث؟

فَنزلت السكينَة فارتفع خوف الحادِث فَزالَ القلق، وطاب عَيْش الماكث، فَقامَ مُؤذن النَّصْر يُنادي على رُؤُوس منائر الأمْصار ﴿ثانِيَ اثْنَيْنِ إذْ هُما في الغار﴾

حبه والله رَأس الحنيفة، وبغضه يدل على خبث الطوية، فَهو خير الصَّحابَة والقرابة، والحجّة على ذَلِك قَوِيَّة، لَوْلا صِحَة إمامته ما قيل ابْن الحنيفة.

مهلا مهلا فَإن دمَ الروافض قد فار، والله ما أحببناه لهوانا، ولا نعتقد في غَيره هوانا، ولَكِن أخذنا بقول عَليّ وكفانا

"رضيك رَسُول الله لديننا أفلا نرضاك لدنيانا؟ "

تالله لقد أخذت من الروافض بالثأر، تالله لقد وجب حق الصدّيق علينا، فَنحْن نقضي بمدائحه، ونَفر بِما نقر بِهِ من السنى عينا، فَمن كانَ رافِضِيًّا فَلا يعد إلَيْنا، وليقل لي أعذار.

(فائدة)

في استئجار النبي ﷺ عبد الله بن أريقط الدؤلي هاديا في وقت الهجرة وهو كافر دليل على جواز الرجوع إلى الكافر في الطب والكحل والأدوية والكتابة والحساب والعيوب ونحوها ما لم يكن ولاية تتضمن عدالة ولا يلزم من مجرد كونه كافرا أن لا يوثق به في شيء أصلا فإنه لا شيء أخطر من الدلالة في الطريق ولا سيما في مثل طريق الهجرة.

[فَصْلٌ مَنزِلَةُ السَّكِينَةِ]

وَمِن مَنازِلِ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ مَنزِلَةُ السَّكِينَةِ

هَذِهِ المَنزِلَةُ مِن مَنازِلِ المَواهِبِ. لا مِن مَنازِلِ المَكاسِبِ. وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ السَّكِينَةَ في كِتابِهِ في سِتَّةِ مَواضِعَ.

الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ لَهم نَبِيُّهم إنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أنْ يَأْتِيَكُمُ التّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٨].

الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٢٦].

الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وأيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها﴾ [التوبة: ٤٠].

الرّابِعُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ السَّكِينَةَ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ ولِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ والأرْضِ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الفتح: ٤].

الخامِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ فَأنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وأثابَهم فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ١٨].

السّادِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا في قُلُوبِهِمُ الحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الجاهِلِيَّةِ فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٦]. الآيَةَ.

وَكانَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إذا اشْتَدَّتْ عَلَيْهِ الأُمُورُ: قَرَأ آياتَ السَّكِينَةِ.

وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ في واقِعَةٍ عَظِيمَةٍ جَرَتْ لَهُ في مَرَضِهِ، تَعْجِزُ العُقُولُ عَنْ حَمْلِها - مِن مُحارَبَةِ أرْواحٍ شَيْطانِيَّةٍ، ظَهَرَتْ لَهُ إذْ ذاكَ في حالِ ضَعْفِ القُوَّةِ - قالَ: فَلَمّا اشْتَدَّ عَلَيَّ الأمْرُ، قُلْتُ لِأقارِبِي ومَن حَوْلِيَ: اقْرَءُوا آياتِ السَّكِينَةِ، قالَ: ثُمَّ أقْلَعَ عَنِّي ذَلِكَ الحالُ، وجَلَسْتُ وما بِي قَلْبَةٌ.

وَقَدْ جَرَّبْتُ أنا أيْضًا قِراءَةَ هَذِهِ الآياتِ عِنْدَ اضْطِرابِ القَلْبِ بِما يَرِدُ عَلَيْهِ. فَرَأيْتُ لَها تَأْثِيرًا عَظِيمًا في سُكُونِهِ وطُمَأْنِينَتِهِ.

وَأصْلُ السَّكِينَةِ هي الطُّمَأْنِينَةُ والوَقارُ، والسُّكُونُ الَّذِي يُنْزِلُهُ اللَّهُ في قَلْبِ عَبْدِهِ، عِنْدَ اضْطِرابِهِ مِن شِدَّةِ المَخاوِفِ. فَلا يَنْزَعِجُ بَعْدَ ذَلِكَ لِما يَرِدُ عَلَيْهِ. ويُوجِبُ لَهُ زِيادَةُ الإيمانِ، وقُوَّةَ اليَقِينِ والثَّباتِ.

وَلِهَذا أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنْ إنْزالِها عَلى رَسُولِهِ ﷺ وعَلى المُؤْمِنِينَ في مَواضِعِ القَلَقِ والِاضْطِرابِ. كَيَوْمِ الهِجْرَةِ، إذْ هو وصاحِبُهُ في الغارِ والعَدُوُّ فَوْقَ رُءُوسِهِمْ. لَوْ نَظَرَ أحَدُهم إلى ما تَحْتَ قَدَمَيْهِ لَرَآهُما. وكَيَوْمِ حُنَيْنٍ، حِينَ ولَّوْا مُدَبِّرِينَ مِن شِدَّةِ بَأْسِ الكُفّارِ، لا يَلْوِي أحَدٌ مِنهم عَلى أحَدٍ. وكَيَوْمِ الحُدَيْبِيَةِ حِينَ اضْطَرَبَتْ قُلُوبُهم مِن تَحَكُّمِ الكُفّارِ عَلَيْهِمْ، ودُخُولِهِمْ تَحْتَ شُرُوطِهِمُ الَّتِي لا تَحَمَّلُها النُّفُوسُ. وحَسْبُكَ بِضَعْفِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ حَمْلِها - وهو عُمَرُ - حَتّى ثَبَّتَهُ اللَّهُ بِالصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: كُلُّ سَكِينَةٍ في القُرْآنِ فَهي طُمَأْنِينَةٌ، إلّا الَّتِي في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: قالَ: «رَأيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَنْقُلُ

مِن تُرابِ الخَنْدَقِ، حَتّى وارى التُّرابُ جِلْدَةَ بَطْنِهِ. وهو يَرْتَجِزُ بِكَلِمَةِ» عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:

؎اللهُمَّ لَوْلا أنْتَ ما اهْتَدَيْنا ∗∗∗ ولا تَصَدَّقْنا ولا صَلَّيْنا

؎فَأنْزِلْنْ سَكِينَةً عَلَيْنا ∗∗∗ وثَبِّتِ الأقْدامَ إنْ لاقَيْنا

؎إنَّ الأُولى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنا ∗∗∗ وإنْ أرادُوا فِتْنَةً أبَيْنا

وَفِي صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةُ إنِّي باعِثٌ نَبِيًّا أُمِّيًا، لَيْسَ بِفَظٍّ ولا غَلِيظٍ، ولا صَخّابٍ في الأسْواقِ، ولا مُتَزَيِّنٍ بِالفُحْشِ، ولا قَوّالٍ لِلْخَنا. أُسَدِّدُهُ لِكُلِّ جَمِيلٍ. وأهَبُ لَهُ كُلَّ خُلُقٍ كَرِيمٍ. ثُمَّ أجْعَلُ السَّكِينَةَ لِباسَهُ، والبَرَّ شِعارَهُ، والتَّقْوى ضَمِيرَهُ. والحِكْمَةَ مَعْقُولَهُ، والصِّدْقَ والوَفاءَ طَبِيعَتَهُ، والعَفْوَ والمَعْرُوفَ خُلُقَهُ، والعَدْلَ سِيرَتَهُ. والحَقَّ شَرِيعَتَهُ، والهُدى إمامَهُ، والإسْلامَ مِلَّتَهُ، وأحْمَدَ اسْمَهُ.

9:41Page 194

ٱنفِرُواْ خِفَافٗا وَثِقَالٗا وَجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٤١

Go forth, whether light or heavy,1 and strive with your wealth and your lives in the cause of Allāh. That is better for you, if you only knew.

No commentary for this ayah

9:42Page 194

لَوۡ كَانَ عَرَضٗا قَرِيبٗا وَسَفَرٗا قَاصِدٗا لَّٱتَّبَعُوكَ وَلَٰكِنۢ بَعُدَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلشُّقَّةُۚ وَسَيَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ لَوِ ٱسۡتَطَعۡنَا لَخَرَجۡنَا مَعَكُمۡ يُهۡلِكُونَ أَنفُسَهُمۡ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ٤٢

Had it been a near [i.e., easy] gain and a moderate trip, they [i.e., the hypocrites] would have followed you, but distant to them was the journey. And they will swear by Allāh,1 "If we were able, we would have gone forth with you," destroying themselves [through false oaths], and Allāh knows that indeed they are liars.

No commentary for this ayah

9:43Page 194

عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمۡ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعۡلَمَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٤٣

Allāh has pardoned you, [O Muḥammad, but] why did you give them permission [to remain behind]? [You should not have] until it was evident to you who were truthful and you knew [who were] the liars.

(فائدة)

تقديم العتاب على الفعل من الله تعالى لا يدل على تحريمه.

وقد عاتب الله تعالى نبيه في خمسة مواضع من كتابه في الأنفال وبراءة والأحزاب، وسورة التحريم، وسورة عبس، خلافا لأبي محمد بن عبد السلام حيث جعل العتب من أدلة النهي.

= وقال البقاعي:

﴿عفا الله﴾ أي ذو الجلال والإكرام ﴿عنك﴾ وهذا كما كانت عادة العرب في مخاطبتهم لأكابرهم بأن يقولوا: أصلح الله الأمير، والملك - ونحو ذلك.

ولما كان من المعلوم أنه لا يأذن إلا لما يرى أنه يرضي الله من تألفهم ونحوه، بين أنه سبحانه يرضى منه ترك الإذن فقال كناية عن ذلك: ﴿لم أذنت لهم﴾ أي في التخلف عنك تمسكًا بما تقدم من الأمر باللين لهم والصفح عنهم موافقًا لما جبلت عليه من محبة الرفق، وهذا إنما كان في أول الأمر لخوف التنازع والفتنة، وأما الآن فقد علا الدين وتمكن أمر المؤمنين فالمأمور به الإغلاط على المنافقين فهلا تركت الإذن لهم ﴿حتى يتبين لك﴾ أي غاية البيان ﴿الذين صدقوا﴾ أي في التزام الأوامر بما أقروا به من كلمة التوحيد ﴿وتعلم الكاذبين﴾ أي فيما أظهروا من الإيمان باللسان، فإنك إن لم تأذن لهم لقعدوا بلا إذن غير مراعين ميثاقهم الذي واثقوك عليه بالطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره.

قال أبو حيان: و ﴿حتى﴾ غاية الاستفهام - انتهى.

وذلك لأنه وإن كان داخلًا على فعل مثبت فمعناه النفي، أي ما لك لم تحملهم على الغزو معك ليتحقق بذلك الحمل من يطيع ومن يعصي، فالحاصل أن الذي فعله ﷺ حسن موافق لما أمره الله به فإنه لا ينطق عن الهوى بل عن أمر الله إما بإيحاء واصل جديد، أو استناد إلى وحي سابق حاصل عتيد، والذي أشار إليه سبحانه أحسن مثل ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك﴾ [الفتح: ٢] من باب «حسنات الأبرار سيئات المقربين» ومن باب الترقية من مقام عال إلى مقام أعلى تسييرًا فيهم بالعدل لما انكشف أنهم ليسوا بأهل الفضل. =

9:44Page 194

لَا يَسۡتَـٔۡذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ أَن يُجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلۡمُتَّقِينَ ٤٤

Those who believe in Allāh and the Last Day would not ask permission of you to be excused from striving [i.e., fighting] with their wealth and their lives. And Allāh is Knowing of those who fear Him.

No commentary for this ayah

9:45Page 194

إِنَّمَا يَسۡتَـٔۡذِنُكَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱرۡتَابَتۡ قُلُوبُهُمۡ فَهُمۡ فِي رَيۡبِهِمۡ يَتَرَدَّدُونَ ٤٥

Only those would ask permission of you who do not believe in Allāh and the Last Day and whose hearts have doubted, and they, in their doubt, are hesitating.

No commentary for this ayah

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском