Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
يس
Ya-Sin
Ya Sin · Meccan · 83 ayahs
﴿يس﴾، قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد يا إنسان، قال: وهي بلغة طي، وهو قول الكلبي وعكرمة والضحاك ومقاتل والحسن [[انظر: "اللغات في القرآن" ص 53، "الطبري" 22/ 148، "الماوردي" 5/ 5، "زاد
المسير" 3/ 7، "تفسير مقاتل" 105 أ.]].
وقال ابن الحنفية: يا محمد، وهو قول سعيد بن جبير [[انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 232 أ، "الماوردي" 5/ 5، "المحرر الوجيز" 4/ 545، "زاد المسير" 7/ 3.]].
وقال أبو العالية: يا رجل [[انظر: "البغوي" 4/ 5، "مجمع البيان" 8/ 605.]]. وهذان القولان كالأول، تفسير لذلك الإنسان المنادى.
وقال عطاء: هي بالسريانية. وقيل: بالحبشة. روي ذلك أيضًا عن ابن عباس [[انظر: "المارودي" 5/ 5، "القرطبي" 15/ 4، "المحرر الوجيز" 4/ 545، "زاد المسير" 7/ 3، "البحر المحيط" 7/ 310.]]. فمن قال بهذا، قال: إنهم يقولون: يس، ويريدون به يا إنسان، ثم تكلمت العرب به فصار من لغتهم، كما ذكر أنها من لغة طي، ووجهه من العربية أنه اكتفى بالسين من إنسان كما يكتفي بالحرف الواحد من الكلمة.
وقال مجاهد: ﴿يس﴾ فواتح من كلام الله يفتح بها كلامه [[انظر: "الطبري" 22/ 148، "بحر العلوم" 3/ 93، "الماوردي" 5/ 5.]].
واختلف القراء في إظهار النون من ﴿يس﴾ وإخفائه، فقرأوا بالوجهين، وكلامه جائز صحيح، فمن أظهر فلأن هذه الحروف مبنيَّة علي الوقف يدل على ذلك استجازتهم فيها الجمع [[في (أ): (الجميع)، وهو خطأ.]] بين ساكنين كما يجتمعان في الكلم التي يوقف عليها، فلما جاز فيها الجمع بين ساكنين من حيث كان التقدير فيها الوقف استجيز معها تبيين النون في الإدراج وإن كانت النون الساكنة تجيء مع حروف الفم؛ لأن التقدير بها الوقف. ومن أخفى فلأنه وإن كان في التقدير الوقف لم يقطع فيه همزة الوصل، وذلك قولهم: ألم الله، ألا ترى أنهم حذفوا همزة الوصل كما تحذف في الكلم التي توصل، فلا يكون التقدير فيها الوقوف عليها، وكذلك قالوا: واحد اثنان، فحذفوا همزة الوصل، وإذا صار في تقدير الوصل أوجب أن لا تبين معها النون [[انظر هذا الكلام بنصه مع اختلاف يسير في "الحجة" 6/ 35، وانظر: "حجة القراءات" ص 595، "الحجة في القراءات السبع" 297.]].
36:2–3Page 440
وَٱلۡقُرۡءَانِ ٱلۡحَكِيمِ ٢
By the wise1 Qur’ān,
إِنَّكَ لَمِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٣
Indeed you, [O Muḥammad], are from among the messengers,
قوله تعالى: ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (2) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: أقسم الله بالقرآن المحكم أنك لمن المرسلين، وذلك أن كفار مكة قالوا له: لست مرسلاً، وما أرسل الله إلينا رسولاً، فأقسم الله بالقرآن أن محمدًا من المرسلين [[انظر: "القرطبي" 15/ 5، "تفسير مقاتل" 105 أ، وذكره غير منسوب: البغوي 5/ 5، الطبري في "مجمع البيان" 8/ 650.]].
﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: على [دين] [[ما بين المعقوفين طمس في (ب).]] مستقيم، يعني دين الإسلام؛ لأن الأديان كلها غير الإسلام [ليس] [[ما بين المعقوفين ساقط في (ب).]] بمستقيم [[لم أقف عليه عن ابن عباس. وانظر: "تفسير مقاتل" 105 أ.]].
قال أبو إسحاق: (أي على طريق الأنبياء الذين تقدموك، قال: وأحسن ما في العربية أن يكون ﴿لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ خبر إن، ويكون ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ خبرًا ثانيًا والمعنى: إنك لمن المرسلين، وإنك على صراط مستقيم. قال: ويجوز أن يكون على صراط من ملة المرسلين، فيكون المعنى: إنك من المرسلين الذين أرسلوا على طريقة مستقيمة [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 277.]]. وذكر الفراء أيضًا الوجهين في قوله: ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ كما ذكر الزجاج [["معاني القرآن" 2/ 272.]].
36:5Page 440
تَنزِيلَ ٱلۡعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ ٥
[This is] a revelation of the Exalted in Might, the Merciful,
وقوله: ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ تنزيل يقرأ بالرفع والنصب، فمن قرأ بالنصب فعلى المصدر، على معنى: نزل الله ذلك تنزيلًا من العزيز الرحيم، ثم أضيف المصدر فصار معرفة، كما قال: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: 4] على معنى: فضربًا للرقاب. وهذا قول الزجاج وأبي علي وصاحب النظم [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 278، "الحجة" 6/ 36.]].
ومن قرأ بالرفع فعلى معنى: الذي أنزل إليك تنزيل العزيز الرحيم، وهو تنزيل، أو على: تنزيل العزيز. هذا قول مقاتل [["تفسير مقاتل" 105 أ.]]: هذا القرآن هو تنزيل العزيز في ملكه الرحيم بخلقه. وقال الكلبي: العزيز بالنقمة من [[هكذا في النسخ! وهو خطأ، والصواب: لمن.]] لم يجب الرسل الرحيم بالمؤمنين [[لم أقف عليه.]].
36:6Page 440
لِتُنذِرَ قَوۡمٗا مَّآ أُنذِرَ ءَابَآؤُهُمۡ فَهُمۡ غَٰفِلُونَ ٦
That you may warn a people whose forefathers were not warned, so they are unaware.
وقوله تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا﴾ قال صاحب النظم: هذا متصل بقوله: ﴿نَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) لِتُنْذِرَ قَوْمًا﴾
قوله تعالى: ﴿مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ فيه قولان: قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد كما أنذر آباؤهم من لدن إبراهيم وإسماعيل [[انظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف 369، "القرطبي" 15/ 6.]].
وقال مقاتل: كما أنذر آباؤهم الأولون [["تفسير مقاتل" 105 أ.]].
وقال عكرمة: مثل ما أنذر آباؤهم [[انظر: "الطبري" 22/ 150، "القرطبي" 15/ 6، "مجمع البيان" 8/ 650.]].
القول الثاني: قال قتادة: لتنذر قومًا لم يأتهم نذير قبلك [[انظر: "الطبري" 22/ 150، "الماوردي" 5/ 6، "مجمع البيان" 8/ 650.]]. ونحو هذا قال الكلبي [[لم أقف عليه.]] وهو قول عامة المفسرين [[انظر: "الثعلبي" 3/ 232 ب، "الطبري" 22/ 150، "الماوردي" 5/ 6، "بحر العلوم" 3/ 93.]]. و ﴿مَا﴾ على هذا القول تكون [جحدًا] [[ما بين المعقوفين طمس في (ب).]]. وذكر الفراء والأخفش والزجاج القولين، قال الفراء: (لتنذر [قومًا] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] لم ينفع [[هكذا في النسخ، وهو خطأ، والصواب: لم يُنذر آباؤهم.]] آباؤهم ولا أتاهم رسول قبلك، ويقال: لتنذرهم بما أنذر آباؤهم فتلقي الباء، فيكون ﴿مَا﴾ في موضع نصب كما قال: ﴿أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً﴾ [فصلت: 13]) [["معاني القرآن" 2/ 372.]].
وقال الأخفش: (أي لم تنذر آباءهم؛ لأنهم كانوا في الفترة، قال: وقال بعضهم: لتنذر الذي أنذر آباؤهم، ثم اختار القول الأول؛ لقوله: ﴿فَهُمْ غَافِلُونَ﴾، ودخول الفاء على المعنى الثاني كأنه لا يجوز، وهو على الأول أحسن) [["معاني القرآن" 2/ 488.]] هذا كلامه. ومعناه: أنك إذا جعلت ﴿مَا﴾ إثباتًا بمعنى الذي، لم يحسن دخول الفاء في ﴿فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ فإذا جعلته نفيًا حسن.
قال أبو إسحاق: (الاختيار أن ﴿مَا﴾ جحدٌ؛ لأن قوله: ﴿فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ دليل على معنى لم ينذر آباؤهم، وإذا كان قد أنذر آباءهم كان في قوله: ﴿فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ بُعدٌ. قال: ودليل النفي قوله: ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ [سبأ: 44] [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 278]].
36:7Page 440
لَقَدۡ حَقَّ ٱلۡقَوۡلُ عَلَىٰٓ أَكۡثَرِهِمۡ فَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ٧
Already the word [i.e., decree] has come into effect upon most of them, so they do not believe.
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ قال مقاتل: (وجب العذاب على أكثر أهل مكة، قال: ويعني بالقول قوله لإبليس: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ﴾ [ص: 85]) [["تفسير مقاتل" 105 أ.]].
قال أبو إسحاق: (القول هاهنا -والله أعلم- مثل قوله: ﴿وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: 71]) [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 278.]].
وقال صاحب النظم: القول هاهنا: إيماء [[في (ب): (أبا).]] إلى القدر مقتصًا من قوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: 13] هذا كلامه. والمعنى أن قوله: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ﴾ إشارة إلى الإرادة الأزلية السابقة بكفرهم، وإذا سبقت الإرادة بكفرهم فمتى يؤمنون؟ وهو قوله ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
قال الزجاج: بكفرهم وعنادهم أضلهم ومنعهم الهدى فهم لا يؤمنون [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 278.]]. [قال الزجاج: بكفرهم وعنادهم فهم لا يؤمنون] [[ما بين المعقوفين تكرار، وهو في جميع النسخ.]].
36:8Page 440
إِنَّا جَعَلۡنَا فِيٓ أَعۡنَٰقِهِمۡ أَغۡلَٰلٗا فَهِيَ إِلَى ٱلۡأَذۡقَانِ فَهُم مُّقۡمَحُونَ ٨
Indeed, We have put shackles on their necks, and they are to their chins, so they are with heads [kept] aloft.
قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ في هذه الآية والتي بعدها مذهبان: أحدهما: مذهب المفسرين، وهو أن الآية نزلت في أبي جهل، قصد النبي -ﷺ- بحجر ليدمغه وهو يصلي، فيبست يده إلى عنقه حتى عاد إلى أصحابه، فذلك قوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا﴾. وهذا قول مقاتل والكلبي [[انظر: "الطبري" 22/ 152، "بحر العلوم" 3/ 94، "الماوردي" 5/ 7، "البغوي" 4/ 6، "زاد المسير" 7/ 6، وأصل الحديث في البخاري "كتاب التفسير"، تفسير سورة إقرأ عند قوله تعالى: ﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ 4/ 1896 رقم الحديث (4675) من طريق عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما.
وقال الحافظ ابن حجر في "تخريج أحاديث الكشاف" 3/ 161: رواه أبو نعيم في "دلائل النبوة" قال: وهو في أوائل سيرة ابن هشام من قول ابن إسحاق في كلام طويل.]]. والثاني: مذهب أهل المعاني: وهو أن هذا على طريق المثل ولم يكن هناك غل [["معاني القرآن" للفراء 2/ 272، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 475، "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 280.]]، أراد: منعناهم عن الإيمان بموانع، وهذا قول أبي عبيدة [[انظر: "القرطبي" 15/ 8، "فتح القدير" 4/ 361.]].
وقال الفراء: معناه إنا حبسناهم عن الإنفاق في سبيل الله [["معاني القرآن" 2/ 273.]]. وكان هذا الوجه أوضح؛ لقوله فيما بعد: ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ﴾ الآية.
﴿فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ﴾ قال الفراء: (هي كناية عن الإيمان ولم يذكر، وذلك أن الغل لا يكون إلا في اليمين والعنق، جامعًا لليمين والعنق فكفى ذكر أحدهما عن صاحبه كما قال: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ [البقرة: 182] فضم الورثة إلى الوصي ولم يذكروا؛ لأن الصلح بما بقى من الوصي والورثة، ومثله قول الشاعر:
وما أدري إذا يممت وجهًا ... أريد الخير أيهما يليني [[البيت من الوافر، وهو للمثقب العبدي في نونيته، في "ديوانه" ص 212، "الخزانة" 11/ 80، وبلا نسبة في: "معاني القرآن" للفراء 2/ 372، "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 4/ 279.]]
وإنما ذكر الخبر وحده، ثم قال: [أيهما] [[هكذا جاء في النسخ، وما بين المعقوفين يظهر أنه زائد؛ لأنه ليس في "معاني القرآن" للفراء، ولا معنى له كذلك.]] وذلك أن الشر يذكر مع الخير، وهي في قراءة عبد الله (إنا جعلنا في أيمانهم) فكفت الأيمان عن ذكر الأعناق في حرف عبد الله، وكفت الأعناق في قراءة العامة) [["معاني القرآن" 2/ 372 - 373.]] عن ذكر الأيمان ونحو هذا قال الزجاج سواء، قال: (ومثل هذا قوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ ولم يذكر البرد؛ لأن ما يقي الحر يقي البرد) [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 280.]].
وقوله: ﴿فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾. قال الفراء: المقمح: الغاض بصره بعد رفع رأسه. [[في (ب): (صوته)، وهو خطأ.]] [["معاني القرآن" 2/ 373.]] هذا قول.
ونحو ذلك قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 279.]]. ومعنى الإقماح في اللغة: رفع الرأس وغض البصر، يقا ل: أقمح البعير رأسه وقمح.
قال أبو عبيد: يقمح البعير قمح قموحًا إذا رفع رأسه ولم يشرب الماء [[انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 81 (قمح)، "اللسان" 2/ 566 (قمح).]].
وقال الأصمعي: بعير قامح، إذا رفع رأسه عن الحوض ولم يشرب، وجمعه قماح [[انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 81 (قمح)، "اللسان" 2/ 566 (قمح).]]. وأنشد الفراء وجميع أهل اللغة قول بشر [[هو: بشر بن أبي خازم عمرو بن عوف الأسدي، أبو نوفل، شاعر جاهلي فحل، عدَّه ابن سلام في الطبقة الثانية من طبقات فحول أهل الجاهلية، وهو من شجعان أهل نجد، مات سنة 22 قبل الهجرة.
انظر: "الشعر والشعراء" 1/ 190، "طبقات فحول الشعراء" 1/ 97، "الخزانة" 2/ 262.
والبيت من الوافر، وهو في: "ديوان بشر" ص 48، "لسان العرب" 2/ 566. (قمح)، "تاج العروس" 7/ 63 (قمح)، "تهذيب اللغة" 4/ 81 (قمح)، "أساس البلاغة" ص 377 (قمح).]] يصف سفينة:
ونحن على جوانبها قعود ... نغض [[في (أ): (يفض)، وهو خطأ.]] الطرف كالإبل القماح قال أبو إسحاق: (وقيل للكانونين: [[يقصد: شهري كانون أول وكانون ثاني.]] شهرا قماح لأن الإبل إذا وردت الماء ترفع رأسها لشدة برده [[في (ب): (برد)، وهو خطأ.]]) [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 279.]].
وأنشد أبو زيد للهذلي:
فتًى ما الابن الأعر إذا استويا ... وحب الراد سميا في شهري قماح [[هكذا ورد البيت في النسخ، وهو خطأ، والصواب:
فتًى ما ابن الأغر إذا شتونا ... وحُبَّ الزاد في شهري قُماح
والبيت لخالد بن مالك الهذلي، وهو من الوافر، في "ديوان الهذليين" 3/ 5، "المذكر والمؤنث" لابن الأنباري ص 532، "تهذيب اللغة" 4/ 81، "اللسان" 2/ 566 (قمح)، "البحر المحيط" 7/ 312.]] [[انظر: "الدر المصون" 5/ 476، "البحر المحيط" 7/ 312.]]
لكراهة كل ذي كبد شرب الماء، والقمح نحو من قمح.
قال الأزهري: وأراد جل وعز أن أيديهم إنما غلت عند أعناقهم رفعت الأغلال أذقانهم ورؤوسهم صعدا كالإبل رافعة رأسها [["تهذيب اللغة" 4/ 81.]]. هذا كلامه وتأويله: فهم مقمحون أي: مرفوعو الرؤوس برفع الأغلال إياها، يدل عليه قول قتادة في تفسير ﴿مُقْمَحُونَ﴾ قال: مغلولون [[انظر: "الطبري" 22/ 151، "بحر العلوم" 3/ 94، "مجمع البيان" 8/ 651.]].
36:9Page 440
وَجَعَلۡنَا مِنۢ بَيۡنِ أَيۡدِيهِمۡ سَدّٗا وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ سَدّٗا فَأَغۡشَيۡنَٰهُمۡ فَهُمۡ لَا يُبۡصِرُونَ ٩
And We have put before them a barrier and behind them a barrier and covered them, so they do not see.
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ ومضى الكلام في تفسير السد والقراءة فيه [[عند الآية: 94: الكهف، وهي قوله تعالى: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾. قال المؤلف هناك رحمه الله: قرئ بالفتح والضم. قال أبو عبيدة: السد بالضم، إذا كان مخلوقًا من فعل الله تعالى، فإن كان من فعل الآدميين فهو سَد بالفتح، وهذا قول عكرمة والأخفش. وقال الكسائي: ضم السين وفتحها سواء.]].
قال مقاتل: لما عاد أبو جهل إلى أصحابه ولم يصل إلى ما قصد من النبي -ﷺ-. وسقط الحجر من يده، أخذ الحجر رجل آخر من بني مخزوم وقال: أنا أقتله بهذا الحجر، فلما دنا من النبي -ﷺ- طمس الله على بصره فلم ير النبي -ﷺ- ورجع إلى أصحابه فلم يبصرهم حتى نادوه، فذلك وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا﴾ حين لم ير أصحابه [["تفسير مقاتل" 105 ب.]]. ونحو هذا قال الكلبي [[انظر: "بحر العلوم" 3/ 94.]]. وقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد يمنعهم [من الهدى] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] لما سبق في علمه [[في (أ): (علمهم)، وهو خطأ.]] عليهم [[لم أقف عليه.]]. وهذا موافق لمذهب أهل المعاني.
وقوله: ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ﴾، قال الفراء: ألبسنا أبصارهم غشاوة [["معاني القرآن" 2/ 373.]]. قال ابن قتيبة: أي عيونهم وأعميناهم عن الهدى [["تفسير غريب القرآن" ص 363.]]. والتأويل: أغشينا أعينهم بالعمى، فحذف المضاف والمفعول الثاني للعلم بأن ما يلبس العين إنما هو العمى.
وقوله ﴿فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾، قال ابن عباس: يريد سبيل الهدى [[انظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف 369، وأورد هذا القول ونسبه لقتادة القرطبي 14/ 10، وأورده غير منسوب: البغوي 4/ 6.]]. وذكر أبو إسحاق المذهبين فقال: (هذا فيه وجهان: أحدهما: قد جاء في التفسير وهو أن جماعة أرادوا بالنبي -ﷺ- سوءًا فحال الله بينهم وبين ذلك، فجعلوا بمنزلة من هذه حالة ممن غلت يده وسط [[هذا في جميع النسخ، والصواب: وسُدَّ، كما في "معاني القرآن وإعرابه"]] طريقه من بين يديه ومن خلفه وجعل على بصره غشاوة، قال: ويجوز أن يكون وَصَفَ إضلالهم أي: أضللناهم فأسكنا أيديهم عن النفقة في سبيل الله والسعي فيما يقرب إلى الله كما قال -عز وجل-: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: 7] قال: ودليل هذا القول قوله في أثر هذا.
36:10Page 440
وَسَوَآءٌ عَلَيۡهِمۡ ءَأَنذَرۡتَهُمۡ أَمۡ لَمۡ تُنذِرۡهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ١٠
And it is all the same for them whether you warn them or do not warn them - they will not believe.
﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ﴾ الآية أي: من أضله الله هذا الإضلال لم ينفعه الإنذار) [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 280.]]، إنما ينفع الإنذار من ذكر في قوله: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ أي: إنما ينفع إنذارك هذا إلا [[يظهر أن (إلا) هنا زائدة؛ لأنها تفسد المعنى، وأن هناك حرف ساقط، وتكون الجملة حسب ما يظهر لي هكذا: أي لا ينفع إنذارك هذا من منعه الله عن الهدى.]] من منعه الله عن الهدى، فخصه الله بإنذار هؤلاء لما لم ينفع الإنذار من غيرهم موقعه، فصار كأنه لم ينذرهم حيث لم ينفعهم، لذلك قال:
36:11Page 440
إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكۡرَ وَخَشِيَ ٱلرَّحۡمَٰنَ بِٱلۡغَيۡبِۖ فَبَشِّرۡهُ بِمَغۡفِرَةٖ وَأَجۡرٖ كَرِيمٍ ١١
You can only warn one who follows the message and fears the Most Merciful unseen. So give him good tidings of forgiveness and noble reward.
﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ أي: من استمع القرآن واتبعه. ﴿وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ خاف الله -عز وجل- من حيث لا يراه أحد. ﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ﴾ لذنوبهم. ﴿وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ حسن، وهو الجنة.
36:12Page 440
إِنَّا نَحۡنُ نُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَنَكۡتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَءَاثَٰرَهُمۡۚ وَكُلَّ شَيۡءٍ أَحۡصَيۡنَٰهُ فِيٓ إِمَامٖ مُّبِينٖ ١٢
Indeed, it is We who bring the dead to life and record what they have put forth and what they left behind, and all things We have enumerated in a clear register.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾ قال ابن عباس: يريد البعث [[لم أقف عليه.]].
﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا﴾ قال مقاتل: من خيرٍ أو شر فاقتدى بها [[هنا نلحظ أن المؤلف اختصر في نقله عن مقاتل، وهذا الاختصار قد يكون موهمًا، ففي "تفسير مقاتل". ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا﴾ من خير وشر ﴿وَآثَارَهُمْ﴾ ما استنوه من سنة خيرًا وشرًّا، فاقُتدي به من بحد موتهم ا. هـ.]] من بعدهم. وهذا اختيار الفراء والزجاج [["معاني القرآن" 2/ 373، "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 281.]].
وهو قول سعيد بن جبير، قال: ﴿وَآثَارَهُمْ﴾: ما سنوا [[انظر: "معاني القرآن" للنحاس 5/ 481، "الماوردي" 5/ 9، وأورده السيوطي في "الدر" 6/ 48، ونسبه لابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.]].
وقال ابن عباس في رواية عطاء: ما آثروا من أثر خير أو شر [["تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 369.]]. كقوله: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [القيامة: 13].
وقال أنس وابن عباس في رواية عكرمة: نزلت هذه الآية في بني سلمة، أرادوا أن ينتقلوا إلى قرب مسجد النبي -ﷺ- وكانت منازلهم بعيدة، فلما نزلت قالوا: بل نمكث مكاننا [[هذا الحديث ورد بعدة طرق، منها: ما ورد عن أنس وقد أخرج ابن ماجه في "سننه" أبواب المساجد، باب الأبعد فالأبعد من المسجد أعظم أجرًا 1/ 141 رقم (768)، وأخرجه ابن شيبة في "المصنف" 2/ 207، ومنها ما ورد عن ابن عباس، وقد أخرجه ابن ماجه أيضًا في "سننه" أبواب المساجد، باب: الأبعد فالأبعد عن المسجد أعظم أجرًا 1/ 141 رقم (769). وأورده السيوطي في "الدر" 7/ 46، وقال: أخرج الفرياني وأحمد في "الزهد"، وعبد بن حميد، وإبن ماجه، وابن == جرير، وابن المنذر، وابن مردويه، عن ابن عباس.
وهناك رواية أخرى للحديث، أخرجها الإمام مسلم في "صحيحه" "كتاب الصلاة"، باب فضل كثرة الخطأ إلى المساجد 1/ 462 رقم (665) عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنه-]]. فعلى هذا معنى آثارهم: خطاهم.
وهو قول الحسن [[انظر: "الطبري" 22/ 154، "القرطبي" 15/ 12، "ابن كثير" 3/ 565.]]، ومجاهد في رواية ابن أبي نجيح [["تفسير مجاهد" ص 533، وانظر: "معاني القرآن" للنحاس 5/ 481، "الماوردي" 5/ 9.]]، وقتادة [[انظر: "الطبري" 22/ 155، "القرطبي" 15/ 21، "ابن كثير" 3/ 565.]].
وقال عمر بن عبد العزيز: لو كان الله تاركًا لابن آدم شيئًا لترك ما عبث [[هكذا في النسخ، والصواب: عفت.]] عليه الرياح من أثر [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 140، "زاد المسير" 7/ 8 وأخرج هذا الأثر الطبري 22/ 155 عن قتادة، وأورده السيوطي في "الدر" 7/ 47 ونسبه لعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة.]].
وقال مسروق: ما خطأ رجل خطوة إلا كتب حسنة أو سيئة [[انظر: "الدر المنثور" 7/ 47، وقد نسبه لعبد بن حميد.]].
وروي عن مجاهد قال: ما قدموا من خير، وآثارهم: وما أورثوا من الضلالة [[انظر "فتح القدير" 4/ 462، وقد أورد هذا القول بعض المفسرين لكنه منسوب لغير مجاهد فأورده الماوردي 5/ 9 ونسبه لسعيد بن جبير، وابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 9 ونسبه لابن عباس وسعيد بن جبير، قال: وهو اختيار الفراء وابن قتيبة والزجاج.]]. فعلى هذا ما قدموا بالخير وخص الآثار ما يبقى بعدهم من آثار الضلالة وسنتها.
وقوله: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ﴾ قال الفراء: القراء يجمعون على نصب كل لما وقع من الفعل على راجع [["معاني القرآن" 2/ 273.]]. يعني الكناية في قوله: ﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾ والاختيار أن يقول: [[في (ب): (تقول).]] ضربت زيدًا وعمرًا كلمته، ينتصب عمرًا لسبق الفعل قبله، وهاهنا أيضًا سبق الفعل، وهو قوله: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا﴾. ويجوز الرفع على الاستئناف [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 386، "الدر المصون" 5/ 477.]].
وقال مقاتل: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ﴾ من الأعمال ما [[(ما) زائدة هنا وليست هي في "تفسير مقاتل". وانظر: "تفسير مقاتل" 105 ب.]] ﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾ بيناه.
قال ابن عباس: حفظناه [[لم أقف عليه عن ابن عباس. وقد أورده ابن الجوزي في "زاد المسير" 8/ 7 ولم ينسبه.]].
ومعنى الإحصاء في اللغة: العد، والعد يكون للبيان ويكون للحفظ [[انظر: "تهذيب اللغة" 5/ 164 (حصا)، "اللسان" 14/ 184 (حصى).]].
وقوله تعالى: ﴿فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: في اللوح المحفوظ [["تفسير ابن عباس" هامش المصحف ص 369، "تفسير مقاتل" 105 ب، وأورده الماوردي 5/ 9 ونسبه للسدي، والقرطبي 15/ 13، ونسبه لمجاهد وقتادة وابن زيد.]].
وقال مجاهد: يعني أم الكتاب [[انظر: "الطبري" 22/ 155، "الماوردي" 5/ 9.]].
قال أهل المعاني [[لم أقف على هذا القول عند أحد من أهل المعاني، قوله وهم من المؤلف.]]: وفي ذلك اعتبار الملائكة إذ قابلوا به ما يحدث من الأمور، وكان فيه دليل على معلومات الله -عز وجل- التفصيل.
36:13Page 441
وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلًا أَصۡحَٰبَ ٱلۡقَرۡيَةِ إِذۡ جَآءَهَا ٱلۡمُرۡسَلُونَ ١٣
And present to them an example: the people of the city, when the messengers came to it -
وقوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ قال ابن عباس: يريد لقومك [["تفسير ابن عباس" هامش المصحف ص 369.]]. وقال مقاتل: صف لهم يا محمد شبها يعني -لأهل مكة- أصحاب القرية [["تفسير مقاتل" 105 أ.]].
قال أبو إسحاق: أصحاب القرية بدل من مثل، كأنه قال: اذكر لهم أصحاب القرية [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 281 بمعناه.]]. أي خبر أصحاب القرية، هي أنطاكية [[أنطاكية: بلد من بلدان الجمهورية العربية السورية. قال ياقوت في "معجم البلدان" 1/ 266: أول من بني أنطاكية انطيخس، وهو الملك الثالث بعد الإسكندر، فتحها أبو عبيدة عامر بن الجراح وكانت العرب إذا أعجبها شيء نسبته إلى أنطاكية؛ لأنها من أعيان البلاد وأمهاتها، موصوفة بالنزاهة، والحسن، وطيب الهواء، وعذوبة الماء، وكثرة الفواكة، وسعة الخير.]] في قول الجميع [[انظر: "الطبري" 22/ 155، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 482، "الماوردي" 5/ 10، "القرطبي" 15/ 14، وقد استشكل الحافظ ابن كثير هذا القول ورده من وجوه. انظر: "تفسيره" 3/ 569.]].
وقوله: ﴿إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ يعني: رسل عيسى -عليه السلام-، وذلك أنه بعث رسولين من الحواريين إلى أنطاكية يدعوا الناس إلى عبادة الله -عز وجل-
36:14Page 441
إِذۡ أَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡهِمُ ٱثۡنَيۡنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزۡنَا بِثَالِثٖ فَقَالُوٓاْ إِنَّآ إِلَيۡكُم مُّرۡسَلُونَ ١٤
When We sent to them two but they denied them, so We strengthened [them] with a third, and they said, "Indeed, we are messengers to you."
وقوله: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا﴾، ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا﴾ بدل من قوله: ﴿إِذْ جَاءَهَا﴾ والمعنى: إذ جاؤها [[في (أ): (جائها).]] بإرسالنا إليهم اثنين وكانا رسولي عيسى، وأضاف الله تعالى الإرسال إلى نفسه؛ لأن عيسى أرسلهما بأمر الله تعالى. قال الكلبي: وكان ذلك حين رفع إلى السماء [[لم أقف عليه.]].
وقوله: ﴿فَكَذَّبُوهُمَا﴾ قال ابن عباس: فضربوهما وحبسوهما [[انظر: "الوسيط" 3/ 511. "مجمع البيان" 8/ 654.]].
﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ قال أبو إسحاق: (فقوينا وشددنا الرسالة برسول ثالث) [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 282.]]. وهو قول جميع المفسرين [[انظر: "الطبري" 22/ 156، "الماوردي" 5/ 10، "زاد المسير" 7/ 11، "القرطبي" 15/ 14.]].
قال المبرد وأبو علي: من قرأ فعززنا بالتشديد، فالمعنى: شددنا وقوينا. ومن قرأ بالتخفيف، فمعناه: قهرنا [[في (ب): (قهرنا).]] وعلينا من قوله -عز وجل-: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص: 23]، وأنشد أبو علي لجرير:
أُعُزُّك بالحجاز وإن تَسَهَّل ... يعزز [[هكذا في النسخ، والصواب كما في "الديوان والحجة": بغور.]] الأرض يُنَتهب انتهابًا [[البيت من الوافر، لجرير في "ديوانه" ص65، وهو من قصيدة طويلة يهجو بها الراعي النميري، "الحجة" 6/ 38.]] [[لم أقف على قول المبرد. وانظر: "الحجة" 6/ 38.]]
قال أبو عبيد: وقراءتنا بالتشديد. لأن تأويل عززنا: غلبنا [[انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 83 (عز).]]. والتفسير الأول أشبه بالمعنى. [وقال الفراء: عززنا] [[ما بين المعقوفين مكرر في (أ).]]. وعززنا كقولك: شددنا وشددنا بالتخفيف والتثقيل [["معاني القرآن" 2/ 374.]]. ونحو ذلك قال الزجاج. ﴿فَقَالُوا﴾: يعني الرسل لأهل أنطاكية. ﴿إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾. قالوا لهم:
36:15Page 441
قَالُواْ مَآ أَنتُمۡ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُنَا وَمَآ أَنزَلَ ٱلرَّحۡمَٰنُ مِن شَيۡءٍ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا تَكۡذِبُونَ ١٥
They said, "You are not but human beings like us, and the Most Merciful has not revealed a thing. You are only telling lies."
﴿مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ قال مقاتل: يعني ما نرى لكم علينا من فضل في شيء. ﴿وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ﴾ يعني: لم يرسل رسولاً. ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾ بأنكم رسول الله [["تفسير مقاتل" 106 أ]].
36:16Page 441
قَالُواْ رَبُّنَا يَعۡلَمُ إِنَّآ إِلَيۡكُمۡ لَمُرۡسَلُونَ ١٦
They said, "Our Lord knows that we are messengers to you,
﴿قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ وإن كذبتمونا.
36:17Page 441
وَمَا عَلَيۡنَآ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ١٧
And we are not responsible except for clear notification."
﴿وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾: وما علينا إلا أن نبلغ ونبين لكم بان الله الواحد [لا شريك] [[ما بين المعقوفين مكرر في (ب).]] له.
36:18Page 441
قَالُوٓاْ إِنَّا تَطَيَّرۡنَا بِكُمۡۖ لَئِن لَّمۡ تَنتَهُواْ لَنَرۡجُمَنَّكُمۡ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٞ ١٨
They said, "Indeed, we consider you a bad omen. If you do not desist, we will surely stone you, and there will surely touch you, from us, a painful punishment."
فقال القوم للرسل: ﴿إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾ يعني: تشاءمنا بكم، وذلك أن المطر حبس عليهم فقالوا: أصابنا هذا الشر من قبلكم. ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا﴾ لئن لم تسكنوا. ﴿لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾ لنقتلنكم. قال الفراء: (كقوله: ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾ [هود: 91] يريد القتل، وعامة الرجم في القرآن القتل) [["معاني القرآن" 2/ 374.]].
36:19Page 441
قَالُواْ طَٰٓئِرُكُم مَّعَكُمۡ أَئِن ذُكِّرۡتُمۚ بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمٞ مُّسۡرِفُونَ ١٩
They said, "Your omen [i.e., fate] is with yourselves. Is it1 because you were reminded? Rather, you are a transgressing people."
﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ قال ابن عباس: يريد شؤمكم معكم [[انظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف 370، أورده السيوطي في "الدر" 7/ 51 وعزاه لابن المنذر.]]. وهو لفظ الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 282.]]. وقال الضحاك عن ابن عباس: طائركم حظكم من الخير والشر [[انظر: "الطبري" 15/ 16، "البغوي" 4/ 9.]]. واختاره الفراء، فقال: (أي ما كان من خير وشر فهو في رقابكم لازم لكم) [["معاني القرآن" 2/ 374.]].
وهذا معنى قول مقاتل، يعني الذي أصابكم كان مكتوبًا في أعناقكم [["تفسير مقاتل" 156 أ.]]. وهذان القولان في الطائر ذكرنا استقصاهما عند قوله: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: 131]. وقوله: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: 13]. وتم الكلام هاهنا، ثم قال لهم: ﴿أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ قال مقاتل: أين وعظتم بالله وتطيرتم [["تفسير مقاتل" 106 أ. والواو في قوله: وتطيرنا، زائدة من النساخ.]] بنا، وجواب الاستفهام محذوف، وهو ما ذكره مقاتل [[وهو قوله: تطيرتم بنا.]].
قال أبو علي: (كأنهم قالوا أين ذكرتم تشائمتم [[في (ب): (شائمتم).]]، فحذف الجواب لتقدم ما يدل عليه وهو قوله: ﴿تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾؛ لأن معنى تطيرنا تشائمنا) [["الحجة" 6/ 39.]]. ثم بينوا أن الأمر ليس على ما قالوا وشؤمهم إياهم من قبلهم، وهو قوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾.
قال ابن عباس ومقاتل: مشركون باللهِ [["تفسير ابن عباس" بهامش المصحف 370، "تفسير مقاتل" 106 أ.]]. يعني: أنهم جاوزوا الحد حين أشركوا بالله.
36:20Page 441
وَجَآءَ مِنۡ أَقۡصَا ٱلۡمَدِينَةِ رَجُلٞ يَسۡعَىٰ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱتَّبِعُواْ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٢٠
And there came from the farthest end of the city a man, running. He said, "O my people, follow the messengers.
وقوله: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾ قال المفسرون [[انظر: "تفسير مقاتل" 106 أ، "الطبري" 22/ 158، "بحر العلوم" 3/ 97، "الماوردي" 5/ 13.]]: هو حبيب النجار، وكان قد آمن بالرسل عند [[في (ب): (حين)]] ورودهم القرية. قال وهب: وكان منزله عند أقصى باب من أبواب القرية، فلما بلغه أن قومه قد كذبوا الرسل وهموا بقتلهم جاءهم وقال: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ [[انظر: "الطبري" 22/ 158، "المحرر الوجيز" 4/ 450، "القرطبي" 15/ 18.]].
وقال قتادة ومقاتل: إنه كان رجلاً يعبد الله في غارٍ فلما سمع بالرسل جاءهم فقال: أتسألون أجرًا على ما جئتم به؟ قالوا: لا. فقال لقومه:
36:21Page 441
ٱتَّبِعُواْ مَن لَّا يَسۡـَٔلُكُمۡ أَجۡرٗا وَهُم مُّهۡتَدُونَ ٢١
Follow those who do not ask of you [any] payment, and they are [rightly] guided.
﴿اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ يعني: الرسل [[انظر: "الطبري" 22/ 159، "معاني القرآن" للنحاس 5/ 487، "تفسير مقاتل" 106 ب.]].
قال محمد بن إسحاق: أي ما يسألونكم أموالكم على ما جاءوكم به من الهدى ﴿وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ فاتبعوهم تهتدوا بهداهم [[انظر: "الطبري" 22/ 159، "ابن كثير" 3/ 568.]].
قال مقاتل: فلما قال، هذا أخذوه فرفعوه إلى الملك، فقال له: برئت منا وتبعت عدونا [["تفسير مقاتل" 106 ب.]].
وقال ابن عباس: قال لهم [[هكذا جاءت في النسخ، ومقتضى السياق: له.]] الملك: أفأنت تتبعهم؟
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences