Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
الروم
Ar-Rum
The Romans · Meccan · 60 ayahs
﴿الم﴾ ذكرنا تفسيره في سورة العنكبوت.
قوله تعالى: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ قال المفسرون: إن أهل فارس غلبوا أهل الروم ﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ ففرح بذلك كفار مكة، وقالوا: إن فارس ليست لهم كتب ونحن مثلهم، وقد غلبوا أهلَ الروم وهم أهل كتاب مثلكم، فنحن أيضًا نغلبكم كما غلبت فارس الروم [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 101، عن مجاهد، وقتادة، والشعبي. وأخرجه ابن جرير 21/ 17، عن ابن عباس، وعكرمة، وعطاء، والشعبي. وأخرجه مقاتل عن عكرمة، "تفسير مقاتل" 75 ب. وذكره الثعلبي 8/ 164 أ، وصدره بقوله: قال المفسرون. ولم يسمهم.]].
وقال السدي: اقتتلت فارس والروم فغلبتهم فارس، ففخر أبو سفيان ابن حرب على المسلمين، وقال: الذين ليس لهم كتاب غلبوا الذين لهم الكتاب. فذلك قوله: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [[أخرجه ابن جرير 21/ 16، عن ابن عباس، من طرق، وعن عكرمة، وقتادة. ولم أجد فيه رواية السدي. ولم أجده في تفسير السدي، جمع محمد عطا يوسف.]] وهم جيل من ولد الروم بن عيص بن إسحاق [[قال ابن دريد: الروم: جيل معروف. "جمهرة اللغة" 2/ 803. وفي "اللسان" 12/ 258 (روم): جيل معروف، واحدهم: رُومي، ينتمون إلى: عِيصو بن إسحاق النبي -عليه السلام-.]]، غلب اسم أبيهم عليهم، فصار كالاسم للقبيلة. وإن شئت قلت: جمع رومي منسوب إلى روم بن عيص، كما يقال: زِنجي وزنج، ونحو ذلك.
قال صاحب النظم: لا يحتمل قوله: ﴿الم﴾ هاهنا إلا أن يكون في معنى القسم، ويكون خبره في قوله: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ على معنى: لقد غلبت، فلما أضمرت: قد، أضمرت معها: اللام، وقد مما يضمر، كقوله: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: 90] وقول النابغة:
أَضْحَتْ خَلاءً وأضحى أهلُها احتمَلُوا [["ديوان النابغة" الذبياني ص 31، وعجزه:
أخنى عليها الذي أخنى على لُبَدِ
وفي الحاشية: أخنى عليها: غيرها وأفسدها، لبد: زعموا أنه نسر كان للقمان بن عاد عمر طويلًا.
قال البغدادي: هذا البيت من قصيدة للنابغة الذبياني مدح بها النعمان بن المنذر، واعتذر إليه مما بلغه عنه. "خزانة الأدب" 4/ 5.]]
يعني: قد احتملوا.
ولما أضمر: قد، في الآية وهو موضع اللام أيضًا كقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ﴾ [آل عمران: 106] فيقال لهم: ﴿أَكَفَرْتُمْ﴾ أضمر الفاء معه؛ لأنه موضعه، وذلك أن جواب (أما) لا يكون إلا بالفاء، كما قال -عز وجل-: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ﴾ [آل عمران: 107].
وقوله: ﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ قال ابن عباس: يريد الجزيرة [[لعل المراد بها: جزيرة أَقُور فإنها تسمى: الجزيرة؛ لأنها بين دجلة والفرات، مجاورة الشام. وقد أطال الحديث عنها ياقوت في "معجمه" 2/ 156. شمال غرب العراق، في المنطقة الفاصلة بين العراق وسوريا.]].
قال ابن أبي نجيح: هي الجزيرة، وهي أقرب أرض الروم إلى فارس [[ذكره عنه الثعلبي 8/ 165 أ.]]. وعن ابن عباس أيضًا: طَرف الشام [[أخرجه ابن جرير 21/ 21، عن ابن عباس، وأخرج نحوه 21/ 16، عن ابن عمر. وذكره عن ابن عمر الفراء، "معاني القرآن" 2/ 319. قال الزجاج 4/ 175: وتأويله: أدنى الأرض من أرض العرب.]].
وقال مقاتل: هي الأردن وفلسطين. وعكرمة: أذرعات وكَسْكَر [[في "تفسير مقاتل" 75 ب: أذرعات، عن عكرمة. وفي: 77 أ: الأردن وفلسطين. وليس فيه ذكر: كسكر. لكن ذكره عن عكرمة الثعلبي 8/ 165 أ. وأخرج ابن جرير 21/ 18، عن عطاء وعكرمة، أنها: أذرعات. وأَذْرعات: بلد في أطراف الشام، يجاور أرض البلقاء وعَمَّان. "معجم البلدان" 1/ 158. و: كَسْكَر: تعريف ياقوت لها يدل على أنها مدينة بين: البصرة والكوفة. "معجم البلدان" 4/ 523، وهي جنوب شرق بغداد على نهر دجلة بالقرب من الحدود الإيرانية وفي "تهذيب اللغة" 2/ 315: أذرعات: بلد تنسب إليها الخمر. وفي "اللسان" 8/ 97: موضع بالشام تنسب إليه الخمر. (ذرع). وهي تبعد إلى الشرق من مدينة عكا بحوالي 120 كم.]].
وقوله: ﴿وَهُمْ﴾ يعني: الروم ﴿مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾ قال الفراء: كلام العرب: غَلَبتُه غَلَبَةً، فإذا أضافوا أسقطوا الهاء، كما أسقطوها من قوله: ﴿وَإِقَامَ الصَّلَاةِ﴾ [الأنبياء: 73] والكلام: إقامة الصلاة [["معاني القرآن" 2/ 319.]]. وأنكر الزجاج ذلك؛ وقال: هذا خطأ، والغَلَب والغَلَبة مصدر: غَلَبْتُ، مثل: الجَلَبُ والجَلَبَة [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 177 الجَلَب: ما جلب القوم من غنم أو سبي، والجلب الجلبة في جماعة الناس، والفعل: أجلبوا وجَلَّبوا من الصياح. "تهذيب اللغة" 11/ 90 (جلب).]].
وقال المبرد: أضاف الغلبة إلى الروم وهم مفعولون؛ لأن الفعل يضاف إلى مفعوله كما يضاف إلى فاعله؛ لأنه صاحبه، تقول: أعجبني خياطة الخياط، وبناء الباني، ونجر النجار، ويضاف إلى المفعول، لأنه فيه حَلَّ، يقولون: ما أحسن بناءَ هذه الدار، وخياطةَ هذا الثوب، ونجرَ هذا الباب، ومثل هذا في القرآن كثير؛ كقوله: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: 177] أي: حب المال ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [الإنسان: 8]: أي حب الطعام، ومثله: ﴿بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ﴾ [ص: 24] وهذا مما ذكرنا قديمًا [[قال الواحدي في تفسير هذه الآية: قال الفراء والزجاج: والمعنى: بسؤاله نعجتك فأضيف المصدر إلى المفعول لما ألقيت الهاء من السؤال، ومثله: ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ [فصلت: 49] أي: من دعائه بالخير، فلما ألقى الهاء أضيف الفعل إلى الخبر وألقي من الخبر الباء، كقول الشاعر:
ولست مُسلِمًا ما دمت حيًا ... على زيد بتسليم الأمير
أي: بتسليمي على الأمير.]].
30:3Page 404
فِيٓ أَدۡنَى ٱلۡأَرۡضِ وَهُم مِّنۢ بَعۡدِ غَلَبِهِمۡ سَيَغۡلِبُونَ ٣
In the nearest land.1 But they, after their defeat, will overcome
قوله تعالى: ﴿سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ ذكرنا تفسير البضع عند قوله: ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ [يوسف: 42] [[ذكر الواحدي في تفسير هذه الآية الخلاف في البضع، والأقوال التي ذكرها:
1 - البضع ما لم يبلغ العقد ولا نصفه؛ أي: من واحد إلى أربعة. قاله أبو عبيدة.
2 - قال الأصمعي: ما بين الثلاث إلى التسع، وصححه الزجاج.
3 - البضع ما بين العقدين، وهو قول الأخفش. ثم قال الواحدي: وعامة المفسرين على أن المراد بالبضع هاهنا: سبع.]]. أخبر الله تعالى: أن الروم بعد ما غُلبوا سيغلبون، ويصيرون غالبين لفارس؛ روى عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال: لما نزلت: ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ ناحب أبو بكر قريشًا ثم أتى النبي -ﷺ- وقال: إني ناحبتهم، فقال له النبي -ﷺ-: "فهلا احتطت فإن البضع ما بين الثلاث إلى التسع" [[أخرجه ابن جرير 21/ 17، من طريق ابن شهاب الزهري عن عبيد الله، عن عبد الله بن عباس. ومن الطريق نفسه أخرجه الترمذي 5/ 320، كتاب التفسير، == رقم (3191). وقال الترمذي: "هذا حديث غريب من حديث الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس". وهو حديث مرسل؛ فعبيد الله بن عبد الله قد أرسل عن جماعة من الصحابة منهم: ابن عباس. "تهذيب التهذيب" 7/ 22. والحديث في "ضعيف سنن الترمذي" 402، رقم (624).
وقد ورد في النسختين هكذا: عبد الله بن عبد الله، والصواب: عبيد الله بن عبد الله، كما هي رواية الترمذي، وابن جرير.]].
والمناحبة: المراهنة، وذلك قبل تحريمه [["تفسير الثعلبي" 8/ 164 ب والنَّحب، تطلق على معانٍ، منها: النذر، والقمار، وغيره. "تهذيب اللغة" 5/ 117 (نحب).]].
وقال في رواية عطاء: لما نزلت هذه الآية جرى بين أبي بكر رضي الله عنه وبين أمية بن خلف في ذلك كلام حين وقع بينهما رهان على ثلاث قلائص [[القَلُوص: الفتية من النوق، بمنزلة الفتاة من النساء. وتطلق أيضًا على: كل أنثى من الإبل من حين تركب، وإن كانت بنت لبون أو حِقة. "تهذيب اللغة" 8/ 368 (قلص).]] إلى أجل ثلاث سنين، فأتى أبو بكر إلى رسول الله -ﷺ- فقال له رسول الله -ﷺ-: "ارجع فاستزده في القلائص، وفي السنين"؛ فصيروا الرهبان سبع قلائص إلى سبع سنين [[أخرج نحوه ابن جرير 21/ 16، عن ابن عباس، من طريق سعيد بن جبير. وأخرجه أيضًا عن عكرمة، وقتادة، مع اختلاف في عدد السنين، وعدد القلائص، وكذا في "تفسير الثعلبي" 8/ 164 ب، ولم ينسبه.]].
وقال الشعبي: بلغنا أن المسلمين والمشركين تخاطروا [[الخَطَر، والسَّبَق، والنَّدَب، واحد، وهو كله: الذي يوضع في النَّضال، والبرهان، فمن سبق أخذه. "تهذيب اللغة" 7/ 224 (خطر).]] بينهم لما نزلت هذه، وذلك قبل تحريم القمار، وضربوا بينهم أجلاً، فقال النبي -ﷺ-: "لو ضربتم أجلاً آخر فإن البضع يكون ما بين الثلاث إلى تسع" فزايده إلى سبع سنين على سبعة أبكار، قال: فالتقى الروم وفارس، فغلبهم الروم، فجاء جبريل بهزيمة فارس وظهور الروم عليهم، ووافق ذلك يوم بدر [[أخرجه عنه ابن جرير 21/ 19، مختصرًا.]].
وقال: سعيد بن جبير عن ابن عباس: لما غلبت فارس الروم وفرح المشركون بذلك، ذكروا ذلك لأبي بكر؟ فذكره أبو بكر لرسول الله -ﷺ- فقال رسول الله -ﷺ-: "أما إنهم سيغلبون فارس" فذكر أبو بكر لهم: إن الروم سيغلبون ثم عقدوا عقد الرهان على ما ذكرنا [[أخرجه ابن جرير 21/ 16، من طريق سعيد بن جبير. وأخرجه الحاكم 2/ 445، كتاب التفسير، رقم (3540)، من طريق سعيد أيضًا، وقال: على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وأخرجه من طريق سعيد أيضًا الترمذي 5/ 320، كتاب: التفسير، رقم (3193)، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب. وهو في "صحيح سنن الترمذي" 3/ 87، رقم (2551).]].
قال أبو إسحاق: وهذه من الآيات التي تدل على أن القرآن من عند الله -عز وجل-؛ لأنه أنبأ بما سيكون وهذا لا يعلمه إلا الله [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 175.]].
وقال جماعة من المفسرين: صاحب القمار من جهة المشركين كان أبيِّ بن خلف، وكان الخَطَر بينهم: مائة من الإبل [[أخرجه ابن جرير 21/ 19، عن عكرمة، وقتادة "تفسير الثعلبي" 8/ 164 ب، ولم ينسبه.]].
وقوله: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ أجمع المفسرون: أن الروم غلبت فارس بعد ما أخبر الله بهذه الآية أنهم سيغلبون في السنة السابعة [["تفسير مقاتل" 77 أ. وليس فيه ذكر السنة، بل ذكر فيه أن ذلك وقع في سنة الحديبية، وقد وقع صلح الحديبية في شهر ذي القعدة من السنة السادسة. "السيرة النبوية" لابن هشام 3/ 321، والفصول في سيرة الرسول -ﷺ-، 184. وذكر سبع == سنين نيار بن مُكرَّم، أخرجه عنه الترمذي 5/ 321، بسند حسن، قاله الألباني، صحيح سنن الترمذي 3/ 88. وذكره السيوطي عن ابن شهاب، وقتادة، "الدر المنثور" 6/ 481، وأخرج ابن جرير 21/ 20، عن ابن مسعود، أنها تسع. فحكاية الإجماع هنا غريبة؛ إذ قد اختلفت أقوال المفسرين في زمن وقوع ظهور الروم على فارس؛ فقيل: يوم بدر، وقيل في صلح الحديبية، وقيل بعد سبع سنين من الأجل، وقيل بعد تسع سنين، والثعلبي لما ذكر القول بأن المدة: سبع سنين، قال بعده: هكذا قول أكثر المفسرين. "تفسير الثعلبي" 8/ 164 ب. فحكاية الإجماع هنا غير مستقيمة. والله أعلم.]].
قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ حين غلبت الروم فارس. وهذا قول الجميع؛ قالوا: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ﴾ أن تغلب ﴿وَمِنْ بَعْدُ﴾ ما غلبت [[أخرجه ابن جرير 21/ 21، بنحوه عن ابن جريج. و"تفسير مقاتل" 77 أ. و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 176.]]. والمعنى: أن غلبة أحدهما الآخر، أيهما كان الغالب والمغلوب فإن ذلك بأمر الله وإرادته وقضائه وقدره، فحين غلبت فارس الروم كان الأمر لله، وحين تغلب الروم فارس يكون الأمر لله.
وذكرنا الكلام في وجه ارتفاع ﴿قَبْلُ﴾ و ﴿بَعْدُ﴾ في أوائل سورة البقرة [[قال الواحدي في تفسير قول الله تعالى: ﴿قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة: 25] ﴿قَبْلُ﴾ يبنى على الضم في هذا الموضع؛ لأنها تضمنت معنيين؛ أحدهما معناها في ذاتها وهو السبق، والآخر معنى ما بعدها؛ لأن التأويل: هذا الذي رزقنا من قبله، فهو وإن لم يضف ففيه معنى الإضافة، فلما أدت عن معنيين قويت فحملت أثقل الحركات وكذلك قوله: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ تأويله من قبل كل شيء وبعده، وهذا مذهب الفراء والمبرد، واختيار ابن الأنباري.
وقد ذكر إعرابهما سيبويه، "الكتاب" 3/ 286، والمبرد، "المقتضب" 3/ 174، 175، والأخفش، "معاني القرآن" 2/ 658.]]. وذكر الفراء والزجاج هاهنا كلامًا طويلاً -ﷺ- في إعراب ﴿قَبْلُ﴾ و ﴿بَعْدُ﴾ ووجوه استعمالهما مركبة [["معاني القرآن" للفراء 2/ 319 - 322. و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 176، 177.]].
30:4–5Page 404
فِي بِضۡعِ سِنِينَۗ لِلَّهِ ٱلۡأَمۡرُ مِن قَبۡلُ وَمِنۢ بَعۡدُۚ وَيَوۡمَئِذٖ يَفۡرَحُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٤
Within three to nine years. To Allāh belongs the command [i.e., decree] before and after. And that day the believers will rejoice
بِنَصۡرِ ٱللَّهِۚ يَنصُرُ مَن يَشَآءُۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٥
In the victory of Allāh.1 He gives victory to whom He wills, and He is the Exalted in Might, the Merciful.
قوله: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس: يريد: حينئذ؛ حين تغلب الروم فارس ﴿يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾: أبو بكر وأصحابه ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ الروم على فارس [[أخرجه ابن جرير 21/ 17.]]. وقال مقاتل: لما كان يوم بدر غلب المسلمون كفار مكة، وأتى الخبرُ المسلمين أن الروم قد غلبوا أهل فارس ففرح المؤمنون بذلك.
قوله: ﴿وَيَوْمَئِذٍ﴾ يعني: يوم بدر [["تفسير مقاتل" 77 أ. ولا يفهم من نقل الواحدي عن مقاتل أن غلبة الروم على فارس كانت مقاربة لغزوة بدر، كلا، بل قال مقاتل: وأتى المسلمين الخبرُ بعد ذلك، والنبي -ﷺ-، والمؤمنون بالحديبية أن الروم قد غلبوا أهل فارس.]] ﴿يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ ونحو هذا قال السدي: فرح النبي -ﷺ- والمؤمنون بظهورهم على المشركين يوم: بدر، وظهور أهل الكتاب على أهل الشرك. قال أبو سعيد الخدري: ظهر الروم على فارس يوم أحد [[أخرجه ابن جرير 21/ 21، وفيه يوم بدر؛ وهكذا ذكره السيوطي، "الدر المنثور" 6/ 481، وعزاه لابن أبي حاتم، وأخرجه كذلك الترمذي 5/ 320، كتاب تفسير القرآن، رقم (¬3192). فكتابة: أحد؛ بدل: بدر، في "البسيط" تحريف. والله أعلم.]].
وقال آخرون: ظهر الروم على فارس يوم الحديبية؛ وهو قول عبيد الله ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود [[أخرجه ابن جرير 21/ 19، عن عطاء، وقتادة قال ابن كثير 6/ 303: وقد كانت نصرة الروم على فارس يوم وقعة بدر في قول طائفة كبيرة من العلماء؛ كابن عباس، والثوري، والسدي، وغيرهم .. وقال آخرون: بل كان نصرة الروم على فارس عام الحديبية؛ قاله عكرمة، والزهري، وقتادة وغيرهم .. ووجه بعضهم هذا == القول بأن قيصر كان قد نذر لئن أظفره الله بكسرى ليمشين من حمص إلى إيلياء -وهو بيت المقدس- شكرًا لله -عز وجل- .. ولم يف بنذره إلا بعد الحديبية، ثم قال: والأمر في هذا سهل قريب.]].
وقوله: ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس: يريد: الرومَ على فارس. وقال مجاهد: بإدالة الروم من أهل الكتاب على فارس أهل الأوثان [[أخرجه ابن جرير 21/ 17، عن مجاهد من طريق ابن أبي نجيح.]].
قوله: ﴿يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: كما نصر الرومَ على فارس.
﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾: المنيع في ملكه ﴿الرَّحِيمُ﴾ بالمؤمنين خاصة [["تفسير مقاتل" 77 أ.]].
﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
30:6Page 405
وَعۡدَ ٱللَّهِۖ لَا يُخۡلِفُ ٱللَّهُ وَعۡدَهُۥ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٦
[It is] the promise of Allāh. Allāh does not fail in His promise, but most of the people do not know.
قوله: ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ قال أبو إسحاق: مصدر مؤكد؛ لأن قوله: ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ هو وعد من الله للمؤمنين، فقوله: ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ بمنزلة: وعد الله وعدًا [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 177. وذكره سيبويه، "الكتاب" 1/ 381. وذكره أيضًا المبرد؛ فقال: ومثل ذلك: ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ لأنه لما قال: ﴿يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ عُلم أن ذلك وعد منه، فصار بمنزلة: وعدهم وعدًا، ثم أضافه. "المقتضب" 3/ 232. ونحوه في "المسائل الحلبيات" 303.]].
قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ قال مقاتل: يعني كفار مكة [["تفسير مقاتل" 77 أ.]] ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ أن الله لا يخلف وعده في إظهار الروم على فارس. ثم قال لكفار مكة:
30:7Page 405
يَعۡلَمُونَ ظَٰهِرٗا مِّنَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُمۡ عَنِ ٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ غَٰفِلُونَ ٧
They know what is apparent of the worldly life, but they, of the Hereafter, are unaware.
﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال عكرمة وإبراهيم: معايشهم وما يصلحهم [[أخرجه عنهما ابن جرير 21/ 23.]].
وقال الحسن: يعلمون متى زرعهم ومتى حصادهم [[أخرجه ابن جرير 21/ 23.]]. وروي عنه في هذه الآية قال: بلغ والله من علم أحدهم بالدنيا أنه ينقر الدرهم بيده فيخبرك بوزنه، ولا يحسن يصلي [["الدر المنثور" 6/ 484، ونسبه لابن المنذر وابن أبي حاتم 9/ 3088. ولفظه في الدر: يقلب الدرهم على ظفره. وذكره ابن الجوزي، "زاد المسير" 6/ 289، ولفظه: ينقر الدرهم بظفره. وفي النسختين: ينقر الدرهم بيده. ولعل الصواب -والله أعلم-: يقلب الدرهم بيده؛ لأن تقليب الدرهم باليد يستفيد منه الحاذق معرفة الوزن دون النقرة الذي يمكن أن يستفاد منه معرفة النوع الرديء من الجيد.]].
وقال قتادة: يعلمون تجارتها وحرفتها وبيعها [[أخرجه عبد الرزاق 2/ 102، وابن جرير 21/ 23، عن قتادة.]].
قال ابن عباس: يعرفون عمران الدنيا، وهم في أمر الدين جهال [[أخرجه ابن جرير 21/ 32، من طريق علي بن أبي طلحة.]].
وقال الضحاك: يعلمون بنيان قصورها، وتشقيق أنهارها، وغرس أشجارها [["الدر المنثور" 6/ 485، ونسبه لابن أبي حاتم 9/ 3088.]].
وقال مقاتل: يعني حرفتهم، ومتى يُدرك زرعهم، وما يصلحهم في معايشهم [["تفسير مقاتل" 77 أ.]].
وقال أبو إسحاق: المعنى: يعلمون من معايش الحياة؛ لأنهم كانوا يعالجون التجارات [[ذكر نحوه الفراء، "معاني القرآن" 2/ 322.]]، فأعلم الله -عز وجل- مقدار ما يعلمون، وقوله [[هكذا: وقوله، في النسختين. ولعل الصواب: بقوله، كما يدل عليه السياق، والله أعلم. وأما عند الزجاج فقد جاءت بزيادة أوضحت المعنى؛ قال ... فأعلم الله -عز وجل- == لما نفى أنهم لا يعلمون ما الذي يجهلون، ومقدار ما يعلمون فقال: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ "معاني القرآن" 4/ 178.]]: {وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 178.]]. قال مقاتل: ثم وعظهم ليعتبروا فقال:
30:8Page 405
أَوَلَمۡ يَتَفَكَّرُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۗ مَّا خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَآ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَأَجَلٖ مُّسَمّٗىۗ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ بِلِقَآيِٕ رَبِّهِمۡ لَكَٰفِرُونَ ٨
Do they not contemplate within themselves?1 Allāh has not created the heavens and the earth and what is between them except in truth and for a specified term. And indeed, many of the people, in the meeting with their Lord, are disbelievers.
﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [["تفسير مقاتل" 77 أ.]] أي: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ المكذبون بالبعث والقيامة في خلقي إياهم فيعلموا ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ﴾ الآية [[تفسير ابن جرير 21/ 24، باختصار.]]. قال أبو إسحاق: وحذف فيعلموا؛ لأن في الكلام دليلًا عليه [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 178.]].
وقوله: ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ قال الفراء: ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ يعني: للثواب والعقاب [["معاني القرآن" للفراء 2/ 322.]].
وقال الزجاج: إلا للحق أي: لإقامة الحق [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 178.]]. وهو معنى قول مقاتل: لم يخلقهما عبثًا لغير شيء؛ خلقهما لأمر هو كائن [["تفسير مقاتل" 77 أ.]].
قوله تعالى: ﴿وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ قال: للسموات والأرض أجل ينتهيان إليه؛ وهو يوم القيامة [["تفسير مقاتل" 77 أ، بنصه.]]. قال الزجاج: وهو الوقت الذي توفَّى فيه كل نفس ما كسبت [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 178، وفيه. توفي فيه. وسقطت كلمة: فيه، من النسختين.]]. والمعنى: أولم يتفكروا في خلق الله إياهم ولم يكونوا شيئًا فيعلموا أنَّ خلق السموات لأمرٍ، وأن لهما أجلاً، وهو: القيامة.
ثم قال: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ قال مقاتل والكلبي: يعني كفار مكة [["تفسير مقاتل" 77 أ، و"تنوير المقباس" ص 339.]] ﴿بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾ قال ابن عباس والمفسرون: بالبعث بعد الموت ﴿لَكَافِرُونَ﴾ لا يؤمنون أنه كائن [["تفسير مقاتل" 77 أ، بنصه.]].
قال أبو إسحاق: معناه: لكافرون بلقاء ربهم، تقدمت الباء؛ لأنها متصلة بكافرون، وما اتصل بخبر إنَّ جاز أن يُقدم قَبل اللام، ولا يجوز أن تدخل اللام بعد مضي الخبر، كقولك: زيد كافر لباللَّه؛ لأنها تدخل على الابتداء والخبر فتؤكد الجملة، ولا تأتي توكيدًا وقد مضت الجملة [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 179.]].
30:9Page 405
أَوَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَانُوٓاْ أَشَدَّ مِنۡهُمۡ قُوَّةٗ وَأَثَارُواْ ٱلۡأَرۡضَ وَعَمَرُوهَآ أَكۡثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِۖ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظۡلِمَهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ٩
Have they not traveled through the earth and observed how was the end of those before them? They were greater than them in power, and they plowed [or excavated] the earth and built it up more than they [i.e., the Makkans] have built it up, and their messengers came to them with clear evidences. And Allāh would not ever have wronged them, but they were wronging themselves.
قال مقاتل: ثم خوفهم فقال: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يعني: الأمم الخالية كان عاقبتهم العذاب في الدنيا [["تفسير مقاتل" 77 أ.]]. والمعنى: أو لم يسافروا في الأرض فينظروا إلى مصارع الأمم قبلهم ويعلموا أنهم أهلكوا بتكذيبهم فيعتبروا. ثم وصفهم فقال:
﴿كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ أي: أعطاهم من القوة ما لم يعطِ هؤلاء ﴿وَأَثَارُوا الْأَرْضَ﴾ ذكرنا تفسير: الآثار، عند قوله: ﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ [البقرة: 71] [[قال الواحدي في تفسير هذه الآية: ﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ أي: تقلبها للزراعة. ومعنى الإثارة: تفريق الشيء في كل جهة، يقال: أثرت الشيء واستثرته إذا هيجته ...]] قال الفراء: حرثوها [["معاني القرآن" للفراء 2/ 322. وقال أبو عبيدة: أي: استخرجوها، ومنه قولهم: أثار ما عندي: أي: استخرجه، وأثار القوم: أيَ: استخرجهم. "مجاز القرآن" 2/ 119.]]. وهو قول مجاهد [[أخرجه ابن جرير 21/ 25.]].
وقال ابن قتيبة: قلبوها للزراعة [["غريب القرآن" ص 340.]].
وقال ابن عباس: يريد الأجنة [[هكذا في (أ)، (ب): (الأجنة)، وهي جمع جنة. قال الأزهري: الجنة: الحديقة، جمع جنانه "تهذيب اللغة" 10/ 503 (جنن).]] والأنهار وما غرسوا من الأشجار [[أخرجه ابن جرير 21/ 24، بلفظ: ملكوا الأرض وعمروها.]]. يريد أن أثارهم كان لأجل هذه الأشياء.
وقال مقاتل: يعني: وملكوا الأرض [[لم أجده في تفسير مقاتل، ولم أجده كذلك عند الثعلبي.]]؛ وهذا معنى وليس بتفسير؛ وذلك أنه يثير الأرض مالكها.
وقوله: ﴿وَعَمَرُوهَا﴾ يعني: الأمم ﴿أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾ يعني: كفار مكة [["معاني القرآن" للفراء 2/ 322.]]. واختلفوا لِمَ كانت الأمم أكثر عمارة من أهل مكة؟ فذهب قوم إلى أنهم كانوا أكثر عمارة لأنهم كانوا أطول عمرًا؛ وهذا معنى قول الكلبي ومقاتل؛ قال الكلبي: وبقوا فيها أكثر مما بقي فيها قومك [["تنوير المقباس" ص 339.]].
وقال مقاتل: يقول: وعاشوا في الأرض أكثر مما عاش فيها كفار مكة [["تفسير مقاتل" 77 ب.]]. وإذا كانوا أطولَ بقاءً، وأكثرَ عيشًا كانوا أكثر عمارة. وقال آخرون: لأنهم كانوا أكثر عددًا؛ فقد روي أنه لم يبق نَشَزٌ [[النَّشَزُ، والنَّشْزُ، والوَشَز: ما ارتفع من الأرض. "تهذيب اللغة" 11/ 305 (نشز).]] من الأرض يحتمل عمارة إلا كان لها عامر على عهد عاد، والأمم السالفة. وذكر أبو إسحاق معنًى آخر؛ فقال: يعني: أن الذين أهلكوا من الأمم كانوا أكثر حرثًا وعمارة من أهل مكة؛ لأن أهلَ مكة لم يكونوا أصحاب حرث [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 179.]].
قوله: ﴿وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ قال ابن عباس: يريد: الحلال والحرام، والأحكام والحدود. وقال مقاتل: فيعذبهم على غير ذنب [["تفسير مقاتل" 77 ب، في تفسير قول الله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ فلعل ذكر الآية سقط من النسختين. والله أعلم.]] ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بالكفر والتكذيب. ودلَّ هذا الكلام على أنهم لم يؤمنوا فأهلكوا؛ لأن الله أعلم أنه عذبهم غيرَ ظالم لهم.
قال صاحب النظم: يأتي [الظلم] [[كلمة (الظلم) غير موجودة في النسختين، وزدتها لاستقامة الكلام.]] في الكلام لثلاثة معانٍ؛ أحدها: وضع الشيء في غير موضعه، كقوله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13] وذلك أنه وضع الربوبية غير موضعها. والثاني: المنع والحبس، كقوله: ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: 33] والثالث: أخذ الشيء قبل وقت أخذه، كقول الشاعر:
وقائلة ظلمتُ لكم سقائي ... وهل يخفى على العَكِد الظليم [["تهذيب اللغة" 14/ 383 (ظلم)، ولم ينسبه. وكذا في "مقاييس اللغة" 3/ 469. وكذا في "لسان العرب" 12/ 375. سبق أن استشهد الواحدي بهذا البيت في تفسير سورة البقرة. والبيت غير منسوب في "جمهرة الأمثال" 1/ 131، واستشهد بهذا البيت في ذكر المثل: أهون مظلوم سِقاء مروَّب. وكذا في "مجمع الأمثال" 2/ 482، و"المستقصى" للزمخشري 1/ 444. والعَكِد: أجل اللسان. "تهذيب اللغة" 1/ 300 (عكد). معنى البيت: أن اللسان يدرك بالشرب أن اللبن قد ظُلِم بأخذه قبل وقته.]]
والظليم هاهنا: اللبن يُشرب قبل أن يُدْرِك وَيروب؛ والمعاني الثلاثة محتملة في هذه الآية؛ فيكون معنى قوله: ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ بوضع عذابهم في غير موضعه؛ بأخذهم قبل وقته، وبحبس شيء من أرزاقهم ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بوضعها في غير موضعها من التغرير بها، وتعريضها للهلاك بالكفر، وترك النظر لها. ويظلمون أنفسهم أيضًا بمنعها الخير من الإيمان.
30:10Page 405
ثُمَّ كَانَ عَٰقِبَةَ ٱلَّذِينَ أَسَٰٓـُٔواْ ٱلسُّوٓأَىٰٓ أَن كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَكَانُواْ بِهَا يَسۡتَهۡزِءُونَ ١٠
Then the end of those who did evil was the worst [consequence] because they denied the signs of Allāh and used to ridicule them.
ثم أخبر عن عاقبتهم فقال: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يعني أشركوا [[أخرجه ابن جرير 21/ 25، من طريق علي بن أبي طلحة. و"تفسير مقاتل" 77 ب.]].
وقوله: ﴿السُّوأَى﴾ أكثر التفسير في ﴿السُّوأَى﴾ أنها: النار، ضد الحُسنى؛ وهي: الجنة [[أخرجه ابن جرير 21/ 25، عن ابن عباس، وقتادة. "تفسير الثعلبي" 8/ 165 ب، ولم ينسبه. والحسنى وردت في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: 26] وقد ذكر الآية الواحدي بعد ذلك.]]. وهو قول الأخفش والفراء والزجاج وابن قتيبة [["معاني القرآن" للفراء 2/ 322. و"غريب القرآن" لابن قتيبة 340. و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 179. قال الأخفش: ﴿السُّوأَى﴾ مصدر هاهنا مثل: التقوى. "معاني القرآن" 2/ 656، ولم أجد فيه ما ذكر الواحدي.]]، قال الزجاج وغيره: إساءتهم هاهنا: كفرهم، وجزاء الكفر: النار [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 179.]]. كما جُعل للعمل الحسنى؛ وهو: الإيمان: الثواب الحسن؛ وهو: الجنة، في قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ [يونس: 26].
قال ابن قتيبة: ﴿السُّوأَى﴾ جهنم، والحسنى: الجنة [["غريب القرآن" ص 340.]]. وقال غيره: سميت جهنم ﴿السُّوأَى﴾ لأنها تسوء صاحبها، من قولهم: ساءه يسوؤه.
وقيل: لأنها قبيحة المنظر، يقال ساء الشيء إذا قَبُح، يسوء، والسَّوء: المرأة القبيحة، ومنه: السيئ والسيئة، وقد ذُكرتا [[قال الواحدي في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ [آل عمران: 120]: يقال: ساء الشيء يسوء فهو سيء، والأنثى سيئة؛ أي: قبُح، ومنه قوله: ﴿سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: 66] وسوَّأت على الرجل فعله؛ أي: قبحته عليه وعبته به، والسُّوأى ضد: الحسنى، والسَّوءاء: المرأة القبيحة.]]، وقيل في تفسير ﴿السُّوأَى﴾ هاهنا أنها: العذاب في الدنيا. وهو قول مقاتل [["تفسير مقاتل" 77 ب.]].
وفي قوله: ﴿عَاقِبَةَ الَّذِينَ﴾ قراءتان؛ الرفع والنصب [[قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ونافع: ﴿عَاقِبَةَ﴾ بالرفع، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي: ﴿عَاقِبَةَ﴾ بالنصب. "السبعة في القراءات" ص 506، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 442، و"إعراب القراءات السبع وعللَّها" 2/ 193، و"النشر في القراءات العشر" 2/ 344.]]، فمن نصب جعلها خبر كان، ونصبَها متقدمةً، كما قال: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: 47] واسم كان على هذه القراءة يجوز أن يكون أحد شيئين؛ أحدهما: ﴿السُّوأَى﴾ على تقدير: ثم كان عاقبة الذين أساؤا [[اسم كان هنا غير واضح؛ لأن في العبارة نقصًا، وصوابها كما عند أبي علي في "الحجة للقراء السبعة" 5/ 442: التقدير: ثم كان السوأى عاقبةَ الذين أساؤوا.]]، ويكون أن في قوله: ﴿أَنْ كَذَّبُوا﴾ مفعولًا له؛ أي: لأن كذبوا [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 443.]].
وهذا معنى قول الفراء والزجاج؛ قال الفراء: ﴿أَنْ كَذَّبُوا﴾ لتكذيبهم، ولِأن كذبوا، فإذا ألقيتَ اللام كان نصبًا [["معاني القرآن" للفر اء 2/ 322.]].
وقال الزجاج: المعنى: ثم كان عاقبة الكافرين النارَ لتكذيبهم بآيات الله واستهزائهم [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 179.]].
الوجه الثاني في اسم كان على هذه القراءة هو: ﴿أَنْ كَذَّبُوا﴾ التقدير: ثم كان التكذيبُ ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا﴾ ويكون: ﴿السُّوأَى﴾ على هذا مصدرًا، وفُعْلَى من أبنية المصادر، كالرُّجعى، والشُّورى، والبُّشرى [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 443. والرُّجعى وردت في قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ [العلق: 8] والبشرى في قوله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ..﴾ [يونس: 64] و ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى ..﴾ [هود: 74] و ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ [الزمر: 17]، وأما الشورى فلم ترد في القرآن معرفة بالألف واللام، وإنما جاءت منكرة، قال تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ..﴾ [الشورى: 38] والله أعلم.]]، ومعنى الآية: ثم كان التكذيب آخرَ أمرهم أي: ماتوا على ذلك، كأن الله تعالى جازاهم على إساءتهم أن طبع على قلوبهم حتى ماتوا على التكذيب والشرك عقابًا لهم بذنوبهم. وهذا الوجه ذكره أبو علي، وصاحب النظم.
ومن رفع العاقبة جاز أن يكون الخبر: ﴿السُّوأَى﴾ و ﴿أَنْ كَذَّبُوا﴾ كما جاز فيمن نصب العاقبة أن يكون كلُّ واحد منهما: الاسم، والتقدير: ثم كان عاقبةُ المسيء التكذيبَ بآيات الله، يعني أنه مات على التكذيب كما ذكرنا، أو يكون المعنى: أنه لم يظفر في شركه وكفره بشيء إلا بالتكذيب بآيات الله، و ﴿السُّوأَى﴾ على هذا في موضع نصب بأنه مصدر. وقد يجوز أن يكون: صفة لموصوف محذوف، كأنه الخَّلَة ﴿السُّوأَى﴾ أو الخِلال ﴿السُّوأَى﴾ [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 444، بنصه. وقد ضبطت: الخلة، بضم الخاء، والخلال بكسرها، ولم يبين في الحاشية المعنى، ولعل الصواب -والله أعلم- == أن المراد: الخَلَّة، بفتح الخاء، جمع: خِلال، بكسرها، والمراد بها: الخَصلة. "تهذيب اللغة" 6/ 569 (خلّ)، فيكون المعنى: الخصلة السوأى، أو الخصال السوأى. والله أعلم.]].
30:11Page 405
ٱللَّهُ يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ ثُمَّ إِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ١١
Allāh begins creation; then He will repeat it; then to Him you will be returned.
قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ قال مقاتل: الله بدأ خلق الناس فخلقهم أولاً، ثم يعيدهم بعد الموت أحياءً كما كانوا ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فيجزيهم بأعمالهم في الآخرة [["تفسير مقاتل" 77 ب.]].
وقرئ (تُرْجَعُونَ) بالياء والتاء [[قرأ أبو عمرو، وعاصم في رواية أبي بكر ﴿يُرْجَعُونَ﴾ بالياء، وقرأ أبو عمرو في رواية عنه: ﴿تُرْجَعُونَ﴾ بالتاء، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم: ﴿تُرْجَعُونَ﴾ بالتاء. "السبعة في القراءات" ص 506، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 444، و"إعراب القراءات السبع وعللَّها" 2/ 194، و"النشر في القراءات العشر" 2/ 344.]]؛ فمن قرأ بالياء فلأن المتقدم ذكرُه غيبة؛ وهو قوله: (يَبْدَؤُا الخَلْقَ) والخلق هم: المخلوقون في المعنى، وجاء قوله: (ثُمَّ يُعِيدُهُ) على لفظ الخلق، وقوله: (تُرْجَعُونَ) على المعنى، ولم يرجع على لفظ الواحد كما كان ﴿يُعِيدُهُ﴾ كذلك. ووجه التاء أنه صار من الغيبة إلى الخطاب، ونظيره: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2] ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: 5] [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 444، بنصه.]].
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences