Al-Wahidi (al-Basit)Ad‑Dukhan · 44:1–28

Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic

الدخان

Ad-Dukhan

The Smoke · Meccan · 59 ayahs

44:1–2Page 496

حمٓ ١

Ḥā, Meem.1

وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُبِينِ ٢

By the clear Book,

﴿حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ قال ابن عباس: يريد القرآن وما أنزل فيه من البيان والحلال والحرام [[قال في "تنوير المقباس": (وأقسم بالكتاب المبين لقد قضى ما هو كائن أي بين، ويقال أقسم بالحاء والميم والقرآن المبين بالحلال والحرام والأمر والنهي) انظر: "تنوير المقباس" ص 496، ونسبه في "الوسيط" لابن عباس. انظر: 4/ 85.]]، ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ قال الكلبي: أقسم بـ حم والقرآن [[انظر: "تنوير المقباس" ص 496.]] ذلك لقد أنزلناه، فجواب القسم على ما ذكر:

44:3Page 496

إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ فِي لَيۡلَةٖ مُّبَٰرَكَةٍۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ ٣

Indeed, We sent it down during a blessed night.1 Indeed, We were to warn [mankind].

﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾، وكذلك هو عند أهل التفسير.

وقال النحاس: يجوز أن يجعل جواب القسم: (إنا أنزلناه حم) فيكون تمام الكلام عند قوله: ﴿الْمُبِينِ﴾ وإن جعلت جواب القسم (إنا أنزلناه)، اتصل بالكلام الأول [[انظر: "القطع والائتناف" للنحاس ص 654، لكن بلفظ: إن جعلت جواب القسم ﴿حم﴾ كان هذا وقفًا، وإن جعلت الجواب: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ فالوقف: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾.]].

قال صاحب النظم: لولا أن قوله (إنا أنزلناه) صفة القرآن والذي أقسم به وأخبر عنه، لاحتمل أن يكون جوابًا للقسم، ولكن ليس من عادتهم أن يقسموا بنفس الشيء إذا أخبروا عنه.

قوله: ﴿فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ أي كثيرة الخير، والليلة التي أنزل فيها كتاب الله مباركة، بأن الخير ينمو فيها على ما دبره الله من علو مرتبتها بالخير الذي قسمه الله فيها، واختلفوا في الليلة المباركة فقال ابن عباس في رواية عطاء والكلبي: إنها ليلة القدر [[ذكر ذلك الماوردي ولم ينسبه. انظر: 5/ 244، ونسبه ابن الجوزي للأكثرين. انظر: "زاد المسير" / 336، وذكره السمرقندي ولم ينسبه. انظر: تفسيره 3/ 115.]]. نزل القرآن جملة من عند ذي العرش إلى السماء الدنيا، وقد ذكرنا كيفية ذلك عند قوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: 185]، وهذا قول قتادة ومقاتل وابن زيد ومجاهد [[أخرج ذلك الطبري 13/ 107 عن قتادة وابن زيد. وانظر: "تفسير مقاتل" 3/ 817.]]، وبه قال الأكثرون: واختاره الزجاج [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 423.]] لقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: 1]، قال مقاتل: كان ينزل من اللوح المحفوظ كل ليلة قدرٌ من الوحي على مقدار ما ينزل به جبريل على النبي -ﷺ- في السَّنَة كلها إلى مثلها من العام المقبل، حتى نزل القرآن كله في ليلة القدر [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 817.]].

وقال عكرمة: هي ليلة النصف من شعبان [[أخرج ذلك الطبري عن عكرمة. انظر: تفسيره 13/ 109، وذكره البغوي عن عكرمة.

انظر: تفسيره 7/ 22، ونسبه ابن الجوزي لعكرمة. انظر: "زاد المسير" 7/ 338، ونسبه القرطبي لعكرمة. انظر: "الجامع" 16/ 126.]].

قوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾. قال ابن عباس: منذرين بالقرآن من عصى الله [[لم أقف عليه.]].

44:4Page 496

فِيهَا يُفۡرَقُ كُلُّ أَمۡرٍ حَكِيمٍ ٤

Therein [i.e., on that night] is made distinct1 every precise matter -

قوله تعالى: ﴿فِيهَا﴾ أي في تلك الليلة المباركة. ﴿يُفْرَقُ﴾ أي يفصل ويبين ويضبط، من قولهم: فرقت الشيء أفرقه فرقاً وفرقاناً [[انظر: "تهذيب اللغة" (فرق) 9/ 105، و"مفردات" الراغب (فرق) ص 377.]] ، والأمر الحكيم المحكم، يعني أمر السنة إلى مثلها من العام المقبل يقضي الله في تلك الليلة ما هو كائن في السنة من الخير والشدة والرخاء والأرزاق والآجال ومحو وتثبيت ما يشاء، وهذا قول عامة المفسرين، روى مهران [[لعله: مهران أبو صفوان حديثه في الكوفيين روى عن ابن عباس، وعنه الحسن بن عمرو النُقيمي، قال أبو زرعة لا أعرفه إلا في الحديث وذكره ابن حبان في "الثقات". انظر: "ميزان الاعتدال" 4/ 196، و"تهذيب التهذيب" 10/ 328.]] عن ابن عباس في هذه الآية قال: يكتب في أم الكتاب في ليلة القدر ما يكون في السنة من موت وحياة ورزق ومطر، حتى الحُجّاج يقال: يحج فلان [[انظر: "تفسير البغوي"، وقد نسبه لابن عباس 7/ 227، ونسبة في "الوسيط" لابن عباس انظر: 4/ 85، وانظر: "زاد المسير" 7/ 338، وقد نسبه لابن عباس، ونسبه القرطبي لابن عباس. انظر: 16/ 127.]].

وروى عنه [سعيد بن يحيى] [[كذا في الأصل وهو تصحيف والصحيح (سعيد بن جبير) لأن سعيد بن يحيى متأخر، فلم يلق ابن عباس، فقد توفي سنة 249 هـ. وانظر: تفسير الطبري، وقد نسبه لسعيد ابن جبير عن ابن عباس 13/ 109، وكذلك نسبه المؤلف لسعيد بن جبير عن ابن عباس. انظر: تفسيره "الوسيط" 4/ 85.]]. في هذه الآية قال: إنك لترى الرجل يمشي في الأسواق وقد وقع اسمه في الموتى [[أخرجه الحاكم في "المستدرك" عن ابن عباس وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الذهبي على شرط مسلم. انظر: "المستدرك مع التلخيص" 2/ 448.]].

44:5Page 496

أَمۡرٗا مِّنۡ عِندِنَآۚ إِنَّا كُنَّا مُرۡسِلِينَ ٥

[Every] matter [proceeding] from Us. Indeed, We were to send [a messenger]

قوله تعالى: ﴿أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا﴾ قال أبو إسحاق: ﴿أَمْرًا﴾ نصب بيفرق، بمنزلة يفرق فرقًا، لأن أمرًا بمعنى فرقا، وهذا قول الفراء [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 424، و"معاني القرآن" للفراء 3/ 39.]] ونحو هذا قال المبرد في وجه الانتصاب، إلا أنه لم يجعل في موضع مصدر ﴿يُفْرَقُ﴾ وجعله بمنزلة مصدر: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ فقال: انتصابه انتصاب المصادر وهو في موضع قولك [..] [[سننه من الأصل لفظ ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾. وانظر: قول المبرد في "إعراب القرآن" للنحاس 4/ 126، و"فتح القدير" 4/ 570.]]. إنزالاً، والأمر اسم مشتمل على جميع الأخبار، والتقدير: إنا أنزلناه أمرًا من عندنا، ونحو هذا قال الأخفش: إنا أنزلناه أمراً [[انظر: "معاني القرآن" للأخفش 2/ 691.]].

وحكى أبو علي الفارسي عن أبي الحسن أنه حمل قوله: ﴿أَمْرًا﴾ على الحال و (ذو الحال) [[انظر: "معاني القرآن" للأخفش 2/ 691، و"إعراب القرآن" للنحاس 4/ 126، ومشكل "إعراب القرآن" لمكي 2/ 287.]] قوله: ﴿كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ وهو نكرة [[كذا في الأصل وهي غير واضحة، وقد نقل مكي عن الجرمي: هو حال من نكرة، وهو: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ فحسن ذلك لما وصف النكرة بـ ﴿حَكِيمٍ﴾.]].

قوله تعالى ﴿إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ قال المفسرون: يعني محمدًا -ﷺ- [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 110، و"الثعلبي" 10/ 93 ب، و"البغوي" 7/ 228.]]، وقال صاحب النظم: يعني به الأنبياء.

44:6Page 496

رَحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٦

As mercy from your Lord. Indeed, He is the Hearing, the Knowing,

قوله: ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ ذكر الفراء وأبو إسحاق في انتصاب الرحمة ما ذكرنا في قوله: ﴿أَمْرًا﴾ وزاد وجهًا آخر وهو: أن يكون مفعولًا له على تقدير: إنا أنزلناه رحمة، أي: للرحمة [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 39، و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 424.]]، وهذا معنى قول صاحب النظم: ﴿رَحْمَةً﴾ نصب على السبب؛ لأنه سبب لما ذكر أنه فعله.

قال ابن عباس: يريد رأفة مني بخلقي [[ذكره البغوي عن ابن عباس. انظر: تفسيره 7/ 228، ونسبه في "الوسيط" لابن عباس. انظر: 4/ 86.]].

وقال الكلبي: نعمة من ربك بما بعثنا إليهم من الرسل [[انظر: "تنوير المقباس" ص 496.]].

وقال مقاتل: رحمة من ربك لمن آمن به من المؤمنين. ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ لمن دعاه. ﴿الْعَلِيمُ﴾ بخلقه. قاله مقاتل [[انظر: "تفسير البغوي" 7/ 228، و"تفسير مقاتل" 3/ 818.]].

44:7Page 496

رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَآۖ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ ٧

Lord of the heavens and the earth and that between them, if you would be certain.

قوله: ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ بالرفع والخفض، فالرفع على قوله: ﴿السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (6) رَبِّ السَّمَاوَاتِ﴾، وإن شئت على الاستئناف على معنى: هو رب السموات هذا قول الفراء والزجاج [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 39، و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 424.]]، وزاد أبو علي وجهًا آخر فقال: ويكون ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ﴾ مبتدأ وخبره الجملة التي [عادت] [[كذا في الأصل، ولعل الصواب (عاد).]] الذكر منها إليه، وهو قوله: لا إله إلا هو، ومن خفضه جعله بدلاً من ﴿رَبِّكَ﴾ المتقدم ذكره [[انظر: "الحجة" لأبي علي 6/ 165.]].

قوله تعالى: ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ قال عطاء والكلبي عن ابن عباس: يريد من الهواء وغير ذلك من خَلْق [[ذكر ذلك في "الوسيط" ولم ينسبه. انظر: 4/ 86.]]. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ بذلك، وهو أنه لا إله غيره، وهذه الآية مفسَّرة في سورة الشعراء [آية: 24].

44:8Page 496

لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۖ رَبُّكُمۡ وَرَبُّ ءَابَآئِكُمُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٨

There is no deity except Him; He gives life and causes death. [He is] your Lord and the Lord of your first forefathers.

No commentary for this ayah

44:9Page 496

بَلۡ هُمۡ فِي شَكّٖ يَلۡعَبُونَ ٩

But they are in doubt, amusing themselves.

قوله تعالى: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ قال ابن عباس: في ضلال يتمادون [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 818.]]، وقال مقاتل: في شك من هذا القرآن يهزؤن به لاهين عنه [[انظر: "إملاء ما منَّ به الرحمن" 2/ 230.]].

44:10Page 496

فَٱرۡتَقِبۡ يَوۡمَ تَأۡتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٖ مُّبِينٖ ١٠

Then watch for the Day when the sky will bring a visible smoke

قوله: ﴿فَارْتَقِبْ﴾ أي فانتظر، ويقال ذلك في المكروه، والمعنى: انتظر يا محمد عذابهم، فحذف مفعول الارتقاب لدلالة ما ذكره بعده عليه وهو قوله: ﴿هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ويجوز أن يكون ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ﴾ مفعول الارتقاب [[ذكر ذلك في "الوسيط" عن ابن عباس. انظر: 4/ 86.]].

قوله تعالى: ﴿بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ اختلفوا في معنى الدخان هاهنا، فالأكثرون على أن هذا الدخان كان حين دعا النبي -ﷺ- على قومه بمكة لما كذبوه فقال: "اللهم سبعًا كسني يوسف" [[أخرج هذا الحديث الجاري في صحيحه -كتاب التفسير - تفسير سورة الدخان - باب [2]: يغشى الناس هذا عذاب أليم 6/ 39، ومسلم -كتاب صفات المنافقين وأحكامهم- باب (7) الدخان 3/ 2157، والإمام أحمد 1/ 280، 421، 441.]] فارتفع القطر، وأجدبت الأرض فأصابت قريشًا شدة المجاعة حتى أكلوا العظام والكلاب والجيف، فكان الرجل لما به من الجوع يرى بينه وبين السماء دخان، وهذا قول عطاء عن ابن عباس [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 111، و"تفسير البغوي" 7/ 229، ولم أقف على نسبته لابن عباس.]] ومقاتل ومجاهد [[انظر: "تفسير مقاتل" 8/ 813، و"تفسير مجاهد" ص 597.]] واختيار الفراء والزجاج وابن منبه، وهو قول ابن مسعود، وكان ينكر أن الدخان إلا هذا الذي أصابهم من شدة الجوع، كالظلمة في أبصارهم حتى كانوا يرون دخانًا، فعلي هذا: الدخان هو الظلمة التي في أبصارهم من شدة الجوع [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 39، و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 424، و"تفسير الطبري" 13/ 112، و"الدر المنثور" 7/ 406.]].

وذكر ابن قتيبة معنيين آخرين أحدهما: أن الجوع يقال له: دخان، ليُبْس الأرض في سنة الجدب، وانقطاع المطر وارتفاع الغبار فيه، فيشبه ما يرتفع منه بالدخان، ولهذا يقال لسنة المجاعة الغبراء، ومنه جوع أغبر، وهذا معنى قول مجاهد في قوله: ﴿بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ قال: الجدب وإمساك القطر عن كفار قريش [[انظر: "تفسير مجاهد" ص 597.]]. قال: وربما وضعت العرب الدخان موضع الشر إذا علا فيقولون: كان بيننا أمر ارتفع له دخان [[انظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 402، و"مشكل القرآن وغريبه" 2/ 125.]].

القول الثاني في الدخان: أنه آية من آيات الله مرسلة على عباده قبل مجيء الساعة، فيدخل في أسماع أهل الغي ويعتري أهل الإيمان منه كهيئة الزكام، وهذا قول ابن عباس [والحسين] [[كذا في الأصل وهو تصحيف، والصحيح (الحسن).]] وابن عمر وعلي [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 113، وتفسير الثعلبي 10/ 94 ب، و"تفسير البغوي" 7/ 229، و"زاد المسير" 7/ 339.]]. روى الحارث [[هو الحارث بن قيس الجعفي الكوفي. روى عن ابن مسعود وعلى وعنه خيثمة ويحيى ابن هانئ قال ابن المديني: قتل مع علي، وقال ابن حبان في الثقات: مات الحارث في ولاية معاوية، وصلى أبو موسى على قبره بعد ما دفن. انظر: "تهذيب التهذيب" 2/ 154، و"الإصابة" 1/ 370.]] عنه أنه قال: الدخان لم يمض بعد يأخذ المؤمنين كهيئة الزكام، وينفخ الكافر حتى يَنْقذَ [[أخرج ذلك عبد الرزاق عن علي. انظر: تفسيره 2/ 206، وأورده السيوطي في الدر عن علي، وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن أبي حاتم. انظر: "الدر المنثور" 7/ 407.]].

44:11Page 496

يَغۡشَى ٱلنَّاسَۖ هَٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٞ ١١

Covering the people; this is a painful torment.

قوله تعالى: ﴿يَغْشَى النَّاسَ﴾ من صفة قوله: (بِدُخَانٍ) والناس على القول الأول في الدخان: أهل مكة. وعلى القول الثاني: عام [[ذكر ذلك القرطبي في "الجامع" 16/ 131.]].

قوله تعالى: ﴿هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ قال الفراء: يراد به ذلك العذاب. قال: ويقال: إن الناس كانوا يقولون لهذا الدخان: عذاب [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 40.]]، وعلى هذا تقدير الكلام يقولون: هذا عذاب أليم، وقال صاحب النظم: (هذا) إشارة إليه وإخبار عن دنوه واقترابه، كما يقال في الكلام: هذا الشتاء فاعدد له، وهذا العدو فاستقبله، على التقريب.

44:12Page 496

رَّبَّنَا ٱكۡشِفۡ عَنَّا ٱلۡعَذَابَ إِنَّا مُؤۡمِنُونَ ١٢

[They will say], "Our Lord, remove from us the torment; indeed, we are believers."

قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ هذا على ما ذكرنا من التقدير: يقولون هذا عذاب أليم ربنا اكشف، وإن لم يضمروا القول هناك أضمرت هنا، والعذاب قال الكلبي: الجوع والدخان [[انظر: "تنوير المقباس" 496.]] ﴿إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ أي: بمحمد والقرآن.

44:13Page 496

أَنَّىٰ لَهُمُ ٱلذِّكۡرَىٰ وَقَدۡ جَآءَهُمۡ رَسُولٞ مُّبِينٞ ١٣

How will there be for them a reminder [at that time]? And there had come to them a clear Messenger.

قال الله تعالى: ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى﴾، قال ابن عباس: كيف يتعظون، والمعنى أن الله أبعد عنهم الاتعاظ والتذكير بعد توليهم عن محمد وتكذيبهم إياه [[ذكر ذلك القرطبي عن ابن عباس. انظر "الجامع" 16/ 132.]]. وهو قوله: ﴿وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ﴾ بين الرسالة لم يكن عندهم بكذاب.

44:14Page 496

ثُمَّ تَوَلَّوۡاْ عَنۡهُ وَقَالُواْ مُعَلَّمٞ مَّجۡنُونٌ ١٤

Then they turned away from him and said, "[He was] taught [and is] a madman."

﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ الكلام كله في موضع الحال على تقدير: كيف يتذكرون متوليين عن رسول مبين قد جاءهم. ﴿وَقَالُوا مُعَلَّمٌ﴾ أي: هو معلم يعلمه بشر.

44:15Page 496

إِنَّا كَاشِفُواْ ٱلۡعَذَابِ قَلِيلًاۚ إِنَّكُمۡ عَآئِدُونَ ١٥

Indeed, We will remove the torment for a little. Indeed, you [disbelievers] will return [to disbelief].

قال الله تعالى: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ﴾ التقدير: [كاشفو] [[كذا في الأصل وهو تصحيف والصحيح (كاشفون). قال النحاس: (﴿كَاشِفُو الْعَذَابِ﴾ الأصل كاشفون حذفت النون تخفيفًا. انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 4/ 127.]] العذاب لأنه إخبار عما لم يمض، ولكنه خفف بحذف النون كقوله: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: 95] وقد مر. قال المفسرون: يعني عذاب الجوع. ﴿قَلِيلًا﴾. قال مقاتل: يعني: يوم بدر. ﴿إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ أي: في كفركم وتكذيبكم [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 819.]]، أعلمهم الله أنهم لا يتعظون، وإذا زال عنهم المكروه عادوا في طغيانهم، وهذه الآيات تدل على صحة القول الأول في الدخان [[وهو الذي رجحه الطبري في تفسيره 13/ 114، وهو ما أصاب قريش من الجهد بدعاء رسول الله -ﷺ- عليهم.]].

44:16Page 496

يَوۡمَ نَبۡطِشُ ٱلۡبَطۡشَةَ ٱلۡكُبۡرَىٰٓ إِنَّا مُنتَقِمُونَ ١٦

The Day We will strike with the greatest assault, indeed, We will take retribution.

قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ تفسير البطش قد تقدم [الأعراف: 195]، قال صاحب النظم: التأويل (إِنَّا مُنتَقِمُونَ) (يَوْمَ نَبْطِشُ)، فقوله: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ﴾ ظرف لقوله: ﴿إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ قال أبو إسحاق: ﴿يَوْمَ﴾ لا يجوز أن يكون منصوبًا بقوله: ﴿مُنْتَقِمُونَ﴾ لأن ما بعد ﴿إِنَّا﴾ لا يجوز أن يعمل فيما قبلها، ولكنه منصوب بتقدير: واذكر يوم نبطش البطشة الكبرى [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 425.]]، واختلفوا في ذلك اليوم، فالأكثرون على أنه يوم بدر، وهو قول ابن مسعود وابن عباس في رواية عطاء والكلبي ومجاهد ومقاتل وابن سيرين وأبي العالية، قالوا: إن كفار مكة لما كشف عنهم الجوع عادوا إلى التكذيب فانتقم الله منهم يوم بدر [[أخرج ذلك الطبري عنهم. انظر: "تفسيره" 13/ 116، 117، و"تفسير مقاتل" 3/ 19، و"تفسير مجاهد" ص 597، و"تفسير الوسيط" 4/ 87.]]، وأنا أقول هو يوم القيامة [[أخرج ذلك الطبري عن ابن عباس والحسن انظر: تفسيره 13/ 117، و"زاد المسير" 7/ 342، ومعانى القرآن للنحاس 6/ 400، و"تفسير الوسيط" ونسبه لابن عباس والحسن. انظر: 4/ 87]].

وقال أهل المعاني: معنى البطش الأخذ بيده [[البطش: تناول الشيء بصولة. انظر: "مفردات الراغب" كتاب الياء ص 50.]]، وأكثر ما يكون بوقع الضرب المتتابع، وأجري إيقاع الألم المتتابع مجراه.

44:17Page 496

۞ وَلَقَدۡ فَتَنَّا قَبۡلَهُمۡ قَوۡمَ فِرۡعَوۡنَ وَجَآءَهُمۡ رَسُولٞ كَرِيمٌ ١٧

And We had already tried before them the people of Pharaoh, and there came to them a noble messenger [i.e., Moses],

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ قال ابن عباس: ابتلينا [[لم أقف عليه.]]، وقال أبو إسحاق: بلونا [[لم أجده في "معاني القرآن" للزجاج وقد ذكره البغوي في تفسيره 7/ 230، والسيوطي في "الدر المنثور" ونسبه لابن عباس 7/ 409، وذكره الشوكاني في تفسيره ونسبه للزجاج، انظر: "فتح القدير" 4/ 574.]]، والمعنى: عاملناهم معاملة المختبر ببعث الرسول إليهم، ودعاهم إلى الحق.

قوله: ﴿وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ قال ابن عباس وقتادة: يريد موسى [[أخرج ذلك الطبري عن قتادة. انظر: تفسيره 13/ 118، وذكره الماوردي ولم ينسبه 5/ 249.]]، واختلفوا في معنى الكريم هاهنا، فقال الكلبي: كريم على ربه [[انظر: "تنوير المقباس" ص 496.]] يعني: بما استحق من الإكرام والإجلال بطاعة ربه.

وقال مقاتل: حسن الخلق [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 825.]].

وقال الفراء: يقال: كريم من قومه؛ لأنه قل ما بعث نبي إلا من سر [[كذا في الأصل، وفي بعض نسخ معاني الفراء [سرا] والمثبت في معاني الفراء [في شرف قومه] وقال الأزهري في تهذيب اللغة: [سرى] قال ابن السكيت وغيره: يقال: سَرُؤ الرجلُ يَسْرُؤ وسرا يَسرؤ وسَرِى يَسْرَى: إذا شرُف، انظر: 13/ 52.]] قومه [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 40.]].

وقال صاحب النظم: معنى هذه الآية على التقديم والتأخير والتقدير، ولقد جاء قوم فرعون رسول كريم وفتناهم؛ لأن الفتنة كانت بعد مجيء الرسول.

44:18Page 496

أَنۡ أَدُّوٓاْ إِلَيَّ عِبَادَ ٱللَّهِۖ إِنِّي لَكُمۡ رَسُولٌ أَمِينٞ ١٨

[Saying], "Render to me the servants of Allāh.1 Indeed, I am to you a trustworthy messenger,"

قوله تعالى: ﴿أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ﴾ قال صاحب النظم: المعنى يقول لهم: أدوا إليَّ، أي: يأمرهم به.

وقال غيره: المعنى وجاءهم رسول بأن أدوا [[انظر: مشكل "إعراب القرآن" لمكي 2/ 289.]]، فحذف الجار، ويستقيم الكلام من غير تقدير الجار؛ لأنك تقول: أرسلت إليه أن يفعل كذا، وهذا من قول موسى لفرعون وذويه، يقول: ادفع إليَّ بني إسرائيل ولا تعذبهم أي: أطلقهم من عذابك كما قال: ﴿فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الأعراف: 105]. وهذا قول ابن عباس والمفسرين [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 118، و"تفسير الماوردي" 5/ 249، و"تفسير البغوي" 7/ 230.]].

قال مقاتل: يقول خل سبيلهم فإنهم أحرار فلا تستعبدهم [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 820.]].

وذكر الفراء والزجاج وجهًا آخر وهو: أن يكون ﴿أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ﴾ نصبًا على النداء، ويكون المعنى: أن أدوا إلى ما أمركم الله به يا عباد الله [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 40، و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 425.]]

وذكر الأزهري وجهًا آخر وهو: أن يكون: ﴿أَدُّوا إِلَيَّ﴾ بمعنى استمعوا إلى، كأنه يقول: أدوا إلى سمعكم أبلغكم رسالة ربكم [[انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري (أدى) 14/ 230.]].

قوله تعالى: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ قال ابن عباس: ائتمنني الله على وحيه [[لم أقف عليه منسوبًا لابن عباس. وانظر: "تفسير البغوي" 7/ 230، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 134.]].

44:19Page 497

وَأَن لَّا تَعۡلُواْ عَلَى ٱللَّهِۖ إِنِّيٓ ءَاتِيكُم بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٖ ١٩

And [saying], "Be not haughty with Allāh. Indeed, I have come to you with clear evidence.

﴿وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ﴾ قال: لا تتجبروا على الله.

وقال قتادة: لا تعتدوا على الله، وقال مقاتل: يريد وحِّدوه [[أخرج الطبري عن قتادة بلفظ: (لا تبغوا على الله). انظر: تفسيره 13/ 119 ، و"تفسير مقاتل" 3/ 820.]].

﴿إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ بحجة بينة يخضع لها كل جبار، وقال الحسن: لا تستكبروا على الله بترك طاعته، وعن ابن عباس: لا تطغوا بافتراء الكذب على الله [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 119، و"تفسير الماوردي" 5/ 249.]].

44:20Page 497

وَإِنِّي عُذۡتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمۡ أَن تَرۡجُمُونِ ٢٠

And indeed, I have sought refuge in my Lord and your Lord, lest you stone me.1

قال المفسرون: فلما قال لهم هذا، توعدوه بالقتل [[انظر: "تفسير الثعلبي" 10/ 95 ب، و"تفسير الماوردي" 7/ 231، و"تفسير البغوي" 231، و"تفسير الوسيط" 4/ 88.]]، فقال: ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ﴾ قالوا: أن تقتلون، قال أبو صالح: ترجمون [بالقتل] [[كذا في الأصل، وهو تصحيف والصحيح (بالقول).]] وتقولوا ساحر كذاب [[أخرج ذلك الطبري عن أبي صالح. انظر: "تفسيره" 13/ 119، وذكره الماوردي في "تفسيره" 5/ 250.]].

44:21Page 497

وَإِن لَّمۡ تُؤۡمِنُواْ لِي فَٱعۡتَزِلُونِ ٢١

But if you do not believe me, then leave me alone."

﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي﴾ أي: لم تصدقوني ولم تؤمنوا بالله لأجل برهاني، ولما آتيتكم به من الحجة، فاللام في (لي) لام الأجل [[كذا ذكر القرطبي في "الجامع" 16/ 135.]].

﴿فَاعْتَزِلُونِ﴾ قال الكلبي: فاتركوني لا معي ولا علي [[انظر: "تنوير المقباس" ص 497.]]، وقال قتادة: خلوا سبيلي [[أخرج ذلك الطبري عن قتادة 13/ 120.]]، قال ابن عباس: فا عتزلوا أذاي [[انظر: "تفسير البغوي" 7/ 231، فقد نسبه لابن عباس، وكذلك في "الوسيط" نسبه لابن عباس. انظر: 4/ 88.]]. وعلى هذا حذف المضاف.

44:22Page 497

فَدَعَا رَبَّهُۥٓ أَنَّ هَٰٓؤُلَآءِ قَوۡمٞ مُّجۡرِمُونَ ٢٢

And [finally] he called to his Lord that these were a criminal people.

قوله تعالى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾ قال صاحب النظم: الفاء في: ﴿فَدَعَا﴾ دليل على أنه متصل بخبر قبله لم يذكر، على تأويل أنهم كفروا ولم يؤمنوا، فدعا موسى ربه بأن هؤلاء قوم مجرمون، قال الكلبي ومقاتل: مشركون لا يؤمنون.

44:23Page 497

فَأَسۡرِ بِعِبَادِي لَيۡلًا إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ ٢٣

[Allāh said], "Then set out with My servants by night. Indeed, you are to be pursued.

فأجاب الله دعاءه وأمره أن يسري [[انظر: "تنوير المقباس" ص 497، و"تفسير مقاتل" 3/ 821.]] وهو قوله: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا﴾ قال مقاتل: فاستجاب الله له فأوحى إليه أن أسر بعبادي [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 821.]] يعني من آمن به من بني إسرائيل. ﴿إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ يتبعكم فرعون وقومه، أعلمه الله تعالى أنهم سيتبعونهم، والمعنى في ذلك أن الله تعالى إنما أمرهم بالسُّرَى ليلاً ليكون سببًا لاتباع فرعون وقومه إياهم، فيكون ذلك الاتباع سببًا للغرق. قاله صاحب النظم.

44:24Page 497

وَٱتۡرُكِ ٱلۡبَحۡرَ رَهۡوًاۖ إِنَّهُمۡ جُندٞ مُّغۡرَقُونَ ٢٤

And leave the sea in stillness.1 Indeed, they are an army to be drowned."

قوله تعالى: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾ وقال أبو عبيدة: أي ساكناً وأنشد قول بشر بن أبي خازم:

فإن أَهْلِكْ عُمَيْرُ فَرُبَّ زَحْفٍ ... يُشبهُ نَقْعُهُ رَهْوًا ضَبَابًا [[انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيد 2/ 208 ، و"اللسان" (رها) 14/ 341.]]

أي: يشبه نقعه ساكنًا بالضباب، ونحو هذا قال الفراء [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 41.]] والمبرد [[انظر: قول المبرد في "إعراب القرآن" للنحاس 4/ 129.]] وابن قتيبة [[انظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 402.]].

قال الليث: الرَّهْو مشي في سكون [[انظر: "كتاب العين" (رهو) 4/ 83.]]. يقال رَهَا يَرْهُو رهوًا فهو رَاهٍ، ومن هذا يقال: عيش راهٍ إذا كان حافظًا وادعًا، وأفعلُ ذلك سهوًا رهوًا، أي ساكنًا بغير تشدد، أبو عبيد عن الأصمعي، يقال لكل ساكن لا يتحرك ساجٍ ورَاه، والإرْها الإسكان، ومعنى الآية على هذا القول قال الليث: بلغنا أن موسى لما دخل البحر عَجلَ وأَعْجَل أصحابه، فأوحى الله إليه: واترك البحر رهوًا، أي: ساكنًا على [هِينَتِكَ [[انظر: "تهذيب اللغة" (رها) 6/ 403، 404 (رها) 6/ 370، و"اللسان" (رها) 14/ 360 فقد ورد فيهما بنصه.]]، والرهو من نعت موسى] [[كذا في الأصل، وفي "كتاب العين" (والرهو من نعت سير موسى) وأهل التفسير يقولون في قوله تعالى: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾: أي: ساكناً على هِينةٍ.]] وقومه، وليس من نعت البحر، إنما هو كما تقول للرجل: رفقًا، هذا كلامه، وليس بالسائغ في معنى الآية لأنه لم يقل أحد من المفسرين ولا من أهل المعاني أن الرهو من نعت موسى، وأيضًا فإن (اترك البحر) لا يدل على معنى اعبره وجاوزه واقطعه، ومعنى الآية ما ذكره مجاهد وقتادة ومقاتل [[وهو أنهم قالوا يبساً، أخرج ذلك الطبري عن مجاهد وقتادة 13/ 122، وانظر: "تفسير مقاتل" 3/ 821.]]. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: ﴿رَهْوًا﴾ قال: ساكنًا هو أي كهيئته بعد أن ضربه، يقول: لا تأمره يرجع، اتركه حتى يدخله آخرهم [[انظر: "تفسير مجاهد" ص 598، و"تفسير الوسيط" عن مجاهد 4/ 88.]].

وقال قتادة: لما قطع موسى البحر عطف ليضرب البحر بعصاه ليلتئم وخاف أن يتبع فرعون وجنوده فقيل له: (واترك البحر رهوًا) يقول: كما هو طريقاً يابساً [[أخرج ذلك الطبري عن قتادة 13/ 121.]]. وقال مقاتل: لما قطعوا البحر قالوا لموسى: اجعل لنا البحر كما كان، فإنا نخشى أن يقطعه فرعون في آثارنا، فأراد موسى أن يفعل ذلك، فقال الله تعالى: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾ قال: يعني: صفوفًا [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 821 بلفظ: (يعني صفوفًا ويقال ساكناً) ولم أتوصل إلى معنى صفوفًا.]]، فعلى قول مجاهد معناه: اتركه ذا وهو أي: ساكنًا كما هو، وعلى قول قتادة ومقاتل: الرهو بمعنى السكون، إنما الرهو الفرجة بين الشيئين.

قال الأصمعي: [مَرَّ فالج [[الفلج: الفحج في الساقين، والفلج في الثنيتين. "تهذيب اللغة" (فلج) 11/ 87.]] بأعرابي] [[كذا لفظها في الأصل وهو تصحيف، والصحيح (ومر بأعرابي فالج). انظر: "تهذيب اللغة" (رها) 6/ 405، وفي اللسان: نظر أعرابي إلى بعير فالج.]] فقال: سبحان الله رهو بين سنامين أي: فجوة. فقال: رهى ما بين رجليه أي: فتح [[انظر: "تهذيب اللغة" (رها) 6/ 405.]]، ونحو هذا قال مجاهد فيما روى عنه إسحاق بن عبد الله بن الحارث [[هو إسحاق بن عبد الله بن الحارث بن كنانة العامري مولاهم، ويقال: الثقفي، وقد ينسب إلى جده، أرسل عن النبي -ﷺ-، وروى عن أبي هريرة وابن عباس مرسلاً، وذكره ابن حبان في الثقات في التابعين، وأخرج له ابن خزيمة في صحيحه. انظر: "تهذيب التهذيب" 1/ 238.]] قالا: (رهوًا) طريقًا [[انظر: "تفسير الماوردي" 5/ 250، و"الدر المنثور" 7/ 410.]]، يعنون الطريق بين الماء، ونحو هذا قال في رواية الوالبي: سمتًا [[أخرج ذلك الطبري من رواية علي بن أبي طلحة 13/ 121، ونسبه الماوردي لابن عباس 5/ 250.]]، وهو بمعنى: الطريق.

وعبارات المفسرين في تفسير الرهو مختلفة، وذكرنا ما وافق اللغة، قال الربيع: سهلاً [[أخرج ذلك الطبري عن الربيع 13/ 121، وذكره الماوردي 58/ 250، ونسبه القرطبي للربيع. انظر: "الجامع" 16/ 137.]]، وقال الضحاك: دمثًا [[أخرج ذلك الطبري عن الضحاك 13/ 122.]]، وقال عكرمة: يبسًا [[أخرج ذلك الطبري عن عكرمة 13/ 122، ونسبه القرطبي لعكرمة. انظر: "الجامع" 16/ 137.]]، وكل هذا من نعت الطريق الذي أظهره الله في البحر، وكأن ذلك الطريق يجمع هذه الأوصاف، وقال أبو سعيد: الرهو ما اطمأن وارتفع ما حوله [[انظر: "تهذيب اللغة" (رها) 6/ 406.]].

وقوله: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾ يريد دعه كما فلقته لك؛ لأن الطريق في البحر كان رهوًا بين ملقى البحر، وهذا القول أيضًا من نعت الطريق غير أنه يقول: الرهو اسم لطريق مطمئن بين ربوتين وشبه الطريق بين فلقي الماء به.

قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ أخبر الله تعالى موسى أنه يغرقهم ليطمئن قلبه في ترك البحر كما جاوزه.

44:25Page 497

كَمۡ تَرَكُواْ مِن جَنَّٰتٖ وَعُيُونٖ ٢٥

How much they left behind of gardens and springs

قوله: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ﴾ قال صاحب النظم: كم هاهنا دلالة على الكثرة، ودلت الآية على أنه أغرقهم وأخرجهم من هذه الجنات وما اتصل بها، وهذه الآية وما بعدها مفسرة في سورة الشعراء [آية: 57].

44:26Page 497

وَزُرُوعٖ وَمَقَامٖ كَرِيمٖ ٢٦

And crops and noble sites

قوله تعالى: ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ قال مجاهد وسعيد بن جبير: يعني به المنابر هاهنا [[أخرج ذلك الطبري عنهما 13/ 123، وذكره الثعلبي في "تفسيره"، ونسبه لمجاهد وسعيد بن جبير 10/ 96 أ.]]، وقال عطاء: هي منابر كانت بمصر يعظم فرعون عليها [[لم أقف عليه.]]، وقال آخرون: هي المجالس الحسنات من مجالس الملوك [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 123، و"تفسير الماوردي" 5/ 251.]].

44:27Page 497

وَنَعۡمَةٖ كَانُواْ فِيهَا فَٰكِهِينَ ٢٧

And comfort wherein they were amused.

﴿وَنَعْمَةٍ﴾ قال علماء اللغة: نعمة العيش بفتح النون: حسنه وغَضَارته ونعمة الله مَنُّهُ وعطاؤه [[انظر: "تهذيب اللغة" (نعم) 3/ 10، و"اللسان" (نعم) 12/ 582.]]، وقال المفسرون: وعيش لين رغد كانوا متنعمين [[انظر: "تفسير الطبري" 13/ 123، و"الثعلبي" 10/ 96 أ، و"الماوردي" 5/ 252.]]، وتفسير الفاكهة قد تقدم في سورة يس [آية: 55].

44:28Page 497

كَذَٰلِكَۖ وَأَوۡرَثۡنَٰهَا قَوۡمًا ءَاخَرِينَ ٢٨

Thus. And We caused to inherit it another people.

﴿كَذَلِكَ﴾ قال أبو إسحاق: موضع ﴿كَذَلِكَ﴾ رفع على خبر الابتداء المضمر، المعنى: الأمر كذلك [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 426.]].

قال الكلبي: كذلك أفعل بمن عصاني [[انظر: "تفسير البغوي" 7/ 232، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 139.]].

قال مقاتل: هكذا فعلنا بهم [[انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 822.]].

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском