Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
الواقعة
Al-Waqi'ah
The Inevitable · Meccan · 96 ayahs
﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ قال أهل المعاني [[انظر: "الكشاف" 4/ 55، و"الجامع" للقرطبي 17/ 194، و"فتح القدير" 5/ 147.]]: اذكر إذا وقعت الواقعة، وقال "صاحب النظم": إذا هاهنا صفة وفضل ولغو، كما قال -عَزَّ وَجَلَّ-: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: 1] وتأويله: انشقت السماء، كما قال: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [القمر: 1] و ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: 1]، ونظيره في الكلام: قد جاء الشتاء وجاء الصوم بمعنى اقترب ودنا، وإنما قلنا: إن (إذا) ملغاة، لأنه لم يجيء لها خبر ولا جواب، ومنه قول الهذلي [[هو عبد مناف بن ربع الهذلي، جاهلي، والبيت ورد في "ديوان الهذليين" 2/ 42، وروايته (فتائدة)، و"الأمالي" لابن الشجري 2/ 122، و"الإنصاف" ص 461، و"الخزانة" 7/ 39، 41. وانظر أيضًا: "اللسان" 3/ 16 (قتد)، 2/ 188 (سلك)، و"تهذيب اللغة" 10/ 63 (سلك) ونسبه لابن أحمر.
والقتائد: ثنية معروفة، وقيل: اسم عقبة، والشُّرد جمع شرود.]]:
حتى إذا أسلكوهم في قتائدهم ... شلَّا كما يطرد الجمالة الشردا يريد حتى أسلكوهم واليت آخر القصيدة ولم يجيء لـ (إذا) جواب هذا كلامه [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 195.]]، والأول الوجه.
قال المبرد: (وَقَعَتِ) معناه: تقع؛ لأن إذا للاستقبال ومعنى الوقوع هاهنا ظهور بالحدوث كظهور الساقط يحضره الرأي [[انظر: "الكشاف" 4/ 55، و"روح المعاني" 27/ 129.]].
وقال أبو إسحاق: يقال لكل [[في (ك): (كل).]] آت كان يتوقع: قد وقع، تقول: قد وقع الأمر، كقولك: قد جاء الأمر [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 107.]].
قال ابن عباس: إذا قامت القيامة [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 329، و"الوسيط" 4/ 231، و"زاد المسير" 8/ 130.]].
قال أبو عبيدة والأخفش: الواقعة: اسم للقيامة كالآزفة وغيرها [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 247.]]، وهذا هو الصحيح [[وبه قال ابن قتيبة واعتمده ابن كثير وغيره من المفسرين.
انظر: "تفسير غريب القرآن" ص 445، و"ابن كثير" 4/ 282، و"فتح القدير" 5/ 147.]]؛ لأن المعنى أنها ستقع، وأما ما قال مقاتل في تفسير الواقعة أنها الصيحة وهي النفخة الأخيرة [[انظر: "تفسير مقاتل" 137 أ، وفيه (.. النفخة الأولى) وبقول مقاتل قال الضحاك. انظر: "جامع البيان" 27/ 96، و"روح المعاني" 27/ 129.]] فبعيد، لأن الله تعالى وصفها بعد بقوله: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ وهي من صفة القيامة لا من صفة الصيحة.
قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ الكاذبة هاهنا مصدر بمعنى الكذب، كالخائنة، واللاغية، والخاطئة، والعافية، والعاقبة، عند أكثر أهل المعاني [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 121، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 318 - 319.]] ، والمعنى: ليس لها كذب، أي أنها تقع صدقًا وحقًا فليس فيها ولا الإخبار عن وقوعها كذب.
وقال بعض أهل المعاني: يجوز أن تكون الكاذبة صفة والموصوف محذوفًا، على تقدير: ليس لوقعتها قضية كاذبة أي أن كل ما أخبر الله من أحكامها وقضاياها صادقة غير كاذبة، ويجوز أن يكون التقدير ليس لوقعتها نفس كاذبة [[انظر: "الكشاف" 4/ 55، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 195، و"البحر المحيط" 8/ 203.]] أي أن كل من يخبر عن وقوعها صادق غير كاذب لم تكذب نفس أخبرت عن وقوعها.
وأما الكسائي والفراء والزجاج فإنهم جعلوا الكاذبة هاهنا بمعنى التكذيب وفسروها بالرد، قال الكسائي: كاذبة تكذيب، وزاد الفراء: المكذوبة بمعنى التكذيب، وحكاها عن أبي ثروان [[أبو ثروان العكلي من الأعراب الذين شايعوا الكسائي على سيبويه في المسألة الزنبورية المعروفة، تعلم في البادية، وأكثر الفراء من الرواية عنه. له كتاب "خلق الفرس"، و"معاني الشعر".
انظر: "طبقات الزبيدي" ص 71، و"معجم الأدباء" 7/ 148، و"همع الهوامع" 1/ 210، وانظر: "تهذيب اللغة" 10/ 167 (كذب).]].
وقال أبو إسحاق: كاذبة أي لا يردها شيء، كما تقول حملة فلان لا تكذب، أي لا يرد حملته شيء [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 121، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 107، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 195.]]، وعلى هذا المعنى دل كلام ابن عباس في رواية عطاء والكلبي قال: ليس لوقعتها رادة، وقال الكلبي عنه مردودة [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 329، وفيه (راد ولا خلف ولا مثنوية).
وانظر: "جامع البيان" 27/ 96، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 195.]].
والردة هاهنا بمعنى المصدر، أي: رد، وعلى هذا القول يجب أن تكون (الكاذبة) بمعنى التكذيب ويكون التكذيب بمعنى الرد، ولم أر الفاعلة في مصادر التفعيل ولا الكذب بمعنى الرد لغيرهم فالله أعلم.
ويكون كذب بمعنى ارتد وولى، يقال: ما كذب عن قرنه أي ما جبن ولا رجع. ومنه قول زهير: [[انظر: "ديوان زهير" ص 54، و"شرح المفصل" 1/ 61، و"المنصف" 3/ 121، وقوله "بعثر" هي موضع في اليمن. وقيل: هي أرض مأسدة بناحية تبالة، و"اللسان" 2/ 684 (عثر).]]
ليث بعثر يصطاد الرجال إذا ... ما الليث كذَّب عن أقرانه صدقا
فإن صحت الكاذبة بهذا المعنى كان تفسير ليس لوقعتها ارتداد، وهذا قول قتادة ومقاتل. قالا: ليس لوقعتها مثنوية ولا ارتداد [[انظر: "تفسير مقاتل" 137 أ، و"تفسير عبد الرزاق" 2/ 269، و"الطبري" 27/ 96.]].
قوله تعالى ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ قال أبو إسحاق: هي خافضة رافعة [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 107.]]. روى عكرمة عن ابن عباس قال تخفض ناسًا وترفع [[في (ك): (وتضع).]] آخرين [[انظر: "المصنف" 13/ 372، و"الوسيط" 4/ 232، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 282، ونسب تخريجه لابن أبي حاتم.]].
وقال عطاء عنه: تخفض أقوامًا كانوا في الدنيا مرتفعين، وترفع أقوامًا كانوا في الدنيا متَّضعين [[انظر: "الوسيط" 4/ 232، و"معالم التزيل" 4/ 279، و"زاد المسير" 8/ 131.]].
وقال قتادة: خفضت أقوامًا في عذاب الله، ورفعت أقوامًا في كرامة الله [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 269، و"جامع البيان" 27/ 96.]]، والمعنى أنها تخفض أقوامًا إلى أسفل سافلين في النار، وترفع آخرين إلى أعلى عليين في الجنة، وقال أهل المعاني: تخفض بالمعصية وترفع بالطاعة [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 107.]]، وقال ابن عطاء: خفضت قومًا بالعدل ورفعت قومًا بالفضل [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 50 ب، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 195.]].
قوله: ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا﴾ الوجه أن تجعل إذا مضمنًا بالذكر كما قلنا في ﴿إِذَا وَقَعَتِ﴾ وقال الجرجاني: إذا ظرف لقوله: ﴿وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ لأنه وقت لها، أي أن الواقعة تقع إذا رجت الأرض رجًا، قال: وفي هذا دليل على أن تأويل قوله: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ ستقع الواقعة إذا رجت [[انظر: "التفسير الكبير" 29/ 142، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 196.]]، ونحو هذا قال أبو إسحاق: موضع إذا نصب المعنى: إذا وقعت في ذلك الوقت ومعنى (رُجَّتِ) حركت حركة شديدة [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 108.]] يقال: رججته فارتج، والسهم يرتج في الغرض [[الرَّجُّ: التحريك؛ والرجرجة: الاضطراب. والرَّجُّ: تحريكك شيئًا كحائط إذا حركته "اللسان" 1/ 1125 (رَجج).]]، قال قتادة ومقاتل: زلزلت زلزالاً [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 269، و"تفسير مقاتل" 137 أ.]].
وقال الكلبي وجماعة المفسرين: ترج كما يرج الصبي في المهد حتى يتهدم كل بناء عليها وينكسر كل ما عليها من الجبال [[انظر: "الوسيط" 4/ 232، و"معالم التنزيل" 4/ 279، و"زاد الميسر" 8/ 131.]]، فذلك قوله تعالى:
﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ ذكر أهل المعاني واللغة فيه قولين: أحدهما: أن معنى: (بُسَّتِ) خلطت فصارت كالدقيق المبسوس، وهو الملتوت بشيء من الماء، هذا قول أبي عبيدة، والفراء، وأنشدا [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 247 - 248، و"معاني القرآن" 3/ 121، والبيت من الرجز، قيل إنه للص من غطفان. وتمامه:
ولا تطيلا بمناخ حبسا
وانظر: "اللسان" 1/ 212 (بسس)، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 108، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 196، وفي تمامه اختلاف. وذكره الأزهري عن الأصمعي حيث قال: وسمعت العرب تنشد .. ، انظر: "تهذيب اللغة" 12/ 316 (بس).]]:
لا تخبزا خبزًا وبسا بسَّا
أي: اخلطا الدقيق بالماء فكلاه، والمعنى على هذا أن الجبال تصير ترابًا تخلي بعضها ببعض.
القول الثاني: أن معنى البس الفت، روى عمرو عن أبيه: بس الشيء إذا فتته حتى يصير فتاتًا [[انظر: "تهذيب اللغة" 12/ 315، و"اللسان" 1/ 212 (بسس).]].
وذكر أبو إسحاق في البس قولاً آخر وهو السوق والطرد، ومعنى (بُسَّتِ) سيقت، وأنشد [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 108، والبيت في "معاني القرآن" للزجاج 5/ 108. و"اللسان" 1/ 212 (بسس)، ومعناه أن الحيات تذهب وتنساب على وجه الأرض.]]:
وانبس حيَّاتُ الكثيب الأهيل
قال اللحياني [[انظر: "تهذيب اللغة" 12/ 316 (بس).]]: يقال بُسَّهم عنك، أي: اطردهم، وانبس الرجل إذا ذهب، وانبست الحيات إذا جرت على الأرض [[انظر: "جامع البيان" 27/ 97، و"تفسير مجاهد" 2/ 645، و"تفسير مقاتل" 137 ب.]]، وأقوال المفسرين غير خارجة عن هذه الأقسام.
قال ابن عباس في رواية عطاء: فُتَّت فتا، وهذا قول مقاتل ومجاهد في رواية ابن أبي نجيح [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 645، و"جامع البيان" 27/ 97.]] وروى منصور عنه: لُتَّت لتًّا كما يبس السويق [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 51 ب، و"الوسيط" 4/ 232، و"معالم التنزيل" 4/ 279.]]. وقال السدي: كسرت كسرًا [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 331، و"معالم التنزيل" 4/ 279.]]، وهذا كقول من قال: فتت.
وقال الكلبي: سيرت عن وجه الأرض [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 5 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 232، و"فتح القدير" 5/ 147.]]، ونحو هذا قال الحسن: قلعت من أصلها [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 269، قال الشنقيطي: وقوله تعالى: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ في معناه لأهل العلم أوجه متقاربة لا يكذب بعضها بعضًا، وكلها حق، وكلها يشهد له القرآن. ثم ذكر الأقوال وشواهدها، انظر: "أضواء البيان" 7/ 464.]].
وقال قتادة: نسفت نسفًا، وقول الكلبي والحسن وقتادة معنى قول من يفسر البس بالطرد [[في (ك): (اللبس بالطردة).]].
قوله تعالى: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ يعني صارت غبارًا متفرقًا كالذي يرى في شعاع الشمس إذا دخل من الكوة وهو الهباء [[الهباء: التراب الذي تُطيره الريح فتراه على وجوه الناس وجلودهم وثيابهم يلزق لزوقًا. وقيل: غبار شبه الدخان ساطع في الهواء. "اللسان" 3/ 766 (هبا).]].
والمنبث المتفرق، هذا قول ابن عباس ومقاتل ومجاهد [[انظر: "تفسير مقاتل" 137 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 279.]].
وروي عن علي -رضي الله عنه- قال: يعني رهج الدواب الذي يسطع من حوافرها [[انظر: "جامع البيان" 27/ 97، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 197، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 282.]].
ثم ذكر أحوال الناس فقال:
قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾، قال المفسرون: أصنافًا ثلاثة، قال أبو إسحاق: يقال للأصناف التي بعضها مع بعض أزواج [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 108.]].
ثم فسر الأزواج بقوله: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ يعني اليمين، وجمعها الميامن، وهي جوانب اليمين، وفي أصحاب الميمنة أربعة أقوال:
قال عطاء، عن ابن عباس: هم الذين يعطون كتبهم بأيمانهم، وهو قول الضحاك [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 51 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 279، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 197.]].
وعن ابن عباس أيضًا: هم الذين كانوا على يمين آدم حين أخرجت الذرية من صلبه [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 51 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 279، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 282.]].
وقال الحسن والربيع: هم الذين كانوا ميامين مباركين على أنفسهم، وكانت أعمارهم في طاعة الله -عَزَّ وَجَلَّ- [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 51 أ - ب، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 197، و"فتح القدير" 5/ 148.]].
القول الرابع: أنهم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة [[انظر: "جامع البيان" 27/ 98، و"الجامع" للقرطبي 17/ 197، ونسبه للسدي.]].
56:8Page 534
فَأَصۡحَٰبُ ٱلۡمَيۡمَنَةِ مَآ أَصۡحَٰبُ ٱلۡمَيۡمَنَةِ ٨
Then the companions of the right - what are the companions of the right?1
قوله تعالى: ﴿مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ قال جميع أهل المعاني [[انظر: "معاني القرآن" للأخفش 2/ 701، و"معاني القرآن" للفراء 3/ 122، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 108.]] (مَا) هاهنا تفخيم لقصتهم وتعظيم لشأنهم وتعجيب منهم، كما تقول: زيد ما زيد؟ أي: أي شيء هو؟ للتعجب منه، وهذا كقوله: ﴿الْحَاقَّةُ (1) مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة: 1، 2] و ﴿الْقَارِعَةُ (1) مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة: 1، 2].
56:9Page 534
وَأَصۡحَٰبُ ٱلۡمَشۡـَٔمَةِ مَآ أَصۡحَٰبُ ٱلۡمَشۡـَٔمَةِ ٩
And the companions of the left - what are companions of the left?1
قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾ يعني أصحاب الشمال والمشئمة اليسرى. يقال: اليد اليمنى واليد الشومى، ومن هذا اللفظ أخذ اليُمْن والشؤم، واليَمَن والشأم.
وفي أصحاب المشئمة أربعة أقوال تضاد الأقوال التي ذكرناها في أصحاب الميمنة [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 51 ب.]].
ثم ذكر الصنف الثالث فقال:
56:10–11Page 534
وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلسَّٰبِقُونَ ١٠
And the forerunners, the forerunners1 -
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلۡمُقَرَّبُونَ ١١
Those are the ones brought near [to Allāh]
قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ قال الفراء والزجاج يجوز أن يكون (وَالسَّابِقُونَ) ابتداء، وخبره الثاني، ويكون المعنى: والسابقون إلى طاعة الله السابقون إلى رحمة الله، ويكون ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ من صفتهم. ويجوز أن يكون الأول ابتداء والثاني توكيده، ويكون الخبر ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 122، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 109.
أورد النحاس قولهما أن ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ صفة، قال: ولكن يكون بدلاً أو خبرًا بعد خبر. انظر: "إعراب القرآن" 3/ 321.]].
واختلفوا في تفسير السابقين فقال ابن عباس [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 332، و"معالم التنزيل" 4/ 285.]]: يريد الذين سبقوا إلى توحيد الله والإيمان برسوله كما قال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ﴾ [التوبة: 100] الآية.
وقال ابن سيرين: هم الذين صلوا القبلتين [[انظر: "جامع البيان" 27/ 99، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 283.]]، وهذا كقول ابن عباس؛ لأن الذين صلوا القبلتين كانوا هم الأولين من الصحابة، ونحو هذا قال عكرمة: السابقون إلى الإسلام [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 52 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 285، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 199.]]، وهو معنى قول الربيع: إلى إجابة الرسول -ﷺ- [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 52 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 280.]].
وقال مقاتل: إلى الأنبياء بالإيمان [[انظر: "تفسير مقاتل" 137 ب.]]. وهذا القول يوجب تخصيص السابقين بأوائل هذه الأمة. وقال الكلبي: السابقون إلى الرسول من كل أمة السابقون في الآخرة إلى الجنة [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 332، و"الوسيط" 4/ 232.]].
وأكثر المفسرين جعلوا هذا السبق إلى الطاعات، فمنهم من أجملها وهو القرظي فقال: إلى كل خير وإلى كل ما دعا الله إليه، وهو اختيار ابن كيسان [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 52 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 280.]].
ومنهم من فصَّل فقال سعيد بن جبير: إلى التوبة [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 280، و"زاد المسير" 8/ 133.]]، وقال علي -رضي الله عنه-: إلى الصلوات الخمس [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 52 أ، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 199، و"روح المعاني" 27/ 132.]]، وقال عثمان بن أبي سودة [[هو عثمان بن أبي سودة المقدسي، روى عن أبي الدرداء وأبي هريرة وغيرهما، وعنه الأوزاعي وجابر بن زيد وغيرهما، وثقه مروان بن محمد وذكره ابن حبان في "الثقات" .. انظر: "تهذيب التهذيب" 7/ 120، و"تقريب التهذيب" 2/ 9.]]: إلى المسجد، إلى الجهاد، يخرجون في الرعيل الأول من المصلين والمجاهدين [[انظر: "جامع البيان" 27/ 99، و"المصنف" 5/ 267، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 199، ونسبه لمجاهد وغيره.
قال ابن كثير بعد ذكره للأقوال: وهذه الأقوال كلها صحيحة، فإن المراد بالسابقين هم المبادرون إلى فعل الخيرات كما أمروا، كما قال تعالى ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: 133] فمن سابق في هذه الدنيا وسبق إلى الخير كان في الآخرة من السابقين إلى الكرامة، فإن الجزاء من جنس العمل، وكما تدين تدان. "تفسير القرآن العظيم" 4/ 283.]].
ثم وصفهم وأخبر عنهم فقال: ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ قال ابن عباس: مثل النبيين والمرسلين [[انظر: "الوسيط" 4/ 232.]]. وقال الكلبي: إلى عَدَن [[لم أجده، وذكر المفسرون نحوه، فقالوا: (عند الله).]]. وقال أهل المعاني: جزيل ثواب الله وعظيم كرامته [[انظر: "الوسيط" 4/ 232.]].
ثم أخبر أين محلهم فقال:
﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ وقوله: ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: 27] كله من صفة السابقين وبيان حالهم، وذلك أن الله تعالى صنف الخلق ثلاثة أصناف كما ذكر، ثم بين هناك كل صنف وحاله في الآخرة فذكر صفة السابقين أولاً، ثم وصف الفريقين الآخرين فيما بعد.
قوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ﴾ الثلة: الفرقة والجماعة من [[(من) ساقطة من (ك)، وبزيادتها تستقيم العبارة.]] الناس غير محصوري العدد في قلة ولا كثرة [[وقال أبو عبيدة: (تجيء جماعة وأمة وتجيء بقية). "مجاز القرآن" 2/ 248. وانظر: "تهذيب اللغة" 15/ 63، و"اللسان" 1/ 371 (ثلل).]].
قوله تعالى: ﴿مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾ يعني من لدن آدم إلى زمان نبينا -ﷺ-. قاله الكلبي [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 332، و "معالم التنزيل" 4/ 280.]]، وقال عطاء: يريد كثيرًا من الأولين [[لم أجده. وهو ظاهر المعنى.]]، وقال مقاتل: يعني سابقي الأمم الخالية.
No commentary for this ayah
﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ يريد من أمة محمد -ﷺ-.
قال مقاتل: يعني سابقي هذه الأمة أقل من سابقي الأمم الخالية [[انظر: "تفسير مقاتل" 137 ب.]].
وقال أبو إسحاق: الذين عاينوا جميع النبيين وصدقوا بهم أكثر ممن عاين النبي -ﷺ- [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 109.]].
قوله: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ معنى الوضن في اللغة: النضد والنسج المضاعف، يقال: وضن فلان الحجر والآجر بعضه فوق بعض فهو موضون.
وقال الليث: الوضن نسج السرير وأشباهه، ويقال: درع موضونة مقاربة في النسج مثل مرصوفة، وقال رجل من العرب لامرأته: ضنيه -يعني متاع البيت- أي قاربي بعضه من بعض.
قال أبو عبيدة، والفراء، والمبرد، وابن قتيبة [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 248، و"معاني القرآن" للفراء 3/ 122، و"تفسير غريب القرآن" ص 446.]]: موضونة: منسوجة مضاعفة متداخلة بعضها على بعض كما يوضن حلق الدروع، ومنه سمي الوضين، وهو بطان من سيور منسوجة مضاعفة تنسج فيدخل بعضه في بعض، وأنشدوا للأعشى [["ديوانه" ص 90، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 110، و"اللسان" 3/ 944 (وضن)، و"تفسير غريب القرآن" ص 409.]]:
ومن نسج داوود موضونة ... تساق مع الحي عيرًا فعيرا
قال المفسرون: مرمولة منسوجة بقضبان الذهب مشبكة بالدر والياقوت والزبرجد، وهو قول الكلبي، ومجاهد، ومقاتل [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 332، و"تفسير مجاهد" 2/ 646، و"تفسير مقاتل" 137 ب، و"جامع البيان" 27/ 99، و"المصنف" 13/ 139.]].
وقال الضحاك: مصفوفة، وهو قول ابن عباس في رواية الوالبي [[انظر: "جامع الييان" 27/ 100، و"الثعلبي" 12/ 53 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 280.]].
No commentary for this ayah
56:17Page 535
يَطُوفُ عَلَيۡهِمۡ وِلۡدَٰنٞ مُّخَلَّدُونَ ١٧
There will circulate among them young boys made eternal
قوله تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ قال أبو عبيدة: لا يهرمون ولا يتغيرون [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 249.]]، ونحو ذلك قال الفراء، قال: والعرب تقول للرجل إذا كبر ولم يشمط: إنه لمخلد، وإذا لم تذهب أسنانه من الكبر قيل: إنه لمخلد، قال: ويقال مخلدون: مقرَّطون، ويقال مسورون [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 122 - 123.]].
وأنشد غيره: ومخلداتٍ باللجين كأنما ... أعجازهن أقاوز الكثبان [[البيت في "تهذيب اللغة" 7/ 277، و"اللسان" 1/ 876 (خلد) و3/ 186 (قوز)، و"تفسير غريب القرآن" ص 447، ولم ينسب لقائل، واللجين هي الفضة.]]
وهذا قول ابن الأعرابي قال: مخلدون مقرَّطون بالخلدة، وجمعها خلد، وهي القرطة.
وروى عمرو عن أبيه: خلَّد جاريته إذا حلَّاها بالخلد وهي القرطة، وخلَّد إذا أسنَّ ولم يشب [[انظر: "تهذيب اللغة" 7/ 279 (خلد).]].
قال ابن عباس: غلمان لا يموتون وهو قول مجاهد [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 646، و"تنوير المقباس" 5/ 333.]]، وعلى هذا هو من الخلود الذي هو البقاء بلا موت.
وقال الكلبي ومقاتل: لا يكبرون ولا يهرمون ولا يتغيرون [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 281، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 202، ولم أقف عليه في "تفسير مقاتل".]].
وقال سعيد بن جبير والمؤرج: مقرطون [["الكشف والبيان" 12/ 53 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 281، و"اللسان" ص 876 (خلد). قال الألوسي: أي مبقون أبدًا على شكل الولدان، وحد الوصافة لا يتحولون عن ذلك، وإلا فكل أهل الجنة مخلد لا يموت "روح المعاني" 27/ 136.]].
والمراد بالولدان: الغلمان، وهم وإن لم يولدوا ولم يحصلوا عن ولادة أطلق عليهم هذا الاسم، لأن العرب تسمي الغلمان ولدانًا، وبعضهم احترز فجعل الولدان هاهنا ولدان المسلمين الذين يموتون ولا حسنة لهم ولا سيئة، وهذا القول يروى عن علي والحسن، قالا: لأن الجنة لا ولادة فيها [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 53 أ، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 203.]]، والقول هو الأول [[وقال الشوكاني: ولا يبعد أن يكونوا مخلوقين في الجنة للقيام بهذه الخدمة، و"فتح القدير" 5/ 149.]]
56:18Page 535
بِأَكۡوَابٖ وَأَبَارِيقَ وَكَأۡسٖ مِّن مَّعِينٖ ١٨
With vessels, pitchers and a cup [of wine] from a flowing spring -
قوله تعالى: ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ﴾ قالوا الأكواب المستديرة الأفواه لا آذان لهما ولا عُرى، والأباريق ذات الخراطيم واحدها إبريق، وهو الذي يبرق لونه من صفائه [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 123، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 110.]]. وأباريق الجنة من الفضة في صفاء القوارير، يرى من ظاهرها ما في باطنها، ذكر ذلك عطاء، ومقاتل [[انظر: "تفسير مقاتل" 137 ب.]]، والعرب تسمي السيف إبريقًا لبريق لونه، ومنه قول ابن أحمر [[انظر: "تهذيب اللغة" 9/ 133 (برق).]]:
تعلَّقت إبريقًا وعلقت جعبةً ... ليهلك حيا ذا زهاء وجامل [[ورد البيت في "اللسان" 2/ 863 (علق)، ولم ينسبه.]]
وقال اللحياني: امرأة إبريق إذا كانت برَّاقة. وما بعد هذا مفسر في سورة الصافات [آية: 45].
56:19Page 535
لَّا يُصَدَّعُونَ عَنۡهَا وَلَا يُنزِفُونَ ١٩
No headache will they have therefrom, nor will they be intoxicated -
No commentary for this ayah
قوله تعالى: ﴿مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ تخيرت الشيء أخذت خيره.
قوله تعالى: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ قال ابن عباس: يخطر على قلبه الطير فيصير ممثلًا بين يديه على ما اشتهى [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 281، و"زاد المسير" 8/ 137.]].
قوله تعالى: ﴿حُورٌ عِينٌ﴾ أكثر القراءة بالرفع، وقرأ حمزة والكسائي بالخفض [[قرأ حمزة، والكسائي، وأبو جعفر ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ بالخفض. وقرأ الباقون برفعهما. انظر: "النشر" 2/ 383، و"الإتحاف" ص 407 - 408]].
قال أبو عبيد: هي عندنا بالرفع بمعنى: وعندهم حور عين، ولا أحب الخفض لأنه ليس يطاف عليهم بالحور، هذا كلامه [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 324، و"حجة القراءات" ص 695.]]، ووجه الرفع علي مذهب سيبويه [[انظر: "الكتاب" 1/ 173.]] أن قوله: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ إلي قوله: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ دل على أن معنى الكلام لهم كذا ولهم كذا، فحمل: (حُورٌ) على المعنى كأنه قيل: ولهم حور، ومثله مما حمل على المعنى قول الشاعر [[البيت الأول بتمامه:
بادت وغير آيهن مع البلى ... إلا رواكد جمرهن هباء
والبيت الثاني:
ومشجج أما سواء قذاله فبدا ... وغير سارة المعزاء
والبيتان ينسبان إلى ذي الرمة، كما في "ملحقات ديوانه" 3/ 1840.
وينسبان إلى الشماخ كما في "ملحقات ديوانه" ص 427، 428، و"الكتاب" 1/ 173، و"اللسان" 2/ 354 (شجج)، و"الحجة" 6/ 256، والرواكد الأثافي، والمشجج هو الوتد، وتشجيجه ضرب رأسه لثبت، وسواء قذالة: وسطه. والمعزاء. أرض صلبة ذات حصى.]]:
إلا رواكد جمرهن هباء
ومشجج ............
فحمل ومشجج على المعنى لأن المعنى إلا رواكد ومشجج. ذكر ذلك المبرد والزجاج وأبو علي [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 111، 1/ 254، و"الحجة للقراء السبعة" 6/ 255 - 256، و"البغداديات" ص 219 - 220.]].
وأما الخفض فقال الفراء: هو وجه الكلام على أن تتبع آخر الكلام أوله وان لم يحسن في آخره ما حسن في أوله، وأنشد: إذا ما الغانيات برزن يومًا ... وزججن الحواجب والعيونا [[البيت للراعي النميري، انظر: "ديوانه" ص 150، و"الخصائص" 2/ 432، و"شرح شواهد المغني" 2/ 775، و"الدرر اللوامع" 1/ 191، و"الإنصاف" ص 610، و"الخزانة" 9/ 141.]]
والعين لا تزجج إنما تكحل، فردها على الحواجب لأن المعنى يعرف، قال: وكان ينبغي لمن رفع -لأنهن لا يطاف بهن- أن يرفع ﴿فَاكِهَةٍ﴾ ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ﴾. لأن الفاكهة واللحوم لا يطاف بها وفي ذلك بيان أن الخفض وجه الكلام [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 123 - 124.
قلت: قوله: (لأن الفاكهة واللحوم لا يطاف بها) تعقبه النحاس بقوله: (وهذا الاحتجاج لا ندري كيف هو إذ كان القراء قد أجمعوا على القراءة بالخفض في قوله جل وعز ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (20) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ فمن أين له أنه لا يطاف بهذه الأشياء التي ادعى أنه لا يطاف بها؟ وإنما يسلم في هذا لحجة قاطعة، أو خبر يجب التسليم به. "إعراب القرآن" 3/ 324 - 325.]]، يعني أن الحور أَتبع في الخفض اللحم والفاكهة، فلما خفضا كذلك خفض الحور، وبين الزجاج هذا الوجه فقال: وحور مخفوض على غير ما ذهب إليه من ظن أن معنى الخفض فيه أنه يطاف به ولا يطاف بالحور، ولكن معنى ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (17) بِأَكْوَابٍ﴾ ينعمون بها، وكذلك ينعمون بلحم طير وينعمون بحور عين [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 111.]]. وهذا معنى قول الفراء وإن لم يحسن في آخره ما حسن في أوله يعني لا يحسن الطوف في الحور كما حسن في الكأس، ولكن يعطف عليه في الظاهر؛ لأن المعنى يعرف كما عطف الشاعر العيون على الحواجب وأراد وكحلن العيون كذلك هاهنا يراد ويكرمون، أو وينعمون بفاكهة ولحم طير وحور عين.
وقال أبو علي: وجه الجر أن تحمله على قوله: ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ التقدير: في جنات النعيم، وفي حور عين أي في مقام به حور عين أو معاشرة حور عين، ثم حذف المضاف [[انظر: "الحجة" 6/ 257.]].
وتفسير اللؤلؤ المكنون سبق في سورة الطور [[في (ك): (الذاريات).]] [آية: 24].
No commentary for this ayah
قوله تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ذكر أبو إسحاق في نصب جزاء قولين: أحدهما: أنه مصدر ودل ما قبله على يجزون.
والثاني: أنه مفعول له، المعنى: يفعل ذلك بهم لجزاء أعمالهم [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 111 - 112.]]. قوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا﴾ قال المبرد: اللغو ما يرغب عنه من الكلام ويستحق أن يلغى [[انظر: "اللسان" 3/ 378 (لغا).]]. والمعنى: ليس فيها لغو فيسمع.
56:25Page 535
لَا يَسۡمَعُونَ فِيهَا لَغۡوٗا وَلَا تَأۡثِيمًا ٢٥
They will not hear therein ill speech or commission of sin -
[قوله: ﴿وَلَا تَأْثِيمًا﴾] [[ما بين المعقوفين زيادة من المحقق.]] يقال أثَّمه إذا قال أثمت، وللتأثيم هاهنا معنيان:
أحدهما: أن بعضهم لا يقولون لبعض أثمت لأنهم لا يتكلمون بالإثم كما يتكلم أهل الدنيا [[انظر: "الوسيط" 4/ 234، ونسبه لابن عباس، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 288.]].
الثاني: ولا يأتون تأثيمًا أي ما هو سبب التأثيم من فعل أو قول قبيح [[انظر: "جامع البيان" 27/ 102.]]، وهذا معنى قول أبي عبيدة، قال في هذه الآية: مجازها مجاز: أكلت خبزًا ولبنًا، واللبن لا يؤكل فجاز إذا كان معها شيء يؤكل، والتأثيم لا يسمع إنما يسمع اللغو [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 249.]]، وهذا معني قول الكلبي، يقول: ولا إثم فيها [[انظر: "تنوير المقباس" 2/ 335.]].
قوله تعالى: ﴿إِلَّا قِيلًا﴾ من الاستثناء المنقطع، المعنى: لكن يقولون قيلا أو يسمعون قيلا ﴿سَلَامًا سَلَامًا﴾ وانتصب سلامًا على النعت لقوله: قيلا، والسلام الآخر بدل الثاني، والمعنى: إلا قيلا يسلم فيه من اللغو والإثم، وإن شئت جعلت القيل يعمل في السلام الأول والآخر بدل، والمعنى: إلا أنهم يقولون الخير، هذا قول الأخفش والفراء والزجاج [[انظر: "معاني القرآن" للأخفش 2/ 401 - 702، و"معاني القرآن" للفراء 3/ 124، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 112.]].
قال عطاء عن ابن عباس: يريد: يحيي بعضهم بعضًا بالسلام [[انظر: "الوسيط" 4/ 234، و"معالم التنزيل" 4/ 282.]]، وزاد الكلبي عنه: وتحييهم الملائكة بالسلام ويرسل إليهم ربهم بالسلام [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 335، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 206.]].
وقال مقاتل: يعني كثرة السلام من الملائكة [[انظر: "تفسير مقاتل" 138 أ.]].
فالمفسرون: جعلوا السلام هاهنا بمعنى التحية والوجه ما قال الزجاج من أن المراد بالسلام أن قولهم يسلم من اللغو [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 112.]]، ويدل على ذلك أن مسموع أهل الجنة لا يكون مقصورًا على التحية فقط، بل يسمعون غيرها مما لا لغو فيه ولا تأثيم [[قلت: وهو أيضًا ما اختاره ابن جرير 27/ 102، حيث قال: (لا يسمعون فيها من القول إلا قليلاً سلامًا. أي: أسلم مما تكره). ويرى ابن كثير 4/ 288 شمول الآية للمعنيين حيث قال: (أي إلا التسليم منهم بعضهم على بعض، كما قال تعالى ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ [إبراهيم: 23] وكلامهم أيضًا سالم من اللغو، الإثم).]].
56:27Page 535
وَأَصۡحَٰبُ ٱلۡيَمِينِ مَآ أَصۡحَٰبُ ٱلۡيَمِينِ ٢٧
The companions of the right - what are the companions of the right?
ثم ذكر أصحاب اليمين وعجب من شأنهم فقال: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ وقد تقدم تفسيره.
ثم ذكر منازلهم فقال:
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences