Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
الكهف
Al-Kahf
The Cave · Meccan · 110 ayahs
18:1Page 293
ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبۡدِهِ ٱلۡكِتَٰبَ وَلَمۡ يَجۡعَل لَّهُۥ عِوَجَاۜ ١
[All] praise is [due] to Allāh, who has sent down upon His Servant [Muḥammad (ﷺ)] the Book and has not made therein any deviance.1
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (1) قَيِّمًا﴾.
ذكرنا معنى العَوج والفرق بينه وبين العِوج في قوله: ﴿تَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ [آل عمران: 99] [[العَوج بالفتح: ما كان منصوبًا كالحائط والعود. والعِوج بالكسر: ما كان في بساط أو أمر نحو: دين، ومعاش. انظر: "تهذيب اللغة" (عاج) 3/ 2264، و"معجم مقاييس اللغة" (عوج) 4/ 180، و"لسان العرب" (عوج) 5/ 3154، و"القاموس المحيط" (عوج) ص 200، و"المفردات في غريب القرآن" (عوج) 351.]]. روى الوالبي عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ قال: (ملتبسًا) [["جامع البيان" 169/ 127، و"الكشف والبيان" 3/ 385/ أ، و"الدر المنثور" 4/ 381 وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه من طريق علي عن ابن عباس.]]. ومعناه: التباس، أي: لم يجعل ملتبسًا لا يُفهم، ومعوجًا لا يستقيم.
وقال أبو إسحاق: (لم يجعل فيه اختلافًا) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 267.]]. كما قال: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82]. يدل على هذا قوله: ﴿قَيِّمًا﴾ قال ابن عباس: (يريد مستقيمًا عدلاً) [["جامع البيان" 15/ 190، و"الكشف والبيان" 3/ 385 أ، و"معالم التنزيل" 5/ 143، و"المحرر الوجيز" 9/ 288،و"تفسير القرآن العظيم" 3/ 80، و"الدر المنثور" 4/ 381.]]. وذكرنا الكلام في القيِّم عند قوله: ﴿دِينًا قِيَمًا﴾ [الأنعام: 161] ، وجميع أهل اللغة والتفسير قالوا: (هذا من التقديم والتأخير، وتقديره: أنزل على عبده الكتاب قيمًا ولم يجعل له عوجًا) [["جامع البيان" 15/ 191، و"معالم التنزيل" 5/ 143، و"المحرر الوجيز" 9/ 228، و"معاني القرآن" للأخفش 2/ 616.]].
18:2Page 293
قَيِّمٗا لِّيُنذِرَ بَأۡسٗا شَدِيدٗا مِّن لَّدُنۡهُ وَيُبَشِّرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ أَجۡرًا حَسَنٗا ٢
[He has made it] straight, to warn of severe punishment from Him and to give good tidings to the believers who do righteous deeds that they will have a good reward [i.e., Paradise]
وقوله تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا﴾ قال ابن عباس: (يريد: لينذر عذابًا شديدًا) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: "جامع البيان" 15/ 192، و"تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 80، و"المحرر الوجيز" 9/ 228، و"زاد المسير" 5/ 103، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 352.]] [قال الفراء: (مع البأس أسماء مضمرة يقع عليها الفعل قبل أن يقع على البأس) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 133.]].
يعني أن] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).]] المفعول الأول للإنذار محذوف على تقدير: لينذر الكافرين بأسًا، كما قال في ضده: ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، فأظهر [[انظر: "لكشاف" 2/ 379، و"الدر المصون" 7/ 437، و"البحر المحيط" 6/ 96.]]. وفسر الزجاج فقال: (أي لينذرهم بالعذاب البئيس) [["معاني القرآن" للزجاج ص 3/ 267.]].
وقوله تعالى: ﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾ قال ابن عباس: (يريد من عنده) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة "معالم التنزيل" 5/ 143، و"المحرر الوجيز" 9/ 228، و"زاد المسير" 5/ 103.]].
وقال الزجاج:- (من قِبَلِهِ) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 267.]]. قال: (وفي لدن لغات يقال: لدُ، ولَدُنْ، ولَدَى، والمعنى [[قوله: (المعنى) ساقط من نسخة: (س).]] واحد. قال: وهي لا تتمكَّن تمكُّن عند؛ لأنك تقول: هذا القول عندي صواب، ولا تقول: هو لدني صواب [[قوله: (ولا تقول: هو لدني صواب)، مكرر في نسخة (س).]]، وتقول [[(ويقول) في نسخة (س).]]: عندي مال عظيم، والمال غائب عنك، ولدن لما يليك لا غير) [[ذكره الزجاج مختصرًا في "معاني القرآن" 3/ 303، وأورده الأزهري في "تهذيب اللغة" (لدن) 4/ 3256، والفارسي في "الحجة للقراء السبعة" 5/ 125.]].
وقرأ عاصم في رواية أبي بكر: (من لَدُنِهِ)، بشم الدال الضمة وبكسر النون والهاء [[انظر: "السبعة" 388، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 124، و"المبسوط" 233، و"التبصرة" 247، و"الكشف عن وجوه القراءات" 2/ 54، و"العنوان في القراءات" 122.]]. وهي لغة الكلابيين [[الكلابيون: بطن عظيم من عامر بن صعصعة من العدنانية، وهو بنو كلاب بن ربيعة ابن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن قيس بن عيلان، كانت ديارهم حمى ضرية، وهو حمى كليب، وحمى الربذة في جهات المدينة المنورة، وفدك والعوالي، ثم انتقلوا إلى الشام. انظر: "نهاية الأرب" ص 365، و"معجم قبائل العرب" 3/ 989، و"التعريف في الأنساب" ص 77.]].
روى أبو زيد عنهم أجمعين: (هذا من لدُنِه، فتحوا اللام وضموا الدال وكسروا النون) [["تهذيب اللغة" (لدن) 4/ 3256، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 125.]].
قال أبو علي الفارسي: (في لدُنْ لغات: لدن مثل سبعٍ، وتخفف الدال، فإذا خففت على ضربين أحدهما: أن تحذف [[في نسخة (س): (أن تخفف)، وهو تصحيف.]] الضمَّة من الدال فيقال: لدن. والآخر: أن تحذف الضمة من الدال وتنقل إلى اللام، فيقال: لدن، مثل: عضد، وفي كلا الوجهين يجتمع في الكلمة ساكنان: الدال المنقول عنها الحركة، والمحذوفة منها مع النون. فأما قراءة عاصم: (من لَدْنِهِ) [[من طريق شعبة عن عاصم.
انظر: "السبعة" (388)، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 124، و"التبصرة" (247)، و"الكشف عن وجوه القراءات" 2/ 54.]] فالكسرة في النون ليست بجر، إنما هي كسرة للتقاء الساكنين، وذلك أن الدال أسكنت كما أسكنت في سبُعٍ، والنون ساكنة، فلما التقى ساكنان كسر الثاني منهما وأشمت [[الإشمام: إطباقك الشفين بعد الإسكان وتدع بينهما انفراجًا ليخرج النفس بغير صوت، وذلك إشارة للحركة التي ختصت بها الكلمة، ويكون في المرفوع والمضموم، ولا يعرف ذلك الأعمى؛ لأنه لرؤية العين. انظر: "التحديد في الإتقان والتجويد" ص 98، و"البرهان في تجويد القرآن" ص 66.]] الدال الضمة، لتدل على أنها كانت متحركة بها، كما قالوا: أنت تَغْزُين. وقولهم: قُيل، أشمت الكسرةُ فيهما الضمة، لتدل على أن الأصل فيهما التحريك بالضم، وإن كان إشمام عاصم ليس بحركة خرجت إلى اللفظ، وإنما هو تهيئة العضو لإخراج الضمة، ولو كانت حركة لم يلتق ساكنان ولم تكسر النون لاجتماعهما) [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 124، و"البحر المحيط" 6/ 96، و"الدر المصون" 7/ 438.]]. وليس يحتمل هذا الموضع من الكلام في لدن أكثر مما ذكرنا، وما بقي نذكره عند قوله: ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ [الكهف: 76]، إن شاء الله.
والجار في قوله: "من لدنه" يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون صفة النكرة التي هي قوله: "بأسًا"، وفيها ذكر الموصوف. والآخر: يكون متعلقًا بشديد [["الدر المصون" 7/ 439)، و"الجدول في إعراب القرآن الكريم" 15/ 112.]].
وقوله تعالى: ﴿أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾ قال الزجاج: (المعنى بأن لهم أجرًا حسنًا) [["معاني القرآن" للزجاج 2/ 268.]].
قال ابن عباس: (يريد ثوابًا عظيمًا) [["جامع البيان" 15/ 192، و"تفسير القرآن العظيم" 3/ 80 بمعناه بدون نسبة.]].
وقال السدي: (هو الجنة) [["معالم التنزيل" 5/ 143 بدون نسبة، و"المحرر الوجيز" 229/ 9 بدون نسبة، و"الدر المنثور" 4/ 382 وعزاه لابن أبي حاتم.]].
قوله تعالى: ﴿مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾ بمعنى: خالدين [["جامع البيان" 15/ 192، و"القرطبي" 10/ 348، و"تفسير القرآن العظيم" 3/ 80.]]. وهو حال للمؤمنين من قوله: (أن لهم أجرًا) [["المحرر الوجيز" 9/ 229، و"البحر المحيط" 6/ 96، و"الدر المصون" 7/ 439، و"معاني القرآن" للزجاج 3/ 268.]].
18:4Page 293
وَيُنذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدٗا ٤
And to warn those who say, "Allāh has taken a son."
وقوله تعالى: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ قال ابن عباس: (يريد بعذاب الله ونقمته) [[ذكره ابن جرير الطبري في "تفسيره" 15/ 193 بدون نسبة، وكذلك ابن الجوزي في "زاد المسير" 5/ 104.]].
قال الكلبي، والسدي: (يعني اليهود والنصارى) [["المحرر الوجيز" 9/ 203: بدون نسبة، و"زاد المسير" 5/ 104 بدون نسبة، و"الدر المنثور" 7/ 382 ونسبه لابن أبي حاتم.]].
18:5Page 294
مَّا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٖ وَلَا لِأٓبَآئِهِمۡۚ كَبُرَتۡ كَلِمَةٗ تَخۡرُجُ مِنۡ أَفۡوَٰهِهِمۡۚ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبٗا ٥
They have no knowledge of it,1 nor had their fathers. Grave is the word that comes out of their mouths; they speak not except a lie.
قوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ﴾ أي: بذلك القول ﴿مِنْ عِلْمٍ﴾ يعني: قالوه جهلاً، وافتراء على الله تعالى ﴿وَلَا لِآبَائِهِمْ﴾ اختار الفراء ﴿كَلِمَةً﴾ بالنصب.
قال الفراء: (من نصب أضمر الفاعل؛ كأنه قيل: كبرت تلك الكلمة كلمة، ومن رفع لم يضمر شيئًا، كما تقول: عظم قولك) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 134.
قراءة النصب هي القراءة الصحيحة الثابتة، وقراءة الرفع قراءة شاذة قرأ بها: الحسن وابن محيصن. انظر: "معا ني القرآن" للزجاج 3/ 268، و"إعراب القرآن" للنحاس 2/ 265، و"مشكل إعراب القرآن" ص 437، و"القراءات الشاذة" ص 81.]].
وقال الزجاج: (المعنى: كبرت مقالتهم كلمة، و ﴿كلِمَةً﴾ منصوب على التمييز)؛ هذا كلامه [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 268.]].
ومعنى التمييز في هذا: أنك إذا قلت: كبرت المقالة، أو الكلمة، جاز أن يتوهم أنها كبرت كذبًا، أو جهلاً، أو افتراء، فلما قلت: كلمة، ميزتها من محتمل فانتصب، كما تقول في باب التمييز.
قال أبو عبيد: (والنصب وجه القراءة؛ لأن الكلمة قد ذكرت قبل، وهي قوله: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾، فصارت مضمرة في (كبرت) [[ذكرته كتب التفسير بلا نسبة. انظر: "البحر المحيط" 6/ 97، و"الدر المصون" 7/ 440، و"التفسير الكبير" 21/ 78، و"روح المعاني" 18/ 204.]].
قال الأخفش: (هذه في النصب كقول الشاعر:
ولقد علمت إذا العشار ترَوَّحت .... هدج الرئال تكبهن شمالاً [[البيت للأخطل. انظر: "ديوان" ص387، و"معاني القرآن" للأخفش 1/ 616، و"شرح القصائد السبع" لابن الأنباري ص 581.]] أي: تكبُّهنَّ الرياح شمالاً، وهاهنا كأنه قيل: كبرت تلك الكلمة) [["معاني القرآن" للأخفش 1/ 616.]].
﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف: 6].
18:6Page 294
فَلَعَلَّكَ بَٰخِعٞ نَّفۡسَكَ عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِمۡ إِن لَّمۡ يُؤۡمِنُواْ بِهَٰذَا ٱلۡحَدِيثِ أَسَفًا ٦
Then perhaps you would kill yourself through grief over them, [O Muḥammad], if they do not believe in this message, [and] out of sorrow.
قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ قال ابن عباس، ومجاهد: (قاتل نفسك) [["جامع البيان" 15/ 194، و"الدر المنثور" 4/ 382 وعزاه لابن المنذر.]]. وهو قول المفسرين، وأهل المعاني [["جامع البيان" 15/ 194، و"بحر العلوم" 2/ 289، و"الكشاف" 2/ 380، و"زاد المسير" 5/ 104، و"معاني القرآن" للزجاج 3/ 268، و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 393.]]. قال الفراء في المصادر: (بَخَعَها، يبخَعُهَا، بخعًا، وبخوعًا) [[لم أقف عليه. وذكره ابن منظور بلا نسبة في "لسان العرب" (بخع) 1/ 222.]]. وقال الليث: (بَخَعَ الرجل نفسه إذا قتلها غيظًا من شدة وجده بالشيء) [[ذكرت نحوه كتب اللغة. انظر: "تهذيب اللغة" (بخع) 1/ 285، "ومقاييس اللغة" (بخع) 1/ 206، و"لسان العرب" (بخع) 1/ 222، و"القاموس المحيط" (بخع) ص 702.]].
وأنشد قول ذي الرمة [[البيت الذي الرمة. انظر: "ديوانه" (251)، و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 393، و"تهذيب اللغة" (بخع) 1/ 286، و"مقاييس اللغة" (نجع) 1/ 206، و"الصحاح" (نجع) ص 17، و"اللسان" (نجع) 1/ 222، و"الدر المصون" 7/ 442.]]:
ألا أيُّهذا الباخعُ الوجد نفسه ... لشيءٍ نحته عن يديه المقادر
قال أبو عبيدة: (كان ذو الرمة ينشد الوجد رفعًا) [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 393.]].
وقال الأصمعي: (يقول: إنما هو الوجد بالفتح) [["الدر المصون" 7/ 442.]].
وأصل معنى البَخْع: الجهد، يقال: بَخَعْت لك نفسي، أي جهدتها، ذكره الفراء، والأخفش [[) "معاني القرآن" للفراء 2/ 134، و"تهذيب اللغة" (بخع) 1/ 285.]]. وفي حديث عائشة: (أنها ذكرت عمر فقالت: بَخَعَ الأرض) [[انظر: "النهاية في غريب الحديث" 1/ 102،و"التفسير الكبير" 21/ 79، و"تهذيب اللغة" (بخع) 1/ 285.]]. أي: جهدها حتى أخرج ما فيها من أموال الملوك.
وقال الكسائي: (بَخَعْتُ الأرض بالزراعة، إذا أنهكتها وتابعت [[في نسخة (ص): (بايعت)، وهو تصحيف.]] حراثتها، ولم تجمَّها عامًا، وبَخَعَ الوجدُ نفسه إذا أنهكها، وأنشد بيت ذي الرمة) [["تهذيب اللغة" (بخع) 1/ 285، و"الدر المصون" 7/ 442.]]. وعلى هذا معنى: ﴿بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ أي: ناهكها، وجاهدها حتى تهلكها، ولكن أهل التأويل كلهم قالوا: قاتل نفسك ومهلكها؛ والأصل هو ما ذكرنا [[انظر: "تهذيب اللغة" (بخع) 1/ 285، و"مقاييس اللغة"، (بخع) 1/ 206، و"لسان العرب" (بخع) 1/ 222، و"القاموس المحيط" (بخع) ص 702، و"الصحاح" (بخع) 3/ 1183، و"المفردات في غريب القرآن" (بخع) ص 38.]].
وقوله تعالى: ﴿عَلَى آثَارِهِمْ﴾ قال الزجاج: (أي من بعدهم) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 268.]]. وهذا كلام العرب يقولون: مات فلان واحدًا على أثر فلان، أي: بعده، وأصل هذا من التأثير، والأثر الذي هو العلامة، وذلك أنهم يقولون: خرجت في أثر فلان، وجئت على أثره، يعنون بعده، كأنهم يريدون أثر سلوكه الطريق، ثم كثر هذا حتى استعمل بمعنى بعد حيث لا يتحقق الأثر، كقول: مات فلان على أثر فلان أي: بعده، وأثر كذا بكذا أتبعه إياه [[انظر: "تهذيب اللغة" (أثر) 1/ 119، و"مقاييس اللغة" (أثر) 1/ 53، و"الصحاح" (أثر) 2/ 574، و"اللسان" (أثر) 1/ 25، و"المفردات" (أثر) ص 9.]]، ومنه قول متمم [[هذا صدر بيت لمتمم يصف الغيث، وعجزه:
ترشِّح وسميًّا من النبت خروعا
والمعنى: أتبع مطرًا تقدم بديمة بعده انظر: "الشعر والشعراء" ص 219، و"الأغاني" 15/ 298، و"المفضليات" ص 268، و"خزانة الأدب" 1/ 236، و"تهذيب اللغة" (أثر) 1/ 119، و"لسان العرب" (أثر) 1/ 25.]]:
فأثر سيل الواديين بديمةٍ
أي: أتبعه بمطر.
ومعنى ﴿عَلَى آثَارِهِمْ﴾ هاهنا: من بعدهم، وتحقيقه ما بينَّا، وليس يريد من بعد موتهم، وإنما التأويل: من بعد توليهم وإعراضهم عنك [["جامع البيان" 15/ 194، و"معالم التنزيل" 5/ 144، و"المحرر الوجيز" 9/ 232 - 233، و"زاد المسير" 5/ 105.]].
قوله تعالى: ﴿إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾ قال ابن عباس وغيره: (يعني القرآن) [["جامع البيان" 15/ 194، و"معالم التنزيل" 5/ 144،و"الكشاف" 2/ 280، و"الدر المنثور" 4/ 382. ويشهد لهذا قوله سبحانه في سورة الزمر الآية رقم (23): ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ الآية.]].
﴿أَسَفًا﴾ قال مجاهد: (جزعاً) [["جامع البيان" 15/ 195،"المحرر الوجيز" 9/ 233 و"زاد المسير" 5/ 105.]].
وقال السدي: (حزنًا) [["جامع البيان" 15/ 195، و"المحرر الوجيز" 9/ 233 عن قتادة، و"زاد المسير" 5/ 105 عن ابن عباس وابن قتيبة، و"تفسير القرآن العظيم" عن قتادة 3/ 81.]]. وقال سفيان: (غضبًا) [["معالم التنزيل" 5/ 144، و"الدر المنثور" 4/ 382، وعزاه لابن أبي حاتم، و"فتح القدير" 3/ 385 بدون نسبة.]].
وجمع ابن عباس بينهما فقال: (يريد: غضبًا وحزنًا) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة انظر: "الكشف والبيان" 3/ 385 ب، و"المحرر الوجيز"، 9/ 233، و"معالم التنزيل" 5/ 144، و"زاد المسير" 5/ 105، و"الكشاف" 2/ 473، و"تفسير القرآن العظيم" 3/ 81.]]. وقال الزجاج: (والأسف: المبالغة في الحزن والغصب) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 269.]]. وذكرنا الكلام في هذا عند قوله: (غضبان أسفًا) في سورة الأعراف. وانتصابه يجوز أن يكون على المصدر، ودل ما قبله من الكلام على أنه تأسف، ويجوز أن يكون مفعولاً له أي: للأسف، كقولهم: جئتك ابتغاء الخير [[انظر: "الكشاف" 3/ 380، و"البحر المحيط" 6/ 98، و"الدر المصون" 7/ 443، و"إعراب القرآن" للنحاس 2/ 266، و"إملاء ما من به الرحمن" 1/ 394.]].
وقال الزجاج: (﴿أَسَفًا﴾ منصوب؛ لأنه مصدر في موضع الحال) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 268.]]. وفي هذه الآية إشارة إلى نهي النبي -ﷺ- عن كثرة الحرص على إيمان قومه حتى يؤدي ذلك إلى هلاك نفسه بالأسف، والفاء في قوله: ﴿فَلَعَلَّكَ﴾ جواب الشرط، وهو قوله: ﴿إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ قدّم عليه، ومعناه التأخير.
18:7Page 294
إِنَّا جَعَلۡنَا مَا عَلَى ٱلۡأَرۡضِ زِينَةٗ لَّهَا لِنَبۡلُوَهُمۡ أَيُّهُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗا ٧
Indeed, We have made that which is on the earth adornment for it that We may test them [as to] which of them is best in deed.
قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا﴾ قال مجاهد: (ما عليها من شيء من البحار، والجبال، والأشجار، والنبات) [["جامع البيان" 15/ 195، و"زاد المسير" 5/ 105 - 106، و"الدر المنثور" == 4/ 383 وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم. وذكره السمرقندي في "بحر العلوم" 2/ 289 بلا نسبة.]]. والمعنى: إنا زينّا الأرض بما خلقنا فيها من الماء، والمعادن، وأنواع المخلوقات، ويدخل في هذا كل ما على الأرض من ذي الروح والجماد.
وقوله تعالى: ﴿لِنَبْلُوَهُمْ﴾ قال ابن عباس: (يريد الاختبار في خلقه بما يفهمون) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "جامع البيان" 15/ 195، و"النكت والعيون" 3/ 285، و"زاد المسير" 5/ 106، و"التسهيل لعلوم التنزيل" ص 376، و"لباب التأويل" 4/ 192.]]. ومضى الكلام في مثل هذا في مواضع [[نحو قوله تعالى في سورة هود الآية رقم (7): ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [لملك:2]، وقال سبحانه في سورة الملك الآية رقم (2) ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾.]].
وقوله تعالى: ﴿أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ قال الحسن: (أيّهم أزهد في الدنيا زهدًا، وأترك لها تركًا) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "جامع البيان" 15/ 195 - 196، و"بحر العلوم" 2/ 289، و"النكت والعيون" 3/ 285، و"معالم التنزيل" 5/ 144، و"الجامع لأحكام القرآن"10/ 355.]]. وهذا قول أبي إسحاق قال: (فالحسن العمل من زهد فيما زيِّن له من الدنيا) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 269.]].
وقال مقاتل: (أيهم أصلح فيما أوتي من المال) [[ذكر نحوه البغوي في "تفسيره" 5/ 144 بدون نسبة. وكذلك ابن الجوزي في "زاد المسير" 5/ 106.]].
وذكر قتادة في تفسير هذه الآية قول النبي -ﷺ-: "إن الدنيا خضرة حلوة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون، فاتقوا فتنة الدنيا" [[أخرجه مسلم في "صحيحه" كتاب: الرقائق باب: أكثر أهل الجنة الفقراء 4/ 2098، والترمذي في "جامعه" كتاب: الفتن باب: ما جاء في ما أخبر النبي -ﷺ- أصحابه 4/ 483، وابن ماجه في "سننه" كتاب: الفتن، باب: فتنة النساء 2/ 1325، والإمام أحمد في "مسنده" 3/ 19.]]. قال الزجاج: (و ﴿أَيُّهُمْ﴾ رفع بالابتداء؛ لأن لفظه لفظ الاستفهام) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 269.]]. والمعنى: ليختبر أهذا أحسن أم هذا، والاستفهام لا يعمل فيه ما قبله إلا ما يخبر، وإنما يعمل فيه ما بعده. ثم أعلم جل وعز أنه [مبيد] [[في الأصل وجميع النسخ التي اطلعت عليها: (مبتدأ)، وما أثبته في الأصل هو الصواب عندي، وهو الذي يدل عليه السياق، وهو المثبت في تفسيره الوسيط.]] ومُفْن ذلك كله.
18:8Page 294
وَإِنَّا لَجَٰعِلُونَ مَا عَلَيۡهَا صَعِيدٗا جُرُزًا ٨
And indeed, We will make that which is upon it [into] a barren ground.
بقوله: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف: 8].
قال أبو عبيد: (الصعيد: المستوي من الأرض) [["غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 275، و"تهذيب اللغة" (صعد) 2/ 2014.]]. وقال الزجاج: (الصعيد: الطريق الذي لا نبات فيه) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 269.]]. ومثله قال المفضل. وقد ذكرنا تفسير الصعيد في آية التيمم [[عند قوله سبحانه في سورة النساء الآية رقم (43)، وفي سورة المائدة الآية رقم (6): ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: 43].]].
وأما الجرز فقال الفراء: (الجُرُز: الأرض لا نبات فيها، يقال: جُرِزَت الأرض فهي مجروزة، وجَرَزَها الجرادُ أو النساء أو الإبل أكلت ما عليها) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 134.]].
وقال الزجاج: (الجرز: الأرض التي لا تنبت، كأنها تأكل النَّبْت أكلاً، يقال: أرض جُرُز، وأرَضُون أَجْرازٌ) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 269.]].
وامرأة جَرُوز إذا كانت أكولا، وسيف جرَّاز إذا كان مستأصلاً [[انظر: "تهذيب اللغة" (جرز) 1/ 580، و"مقاييس اللغة" (جرز) 1/ 441، و"الصحاح" (جرز) 3/ 866، و"المفردات في غريب القرآن" (جرز) (91).]]، ونذكر شيئًا من هذا عند قوله: ﴿نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾ [السجدة: 27] إن شاء الله.
قال مجاهد في هذه الآية: (بلاقع ليس فيه نبات) [["جامع البيان" 15/ 196، و"تفسير القرآن العظيم" 3/ 81، و"تفسير مجاهد" 1/ 373.]]. وقال عطاء عن ابن عباس في هذه الآية: (يريد يوم القيامة يجعل الله الأرض جرزًا ليس فيها ماء ولا نبات) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "المحرر الوجيز" 9/ 236، و"زاد المسير" 5/ 106 - 107، و"تفسير القرآن العظيم" 3/ 81، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 356.]].
18:9Page 294
أَمۡ حَسِبۡتَ أَنَّ أَصۡحَٰبَ ٱلۡكَهۡفِ وَٱلرَّقِيمِ كَانُواْ مِنۡ ءَايَٰتِنَا عَجَبًا ٩
Or have you thought that the companions of the cave and the inscription were, among Our signs, a wonder?1
قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ﴾ الآية. ذكرنا سبب نزول قصة أصحاب الكهف عند قوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [الإسراء: 85]. وذكر محمد بن إسحاق سبب نزول هذه القصة مشروحًا، فقال: (كان النضر ابن الحارث من شياطين قريش، كان يؤذي رسول الله ﷺ، وينصب له العداوة، وكان قدم الحيرة [[الحِيرة -بكسر الحاء وسكون الياء-: مدينة مشهورة على ثلاثة أميال من الكوفة، تقع على نهر يربطها بالفرات، وكانت مسكنًا لملوك العرب في المجاهلية التابعين لمملكة الفرس، وهى قريبة من النجف. انظر: "معجم البلدان" 2/ 328، و"معجم المعالم الجغرافية" ص 107.]] وتعلم بها أحاديث رستم [[رستم الشديد بن دستار بن بريمان، من ملوك الفرس. انظر: "تاريخ الطبري" == 1/ 504، و"الروض الأنف" 2/ 52، و"الكامل في التاريخ" 1/ 137.]]، واسفنديار [[اسفنديار بن بشتاسب، من ملوك الفرس. انظر: "تاريخ الطبري" 1/ 562، و"الروض الأنف" 2/ 52، و"الكامل في التاريخ" 1/ 154.]]، وكان رسول الله -ﷺ- إذا جلس مجلسًا ذكر فيه الله تعالى، وحذر قومه ما أصاب من كان قبلهم من الأمم، خلفه في مجلسه إذا قام، ثم قال: وإنا والله يا معشر قريش أحسن حديثًا منه فهلمّوا أحدثكم بأحسن من حديثه، ثم يحدثهم عن ملوك فارس، فبعثته قريش، وبعثوا معه عقبة بن أبي معيط [[عقبة بن أبان بن ذكوان بن أمية بن عبد شمس بن أبي معيط، من مقدمي قريش في الجاهلية، كنيته أبو الوليد، وكنية أبيه أبو معيط، كان شديد الأذى للمسلمين عند ظهور الدعوة، أسر يوم بدر وقتل وصلب. انظر: "الروض الأنف" 2/ 76، و"ابن الأثير" 2/ 27، و"الأعلام" 4/ 240.]] إلى أحبار يهود [بالمدينة، وقالوا لهما: سلوا عن محمد، وعن صفته، وأخبروهم بقوله، فإنهم أهل الكتاب الأول، وعندهم من العلم مما ليس عندنا من علم الأنبياء، فخرجا حتى قدما المدينة فسألوا أحبار يهود] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).]] عن رسول الله -ﷺ- ووصفوا لهم صفته، وأخبروهم بأمره وببعض قوله، فقالت لهم أحبار يهود: سلوه عن ثلاث: عن فتية ذهبوا في الدهر الأول، ما كان من أمرهم؟ فإنه كان لهم حديث عجيب، وعن رجل طوّاف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبأه؟ وسلوه عن الروح ما هو؟ فإن أخبركم فهو نبي فاتبعوه، وإن لم يخبركم فهو متقوّل. فأقبل النضر بن الحارث وصاحبه حتى قدما مكة وقالا: قد جئناكم بفصل ما بيننا وبين محمد، وأخبراهم بما قالت اليهود. فجاؤوا رسول الله -ﷺ- وسألوه عن هذه الأشياء، فقال رسول الله -ﷺ-: "أخبركم بما سألتم عنه غدًا". ولم يستثن، فانصرفوا عنه، فمكث رسول الله -ﷺ- فيما يذكرون خمس عشرة ليلة لا يحدث الله إليه في ذلك وحيا، ولا يأتيه خبر، حتى أرجف أهل مكة به، وقالوا: وعدنا محمد غدًا واليوم خمس عشرة ليلة، وشقّ عليه ذلك، ثم جاءه جبريل من الله -عز وجل- بسورة أصحاب الكهف فيها معاتبة الله إياه على حزنه عليهم، وخبر ما سألوا عنه من أمر الفتية، والرجل الطوّاف) [["جامع البيان" 15/ 197، و"بحر العلوم" 2/ 290، و"المحرر الوجيز" 9/ 229 - 230، و"تفسير القرآن العظيم" 3/ 83، و"الدر المنثور" 4/ 380، و"أسباب النزول" للواحدي ص 306، و"لباب النقول في أسباب النزول" ص 143، و"جامع النقول في أسباب النزول" ص 208، و"الفتح السماوي" 2/ 494.]].
وافتتح السورة تبارك وتعالى بحمده وذكر نبوة رسوله لما أنكروه عليه من ذلك وهو قول: ﴿أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ [الكهف: 1]، فذكر أنه أنزل عليه القرآن للإنذار والتبشير إلى قوله: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾، يعني قريشًا في قولهم: الملائكة بنات الله [[نحو قوله تعالى في سورة النحل الآية رقم (57): ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾، وقوله سبحانه في سورة الصافات الآية رقم (149): ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾.]].
ثم عاتبه على حزنه عليهم حين فاته ما كان يرجو منهم من الإسلام بقوله: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ الآية. ثم قال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ أيهم أتبعُ لأمري وأعمل بطاعتي، ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾، يعني أنَّ ما على الأرض فانٍ زائل، وأن المرجع إلى فأجزي كلا بعمله، فلا يحزنك ما ترى وتسمع.
ثم أخبر عن ما سألوه عنه من شأن الفتية فقال: ﴿أَمْ حَسِبْتَ﴾ فقال أبو إسحاق: (معناه: بل حسبت) [["معاني القرآن" 1/ 285.]]. والكلام في ﴿أَمْ﴾ في مثل هذا الموضع قد ذكرناه في قوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: 214] وفي غيره من مواضع [[نحو قوله سبحانه في البقرة الآية رقم (108). ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى﴾ [البقرة: 108] الآية وقوله سبحانه في سورة السجدة الآية رقم (3): ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ الآية.]].
وقوله: ﴿أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ﴾ يعني أولئك الفتية الذين سئل عن قصتهم [[في نسخة: (س): (بعضهم)، وهو تصحيف.]].
و ﴿الْكَهْفِ﴾ قال الليث: (كالمغارة في الجبل) [["تهذيب اللغة" (كهف) 4/ 3199.]]. روى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: (كل القرآن أعلمه إلا أربعة: غسلين [[الواردة في قوله سبحانه: ﴿وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: 36].]]، وحنان [[في قوله تعالى: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: 13].]]، والأواه [[في قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾. ومثلها قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: 75].]]، والرقيم) [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 397، و"جامع البيان" 15/ 198، و"المحرر الوجيز" 9/ 237 - 238، و"تفسير القرآن العظيم" 3/ 82، و"الدر المنثور" 4/ 384.]].
وروى عكرمة أيضًا عن ابن عباس أنه سئل عن الرقيم فقال: (زعم كعب أنها القرية التي خرجوا منها) [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 397، و"جامع البيان" 15/ 198، و"بحر العلوم" 2/ 290، و"تفسير القرآن العظيم" 3/ 83.]]؛ ونحو هذا قال السدي [["المحرر الوجيز" 9/ 237، و"زاد المسير" 5/ 108، و"الدر المنثور" 4/ 384 وعزاه لابن أبي حاتم، و"التفسير الكبير" 11/ 82.]].
وروي كن ابن أبي طلحة عنه قال: ("الرَّقِيم": الكتاب) [["جامع البيان" 15/ 198، و"تفسير القرآن العظيم" 3/ 82، و"الدر المنثور" 4/ 383، وعزاه لابن المنذر وابن أبي حاتم.]].
وهو قول مجاهد [["جامع البيان" 15/ 985 - 199، و"تفسير القرآن العظيم" 3/ 82 عن ابن عباس، و"الدر المنثور" 4/ 384 عزاه لابن أبي شيبة وابن المنذر.]]. وسعيد بن جبير قال: ("الرَّقِيم": لوح من حجارة) [["جامع البيان" 15/ 199، و"معالم التنزيل" 5/ 145، و"المحرر الوجيز" 9/ 283، و"تفسير القرآن العظيم" 3/ 82، و"الدر المنثور" 4/ 384.]].
وقيل: (من رصاص كتب فيه أسماؤهم وقصتهم، وجعل في البناء على باب الكهف) [["بحر العلوم" 2/ 290، و"معالم التنزيل" 5/ 144 - 145، و"الكشاف" 2/ 381، و"المحرر الوجيز" 9/ 283، و"البحر المحيط" 6/ 101.]]، ونحو هذا قال عطاء عن ابن عباس [["جامع البيان" 15/ 199، و"معالم التنزيل" 5/ 144 - 145، و"زاد المسير" 5/ 107، و"الدر المنثور" 4/ 384.]]، وهو قول جميع أهل المعاني والعربية قالوا: (الرقيم: الكتاب) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 269، و"معاني القرآن" للفراء 2/ 134، و"إملاء ما من به الرحمن" 1/ 395، و"تهذيب اللغة" رقم 2/ 1454، و"مقاييس اللغة" رقم 2/ 425، و"المفردات في غريب القرآن" رقم (201).]].
والأصل فيه المرقوم ثم حُول إلى فعيل، والرَّقْم: الكتابة، ومنه قوله -عز وجل-: ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين: 9] أي: مكتوب، وأنشدوا [[لم أهتد إلى قائله، وذكرته كتب اللغة بدون نسبة. القَرَاح: الماء الذي لا يخالطه شيء يطيب به كالعسل والتمر والزبيب. انظر: "تهذيب اللغة" رقم 2/ 1454، و"مقاييس اللغة" مريم 2/ 425، و"لسان العرب" رقم 3/ 1709.]]: سأرقم في الماء القراح إليكم ... على بعدكم إن كان في الماء راقمُ
وقال الفراء: (الرقيم: لوح كان فيه أسماؤهم) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 134.]]، ونرى أنه إنما سُمى رقيما؛ لأن أسماءهم كانت مرقومة [[في (ص): (من قومه)، وهو تصحيف.]] فيه [[وهذا القول هو الراجح، وهو الذي تعضده اللغة، ورجحه أكثر المفسرين. انظر: "جامع البيان" 15/ 199، و"تفسير القرآن العظيم" 3/ 82، و"تهذيب اللغة" 2/ 1454، و"لسان العرب" رقم 3/ 1710.]].
وقوله تعالى: ﴿كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾ قال مجاهد، وسفيان: (لم يكونوا بأعجب آياتنا) [["جامع البيان" 15/ 197، و"معالم التنزيل" 5/ 144 بدون نسبة، و"تفسير القرآن العظيم" 3/ 82، و"الدر المنثور" 4/ 384.]]. قال المفضل: (أم حسبت أنهم كانوا عجبًا من آياتنا فقط، فلا يحسن ذلك، فإن آياتنا كلها عجيب) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: "جامع البيان" 15/ 197، و"الكشف والبيان" 3/ 385 ب، و"المحرر الوجيز" 9/ 237، و"معالم التنزيل" 5/ 144، و"زاد المسير" 5/ 108، و"تفسير القرآن العظيم" 3/ 82.]]. وقال أبو إسحاق: (أعلم الله أن قصة أصحاب الكهف ليست بعجيبة من آيات الله؛ لأن خلق السموات والأرض وما بينهما مما يشاهد أعجب من قصة أصحاب الكهف) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 270.]]. والعجب هاهنا مصدر سمي المفعول به.
والتقدير: كانوا معجوبًا منهم، فسموا بالمصدر، والمفعول من هذا يستعمل باسم المصدر [["الكشاف" 2/ 381، و"الدر المصون" 7/ 446، و"البحر المحيط" 6/ 101، و"التفسير الكبير" 11/ 83.]].
18:10Page 294
إِذۡ أَوَى ٱلۡفِتۡيَةُ إِلَى ٱلۡكَهۡفِ فَقَالُواْ رَبَّنَآ ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةٗ وَهَيِّئۡ لَنَا مِنۡ أَمۡرِنَا رَشَدٗا ١٠
[Mention] when the youths retreated to the cave and said, "Our Lord, grant us from Yourself mercy and prepare for us from our affair right guidance."
قوله تعالى: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ﴾ الآية، "إِذْ" هنا لا يجوز أن يكون متعلقًا بما قبله على تقدير: أم حسبت إذ أوى الفتية؛ لأنه كان بين النبي -ﷺ- وبينهم مدة طويلة، فلم يتعلق الحسبان بذلك الوقت الذي أووا فيه إلى الكهف، وإذ يتعلق بمحذوف كأنه قيل: اذكر إذا أوى [["الدر المصون" 7/ 446، و"البحر المحيط" 6/ 102، و"التفسير الكبير" 11/ 83، و"إملاء ما من به الرحمن" 1/ 395.]]. كما قلنا في مواضع كثيرة. ومعنى ﴿أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ﴾: صاروا إليه وجعلوه مأواهم [["زاد المسير" 5/ 108، و"التفسير الكبير" 11/ 83، و"معاني القرآن" للزجاج 3/ 270.]].
قال ابن عباس: (يريد هربوا إلى الكهف) [[ذكرته كتب التفسير بلا نسبة. انظر: "النكت والعيون" 3/ 287، و"المحرر الوجيز" 9/ 239، و"زاد المسير" 5/ 108.]]. وذكرنا الكلام في الفتية عند قوله: ﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ﴾ [يوسف: 62] في سورة يوسف.
وقوله تعالى: ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ أخبر الله تعالى أنهم لما هربوا عمن يطلبهم اشتغلوا بالدعاء والتضرع إلى الله تعالى: ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ أي: أعطنا من عندك مغفرة ورزقًا [["معالم التنزيل" 5/ 155 بمعناه، و"الكشاف" 2/ 381، و"المحرر الوجيز" 9/ 245، و"زاد المسير" 5/ 109.]].
قال ابن عباس: (يريدون تغنينا بها عن جميع من سواك) [[ذكر نحوه ابن الجوزي بلا نسبة في "زاد المسير" 5/ 109، والرازى في "التفسير الكبير" 21/ 83، والألوسي في "روح المعاني" 15/ 211.]]، يعني أن قولهم: ﴿مِنْ لَدُنْكَ﴾ تتضمن هذا المعنى.
وقوله تعالى: ﴿وَهَيِّئْ لَنَا﴾ أي: أصلح، من قولك: هيأت الأمر فتهيأ ﴿مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ الرَّشَد، والرُّشْد، والرَّشاد، والرّشَاد: نقيض الضلال [["زاد المسير" 5/ 109، و"التفسير الكبير" 11/ 83، و"تهذيب اللغة" (رشد) 2/ 1411، و"مقاييس اللغة" (رشد) 2/ 318، و"لسان العرب" 3/ 1649.]].
قال أبو إسحاق: (أي أرشدنا إلى ما يقرب منك ويزلف عندك) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 270.]] وهذا معنى قول ابن عباس: (أرشد أفعالنا إلى محبتك) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة.
انظر: "زاد المسير" 5/ 109، و"التفسير الكبير" 21/ 83، و"روح المعاني" 15/ 211، و"أنوار التنزيل" 3/ 217.]]. وقال أهل المعاني: (تقدير الآية: هيئ لنا من أمرنا ذا رشد) [["التفسير الكبير" 11/ 83.]]. أي: أمر ذا رشد. فحذف الموصوف، ثم حذف المضاف أيضًا، كأنهم قالوا: هيئ لنا من أمرنا ما نصيب به الرشد.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences