Al-Wahidi (al-Basit)Yunus · 10:1–9

Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic

يونس

Yunus

Jonah · Meccan · 109 ayahs

10:1Page 208

الٓرۚ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡحَكِيمِ ١

Alif, Lām, Rā.1 These are the verses of the wise2 Book.

﴿الر﴾ قال عطاء، عن ابن عباس: يريد: أنا الله الرحمن [[ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 4/ 64، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 537، ومكي بن أبي طالب في "تفسير المشكل من غريب القرآن" ص 101، وبنحوه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 6/ 1921 من رواية عكرمة عنه، ولفظه: (الر) حروف الرحمن مفرقة، ورواه ابن جرير 11/ 79 بلفظ: (الر) و (حم) و (ن) حروف الرحمن مفرقة.]]، وعنه أيضًا: أنا الله أرى [[رواه ابن جرير 11/ 79، وابن أبي حاتم 6/ 1921، والنحاس في "معاني القرآن الكريم" 3/ 275، والبيهقي في كتاب "الأسماء والصفات" باب: ما جاء في حروف المقطعات في فواتح السور 1/ 232، والثعلبي 7/ 3 أ، والبغوي 4/ 119، وغيرهم. انظر: "الدر المنثور" 3/ 534، والأثر ضعيف؛ لأن في سنده شريك، وهو صدوق يخطئ كثيراً، وفيه عطاء بن السائب وهو صدوق اختلط.]]، وهو قول الضحاك [[رواه ابن جرير 11/ 79، وابن أبي حاتم 6/ 1921، والثعلبي 7/ 3 أ، والبغوي 4/ 119.]].

وقال قتادة: (الر) اسم من أسماء القرآن [[رواه ابن جرير 11/ 79، وابن أبي حاتم 6/ 1921، والثعلبي 7/ 3 أ.]]، وقال أبو روق [[هو: عطية بن الحارث الهمداني.]]: ﴿الر﴾ فاتحة السورة [[رواه الثعلبي 7/ 3 أ.]]، وعلى هذا هي صلة وابتداء واستفتاح للكلام [[في (م): (الكلام).]]، والمعنى: كأنه ابتدأ فقال: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾.

وقال أبو عبيدة: الله أعلم بما أراد بهذه الحروف [[في "مجاز القرآن" 1/ 27: (الم) افتتاح، مبتدأ كلام، شعار للسورة، ولم أجد من ذكره بلفظ المؤلف.]] [[ذهب كثير من المحققين إلى أن الحروف المقطعة ذكرت في أوائل بعض السور بيانًا لإعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله، مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها، وقد قرر هذا القول الزمخشري في "كشافه" 1/ 95 - 98، ونسبه الرازي في "تفسيره" 1/ 6 إلى المبرد والمحققين، وحكاه القرطبي في "تفسيره" 1/ 155، عن الفراء وقطرب، وذهب إليه ابن كثير وشيخ الإسلام ابن تيمية والحافظ المزي، انظر: "تفسير ابن كثير" 1/ 38.

والذي أختاره هو الرأي القائل بان هذه الحروف مما استأثر الله بعلمه فلا يصل أحد إلى معرفة المراد منها حيث لم يصح عن الرسول ﷺ بيان المراد منها، ولم يجمع العلماء فيها على شيء معين، وليس مع أحد المختلفين حجة قاطعة، فالوقف في مثل هذه الحالة أسلم حتى يتبين الحق في هذا المقام. أما وصف القرآن بأنه هدى وتبيان فلا يبطله أن تجيء في أوائل بعض سوره مثل هذه الحروف؛ إذ لا تعلق لها بتكليف ولا خبر، وقد يكون ورودها تنبيهًا على القدرة التامة في جانب الرب، والقصور في جانب العبد، كأسرار الله في الكون والتكاليف. والله أعلم.]].

وقرأ القراء الراءَ بالإمالة في ﴿الر﴾ وتركها [[قرأ ابن كثير وأبو جعفر وقالون ويعقوب وحفص بالفتح، وقرأ ورش بين اللفظين، وقرأ الباقون بالإمالة. انظر: "التيسير في القراءات السبع" ص120، "تحبير التيسير" ص121، "إتحاف فضلاء البشر" ص 246.]]، فمن ترك الإمالة فلأن كثيراً من العرب لا تميل ما يجوز فيه الإمالة عند غيرهم، والأصل ترك الإمالة في هذه الحروف، نحو: (ما)، و (ولا)؛ لأن ألفاتها لا تكون منقلبة عن الياء، وأما من أمال فلأن هذه الحروف أسماء لما [[في (ح): (لا)، وهو خطأ.]] يلفظ به من الأصوات المقطعة في مخارج الحروف، فجازت الإمالة فيها من حيث [[ساقط من (ى).]] كانت أسماء [[في (ى): (الأسماء).]] ولم تكن الحروف التي تمتنع فيها [[ساقط من (ى).]] الإمالة [[في (ى): (إلي).]]، نحو: (ما) [[ساقط من (ى).]] و (لا) وما أشبههما، فقصد بإمالة هذه الحروف -التي هي أسماء للأصوات- الإعلام بأنها أسماء [[ساقط من (ى).]] ليست بحروف.

وفإن قلت: فإن الأسماء لا تكون على حرفين أحدهما حرف لين، وإنما تكون على هذه الصفة الحروف نحو: (لا) و (ما)، فالقول: إن هذه الأسماء لم تمتنع أن تكون على حرفين أحدهما حرف لين؛ لأن التنوين لا يلحقها، فيؤمن لامتناع التنوين من اللحاق لها أن تبقى على حرف واحد، وإذا أمن ذلك لم يمتنع أن يكون الاسم على حرفين أحدهما حرف لين ألا ترى أنهم قالوا: هذه شاة [[في "لسان العرب": (شوه) والشاة: أصلها شاهية فحذفت الهاء الأصلية، وأثبتت هاء العلامة التي تنقلب تاء في الإدراج.]]، فجاء على حرفين، أحدهما حرف لين لما أمن لحاق التنوين له لاتصال علامة التأنيث به، وكذلك قوله: رأيت رجلاً ذا مال؛ لاتصال المضاف إليه به، وكذلك قولهم: كسرت فا زيدٍ.

ومثل شاة في كونها على حرفين أحدهما حرف لين لما دخلت [[في (م): (دخل).]] عليه علامة التأنيث قولهم في الباءة: باه، كأنه أراد: الباءة [[الباءة: النكاح والتزوج، وفيه لغات: الباهُ والباءُ والباءة والباهة. انظر: "مجمل اللغة" (بوأ) 1/ 138، "لسان العرب" (بهه) 1/ 380، "النهاية في غريب الحديث والأثر" (بوأ) 1/ 160.]]، فأبدل من الهمزة الألف كما أبدلها في قوله [[هو الفرزدق، وتمام البيت كما في "ديوانه" 1/ 408:

ومضت لمسلمة الركاب مودعًا ... فارعي فزارة لا هناك المرتع

والبيت منسوب للفرزدق أيضًا في: "شرح أبيات سيبويه" 2/ 294، و"طبقات فحول الشعراء" 2/ 340، و"كتاب سيبويه" 1/ 184، و"المقتضب" 1/ 167 وروايته في هذه المصادر:

راحت بمسلمة البغال عشية ... فارعي فزارة .......... إلخ

والبيت من قصيدة يهجو بها الفرزدق الأمير عمر بن هبيرة الفزاري لما تولى العراق بعد عزل عبد الملك بن بشر عن البصرة، وسعيد بن عمرو عن الكوفة، ورحيل مسلمة بن عبد الملك إلى الشام.]]:

... لا هَنَاكِ المَرْتَعُ

فاجتمع ألفان فحذف أحدهما لالتقاء الساكنين فبقي الاسم على حرفين أحدهما حرف لين، أنشد اليزيدي [[هو: يحيى بن المبارك بن المغيرة العدوي البصري أبو محمد النحوي، المعروف باليزيدي لاتصاله بالأمير يزيد بن منصور خال المهدي لتأديب أولاده، وقد أدب المأمون أيضًا، وكان ثقة عالمًا حجة في القراءة، أخباريًّا نحويًّا لغويًّا، نظيرًا للكسائي، وتوفي سنة 202 هـ. انظر: "تاريخ بغداد" 14/ 146،"نزهة الألباء" ص 69، "الحجة للقراء السبعة" 4/ 245، فقد نص أبو علي في هذا الموضوع أن المذكورر أبو محمد لا غيره.]]:

فياشرَّ مُلْكٍ ملْكِ قيس بن عاصم ... على أن قيسًا لم يطأ باه مَحْرَم [[لم أهتد لمصادره.]] ومثل هذا ما رواه الفراء عن الكسائي أنه سمع: اسقني شربة مًا يا هذا [["الحجة للقراء السبعة" 4/ 245.]]، يريد شربة ماء، فقصر [[ساقط من (ى).]] وأخرجه على لفظ (من)، هذا إذا مضى فإذا [[في (م): (وإذا).]] وقف قال: ما، والقول في هذا كالقول في باهٍ؛ إلا أن باهًا [[في (ح): (أباه)، وهو خطأ، وفي (ى) و (م): (باهً)، إلا أنها لم تشكل في (ى)، وانظر النص في "الحجة للقراء السبعة" 4/ 246.]] أحسن من مًا، لتكثرها بعلامة التأنيث.

ولم يعد ﴿الر﴾ آية كما عد ﴿طه﴾؛ لأن آخره لا يشاكل رؤوس الآي التي بعده [إذ هي بمنزلة المردف بالباء، و ﴿طه﴾ عدّ؛ لأنه يشاكل رؤوس الآي التي بعده [[الصحيح أن الآية إنما تعلم بتوقيف من الشارع، ولا مجال للقياس في ذلك، وما ذكره المؤلف غير مطرد؛ فإن (المص) آية في سورة الأعراف، وآخرها لا يشاكل رؤوس الآي التي بعدها. وانظر: "البرهان" للزركشي 1/ 252، "الإتقان" 1/ 88.]]] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ى).]].

قوله تعالى ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ قال أبو عبيدة: المعنى هذه آيات [["مجاز القرآن" 1/ 272.]]، وقال الزجاج: أي تلك الآيات التي جرى ذكرها آيات الكتاب الحكيم [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 5.]]، وقد بينّا في أول سورة البقرة جواز (تلك) و (ذلك) بمعنى (هذه) و (هذا).

وقال صاحب النظم: نظم هذه الفاتحة مثل نظم قوله تعالى: {الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ} إلا أن الكتاب مذكر فقال (ذلك) والآيات مؤنثة وقال (تلك) قال: وربما أخرج ذلك على ما تقدم وربما أخرج علي ما تأخرج وأخرج هاهنا [[ساقط من (م).]] على ما تأخرة لأن (ذلك) و (ذاك) و (تلك) و (أولئك) إشارات تقع على ما يقصد بالإشارة إليه، وقد قال عطاء عن ابن عباس: يريد هذه الآيات التي أنزلتها على محمد ﷺ [[ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 538.]].

وأراد بـ ﴿الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ القرآن في قول أكثر المفسرين [[انظر: "تفسير ابن جرير" 11/ 80، والسمرقندي 2/ 87، والثعلبي 7/ 3 ب، والبغوي 4/ 119.]]، والحكيم: الحاكم (فعيل) بمعنى (فاعل) دليله قوله: ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [البقرة: 213] وقيل: إنه بمعنى المحكم [[هذا قول أبي عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 272.]]، قال مقاتل: المحكم من الباطل لا كذب فيه ولا اختلاف [["تفسير مقاتل" 137 ب.]]، وقد بينا قبل هذا أن الأحكام معناه المنع من الفساد، ويدل على أن الحكيم هاهنا بمعنى المحكم قوله: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود: 1].

قال الأزهري: وهذا سائغ في اللغة، والقرآن يبين بعضه بعضًا، وإنما جاز ذلك؛ لأن (حكمت) تجري مجرى (أحكمت) في المعنى فرد إلى الأصل والله أعلم [["تهذيب اللغة" (حكم) 1/ 886 بنحوه.]].

وقد قال الأعشى: وغريبة تأتي الملوك حكيمة ... قد قلتها ليقال من ذا قالها [[البيت للأعشى الكبير في "ديوانه" ص 151، "خزانة الأدب" 4/ 259، "الدرر اللوامع" 1/ 269.]]

يذكر قصيدته ويعني بالحكيمة المحكمة.

وقال الحسن في قوله: ﴿الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ حكم فيه بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وحكم فيه بالنهي عن الفحشاء والمنكر والبغي، وحكم فيه بالجنة لمن أطاعه، وبالنار لمن عصاه [[رواه الثعلبي 7/ 3 ب، والبغوي 4/ 119.]]، فعلى هذا الحكيم بمعنى المحكوم فيه.

10:2Page 208

أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنۡ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ رَجُلٖ مِّنۡهُمۡ أَنۡ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنَّ لَهُمۡ قَدَمَ صِدۡقٍ عِندَ رَبِّهِمۡۗ قَالَ ٱلۡكَٰفِرُونَ إِنَّ هَٰذَا لَسَٰحِرٞ مُّبِينٌ ٢

Have the people been amazed that We revealed [revelation] to a man from among them, [saying], "Warn mankind and give good tidings to those who believe that they will have a [firm] precedence of honor1 with their Lord"? [But] the disbelievers say, "Indeed, this is an obvious magician."

قوله تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا﴾ الآية، قال ابن عباس والمفسرون: عجبت قريش من إرسال الله [[في (ح) و (ي): (إرسال محمد).]] محمدًا ﷺ إلى العباد، وقالوا أما [[في (ح) و (ي): (ما).]] وجد الله تعالى من يرسله إلينا إلا يتيم أبي طالب؟! فأنزل الله تعالى قوله: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا﴾ [[ذكره النحاس في "معاني القرآن الكريم" 3/ 276، والزمخشري في "الكشاف" 2/ 224، ورواه عن ابن عباس بمعناه ابن جرير 11/ 81، وابن أبي حاتم 6/ 1922، والثعلبي 7/ 3 ب، وأبو الشيخ وابن مردويه كما في "الدر المنثور" 3/ 535.]] والألف فيه للتوبيخ والإنكار، ويعني بالناس أهل مكة.

وقوله تعالى: ﴿أَنْ أَوْحَيْنَا﴾ (أن) في محل الرفع؛ لأنه اسم لِكان بمنزلة قولك: إيحاؤنا.

وقوله تعالى: ﴿أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ﴾ (أن) نصب بـ (أوحينا)، قال عطاء، عن ابن عباس: عجبوا أن اخترت من خلقي رجلاً منهم يعرفونه ويعرفون أباه وأمه، وفيهم وُلد ونشأ يسمونه الأمين، لا يعدلون به أحدًا في صغره، ولا شابًا في شبابه، ولا كهلًا في سنه، فكذبوه ورموه بكل [[ساقط من (ى).]] ما ليس فيه وإنما بعثه الله مبشرًا [[في (م): (بشيرًا).]] ونذيرًا فذلك قوله: ﴿أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾.

قال الليث وأبو الهيثم: القدم: السابقة، وكذلك القُدمة، والمعنى أنه قد سبق لهم عند الله خير [["تهذيب اللغة" (قدم) 3/ 2902، ونحوه في كتاب "العين" (قدم) 5/ 122، وليس لأبي الهيثم سوى الكلمتين الأوليين.]].

وقال ذو الرّمة:

وأنت امرؤ من أهل بيت ذؤابةٍ ... لهم قدم معروفة ومفاخر [[البيت في "ديوان ذي الرمة" 2/ 1044، و"تهذيب اللغة" (قدم) 3/ 2902، و"لسان العرب" (قدم) 6/ 3552.]]

قال: القدم السابقة وما تقدموا فيه غيرهم [[النص في "تهذيب اللغة"، الموضع السابق، دون تعيين القائل.]].

وقال أحمد بن يحيى في هذه الآية: القدم كل ما قدمت من خير، قال: وتقدَّمَتْ فيه لفلان قدم: أي تقدم في الخير [["تهذيت اللغة" (قدم) 3/ 2902.]].

وقال ابن الأنباري: القدم: كناية عن العمل الذي يتقدم فيه ولا يقع فيه تأخر ولا إبطاء؛ لأن العادة جارية بتقدم الساعي على قدميه، فالقدم كنت [[في (ي): (كفت)، وفي (م): (كعب)، وكلاهما خطأ.]] من العمل الصالح، وسدّت مسدّ السبق.

وأنشد لحسان يخاطب [[في (ح) و (ز): (مخاطبًا).]] النبي ﷺ:

لنا القدم الأولى إليك وخلفنا ... لأولنا في طاعة [[في "الزاهر" ملة. وما ذكره الواحدي موافق لديوان حسان.]] الله تابع [[البيت في "ديوان حسان" ص 148.]] [["الزاهر في معاني كلمات الناس" 1/ 353 بنحوه، وذكر بعضه الرازي في "تفسيره" 17/ 7.]]

هذا الذي ذكرنا معنى القدم في اللغة.

فأما التفسير فقال ابن عباس: أجرًا حسنًا بما قدموا من أعمالهم [[رواه ابن جرير 11/ 81، والثعلبي 7/ 4 أ، والبغوي 4/ 120.]]، وعلى هذا، المعنى: أن لهم أجر قدم صدق أو ثوابه، على تقدير حذف المضاف.

وقال مجاهد والحسن: يعني الأعمال الصالحة [[رواه عن مجاهد الإمام ابن جرير 11/ 81، وبنحوه ابن أبي حاتم 6/ 1923 - 1924، ورواه عن الحسن بنحوه الثعلبي 7/ 4 أ، والبغوي 4/ 120.]]، وعلى هذا لا حذف.

وقال الوالبي عن ابن عباس: سبقت لهم السعادة [[رواه ابن جرير 11/ 82، وابن أبي حاتم 6/ 1922 - 1923، والثعلبي 7/ 4 أ، والبغوي 4/ 120، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 535، وعند جميعهم زيادة نصها: في الذكر الأول.]].

وقال ابن زيد: محمد ﷺشفيع لهم [[لم أجده من ذكره عن ابن زيد وإنما روي عن أبي زيد، فقد رواه عنه الثعلبي 7/ 4 أ، وبنحوه البغوي 4/ 120، وذكره البخاري معلقًا في "صحيحه" كتاب التفسير، سورة يونس، وابن جرير 11/ 82.]]، واختار ابن الأنباري أن يكون المراد بالقدم العمل الصالح [["المذكر والمؤنث" 1/ 229 لكنه لم يذكر فيه البيت المذكور وقد ذكره في كتابه "الزاهر" 1/ 353 لكنه لم يختر قولًا معينًا بعد أن ذكر في الآية أربعة أقوال، وانظر: "تفسير الرازي" 17/ 7، "البحر المحيط" 5/ 120.]]، وأنشد:

صَلِّ لذي العرش واتخذ قدما ... تنجيك يوم العثار والزلل [[البيت لوضاح اليمن، كما في "تفسير القرطبي" 8/ 307، "البحر المحيط" 5/ 122، "الدر المصون" 6/ 146، وقبل هذا البيت:

ما لَكَ وضاحُ دائم الغزل ... ألست تخشى تقارب الأجل]]

وأكثر أهل التفسير والمعاني على هذا [[انظر: "تفسير ابن جرير" 11/ 81 - 83، "معاني القرآن" للنحاس 3/ 276.]]، وهو قول مقاتل [[يعني ابن سليمان، انظر: "تفسيره" ص 137 ب.]]، وسعيد بن جبير [[لم تذكر المصادر التي بين يدي قوله هذا، وقد رواه ابن جرير 11/ 82 عنه، عن قتادة بلفظ: سلف صدق عند ربهم.]]، والشعبي، وقطرب [[لم أقف على قولهما.]]، والقتيبي [["تفسير غريب القرآن" له ص 194.]]، وأبي عبيدة [["مجاز القرآن" 1/ 273 ولفظه: قدم صدق عند ربهم: مجازه: سابقة صدق عند ربهم، ويقال: له قدمٌ في الإسلام وفي الجاهلية. وانظر: "تفسير الثعلبي" 7/ 4 ب.]]، وذكرنا [[هكذا في جميع النسخ، والأولى أن يقول: وذكرناه.]] أيضًا عن الحسن، ومجاهد.

وقوله تعالى: ﴿قَالَ الْكَافِرُونَ﴾ تم الكلام عند قوله: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ثم ابتدأ فقال: ﴿قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾، قال عطاء، عن ابن عباس: أخرجوا محمدًا من علمهم فيه بالأمانة والصدق إلى غير علمهم فكفروا [[ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 538.]].

وقرئ: (لساحر) بالألف [[قرأ الكوفيون وابن كثير وخلف (لساحر) بالألف، وقرأ الباقون (لسحر) من غير ألف. انظر كتاب "السبعة" ص 322، "إرشاد المبتدي" ص 301، "النشر في القراءات العشر" 2/ 256.]]، والوجهان يحتملهما قوله: ﴿أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ﴾ فمن قال (ساحر) أراد به الرجل، ومن قال (سحر) أراد الذي أُوحي سحر.

10:3Page 208

إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَۖ مَا مِن شَفِيعٍ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ إِذۡنِهِۦۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُوهُۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ٣

Indeed, your Lord is Allāh, who created the heavens and the earth in six days and then established Himself above the Throne,1 arranging the matter [of His creation]. There is no intercessor except after His permission. That is Allāh, your Lord, so worship Him. Then will you not remember?

قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ﴾ إلى قوله: ﴿عَلَى الْعَرْشِ﴾ مفسَّر في سورة الأعراف [54].

وقوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾، معنى التدبير: تنزيل الأمور في مراتبها على أحكام عواقبها، قال ابن عباس: يخلق ما يكون [[ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 538، وبمعناه القرطبي في "تفسيره" 8/ 308.]]، وقال مقاتل: يقضيه وحده [["تفسيره" 137 ب.]].

وقوله تعالى: ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾، قال أبو إسحاق: الذي اقتضى ذكر الشفيع أنهم كانوا يقولون إن الأصنام شفعاؤهم عند الله، وقد ذكر الله هذا عنهم في هذه السورة في قوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ [يونس: 18] [يونس:18] الآية، فأيسهم الله عن ذلك بقوله: ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ [[اهـ. كلام الزجاج، انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 6 بتصرف.]].

قال الكلبي: ما من شفيع من الملائكة والنبيين [[ساقط من (ى).]] إلا من بعد أمره في الشفاعة [[ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 538، ورواه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 208، عن الكلبي، عن ابن عباس بنحوه.]].

10:4Page 208

إِلَيۡهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعٗاۖ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقًّاۚ إِنَّهُۥ يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ لِيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ بِٱلۡقِسۡطِۚ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمۡ شَرَابٞ مِّنۡ حَمِيمٖ وَعَذَابٌ أَلِيمُۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡفُرُونَ ٤

To Him is your return all together. [It is] the promise of Allāh [which is] truth. Indeed, He begins the [process of] creation and then repeats it that He may reward those who have believed and done righteous deeds, in justice. But those who disbelieved will have a drink of scalding water and a painful punishment for what they used to deny.

قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾، قال ابن عباس: يريد: إليّ [[في (ى): (إليه)، وهو غير مناسب للسياق.]] مصيركم يوم القيامة وعندي الثواب والعقاب [["تنوير المقباس" ص 208 بمعناه.]]، فالمرجع بمعنى الرجوع، ومعنى الرجوع إلى الله الرجوع إلى جزائه [[الجزاء يقتضي الرجوع إلى الله، أما الرجوع إلى الله فهو بمعنى الإتيان المذكور في قوله تعالى: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدً﴾ [مريم: 95]، فيترك النص على ظاهره وينزه الله مما يتوهم من لوازم باطله.]]، وهذا مما سبق بيانه [[انظر: "تفسير البسيط" البقرة: 28.]].

و ﴿جَمِيعًا﴾ نصب على الحال.

وقوله تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ منصوب على معنى وعدكم الله وعدًا؛ لأن قوله: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ معناه الوعد بالرجوع. قاله الزجاج [[المصدر التالي، نفس الموضع.]]، قال: و ﴿حَقًّا﴾ منصوب على أحق ذلك حقًا [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 7.]].

وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ رد على المشركين الذين أنكروا البعث فاحتج الله عليهم بالنشأة [[في (ح): (بالبشارة)، وهو خطأ.]] الأولى.

وقوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ﴾، قال ابن عباس: يريد بالعدل جزاءً لا يصفه الواصفون [[رواه مختصرًا ابن أبي حاتم 6/ 1927، من رواية الضحاك وفيها انقطاع، وكذلك الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 208، من رواية الكلبي، وحاله لا تخفى، لكن المعنى صحيح.]].

فإن قيل: لم أفرد المؤمنين بالقسط دون غيرهم وهو يجزي الكافر أيضًا بالقسط؟ قال ابن الأنباري: لو جمع الله الصنفين بالقسط لم يتبين ما يقع بالكافرين من العذاب الأليم، ففصلهم من المؤمنين ليبين ما يجزيهم به مما هو عدل غير جور، فلهذا خص المؤمنين بالقسط، وأفرد الكافرين بخبر يرجع إلى تأويله بزيادة في الإبانة والفائدة [[ذكره مختصرًا بن الجوزي في "زاد المسير" 4/ 8.]].

وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾ الحميم: الذي قد أسخن بالنار حتى انتهى حره، يقال: حممت الماء: أي أسخنته، أحميه [[في (ح) و (ى): (أحمه).]] فهم حميم، ومنه الحمام.

10:5Page 208

هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمۡسَ ضِيَآءٗ وَٱلۡقَمَرَ نُورٗا وَقَدَّرَهُۥ مَنَازِلَ لِتَعۡلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلۡحِسَابَۚ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۚ يُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ٥

It is He who made the sun a shining light and the moon a derived light and determined for it phases - that you may know the number of years and account [of time]. Allāh has not created this except in truth. He details the signs for a people who know.

قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً﴾، قال أبو علي: الضياء لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون جمع ضوء، كسوط وسياط، وحوض وحياض، أر مصدر ضاء يضوء ضياءً، كقولك قام قيامًا، وصام صيامًا [[في "الحجة": عاد عيادةً.]]، وعلى أي الوجهين حملته فالمضاف محذوف، والمعنى: جعل الشمس ذات ضياء، والقمر ذا نور، ويجوز أن يكون جُعلا النور والضياء لكثرة ذلك منهما [[اهـ. كلام أبي علي، انظر: "الحجة للقراء السبعة" 4/ 258.]].

وروي عن ابن كثير من طريق قنبل [[هو: محمد بن عبد الرحمن بن محمد المخزومي مولاهم، أبو عمر المكي، مقرئ أهل مكة في عصره، وراوية الإمام ابن كثير، وانتهت إليه رئاسة الإقراء بالحجاز، وتوفي سنة 291 هـ.

انظر: "معرفة القراء الكبار" 1/ 230، "غاية المنتهى" 2/ 165، "النشر في القراءات العشر" 1/ 115.]] (ضئاءً [[ساقط من (م).]] بهمزتين [[انظر: "السبعة" ص 323، "التيسير" ص 120، "إرشاد المبتدي" ص 359، " النشر" 1/ 406.]]، وأكثر الناس على تغليطه في ذلك [[انظر: "السبعة" ص 323، "النشر" 1/ 406، "البحر المحيط" 5/ 125، ولا وجه لتغليط قنبل إذ وافقه الحلواني عن القواس، عن ابن كثير، انظر: "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 328، "النشر" 1/ 406، وانظر توجيه القراءة والرد على من ضعفها في "الدر المصون" 6/ 151 - 152.]]؛ لأن ياء [[ساقط من (ح).]] ضياء منقلبة عن واو، مثل ياء قيام وصيام فلا وجه للهمز فيها، وعلى البعد يجوز أن يقال: الهمزة في موضع العين [من (ضياء) يكون على القلب كأنه قَدَّم اللام التي هي همزة إلى موضع العين] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ى).]] وأخَّر العين التي هي واو إلى موضع اللام، فلما وقعت طرفًا بعد ألف زائدة انقلبت [همزة كما انقلبت] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ح) و (ز).]] في سقاء [[أجل سقاء، سقاي؛ لأنه من سقى يسقي، فلما تطرفت الياء بعد ألف زائدة انقلبت همزة.]] وبابهن وهذا إذا قدر الضياء جمعا كان أسوغ، ألا ترى أنهم قالوا: [قوس وقسي؛ فصححوا الواحد وقلبوا في الجمع [[قال الجوهري: أصل قسي: قووس؛ لأنه (فعول) إلا أنهم قدموا اللام وصيروه قسو على (فلوع) ثم قلبوا الواو ياء وكسروا القاف كما كسروا عين عِصِيّ، فصارت فسي على (فِليع). "الصحاح" (قوس)، "لسان العرب" (قوس).]]، وإذا قدرته مصدرًا كان أبعد؛ لأن المصدر يجري على فعله في الصحة والاعتلال، والقلب ضرب من الاعتلال فإذا لم يكن في الفعل امتنع أن يكون في المصدر أيضاً، ألا ترى أنهم قالوا] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ح) و (ز).]]: لاوذ لواذا، وبايع بياعا فصححوهما [[في (ى): (فصححوا)، والمثبت موافق لـ"الحجة"، وهو أنسب للسياق.]] في المصدر لصحتهما في الفعل، وقالوا: قام قيامًا، فأعلوه [[في (ح): (علّوه).]] ونحوه؛ لاعتلاله في الفعل [[نقل الواحدي توجيه القراءة من "الحجة للقراء السبعة" 4/ 258.]].

وقوله تعالى: ﴿وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ﴾، قال الفراء [["معاني القرآن" 1/ 458.]]، والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 7.]]، وابن الأنباري وغيرهم [[انظر: "تفسير ابن جرير" 11/ 86، والثعلبي 7/ 5 أ، والبغوي 4/ 121، و"إعراب القرآن" للنحاس 2/ 50.]]: خص القمر بالعائد لأن به تعرف المشهور دون الشمس فلحقه الاختصاص، قالوا: ويجوز أنه أراد: وقدرهما، فاكتفى بإعادة الذكر على أحدهما اختصارًا، ولهذا نظائر قد تقدمت [[انظر مثلاً: تفسير قول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: 62].]].

ومعنى قدر: أي هيأ ويسر [[في "لسان العرب" (قدر) تقدير الله الخلق: تيسيره كلًّا منهم لما علم أنهم صائرون إليه من السعادة والشقاء.]]، وقوله: ﴿وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ﴾ يتوجه علي أحد وجهين [[في (خ): (الوجهين).]]: إما أن يقال: المعنى: قدر له منازل، فحذف الجار وأفضى الفعل، وإما إن يقال: قدره [[ساقط من (ح).]] ذا منازل، فحذف المضاف [[انظر الوجهين في "التبيان في إعراب القرآن" ص 433.]]

وقوله تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾، قال ابن عباس: يقول: لو جعلت شمسين شمسًا بالنهار وشمسًا بالليل ليس فيها ظلمة [[في (خ): (ظل).]] ولا ليل لم تعلموا عدد السنين والحساب [[ذكره القرطبي في "تفسيره" 8/ 310.]].

قال الكلبي: يعني حساب المشهور والسنين والأيام والساعات [["تنوير المقباس" ص 208 عنه، عن ابن عباس مختصرًا.]].

وقوله تعالى: ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ يعني ما تقدم [[ساقط من (ي).]] ذكره من الشمس والقمر ومنازله، ﴿ذَلِكَ﴾ يُشار به إلى أكثر من الواحد، وذكرناه في قوله: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: 68] مستقصى مشروحًا [[ساقط من (ح).]].

وقوله تعالى: ﴿بِالْحَقِّ﴾، قال ابن عباس: يريد بالعدل؛ لأنه هو الحق، وكل ما جاء من عنده هو الحق [[لم أقف عليه.]]، وعلى هذا، المعنى: ما خلق الله ذلك إلا عادلًا في خلقه لم يخلقه ظلمًا ولا باطلاً، بل إظهارًا لصنعه ودلالة على قدرته وحكمته، وقال بعضهم: الباء هاهنا بمعنى اللام، والمعنى ما خلق الله ذلك إلا للحق [[انظر: "زاد المسير" 4/ 9، "البحر المحيط" 5/ 126.]]، وهو ما ذكرنا من إظهار صنعه وقدرته ووحدانيته، وذكرنا وجهًا آخر في قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ﴾ في سورة الأنعام [[الآية 73. من "تفسير البسيط" ونصه: (وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق: أي بكمال قدرته وشمول علمه، وإتقان صنعه، وكل ذلك حق) اهـ. ثم أحال على آية سورة يونس.]].

وقوله تعالى: ﴿نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ أي نبينها ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أي يتدلون بالأمارات والبراهين على قدرة الله، ولهذا خص العلماء؛ لأنهم المستدلون دون الجُهّال الذين لا يبلغون هذه المنزلة.

10:6Page 208

إِنَّ فِي ٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَّقُونَ ٦

Indeed, in the alternation of the night and the day and [in] what Allāh has created in the heavens and the earth are signs for a people who fear Allāh.

قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ إلى قوله: ﴿لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾، قال ابن عباس: يريد اتقَوُا الله، ولم [[في (ح): (ولا).]] يشركوا به شيئًا [[لم أقف عليه.]] يعني لقوم يؤمنون باللهِ فيعلمون ويقرون، وذلك أن من كفر ولم يستدل بما ذكر في هذه الآيات فليست له دلالة فيما خلق الله في السموات والأرض.

10:7Page 209

إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا وَرَضُواْ بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَٱطۡمَأَنُّواْ بِهَا وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَنۡ ءَايَٰتِنَا غَٰفِلُونَ ٧

Indeed, those who do not expect the meeting with Us and are satisfied with the life of this world and feel secure therein and those who are heedless of Our signs -

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾، قال ابن عباس [[انظر: "زاد المسير" 4/ 10، "مفاتيح الغيب" 17/ 40، "الوسيط" 2/ 539.]]، ومقاتل [[انظر: "تفسيره" 138 أ.]]، والكلبي [[انظر: "مفاتيح الغيب"، الموضع السابق، والنص في "تنوير المقباس" ص 207 بنحوه عنه، عن ابن عباس.]]: لا يخافون البعث، والمعنى أنهم لا يخافون ذلك؛ لأنهم لا يؤمنون بها فلا يوجلون منها كما يوجل المؤمنون المصدقون بها المعنيون بقوله: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾ [النازعات: 45] 45]، وبقوله: ﴿وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: 49]، ويكون الرجاء هاهنا الخوف، كما قال تعالى: ﴿لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [[وفي الآية أقوال أخرى، انظرها في: "تفسير ابن جرير" 11/ 87 - 88، 94 - 95، وقد رجح ما ذكره المؤلف.]] [نوح:13]، وقال الهذلي:

إذا لسعته النحل لم يَرجُ لسعها ... وخالفها في بيت نوب [[في (ح): (قول)، وهو خطأ. والنوب: النحل. انظر: "الصحاح" (نوب) 1/ 229.]] عوامل [[في "تفسير ابن جرير"، "لسان العرب" عواسل.]] [[البيت لأبي ذؤيب الهذلي كما في "شرح ديوان الهذليين" 1/ 143، "الصحاح" (نوب)، "تهذيب اللغة" (رجا)، "المخصص" 17/ 11، "لسان العرب" (رجا)، " تفسير ابن جرير" 11/ 87.]]

وقال آخرون في قوله: ﴿لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾: لا يطمعون في ثوابنا [[انظر: "تفسير السمرقندي" 2/ 89، والماوردي 8/ 423، والرازى 17/ 38، و"البحر المحيط" 5/ 126، و"السامع لأحكام القرآن" 8/ 311.]]، فيكون الرجاء هاهنا الذي خلافه اليأس، كما قال: ﴿قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ [الممتحنة: 13]، وذكرنا معنى لقاء الله في قوله: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: 46].

وقوله تعالى: ﴿وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي بدلاً من الآخرة، كما قال: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ [التوبة: 38]، وقد مر.

وقوله تعالي: ﴿وَاطْمَأَنُّوا بِهَا﴾، قال ابن عباس والمفسرون: أي ركنوا إليها؛ لأنهم لا يؤمنون بشيء من الثواب والعقاب [[انظر: "زاد المسير" 4/ 10، "الوسيط" 2/ 539، "معالم التنزيل" 4/ 122، ولم أجد من ذكره عن ابن عباس بهذا اللفظ بل ذكره عنه ابن الجوزي في الموضع السابق بلفظ: (آثروها)، وذكره الفيروزأبا في في "تنوير المقباس" ص 209 بلفظ: (رضوا بها).]]، كما قال: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ [الجاثية: 24] الآية، فهؤلاء فرحهم يكون للدنيا، وغمهم لها، ورضاهم وسخطهم لها.

﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ﴾، قال ابن عباس [[ساقط من (ى).]]: يريد ما أنزلت من حلالي وحرامي وفرضت من شرائعي [[لم أجد من ذكره عنه بهذا اللفظ، وقد رواه الثعلبي 7/ 6، والبغوي 4/ 122، والفيروزأبادي ص 209، وابن الجوزي 4/ 10 بلفظ: (عن آياتنا): (محمد ﷺ والقرآن).]].

10:8Page 209

أُوْلَٰٓئِكَ مَأۡوَىٰهُمُ ٱلنَّارُ بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ٨

For those their refuge will be the Fire because of what they used to earn.

No commentary for this ayah

10:9Page 209

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ يَهۡدِيهِمۡ رَبُّهُم بِإِيمَٰنِهِمۡۖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمُ ٱلۡأَنۡهَٰرُ فِي جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ ٩

Indeed, those who have believed and done righteous deeds - their Lord will guide them because of their faith. Beneath them rivers will flow in the Gardens of Pleasure.

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾، معناه: يهديهم ربهم إلى الجنان ثوابًا لهم بإيمانهم [وأعمالهم الصالحة، هذا معنى قول المفسرين في هذه الآية [[انظر: "تفسير ابن جرير" 11/ 88، والثعلبي 7/ 6 أ، والبغوي 4/ 122، وابن الجوري 4/ 10، والماوردي 2/ 423.]]، قال مجاهد في قوله: ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾ [[[ما بين المعقوفين ساقط من (ح).]] يكون لهم نور يمشون به [[رواه ابن جرير 11/ 89، وابن أبي حاتم 6/ 1929، والبغوي 4/ 122.]]،] يعني أن الله تعالى يهديهم بذلك النور إلى الجنة، ونحو هذا قال مقاتل: يهديهم بالنور على الصراط إلى الجنة [[انظر: "تفسير الثعلبي" 7/ 6 أ، والسمرقندي 2/ 89، ولعل القول لمقاتل بن حيان إذ لم أجده في "تفسير مقاتل بن سليمان".]]، وهو قول أبي روق [["تفسير الثعلبي" 7/ 6 أ، والقرطبي 8/ 312.]].

وقال قتادة: إن المؤمن يُصوّر له عمله في صورة حسنة، فيقول له: من أنت؟ فيقول: أنا عملك، فيكون له نورًا وقائدًا إلى الجنة، والكافر على ضد ذلك، فلا يزال به عمله حتى يدخله النار [[رواه عنه بنحوه مرفوعًا ابن جرير 11/ 88، ورواه ابن أبي حاتم 6/ 1929، عن قتادة عن الحسن مرفوعًا أيضًا، وهو حديث مرسل، وانظر: "تفسير ابن كثير" 2/ 448.]].

وقال ابن الأنباري: يجوز أن يكون المعنى: إن الله تعالى يزيدهم هداية بخصائص وألطاف وبصائر ينور بها قلوبهم، ويزيل بها الشكوك عنهم كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد: 17] الآية [[ذكره بنحوه الرازى في "تفسيره" 17/ 42، وأبو حيان في "البحر المحيط" 5/ 127.]]، ويجوز أن يكون المعنى يثبتهم على الهداية كما قلنا في قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: 6].

وقوله تعالى: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ﴾ أي من [[ساقط من (م).]] بين أيديهم، وهم يرونها من علو أسِرَّتهم وقصورهم.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском