Al-Wahidi (al-Basit)Al‑Furqan · 25:1–9

Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic

الفرقان

Al-Furqan

The Criterion · Meccan · 77 ayahs

25:1Page 359

تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلۡفُرۡقَانَ عَلَىٰ عَبۡدِهِۦ لِيَكُونَ لِلۡعَٰلَمِينَ نَذِيرًا ١

Blessed is He who sent down the Criterion upon His Servant that he may be to the worlds a warner -

﴿تَبَارَكَ﴾ قال ابن عباس: تعالى عما قال القائلون. وروي عنه: جاء بكل بركة [[لم أجد هذا القول فيما تيسر لي من المراجع، والذي ذكره ابن جرير في تفسيره 18/ 179، عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: تفاعل من البركة، وهو كقول القائل: تقدس ربنا. وإسناده فيه ضعف وانقطاع؛ لأن فيه بشر بن عمارة وهو ضعيف، وفيه الضحاك وهو لم يلق ابن عباس. "تفسير ابن كثير" 1/ 113. وضعفه ابن حجر في كتابه "العجاب في بيان الأسباب" 1/ 223، وأخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2659، بإسناد ابن جرير، بلفظ: تفاعل من البركة. وهو كذلك عند الثعلبي في تفسيره 8/ 92 أ، ثم قال: كأن معناه: جاء بكل بركة. ﴿تَبَارَكَ﴾ اسم مختص بالله تعالى، لم يستعمل في غيره، ولذلك لم يصرف منه مستقبل، ولا اسم فاعل. "تفسير ابن عطية" 11/ 2، و"تفسير السمرقندي" 2/ 452.]].

وقال الفراء: البركة والتقدس: العظمة، وهما سواء، وهو كقولك: تقدس ربنا [["معاني القرآن" 2/ 262، وفيه تقديم وتأخير.]]. وذكرنا الكلام في ﴿تَبَارَكَ﴾ في سورة: الأعراف [[عند قوله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: 54] قال == الواحدي: قال الليث: تفسير ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ﴾ تمجيد وتعظيم. وقال أبو العباس: ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ﴾: ارتفع، والمتبارك: المرتفع. وقال ابن الأنباري: ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ﴾ باسمه يتبرك في كل شيء. وقال الزجاج: ﴿تَبَارَكَ﴾ تفاعل من البركة، كذلك يقول أهل اللغة.]].

﴿الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾ قال المفسرون: يعني القرآن [[قال قتادة: هو القرآن، فيه حلال الله، وحرامه، وشرائعه، ودينه، فرق الله به بين الحق والباطل، أخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2660، وزاد السيوطي 6/ 235 نسبته إلى عبد بن حميد، وابن المنذر. وهو قول مقاتل 42 ب. والثعلبي 8/ 92 أ.]]. قال ابن عباس: قرآنا فرقت فيه بين الحق والباطل، وجعلت فيه المخرج من جميع الشبهات [[لم أعثر على من نسبه لابن عباس، فيما لديّ من المراجع. وفي "تفسير مقاتل"، 42 ب: يعني القرآن، وهو المخرج من الشبهات. وأخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2659، بسنده عن مجاهد وفي إسناده رجل لم يسمَّ. وقال الزجاج: والفرقان: القرآن، يُسمى فرقانًا؛ لأنه فُرِّق به بين الحق والباطل. ولم ينسبه. وذكر نحوه القرطبي 13/ 2، ولم ينسبه.]]. والكلام في ﴿تَبَارَكَ﴾ ماض [[عند قوله تعالى: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 53] قال الواحدي: الفرقان مصدر فرقت بين الشيئين أفرق فرْقًا وفرقانًا، كالرجحان والنقصان، هذا هو الأصل، ثم يسمى كل فارق: فرقانًا، كتسميتهم الفاعل بالمصدر، كما سمي كتاب الله: الفرقان؛ لفصله بحججه وأدلته بين المحق والمبطل، وسمى الله تعالى يوم بدر: يوم الفرقان، في قوله: لأنه فرق في ذلك اليوم بين الحق والباطل فكان ذلك اليوم يوم الفرقان.]].

وذكر أبو علي، في "المسائل الحلبية"، الفرق بين: ﴿الْفُرْقَانَ﴾ و ﴿الْقُرْآنَ﴾ فقال: الفرقان: صفة لأنه بمعنى الفارق [[أي: أن الفرقان صفة لكلام الله تعالى، سواء كان هذا الكلام في القرآن، أو الإنجيل، أو التوراة. قال الماوردي 4/ 131، في تفسيره للفرقان: وقيل: إنه اسم لكل كتاب منزل كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾.]]. ويقوي كونه صفة مجيئه على وزن يجيء عليه الصفات، نحو: عُرْيَان، وخُمْصَان [[الخَمْصان، والخُمْصان: الجائع الضامر البطن. "مقاييس اللغة" 2/ 219، و"اللسان" 7/ 29.]]، وهو صفة لا تجري على موصوف بل استعمل [[في (أ): (استعمال).]] استعمال الأسماء، كالعبد، والصاحب، فإنهما صفتان في الأصل، وقد استعملا استعمال الأسماء، ومن ثمّ لم يعمل: صاحبٌ، أعمال أسماء الفاعلين، نحو: ضارب، وقاتل، وكذلك الأَجرَعُ [[مصدر جَرع الماء يجرعه، لا غير، والجَرَع: جمع جَرَعة، وهي: دِعص بكسر الدال من الرمل لا ينبت شيئًا. واجَرَع: التواء في قوّة من قوى الحبل تكون ظاهرة على سائر القوى. المشوف المعلم 1/ 149، و"مجمل اللغة" 1/ 184، و"القاموس المحيط" 915، وقيل: هي الرملة السهلة المستوية. "اللسان" 8/ 46.]]، والأَبْطَح [[الأبطح: البطيحة والأبطح والبطحاء: كل مكان متسع. "مجمل اللغة" 1/ 128، أو: مسيل واسع فيه دُقاقُ الحصى. "القاموس المحيط" 273.]]، والأُدْم [[الآدَم، هكذا من اللون: الأسمر، والأنثى: أدماء. المشوف المعلم 1/ 58، والأَدَمَة: باطن الجلد، والبشرة ظاهرها، والأَدَم: جمع الأَديم. والإدام: ما يطيب به الطعام. "مجمل اللغة" 1/ 90، والأُدمَة بالضم: القرابة، والوسيلة. "القاموس المحيط" 1388. وفي "المسائل الحلبية" ص 300: الأدهم، بدل الأدم.]]، حيث كُسِّرت [[أي: جمعت جمع تكسير.]] على الأفاعل فتَعَدَّوا فيها: فُعْلا وفُعْلان، والحمر [[في "المسائل الحلبية" ص 300 كأحمر وحمر وحمران، وأسود وسود وسودان.]] والحمران، والسود والسودان، وإذا كثر في كلامهم هذا النحو من الصفات التي تجري مجرى الأسماء، وأن لا تجري على موصوف، كذلك: الفرقان والقرآن في الأصل مصدر وليس بصفة، إلا أن القرآن أضيف إلى ضمير التنزيل في قوله: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: 17] ولو كانت صفة لم تجز إضافته إلى نفسه [["المسائل الحلبية" 299. وفيه: إن الدلالة قد قامت على أن القرآن لا يكون صفة كما جاز أن يكون الفرقان صفة، ألا ترى أن القرآن قد أضيف إلى ضمير التنزيل في قوله: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: 17] ولو كان صفة لم تجز هذه الإضافة فيها؛ لأن من أضاف المصدر إلى الفاعل نحو قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ [البقرة: 251] لم يضف إليه اسم الفاعل فيقول: هذا ضاربُ زيد، فيضيف الصفة إلى الفاعل؛ من حيث كان اسم الفاعل هو الفاعل في المعنى، والشيء لا يضاف إلى نفسه ... وقد نقله الواحدي بالمعنى.]]. وسنذكر هذا الفصل مشروحًا إذا انتهينا إلى هذه الآية [[لم أجد في تفسير الواحدي لهذه الآية ما يتعلق بهذه المسألة، حيث ذكر فيها معنى جمع القرآن في الآية، المراد به، ونقل أقوال المفسرين وأهل اللغة في ذلك. والله أعلم.]] ﴿عَلَى عَبْدِهِ﴾ محمد -عليه السلام- [[أخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2660، عن ابن إسحاق.]]. ليكون محمد بالقرآن ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ يعني الجن، والإنس [[أخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2660، عن ابن عباس. قال السمرقندي 2/ 453: وأراد هاهنا جميع الخلق. وقد يذكر العام ويراد به الخاص من الناس كقوله -عز وجل-: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: 47، 122] أي: على عالمي زمانهم. ويذكر ويراد به جميع الخلائق كقوله تعالى: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قال ابن زيد: لم يرسل الله رسولاً إلى الناس عامة إلا نوحاً -ﷺ- بدأ به الخلق، فكان رسولَ أهل الأرض كلهم، ومحمدًا -ﷺ- ختم به. أخرجه ابن جرير 18/ 180. قال البرسوي 6/ 188: وأما نوح -عليه السلام- فإنه وإن كان له عموم بعثة لكن رسالته ليست بعامّة لمن بعده.]] ﴿نَذِيرًا﴾ مخوفًا من عذاب الله، هذا قول المفسرين في النذير أنه: محمد -عليه السلام-، وأجاز آخرون أن يكون النذير هو: القرآن، وقالوا: إنه نذير للعالمين إلى يوم القيامة [[ويشهد له قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: 9] حيث == أضاف الهداية إليه. "تفسير الرازي" 24/ 45. قال السمين الحلبي: وفي اسم يكون ثلاثة أوجه؛ أحدها: أنه ضمير يعود على الذي نزل؛ أي: ليكون الذي نزل الفرقان نذيرًا. الثاني: أنه يعود على الفرقان، وهو القرآن؛ أي: ليكون الفرقان نذيرًا. الثالث: أنه يعود على عبده؛ أي: ليكون عبده محمد -ﷺ-، نذيرًا. وهذا أحسن الوجوه معنىً وصناعة لقربه مما يعود عليه، والضمير يعود على أقرب مذكور. الدر المصون 8/ 453. وذكر هذا الترجيح الشوكاني 4/ 58، ولم ينسبه. قال ابن زيد: النبي النذير، وقرأ: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [فاطر 24] وقرأ: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ﴾ [الشعراء: 208]. أخرجه ابن جرير 18/ 180، وابن أبي حاتم 8/ 2660، قال ابن عطية 11/ 3: وقد يكون النذير ليس برسول، كما روي في ذي القرنين، وكما ورد في رسل رسول الله -ﷺ- إلى الجن؛ فإنهم نذر وليسوا برسل.]].

25:2Page 359

ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَمۡ يَتَّخِذۡ وَلَدٗا وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ شَرِيكٞ فِي ٱلۡمُلۡكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيۡءٖ فَقَدَّرَهُۥ تَقۡدِيرٗا ٢

He to whom belongs the dominion of the heavens and the earth and who has not taken a son and has not had a partner in dominion and has created each thing and determined it with [precise] determination.

قال ابن عباس ومقاتل: ثم عظم نفسه فقال: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ عزيرًا، ولا عيسى، ولا الملائكة، كما قالت اليهود، والنصارى، والمشركون [["تفسير مقاتل" 42 ب بتصرف. ولم ينسب الواحدي هذا القول لأحد في تفسيره "الوسيط" 3/ 333، وذكره ابن أبي حاتم 8/ 2661، عن عكرمة. وذكره القرطبي 13/ 2 ولم ينسبه. ولم أجده منسوبًا لابن عباس رضي الله عنهما فيما تيسر لي.]].

﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ كما قال عبدة الأوثان. وقال الكلبي ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ فيعازه في عظمته [[في "تنوير المقباس" ص 300: قال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ كما قال مشركو العرب فيماريه.]]. ﴿وَخَلَقَ كُلَّ﴾ أي مما يطلق له صفة المخلوق ﴿فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ قال ابن عباس: فجرت المقادير على ما خلق الله تعالى إلى يوم القيامة، وبعد القيامة [["تفسير القرطبي" 13/ 2، ولم ينسبه.]].

وقال الكلبي: جعل لكل شيء خلقًا، ومنتهى، وأجلًا ينتهي إليه [["تنوير المقباس" ص 300، بمعناه.]].

وقال أبو إسحاق: خلق الله الحيوان وقدر له ما يصلحه ويقيمه، وقدر جميع ذلك لخلقه بحكمته وتقديره [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 57.]]. وعلى هذا المعنى يكون: وقدر له تقديرًا من الأجل والمعيشة.

وقال الآخرون: سوَّى كل ما خلق وهيأه لما يصلح له [[ممن قال بهذا القول ابن جرير، 18/ 180.]].

25:3Page 360

وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗ لَّا يَخۡلُقُونَ شَيۡـٔٗا وَهُمۡ يُخۡلَقُونَ وَلَا يَمۡلِكُونَ لِأَنفُسِهِمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗا وَلَا يَمۡلِكُونَ مَوۡتٗا وَلَا حَيَوٰةٗ وَلَا نُشُورٗا ٣

But they have taken besides Him gods which create nothing, while they are created, and possess not for themselves any harm or benefit and possess not [power to cause] death or life or resurrection.

قال ابن عباس: ثم ذكر ما صنع المشركون فقال: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ يعني: الأصنام اتخذها أهل مكة [["تفسير ابن جرير" 18/ 181، ولم ينسبه.]].

﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ أي: وهي مخلوقة ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا﴾ قال مقاتل: لا تقدر الآلهة أن تمتنع ممن أراد بها سوءًا [["تفسير مقاتل" ص 42 ب. وذكره السمرقندي 2/ 453 بنصه، ولم ينسبه.]]. والمعنى: لا يملكون دفع ضر ولا جلب نفع فحذف المضاف. وهذا معنى قول المفسرين: ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا﴾ فيدفعونه عن أنفسهم ﴿وَلَا نَفْعًا﴾ فيجرونه إلى أنفسهم. ويجوز أن يكون المعنى: ولا يقدرون أن يضروا أنفسهم أو ينفعونها بشيء ولا لمن يعبدها؛ لأنها جماد لا قدرة لها. وهذا معنى قول الكلبي [["تنوير المقباس" ص 300.]]. ولا يحتاج في هذا إلى تقدير المضاف.

﴿وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا﴾ قال مقاتل: أن تميت أحدًا [["تفسير مقاتل" ص 42 ب.]] ﴿وَلَا حَيَاةً﴾ ولا يحيون أحدًا ﴿وَلَا نُشُورًا﴾ ولا تقدر الآلهة أن تبعث الأموات [["تفسير السمرقندي" 2/ 453، ثم قال: "وإنما ذكر الأصنام بلفظ العقلاء؛ لأن الكفار يجعلونهم بمنزلة العقلاء فخاطبهم بلغتهم".]]. أي: فكيف تعبدون من لا يقدر على أن يفعل شيئًا من هذا وتتركون عبادة ربكم الذي يملك ذلك كله [["تفسير مقاتل" ص 42 ب، بتصرف يسير.]].

25:4Page 360

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ إِفۡكٌ ٱفۡتَرَىٰهُ وَأَعَانَهُۥ عَلَيۡهِ قَوۡمٌ ءَاخَرُونَۖ فَقَدۡ جَآءُو ظُلۡمٗا وَزُورٗا ٤

And those who disbelieve say, "This [Qur’ān] is not except a falsehood he invented, and another people assisted him in it." But they have committed an injustice and a lie.

قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ ما هذا القرآن إلا إفك: كذب افتراه محمد واختلقه من تلقاء نفسه [["تفسير مقاتل" ص 42 ب. ونسبه الماوردي 4/ 131، والقرطبي 13/ 3، إلى ابن عباس. وأخرج ابن أبي حاتم 8/ 2663، عن سعيد بن جبير: كل شيء في القرآن إفك فهو كذب. والفرق بين الافتراء والكذب، أن الافتراء: افتعال الكذب من قول نفسه. والكذب: قد يكون على وجه التقليد للغير فيه. "تفسير روح البيان" 6/ 189. وفي "لسان العرب" 15/ 154: "يقال: فرى فلان الكذب يفتريه: اختلقه".]].

﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ قال مجاهد: يعني اليهود [[أخرجه ابن جرير 18/ 181، وابن أبي حاتم 8/ 2663. وذكره عنه الثعلبي 8/ 92 أ.]]. وقال مقاتل: قالوا: أعان محمدًا على هذا القرآن عدَّاس، مولى حويطب بن عبد العزى، ويسار غلام عامر بن الحضرمي [[عامر بن عبد قيس الحضرمي، له وفادة، وهو أخو عمرو. "الإصابة" 4/ 13. ولم يذكر شيئاً عن غلامه.]]، وجبر مولى عامر. وكان هؤلاء الثلاثة من أهل الكتاب [["تفسير مقاتل" 42 ب، ونسبه للنضر بن الحارث. وفيه: جبر مولى عامر بن الحضرمي، كان يهوديا فأسلم. وذكره الثعلبي 8/ 92 أ، ولم ينسبه. وفي "تنوير المقباس" ص 300: جبر ويسار وأبو فكيهة الرومي. قال الماوردي 4/ 132: == وفيمن زعموا أنه أعانه عليه أربعة أقاويل:

1 - قوم من اليهود، قاله مجاهد.

2 - عبد الله ابن الحضرمي، قاله الحسن.

3 - عدّاس، غلام عتبة، قاله الكلبي.

4 - أبو فكيهة الرومي، قاله الضحاك. ونسبه القرطبي 13/ 3، لابن عباس. قال ابن الأثير: أبو فكيهة، اسمه أفلح، وقيل: يسار، كان عبداً لصفوان بن أمية، أسلم مع بلال، أخذه أمية بن خلف وقام بتعذيبه، ثم اشتراه أبو بكر -رضي الله عنه- فأعتقه. "الكامل" 2/ 46. وهذا يدل على اختلافهم في التعيين فتبقى الآية على عمومها. والله أعلم.]].

قال الله تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ قال مقاتل: يقول: فقد قالوا شركًا، وكذبًا، حين زعموا أن القرآن ليس من الله [["تفسير مقاتل" ص 43 أ، بتصرف.]]! قال الكلبي ومقاتل: نزلت في النضر بن الحارث، كان يقول للمشركين: ما يقول محمد لأصحابه إلا كما كنت أحدثكم عن رستم وأسفنديار [["تنوير المقباس" ص 300، و"تفسير مقاتل" ص 43 أ، بتصرف، وفيه: عن رستم وأسفنديار. وليس فيه أنها نزلت في النضر. بل فيه: وقال النضر. وهو مذكور عند الآية: 6، الفرقان، وليس عند هذه الآية. قال الهواري، 3/ 201، في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ وقال الكلبي: عبد ابن الحضرمي، وعداس، مولى عتبة. ولم أجده في أسباب النزول للواحدي. ونسبه القرطبي 13/ 3، لابن عباس رضي الله عنهما.]].

وقال أبو إسحاق: نصب ﴿ظُلْمًا وَزُورًا﴾ على: فجاءوا بظلم وزور، فلما سقطت الباء أفضى الفِعلُ فَنَصبَ [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 58.]].

وقال الكسائي ﴿جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ كما تقول: أتيت أمرًا عظيمًا، وجئت أمرًا عظيمًا، وجئت شيئًا إدًّا، وشئت شيئًا نكرًا [[نسبه للكسائي أبو حيان 6/ 441.]]. يعني أن القول واقع عليه، وليس بمعنى حذف الخافض. وهذا أحسن وأليق مما ذكره المفسرون [[قال الزمخشري 3/ 257: "وظلمهم أن جعلوا العربي يتلقن من العجمي الرومي كلاماً عربياً أعجز بفصاحته جميع فصحاء العرب. والزور أن بهتوه بنسبة ما هو بريء منه إليه".]].

25:5Page 360

وَقَالُوٓاْ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٱكۡتَتَبَهَا فَهِيَ تُمۡلَىٰ عَلَيۡهِ بُكۡرَةٗ وَأَصِيلٗا ٥

And they say, "Legends of the former peoples which he has written down, and they are dictated to him morning and afternoon."

قوله: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ قال أبو إسحاق: ﴿أَسَاطِيرُ﴾ خبر ابتداء محذوف. المعنى: وقالوا: الذي جاء به أساطير الأولين، معناه: ما سطَّره الأولون [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 58، بتصرف.]]. قال المفسرون: يعني قول النضر: هذا القرآن أحاديث الأولين حديث رستم واسفنديار [["تفسير ابن جرير" 18/ 182، وقد ذكر خبر النضر مطولاً من طريق محمد بن إسحاق، وفيه مجهول. وانظر "تفسير الطوسي" 7/ 472، حيث ورد ذكر: اسفنديار، في خبر ذكره. و"تفسير الثعلبي" 8/ 96 ب، عن علي -رضي الله عنه- في شأن أهل الرس، وفيه: وكانت أعظم مداينهم اسفنديار، وهي التي ينزلها ملكهم، وكان يسمى: فركور بن عامور.]].

﴿اكْتَتَبَهَا﴾ انتسخها محمد من: عداس، وجبر، ويسار. ومعنى ﴿اكْتَتَبَهَا﴾ هنا: أمر أن تكتب له، كما يقال: احتجم، وابتنى، إذا أمر بذلك. وقد يكون اكتتب بمعنى: كتب، وليس هاهنا بمعنى: كتب بنفسه؛ لأن النبي -ﷺ- لم يكن كاتبًا، ولكنهم نسبوه إلى أنه أمر هؤلاء بأن ينسخوا له ويكتبوه له.

قوله تعالى: ﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ فأبدلت اللام الأخيرة ياءً هربًا من التضعيف [["سر صناعة الإعراب" 2/ 758، بنصه. وفيه: وقد جاء القرآن باللغتين جميعاً، قال تعالى: ﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان:5] وقال عز اسمه: قال == تعالى: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ [البقرة: 282]. وذكره بنصه القرطبي 13/ 4، ولم ينسبه.]].

كقولهم: تَظَنَّيْتُ [[التظنِّي: إعمال الظن، وأصله: التظنُّن، أُبدل من إحدى النونات ياء. "اللسان" 13/ 257. و"القاموس" 1566.]]، و:

تَقَضِّيَ البازي ....... [[جزء شطر وتمامه: تَقَضِّيَ البازي إذا البازي كسر. وصدره: دانَى جناحيه من الطور فمرْ "ديوان العجاج" 52، قال محققه: دانى جناحيه من الطور، وهو الجبل، ولكنه عني هاهنا: الشام، إنما هذا مثل، يقول: انقض ابن معمر انقضاضةً من الشام، والطور بالشام، يقول: انقض انقضاض البازي ضم جناحيه، فكأن مجيئه من سرعته انقضاضُ بازٍ إذا البازي كسر، وإذا كسر ضم جناحيه. وفي "سر صناعة الإعراب" 2/ 759: تقضي: تفعُّل من الانقضاض، وأصله: تقضُّض، فأبدلت الضاد الآخرة ياءً.

والبازي: واحد البُزاة التي تصيد؛ ضرب من الصقور. "لسان العرب" 14/ 72 (بزا)، و"القاموس" 1630.]]

قال المفسرون، وأهل المعاني: فهي تقرأ عليه؛ ابن عباس، ومقاتل، وأبو عبيدة، وغيرهم [[أخرجه البخاري، كتاب التفسير معلقاً بصيغة الجزم. "فتح الباري" 8/ 490. ولم أجده بهذا اللفظ عند مقاتل، في تفسيره، والذي فيه 43 أ: هؤلاء النفر الثلاثة يعلمون محمداً -ﷺ- طرفي النهار بالغداة والعشي. و"مجاز القرآن"، لأبي عبيدة 2/ 71، وفيه: "وهي من أمليته عليه، وهي في موضع آخر أمللت عليه". وذكره ابن جرير 18/ 183، ولم ينسبه لأحد.]]. والإملاء المعروف يستعمل مع الكتابة، يُملِي الرجلُ على من يكتب، وهاهنا استعمل لا مع الكتابة؛ لأن النبي لم يكن يكتب، والمعنى: يُملَى عليه ليحفظ كما يُملَى على الكاتب ليكتب، فلما كان الإملاء هاهنا مع الحفظ فُسر بالقراءة.

قوله تعالى: ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ قال ابن عباس: غدوةً وعشيًا [[لم أجده إلا في "تنوير المقباس" ص300.]]. وقال مقاتل: يقولون: هؤلاء النفر الثلاثة يعلمون محمدًا طرفي النهار بالغدوة والعشي [["تفسير مقاتل" ص 43 أ. وهو قول ابن جرير 18/ 183.]].

25:6Page 360

قُلۡ أَنزَلَهُ ٱلَّذِي يَعۡلَمُ ٱلسِّرَّ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ إِنَّهُۥ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ٦

Say, [O Muḥammad], "It has been revealed by He who knows [every] secret within the heavens and the earth. Indeed, He is ever Forgiving and Merciful."

قال الله تعالى: ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد [["تفسير السمرقندي" 2/ 453.]] ﴿أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أنزل القرآن الذي لا يخفى عليه شيء. قال مقاتل: وذلك [[وذلك. من "تفسير مقاتل" ص 43 أ.]] أنهم قالوا بمكة سرًّا هل هذا إلا بشر مثلكم ﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [الأنبياء 3] [["تفسير مقاتل" ص 43 أ.]]، كما أخبر الله عنهم في سورة: الأنبياء ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ الآية، فأنزل الله في هذه السورة: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ قال ابن عباس: لأوليائه رحيمًا بهم [[ذكره القرطبي 13/ 4، ولم ينسبه.]]. وقال مقاتل: ﴿غَفُورًا﴾ في تأخير العذاب عنهم ﴿رَحِيمًا﴾ لا يعجل عليهم بالعقوبة [["تفسير مقاتل" ص 43 أ.]].

قال أهل المعاني في قوله: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ أنزله على ما يقتضيه العلم بباطن الأمور لا على ما تقتضيه أهواء النفوس [["تفسير الطوسي" 7/ 473، بنصه، ولم ينسبه.]].

25:7Page 360

وَقَالُواْ مَالِ هَٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأۡكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمۡشِي فِي ٱلۡأَسۡوَاقِ لَوۡلَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مَلَكٞ فَيَكُونَ مَعَهُۥ نَذِيرًا ٧

And they say, "What is this messenger that eats food and walks in the markets? Why was there not sent down to him an angel so he would be with him a warner?

قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا﴾ يعني: المشركين [["تفسير الطبري " 18/ 184.]] {مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ} قال أبو إسحاق: أي شيء لهذا الرسول في حال أكله الطعام ومشيه في الأسواق، التمَسوا أن يكون الرسول على غير بِنْية الآدميين، والواجب أن يكون الرسول إلى الآدميين آدميًا ليكون أقرب إلى الفهم عنه [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 58، بنصه.]].

والمعنى: أنهم أنكروا أن يكون الرسول بشرًا يأكل الطعام، ويمشي في الأسواق لطلب المعيشة، وهذا هو الصحيح؛ ألا ترى أنهم قالوا ﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾ أي: ليستغني عن طلب المعاش. وعبر بعض البلغاء عن معنى هذه الآية فقال: يعنون أنه ليس بملَك ولا ملِك؛ وذلك أن الملائكة لا يشربون ولا يأكلون، والملوك لا يتسوقون ولا يتبذَّلون [[رجل متبَذِّل: إذا كان يلي العمل بنفسه. "تهذيب اللغة" 14/ 434 (بذل).]] فعجبوا أن يكون مثلَهم في الحال يمتاز من بينهم بعلو المحل والجلال، و ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: 124].

قوله تعالى: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ قال محمد بن إسحاق: إنهم قالوا للنبي -ﷺ-: سل ربك أن يبعث معك ملَكًا يصدقك بما تقول ويجعل لك جنانًا وقصورًا وكنوزًا من ذهب وفضة يغنيك بها عمّا نراك تبتغي، فإنك تقوم في الأسواق، وتبتغي المعاش كما نلتمسه، حتى نعرف فضلك ومنزلتك من ربك إن كنت رسولاً كما تزعم [[أخرجه ابن جرير 18/ 183، بسنده إلى ابن عباس من طريق محمد بن إسحاق مطوّلاً.]].

وقال أبو إسحاق: طلبوا أن يكون في النبوة شركة وأن يكون الشريك ملَكًا، والله -عز وجل- يقول: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾ [الأنعام: 9] أي: لم يكن ليُفهمهم حتى يكون رجلاً [["معاني القرآن" للزجاج 4/ 58، بنصه.]]. وقال الفراء: ﴿لَوْلَا﴾ بمنزلة هلَّا [["معاني القرآن" للفراء 2/ 262.]]. ونصب ﴿فيكونَ﴾ على الجواب بالفاء للاستفهام [["معاني القرآن " للزجاج 4/ 58، بنصه.]].

25:8Page 360

أَوۡ يُلۡقَىٰٓ إِلَيۡهِ كَنزٌ أَوۡ تَكُونُ لَهُۥ جَنَّةٞ يَأۡكُلُ مِنۡهَاۚ وَقَالَ ٱلظَّٰلِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلٗا مَّسۡحُورًا ٨

Or [why is not] a treasure presented to him [from heaven], or does he [not] have a garden from which he eats?" And the wrongdoers say, "You follow not but a man affected by magic."

قوله تعالى: ﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ قال الفراء: هو مرفوع بالرد على ﴿لَوْلَا﴾ كقولك في الكلام: أو هلا يلقى إليه كنز [["معاني القرآن" للفراء 2/ 263، بتصرف، ويعني به: ﴿تكونُ﴾.]]، ونحو هذا قال الزجاج: هو عطف على الاستفهام [["معاني القرآن " للزجاج 4/ 59.]].

قال ابن عباس، ومقاتل: أو ينزل إليه مال من السماء ﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ﴾ بستان [["تنوير المقباس" ص 301، و"تفسير مقاتل" ص 43 أ. وذكره ابن جرير 18/ 184، والثعلبي 8/ 92 ب.]] ﴿يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ قال ابن عباس: يأكل من ثمارها.

قال أبو علي الفارسي: قال الكفار: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ ليَبِين منا باقتران الملَك به وكونه معه نذيرًا، ويفترق من جملتنا. وكذلك اقترحوا عليه إلقاء كنز عليه، أو كون جنة تختص بما يأكل منها، حتى يتبين في [[(في) من نسخة (ج). وهو موافق لما في كتاب أبي علي؛ "الحجة" 5/ 335.]] مأكله منهم، كما تبين باقتران الملَك به عليهم من الكفار، فقالوا فيما أخبر الله عنهم: ﴿أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ [التغابن: 6] وأنكروا أن يكون لمن ساواهم في البشرية حال ليست لهم! وقد احتج الله سبحانه عليهم في ذلك بقوله: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا﴾ الآية [الأنعام: 9] وبقوله ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ الآية [يوسف: 109، النحل: 43]. ومن قرأ: ﴿نَأْكُلَ مِنْهَا﴾ [[قراءة حمزة، والكسائي. "السبعة في القراءات" ص 462، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 335، و"النشر في القراءات العشر" 2/ 333.]] فكأنه أراد أنه يكون له بذلك مزية علينا في الفعل بأكلنا من جنته [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 335، باختصار.]].

وقوله: ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ﴾ قال ابن عباس: وقال المشركون للمؤمنين [[ذكره ابن جرير 18/ 184، ولم ينسبه.]]: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ أي: ما تتبعون إلا مخدوعًا مغلوبًا على عقله [["تنوير المقباس" ص 301، و"تفسير مقاتل" ص 43 أ، و"تفسير هود الهوّاري" 3/ 201، ولم ينسبه.]]. وذكرنا تفسير المسحور عند قوله: ﴿إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا﴾ [الإسراء 101] [[قال الواحدي في تفسير هذه الآية: قيل في المسحور هاهنا أنه بمعنى الساحر؛ كالمشؤوم والميمون، وذكرنا هذا في قوله: ﴿حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: 45] وهذا قول الفراء وأبي عبيدة، وقيل إنه مفعول من السحر؛ أي أنك قد سُحِرت فأنت تحمل نفسك على هذا الذي تقوله للسحر الذي بك، وقال محمد بن جرير: أي مُعطى علم السحر، فهذه العجائب التي تأتي بها من سحرك.]].

25:9Page 360

ٱنظُرۡ كَيۡفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلۡأَمۡثَٰلَ فَضَلُّواْ فَلَا يَسۡتَطِيعُونَ سَبِيلٗا ٩

Look how they strike for you comparisons;1 but they have strayed, so they cannot [find] a way.

قوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ قال مقاتل: وصفوا لك الأشياء حين زعموا أنك مسحور [["تفسير مقاتل" ص 43 أ. وفيه: ساحر، بدل مسحور.]]. وذلك أنهم كانوا يقولون له مرة: ساحر، ومرة: هو شاعر، ومرة: هو مجنون ومسحور، كما أخبر الله تعالى عنهم في آي كثيرة [[كقوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: 47]. والآية: 27، من سورة: الشعراء، والآية: 36، من سورة: الصافات. والآية: 14، من سورة: الدخان، والآيات 40 - 42 من سورة: الحاقة. وغيرها.]]، فذلك ضربهم له الأمثال، وتشبيههم حاله بحال الساحر، والشاعر، والمجنون، والمسحور.

وقال أهل المعاني: مثلوه بالمسحور، وبالمحتاج المتروك، والناقص عن القيام بالأمور [[لم أجد هذا القول فيما تيسر لي من كتب المعاني.]].

قال الله تعالى: ﴿فَضَلُّوا﴾ قال مقاتل: عن الهدى [["تفسير مقاتل" ص 43 أ.]] ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ قال ابن عباس: يريد سبيل الهدى [[أخرجه ابن جرير 18/ 185 بإسناده، من طريق ابن إسحاق، بلفظ: أي: التمسوا الهدى في غير ما بعثتك به إليهم فضلوا، فلن يستطيعوا أن يصيبوا الهدى في غيره. ولم ينسبه لغيره. وأخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2665، من قول ابن إسحاق، ولم ينسبه لغيره. ولم يذكره في "تنوير المقباس" ص 301، بل ذكر قولاً قريباً من كلام مجاهد.]]. وهذا قول أعظم المفسرين [[هكذا في نسخة: (أ)، (ب): (أعظم)، وفي نسخة: (ج): (عُظم)؛ عُظْم الناس، وعظمهم، أي: معظمهم. "لسان العرب" 12/ 410 (عظم). وابن جرير يذكر ذلك في تفسيره؛ قال 4/ 550: وذلك قراءة عُظْم أهل الحجاز ...

ولم أجد هذا القول إلا لابن عباس من طريق ابن إسحاق، كما سبق. فنسبة هذا القول لأكثر المفسرين، فيه نظر. وخاصة أنه ذكر بعد ذلك ما يخالف هذا من قول مجاهد، ومقاتل. ولما ذكر الثعلبي 8/ 92 هذا القول اقتصر عليه، ولم ينسبه لأحد. والله أعلم.]].

والمعنى: أنهم ضلوا عن قصد الطريق بتكذيبك ولا يجدون إلى الحق طريقًا [[قريب من هذا قول الطوسي 7/ 474: معناه: لا يستطيعون طريقاً إلى الحق، مع تمسكهم بطريق الجهل، وعدولهم عن الداعي إلى الرشد. أما قول ابن عباس: يريد: سبيل الهدى؛ فلا يفيد هذا المعنى. قال ابن جرير 18/ 184: فلا يجدون سبيلاً إلى الحق إلا فيما بعثتك به، ثم ساق قول ابن عباس مؤيدًا له. والله أعلم.]]. وهذه الآية بهذا التفسير تدل على أن الكافر غير مستطيع للإيمان باستطاعته الكفر [[هذا الفهم لا يدل عليه ما نسبه لابن عباس؛ والذي يظهر أنه تبع فيه الثعلبي، حيث قال 8/ 92 ب: فثبت أن الاستطاعة التي يحصل بها الضلال غير الاستطاعة التي يحصل بها الهدى والإيمان. والآية ظاهرة في أن المراد بها: نفي أن يكون للمشركين حجة، يطعنون فيها على النبي -ﷺ-. وعلى تقدير أن المراد بها ما ذُكر فإن

الاستطاعة تنقسم إلى قسمين:

1 - استطاعة قبل الفعل، وهي الاستطاعة المشروطة في التكاليف، كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 97]، قال عمران بن حصين -رضي الله عنه-: كَانَتْ بِي بَوَاسِيرُ فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ، عَنِ الصَّلاةِ فَقَالَ: "صَلِّ قَائِمًا فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ". أخرجه البخاري كتاب الصلاة، رقم: 1117، فتح الباري 2/ 587. والترمذي 2/ 207، كتاب: أبواب الصلاة، رقم: 371.

2 - استطاعة مقارنة للفعل، وهي الموجبة له، وهذه هي المنفية عمن لم يفعل في مثل قوله تعالى: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود: 20]. فتاوى ابن تيمية 18/ 172، 8/ 129. فيقال في الأولى: القدرة، وفي الثانية: الإرادة. قال ابن أبي العز الحنفي: وتقسيم الاستطاعة إلى قسمين، هو قول عامة أهل السنة، وهو الوسط، وقالت القدرية والمعتزلة: لا تكون القدرة إلا قبل الفعل. شرح العقيدة الطحاوية 2/ 633.]]

وقال مجاهد: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ مخرجًا يخرجهم من الأمثال التي ضربوها لك [[أخرجه ابن جرير 18/ 185، وابن أبي هاشم 8/ 2665، و"تفسير مجاهد" 447. ونقله عنه هود الهوّاري، في تفسيره 3/ 202. واقتصر عليه السيوطي، في "الدر المنثور" 6/ 237. واختاره السمرقندي 2/ 454 ولم ينسبه، ولم يذكر غيره.]]. وهو قول مقاتل؛ يقول: لا يجدون مخرجًا مما وقالوا: إنك ساحر [["تفسير مقاتل" ص 43 أ.]]. يعني: أنهم كذبوا فيما زعموا فلزمهم هذا الكذب حتى لا يجدون منه مخرجًا بحجة أو برهان على ما قالوا.

وقال الفراء: يقول: لا يستطيعون في أمرك حيلة [["معاني القرآن" للفراء 2/ 263، بنصه.]]. وهذا قول ثالث في الآية [[هذه الأقوال الثلاثة، في المراد بالسبيل؛ القول الأول: سبيل الهدى. الثاني: مخرجاً يخرجهم من الأمثال التي ضربوها لك. الثالث: لا يستطيعون في أمرك حيلة. وكان الأولى بالواحدي. رحمه الله. أن يبين ضعف القول الأول، كما سبق، وخاصة أنه مخالف لظاهر الآية، إذ إن ظاهرها يدل على عجزهم عن مقاومة الرسول -ﷺ- والله أعلم. وذكر الماوردي 4/ 134 في الآية ثلاثة أقوال؛ الأول: قول مجاهد، والثاني: سبيلاً إلى الطاعة لله، ونسبه للسدي، ولم أجد من نسبه له غيره. والثالث: سبيلاً إلى الخير، ونسبه ليحيى بن سلام.]]. والمعنى: لا سبيل لهم في دفع ما أتيتهم به من الحق ولا حيلة لهم في إبطاله.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском