Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
الصافات
As-Saffat
Those who set the Ranks · Meccan · 182 ayahs
﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾ قالوا جميعًا: يعني الملائكة. وهو قول عبد الله ومسروق ومجاهد وقتادة ومقاتل [[انظر: "الطبري" 23/ 33، الثعلبي 3/ 239 ب، "الماوردي" 5/ 36، "معاني القرآن" للنحاس 6/ 7.]].
قال ابن عباس: يريد الملائكة صفوفًا، لا يعرف كل ملك منهم من إلى جانبه، لم يلتفت منذ خلقه الله [[انظر: "الوسيط" 3/ 521، "زاد المسير" 7/ 44.]]. وقال الكلبي: الملائكة صفوف في السماء كصفوف الخلق في الدنيا للصلاة [[لم أقف عليه عن الكلبي. وانظر: "البغوي" 4/ 22، "القرطبي" 15/ 361، "مجمع البيان" 8/ 683.]]. وذكرنا معنى الصف عند قوله: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: 36]. وهذا قَسَمٌ أقسم الله تعالى بالملائكة التي تصف [[في (ب): (تصفا)، وهو خطأ.]] نفسها صفًّا.
قال أبو إسحاق: أي هم مصطفون [[هكذا في النسخ، والذي في "معاني القرآن" للزجاج مطيعون.]] في السماء [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 297.]].
وذكر أهل المعاني في القسم [[لم أقف عليه في "معاني القرآن" للأخفش والفراء والزجاج.]] وجهين، أحدهما: أن القسم بالله -عَزَّ وَجَلَّ- على تقدير ورب الصافات كقوله: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ ﴿وَالشَّمْسِ﴾ ﴿وَاللَّيْلِ﴾ إلا أنه حُذِفَ لما في العلم من أن التعظيم بالقسم لله.
والثاني: أن هذا على ظاهر ما أقسم به؛ لأنه ينبئ عن تعظيمه بما فيه من العبرة الدالة على ربه. وذكر أيضًا في التفسير أن المراد بهذا الصف أن الملائكة تصف أجنحتها في الهواء واقفة لأمر الله حتى يأمرها بما يريد [[انظر: "الماوردي" 5/ 36، "القرطبي" 15/ 61، "زاد المسير" 7/ 44.]]. والصافات: جمع الصف، يقال: جماعة صافة ثم يجمع صافات.
قوله تعالى: ﴿فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا﴾ قال الليث: زجرت البعير فأنا أزجره زجرًا، إذا حبسته ليمضي، وزجرت فلانًا عن سوء فانزجر، أي نهيته فانتهى [[انظر: "تهذيب اللغة" 10/ 602 (زجر).]].
قال الشاعر:
وليس يزجركم ما توعظون به ... والبهم يزجرها الراعي فتنزجرُ [[البيت من البسيط، وهو لسابق البربري.]]
فالزجر للإنسان كالنهي وللبعير كالحث. ويقال: زجرته وازدجرته، ومنه قوله تعالى: ﴿وَازْدُجِرَ﴾ [القمر: 9]. قال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد ومقاتل: يعني الملائكة [["تفسير مقاتل" 109 ب، "تفسير مجاهد" ص 539. وانظر: "الطبري" 33/ 23، "الماوردي" 5/ 37، "زاد المسير" 7/ 45.]].
قال ابن عباس: يريد ملائكة وكلوا بالسحاب يزجرونها. ونحو هذا قال الكلبي ومقاتل والسدي [[انظر: المصادر السابقة.]]: إن هذا الزجر للسحاب في سوقه وتأليفه.
وقال أهل المعاني: الملائكة تزجر عن المعاصي زجرًا، يوصل الله مفهومه إلى قلوب العباد كما يوصل مفهوم إغواء الشيطان إلى قلوبهم ليصح التكليف [[لم أقف عليه في كتب "معاني القرآن".]].
وقال قتادة: الزاجرات زواجر القرآن، وهي كل ما ينهى وبزجر عن القبيح المحظور [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 147، "الطبري" 53/ 34، "معاني القرآن" للنحاس 6/ 8.]].
قوله: ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾ قال ابن مسعود ومسروق ومجاهد ومقاتل: هم الملائكة [[انظر: "الطبري" 23/ 34، "الماوردي" 5/ 37، "زاد المسير" 7/ 45.]].
قال ابن عباس: يريد ملائكة يتلون ذكر الله -عَزَّ وَجَلَّ- [[انظر: المصادر السابقة.]].
وقال مقاتل: هو جبريل يتلو القرآن على الأنبياء من ربهم، وهو الملقيات ذكرًا يلقي الذكر على الأنبياء [["تفسير مقاتل" 109 ب.]]. وعلى هذا المراد جبريل، وذكر بلفظ الجمع إشارة إلى أنه كبير الملائكة، فهو لا يخلو من أعوان وجنود له من الملائكة يعرجون بعروجه وينزلون بنزوله [[انظر: "القرطبي" 15/ 92، "فتح القدير" 4/ 386.]].
وقال السدي: هم الملائكة يتلون الذكر على الأنبياء [[انظر: "الطبري" 23/ 34، "بحر العلوم" 3/ 110، "مجمع البيان" 8/ 684.]].
وقال الكلبي: هو قراءة الكتاب [[انظر: "الوسيط" 3/ 521.]].
قال أبو إسحاق: ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (3)﴾ جائز أن يكون الملائكة وغيرهم ممن يتلون ذكر الله -عَزَّ وَجَلَّ- [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 297.]].
قال قتادة: (التاليات ذكرًا) ما يتلى من أي القرآن [[انظر: "الطبري" 23/ 34، "الماوردي" 5/ 37، "زاد المسير" 7/ 45.]]. وهذا يحمل على تفسير الذكر؛ لأن التاليات لا يكون ما يتلى. وأما هذه الفاءات هاهنا وفي سورة الذاريات والمرسلات. فالفاء في العطف تؤذن أن الثاني بعد الأول بخلاف الواو، فإنه لا يدل على المبدوء به والفاء يدل كقولك: دخلت الكوفة فالبصرة، فالفاء هاهنا تؤذن أن دخول الكوفة كان قبل دخول البصرة [[انظر: "الكشاف" 3/ 295.]]، وفي هذه الآية يدل على أن الله تعالى ذكر القسم أولاً بالصافات ثم بالزاجرات ثم بالتاليات.
وذكر صاحب النظم أن الفاء هاهنا جواب وما قبله سبب له، كما تقول قام فمر، واضطجع فنام، فالقيام سبب للمرور والاضطجاع سبب للنوم. وتأويل الآية: والتي تصف صفًّا فتزجر زجرًا، فالصف سبب الزجر والزجر سبب التلاوة.
قال: ويدل على هذا قوله: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (1) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا﴾ [المرسلات: 1 - 2]، ثم استأنف قسمًا آخر منقطعًا مما قبله غير منسوق عليه بالواو فقال: ﴿وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا﴾ وهذه الواو واو قسم، وعلى ما ذكره يجب أن يكون الصافات والزاجرات والتاليات جنسًا واحدًا وعصبة من الملائكة اجتمعت فيهم هذه الصفات [[في (أ): (الصافات).]]. ولا يجوز أن يكون الزاجرات غير الصافات [[في (ب) تقديم وتأخير هكذا: (الصافات غير الزاجرات ...).]]، وعلى ما ذكر أولاً يجوز أن يكون كل من الصافات والزاجرات والتاليات عصبة سوى الأخرى، وهو ظاهر قول المفسرين.
وأما التاءات التي في الصافات والزاجرات والتاليات فإنها تقرأ بالإظهار، وأدغمها حمزة فيما بعدها، وهو قراءة عبد الله. وإدغام التاء في الصاد حسن لمقاربة الحرفين، ألا ترى أنها من طرف اللسان وأصول الثنايا، ويجتمعان في الهمس، والمدغم فيه يزيد على المدغم بالإطباق والصفير، وحسن أن يدغم الأنقص في الأزيد، ولا يجوز أن يدغم الأزيد صوتاً في الأنقص. وإدغام التاء في الزاي حسن أيضًا، لأن التاء مهموسة والزاي مجهورة. وفيها زيادة صفير كما كان في الصاد. وكذلك حسن إدغام التاء في الذال في قوله: ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾ لاتفاقهما في أنهما من طرف اللسان وأصول الثنايا. وأما من قرأ بالإظهار وترك الإدغام فذلك لاختلاف المخارج، وأن المدغم فيه ليس بلازم، فلم يدغموا لتباين المخارج وانتفاء اللزوم، ألا ترى أنهم يثبتون نحو [أفعلَ] [[ما بين المعقوفتين مطموس في جميع النسخ، وما أثبت من الحجة لأبي علي لأن الكلام قد يكون بنصه منقولًا عنها من قوله: وأما التاءات التي في الصافات. "الحجة" 6/ 49 - 50.]] وإن كان من كلمة واحدة لما لم يلزم التاء هذا البناء، فما كان من كلمتين منفصلتين أجدر بالبيان [[انظر: "الحجة" 6/ 49، "علل القراءات" 2/ 573، "الحجة في القراءات السبع" ص 300.]].
قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾ جواب القسم. قال ابن عباس: يريد نفسه لا شريك [[لم أقف عليه.]] له.
وقال مقاتل: إن كفار مكة قالوا لمحمد: اجعل الآلهة إلهًا واحداً، فأقسم الله بهؤلاء الملائكة أنه واحد ليس له شريك [["تفسير مقاتل" 109 ب.]].
37:5Page 446
رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا وَرَبُّ ٱلۡمَشَٰرِقِ ٥
Lord of the heavens and the earth and that between them and Lord of the sunrises.1
ثم [[هكذا في النسخ، ويظهر والله أعلم أن هناك كلمة ساقطة: ثم نزه نفسه.]] نفسه عن شركهم فقال: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ من شيء من الآلهة وغيرها. ﴿وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ أي مطالع الشمس. قال السدي: المشارق ثلاثمائة وستون مشرقًا وكذلك المغارب عدد السنة، تطلع الشمس كل يوم في مشرق وتغرب كل يوم في مغرب [[انظر: "الطبري" 23/ 35، "الماوردي" 5/ 37، "زاد المسير" 7/ 45.]]. ونحو هذا قال قتادة في المشارق والمغارب [[انظر: المصادر السابقة]].
وقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد ثمانين ومائة مشرق في الشتاء وثمانين ومائة مشرق في الصيف؛ لأن الشمس في كل يوم تشرق من موضع غير الذي طلعت منه بالأمس [[لم أقف عليه عن ابن عباس وقد ذكره الماوردي في "تفسيره" 5/ 37، عن يحيى بن سلام، وذكره هود بن محكم في "تفسيره" 3/ 444، ولم ينسبه.]].
وقال في رواية عكرمة: إن الشمس تطلع كل سنة في ثلاث مائة وستين [[في (ب): (وستون)، وهو خطأ.]] كوة تطلع في [[(في) ساقطة من (ب).]] كل يوم في كوة لا ترجع إلى تلك الكوة إلى ذلك اليوم من العام المقبل [[في (ب): (القابلي).]] [[انظر: "القرطبي" 15/ 63.]]. وأراد المشارق والمغارب فاكتفى بذكر المشارق كقوله: ﴿تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: 81].
37:6Page 446
إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنۡيَا بِزِينَةٍ ٱلۡكَوَاكِبِ ٦
Indeed, We have adorned the nearest heaven with an adornment of stars
وقوله: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ قال ابن عباس: يريد التي تلي الأرض [[لم أقف عليه.]].
وقال مقاتل: إنما سميت الدنيا لأنها أدنى السماء من الأرض [["تفسير مقاتل" 109 ب.]].
وقوله: ﴿بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ أن يحسنها. وقال ابن عباس: بضوئها [[انظر: "بحر العلوم" 3/ 111، "البغوي" 4/ 23.]]. وعلى هذه القراءة المصدر يضاف إلى المفعول به كقوله: ﴿مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ [فصلت: 49]، ﴿بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ﴾ [ص: 24].
وقرأ حمزة بزينةٍ منونة وخفض الكواكب، وهي قراءة مسروق والأعمش [[انظر: "الحجة" 6/ 50 - 51، "الطبري" 23/ 345.]].
قال الفراء: وهو رد معرفة على نكرة [["معاني القرآن" 2/ 382.]].
وقال الزجاج: الكواكب بدل من الزينة [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 298.]].
وقال أبو علي: جعل الكواكب بدلاً من الزينة لأنها هي كما تقول مررت بأبىِ عبد الله زيد.
وقرأ عاصم بالتنوين في الزينة ونصب الكواكب [[انظر: "الحجة" 6/ 50 - 51.]]. قال الفراء: بتزييننا الكواكب [["معاني القرآن" 2/ 382.]].
قال أبو إسحاق: ويجوز أن يكون الكواكب في النصب بدلاً من قوله: ﴿بِزِينَةٍ﴾ في موضع نصب. [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 298.]]
وقال أبو علي: [أعمل] [[ما بين المعقوفين مكرر في (ب).]] عاصم الزينة في الكواكب والمعنى إنا [[في (ب): (إن).]] زينا الكواكب فيها، ومثله قوله: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد: 14 - 15] [["الحجة" 6/ 50 - 51.]]. وهذا شرح ما ذكره الفراء.
وقال [أبو علي] [[ما بين المعقوفين غير مثبت في (أ).]] صاحب النظم: التأويل إنا زينا السماء الدنيا أي بتزييننا الكواكب وتزيين الكواكب ضوئها ونورها وتأليفها في منازلها [[انظر القول في "الحجة" 6/ 51، غير منسوب لصاحب النظم.]].
37:7Page 446
وَحِفۡظٗا مِّن كُلِّ شَيۡطَٰنٖ مَّارِدٖ ٧
And as protection against every rebellious devil
قوله تعالى: ﴿وَحِفْظًا﴾ قال أبو إسحاق وغيره: وحفظناها حفظًا [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 298.]].
قال المبرد: إذا ذكرت فعلًا ثم عطفت عليه مصدر فعل آخر نصبت المصدر؛ لأنه قد دل على فعله وذلك قوله: افعل وكرامة، لأنه لما قال افعل علم أن الأسماء لا تعطف على الأفعال، فالمعنى افعل ذلك وأكرم كرامة، وكذلك لا أفعل ذلك ولا كيدًا ولا هما أي ولا أكيد ولا أهم [[في (ب): (ولاهم).]] [[لم أقف على قول المبرد.]].
قال ابن عباس: يريد وحفظًا للسماء ﴿مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾ يريد الذي تمرد على الله [[لم أقف عليه.]].
وقال مقاتل: وحفظًا للسماء بالكواكب [["تفسير مقاتل" 109 ب.]].
قال الكلبي: حفظًا للسموات من كل شيطان شديد متمرد، يُرمون بها ولا تُخطيهم [[لم أقف عليه.]]، وذكرنا تفسير المارد عند قوله: ﴿مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾ [التوبة: 101]. وقوله: ﴿كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾ [الحج: 3] [[قال في هذا الموضع من "البسيط": المريد الذي يتمرد على الله -عز وجل-. وقال أهل اللغة في المريد قولين: أحدهما: إنه المتجرد للفساد، والثاني: إنه العاري من الخير.]].
37:8Page 446
لَّا يَسَّمَّعُونَ إِلَى ٱلۡمَلَإِ ٱلۡأَعۡلَىٰ وَيُقۡذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٖ ٨
[So] they may not listen to the exalted assembly [of angels] and are pelted from every side,1
قوله: ﴿وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (8) دُحُورًا﴾ قال ابن عباس ومقاتل [[لم أقف على هذا القول عن ابن عباس أو مقاتل أو لغيرهم ويكادون يجمعون حسب علمي على أن معنى الدحور هو: الطرد وليس الرمي كما فسره المؤلف رحمه الله فلعله وهم منه، والله أعلم.]] والمفسرون: ويرمون من كل ناحية. وذكرنا معنى القذف فيما تقدم [[ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ [طه: 39]. قال: ومعنى القذف في اللغة الرمي بالسهم والحصى والكلام وكل شيء، ويقال للسب القذف لأنه رمي بالقبيح من القول.]]. والمفعول الثاني مقدر على تقدير ويقذفون من كل جانب بالشهب، يدل عليه قراءة أبي عبد الرحمن السلمي دحورًا بفتح الدال. قال الفراء: (كأنه قال يقذفون بداحِر وبما يدحر. قال: ولست أشتهي الفتح؛ لأنه لو وجه ذلك على صحته لكان فيها التاء كما تقول: يقذفون بالحجارة، ولا تقول يقذفون الحجارة وهو جائز كما قال:
نغالي اللحم للأضياف نيئا [[صدر بيت وعجزه:
ونرخصه إذا نضج القدير
ولم أهتد لقائله.
انظره في "معاني القرآن" للفراء 2/ 383، "معاني القرآن وإعرابه" 1/ 191، "المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات" 2/ 219، "الدر المصون" 3/ 444، "تهذيب اللغة" 6/ 132، 7/ 135، 8/ 191، "اللسان" 15/ 131.]] أي: يغالي باللحم [["معاني القرآن" 2/ 383.]].
قوله: ﴿دُحُورًا﴾ قال الكلبي [[لم أقف عليه.]]: يدحرونهم فيباعدونهم عن تلك المجالس التي يسترقون فيها السمع.
وقال مقاتل: يعني طردًا بالشهب من الكواكب [["تفسير مقاتل" 109 ب.]].
وقال عطاء عن ابن عباس: دحورًا بشهب النار [[لم أقف عليه عن ابن عباس، وقد ذكر ابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 47، نحوه عن قتادة.]].
وذكرنا معنى الدحور في سورة الأعراف [[الآية 18. قال المؤلف هناك: الدحر في اللغة: الطرد والإقصاء والتبعيد. يقال: دحره دحرًا ودحورًا إذا طرده وبعَّده.]] عند قوله: ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾. قال المبرد: الدحور هو أشد الصغار وأبين الذل [[لم أقف عليه.]].
قال ابن قتيبة: ذكرته دحرًا ودحورًا دفعته وطردته [["تفسير غريب القرآن" ص 369.]]. وانتصب دحورًا بالمصدر على معنى يدحرون دحورًا. ودل على المصدر الفعل قوله: ﴿وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ﴾، وإن شئت قلت الدحور ثم حذف اللام.
وقال مجاهد: دحورًا مطرودين [["تفسير مجاهد" ص 539.]]. فعلى هذا هو حال سميت بالمصدر [[في (ب): (سميت به المصدر).]] كالركوع والسجود والحصور.
قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾ قالوا كلهم: دائم. وقد مر في سورة النحل [[عند قوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ آية 52. قال: والواصب الدائم يقال وصب وصوباً إذا دام، ويقال واصَبَ على الشيء وواظب عليه إذا دام عليه.]]. ومن فسر الواصب بالشديد والوجع، فهو معنى وليس بتفسير. قال مقاتل: يعني دائمًا إلى النفخة الأولى فهي تجرح ولا تقتل [["تفسير مقاتل" 109 ب.]]. فقد بين مقاتل أن المراد بهذا العذاب عذاب الدنيا.
37:10Page 446
إِلَّا مَنۡ خَطِفَ ٱلۡخَطۡفَةَ فَأَتۡبَعَهُۥ شِهَابٞ ثَاقِبٞ ١٠
Except one who snatches [some words] by theft, but they are pursued by a burning flame, piercing [in brightness].
قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾ قال صاحب النظم: يجوز أن يكون هذا استثناء من قوله: ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ﴾ فيكون في موضع الرفع لأنه استثناء من النفي. قال: ويجوز أن يكون قوله: ﴿وَيُقْذَفُونَ﴾ فصلاً مستأنفاً، ويكون ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ﴾ في موضع نصب على الاستثناء منه. هذا كلامه، والمعنى إذا جعلت من استثناء من يقذفون أنهم يرمون بالشهب ولا يمكنون [[في (ب): (يتمكنون).]] من السمع ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾ قال ابن عباس: اختلس الكلمة [[لم أقف عليه عن ابن عباس بهذا اللفظ. وانظر: "تنوير المقباس" ص 374 بهامش المصحف.]].
وقال الكلبي: خطف الخطفة مسارقة [[لم أقف عليه عن الكلبي، وانظر: "القرطبي" 15/ 66، "زاد المسير" 7/ 48.]].
وقال مقاتل: يعني يخطف من كلام الملائكة [["تفسير مقاتل" 109 ب.]]. وذكرنا معنى الخطف في سورة الحج [[عند قوله تعالى: ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ الآية 31. قال: خطف يخطف إذا أخذ بسرعة.]].
قال الزجاج: وهو أخذ الشيء بسرعة [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 299.]].
قوله: ﴿فَأَتْبَعَهُ﴾ أي: لحقه وأصابه. قال المفسرون: لا يخطيه، يقتل أو يحرق أو يخبل [[انظر: "الثعلبي" 3/ 240/ ب، "الطبري" 23/ 40، "البغوي" 4/ 23، "القرطبي" 15/ 67.]]، يقال تبعه وأتبعه إذا مضى في أثره، وأتبعه إذا لحقه، ومنه قوله: ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف: 175]، وقد مر.
قوله تعالى: ﴿شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: نار مضيئًا يحرقه [["تنوير المقباس" ص 446 بهامش المصحف، "تفسير مقاتل" 109 ب.]].
قال الحسن وقتادة: ثاقب مضيء [[انظر: "الطبري" 23/ 40، "معاني القرآن" للنحاس 6/ 13، "القرطبي" 15/ 67.]].
قال الليث [[انظر: "تهذيب اللغة" 9/ 83 (ثقب)، "اللسان" 1/ 239 (ثقب).]]: الثقوب مصدر. النار الثاقبة والكوكب الثاقب، يقال ثقب يثقب ثقوبًا وهو شدة ضوئه وتلألئه، والخشب الثاقب الصريح النقي [[انظر: المصادر السابقة، "القاموس المحيط" ص 81.]].
وقال أبو عبيدة: الثاقب النير المضيء، ويقال أثقب نارًا أي أضاءها، والثقوب ما يذكى به النار، ومنه قول أبي الأسود: أذاع به في الناس حتى كأنه ... بعلياء نارٍ أُوقدت بثقوبِ [[البيت من الطويل لأبي الأسود في "ديوانه" ص 45، "مجاز القرآن" 1/ 133، 2/ 167، "الدر المصون" 2/ 402.]] [["مجاز القرآن" 2/ 167.]]
ونظير هذه الآية قوله: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ [[في (ب): (ثاقب مبين)، وهو خطأ.]] [الحجر: 18]، وذكرنا الكلام هناك مستقصى في [[قال رحمه الله هناك: والشهاب شعلة نار ساطع، ثم يسمى الكوكب شهابًا والسنان شهابا لبريقهما يشبهان النار. فقال المفسرون: إن الشهاب لا يخطئه أبدًا وإنهم ليرمون فإذا توارى عنكم فقد أخطأه.]] معنى الشهاب، ومعنى الآية.
37:11Page 446
فَٱسۡتَفۡتِهِمۡ أَهُمۡ أَشَدُّ خَلۡقًا أَم مَّنۡ خَلَقۡنَآۚ إِنَّا خَلَقۡنَٰهُم مِّن طِينٖ لَّازِبِۭ ١١
Then inquire of them, [O Muḥammad], "Are they a stronger [or more difficult] creation or those [others] We have created?" Indeed, We created them [i.e., men] from sticky clay.
قوله تعالى: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ قال ابن عباس: قل يا محمد لقومك [[انظر: "تنوير المقباس" ص 374 بهامش المصحف.]].
وقال أبو إسحاق: فسألهم [[هكذا في النسخ ولعل الصواب: فاسألهم؛ لأن عبارة أبي إسحاق: أي سلهم. "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 299.]] سؤال تقرير. ﴿أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا﴾ أي: أحكم صنعة ﴿أَمْ مَنْ خَلَقْنَا﴾ من غيرهم، يعني من الأمم السالفة، يريد أنهم ليسوا بأحكم خلقًا من غيرهم من الأمم وقد أهلكناهم بالتكذيب، فما الذي يؤمنهم من العذاب، وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء [[لم أقف عليه. وانظر: "القرطبي" 68/ 15، "زاد المسير" 7/ 49.]].
وقال مقاتل: ﴿أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا﴾ بعد الموت، وذلك أنهم كفروا بالبعث [["تفسير مقاتل" 11 أ.]]. ﴿أَمْ مَنْ خَلَقْنَا﴾ يعني السموات والأرض والجبال، وهذا قول مجاهد وسفيان [["تفسير مجاهد" ص 540، ولم أقف عليه عن سفيان.]]، والمعنى: ليس خلقهم بعد الموت بأشد من خلق السموات والأرض والجبال، وقد علموا أن الله خلق هذه الأشياء، فهو أيضًا يقدر على خلقهم بعد الموت.
وقال الكلبي: ﴿أَمْ مَنْ خَلَقْنَا﴾ يقول: أم من عندنا من الملائكة [[لم أقف عليه. وانظر: "القرطبي" 15/ 68، "زاد المسير" 7/ 49، فقد ذكرا القول بدون نسبه.]]. ومَنْ على قول مقاتل ومجاهد بمعنى: ما.
ثم ذكر خلق الإنسان فقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ﴾ قال عطاء: يريد الذي يلصق [[لم أقف عليه عن عطاء وقد روى عن ابن عباس. وانظر: "الطبري" 23/ 43، "مجمع البيان" 8/ 686.]].
وقال مجاهد عن ابن عباس: من طين لازب قال جيد [[انظر: "الطبري" 23/ 43، "المحرر الوجيز" 4/ 467، "زاد المسير" 7/ 49.]].
وقال السدي: الذي يلزق بعضه ببعض [[لم أقف عليه عن السدي وينسب للضحاك وقتادة وابن زيد. وانظر: "الطبري" 23/ 42، "القرطبي" 15/ 69.]].
وقال عكرمة: اللزوج [[انظر: "الطبري" 23/ 43، "الماوردي" 5/ 40، "القرطبي" 15/ 69.]]. وقال الكلبي: الطين الجيد اللاصق [[لم أقف عليه عن الكلبي، وانظر: المصادر السابقة.]]. وأكثر أهل اللغة على أن الباء في اللازب بدل من الميم، يقال: لازم ولازب، وهو قول أبي عبيد [[انظر: "معاني القرآن" 2/ 384، "تهذيب اللغة" 13/ 215، عن الفراء. "تاج العروس" 4/ 205.]] والفراء.
وقال الكسائي: لزِب يلزِب بالكسر ولزُب بالضم لغتان لزوبًا [[لم أقف عليه وانظر: "القرطبي" 15/ 69.]]. وعلى هذا يجوز أن يكون اللازب لغة بنفسه من غير أن تكون الباء مبدلة من الميم.
والمعنى: قال مقاتل: فالذي خلق من الطين أهون خلقًا عند هذا المكذب بالبعث من خلق السموات والأرض [["تفسير مقاتل" 110 أ.]]. وعلى القول الأول في معنى الآية: أراد الإخبار عن التسوية بينهم وبين غيرهم من الأمم، يعني أن هؤلاء خلقوا مما خلق منهم الأولون، فليسوا بأشد خلقًا منهم.
قوله تعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ الكلام في معنى بل قد تقدم عند قوله: ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ﴾ [الكهف: 48] [[انظر: "البسيط" قال: بل هنا لتؤذن بتحقيق ما سبق وتوكيد ما يأتي بعده. وقد تجيء بل في الكلام لترك ما سبق من غير إبطال له.]]، وأما عجبت ففيه قراءتان: ضم التاء وفتحها، والضم قراءة ابن عباس وابن مسعود والأعمش، وقراءة قراء الكوفة واختيار أبي عبيد، وكان شريح يقول: بل عجبتَ، ويقول إن الله لا يعجب من شيء إنما يعجب من لا يعلم. قال الأعمش: فذكرت ذلك لإبراهيم فقال: كان شريح يعجب بعلمه وكان عبد الله أعلم منه وكان يقرأ: (بل عجبتُ) [[أورده عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 148 بسنده عن الثوري عن الأعمش عن أبي وائل، والفراء في "معاني القرآن" 2/ 384.]] [[انظر حول هذه القراءة. "الحجة" 6/ 53، "علل القراءات" 2/ 574، "الطبري" 23/ 42.]].
قال أبو عبيد: والشاهد مع هذا قول الله: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ [الرعد: 5] أخبر جل جلاله أنه عجيب، ومما يزيده تصديقًا الحديث المرفوع: "لقد عجيب الله البارحة من فلان وفلادة" [[هذا جزء من حديث طويل أخرجه البخاري في "صحيحه" كتاب التفسير، باب ويؤثرون على أنفسهم 4/ 1845 رقم 4607، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: أتى رجل رسول الله -ﷺ- فقال: يا رسول الله أصابني الجهدُ، فأرسل إلى نسائه فلم يجد عندهن شيئًا، فقال رسول الله -ﷺ-: "ألا رجل يُضَيَّفه هذه الليلة". فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله، فذهب إلى أهله فقال لامرأته: ضيف رسول الله -ﷺ- لا تدَّخريه شيئًا. قالت: والله ما عندي إلا قوت الصبية. قال: فإذا أراد الصبية العشاء فنَومِّيهم وتعالى فاطفئي السراج ونطوي بطوننا الليلة ففعلت. ثم غدا الرجل على النبي -ﷺ- فقال: "لقد عجب الله -عز وجل-، أو ضحك من فلانٍ وفلانةٍ" فأنزل الله -عز وجل -: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾.]].
وقال الفراء: (العجب وإن أسند إلى الله فليس معناه من الله كمعناه من العباد، ألا ترى أنه قال: ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: 79]. وليس السُخْرِيّ من الله كمعناه من العباد) [["معاني القرآن" 2/ 384.]].
وقال أبو إسحاق: (العجب من الله خلاف العجب من الآدميين هذا كما قال: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: 30]، وقال: ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: 79]، وقال: ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: 142] ، والمكر من الله والخداع خلافه من الآدميين. وأصل العجب في اللغة أن الإنسان إذا رأى ما ينكره ويقل مثله قال عجبت من كذا وكذا، وكذلك إذا فعل الآدميون ما ينكره الله -عز وجل- جاز أن يقول: عجبت. والله -عز وجل- قد علم الشيء قبل كونه، ولكن الإنكار والعجب الذي به تلزم الحجة عند وقوع الشيء انتهى كلامه) [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 300.]].
وقد ثبت جواز إضافة العجب إلى الله، وهو على وجهين: عجيب مما يرضى وعجب مما يكره، فالعجب مما يرضى معناه في صفة الله الاستحسان وأخبر عن تمام الرضى. والعجب بما يكره الإنكار والذم له. وذهب قوم إلى أنه لا يجوز العجب في وصف الله، وقالوا في قوله: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ [الرعد: 5] أي: فعجب عندكم، وقالوا في هذه القراءة: معناها أن هذه الحالة وهي إنكارهم البعث مع وضوح الدلالة عليه وهو الإبتداء والإنشاء حلت محل الشيء الذي إذا ورد عليكم عجبتم منه، ويقول سامعها عجبت كما أن قوله: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ [مريم: 38] معناه أن هؤلاء مما [يقولون أنتم فيه هذا النحو من الكلام، وكذلك قوله: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [البقرة: 175]. عند من لم يجعل اللفظ على الاستفهام، وعلى هذا النحو قوله: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: 44] [[ما بين المعقوفين يبدو أنه كلام لا علاقة له بالسياق فلعله وهمٌ من النساخ.]].
قالوا: ولا يجوز العجب في وصف القديم [[وصف الله جل وعلا بالقديم مما أدخله المتكلمون في أسماء الله تعالى وليس من أسمائه الحسنى، لأن القديم في لغة العرب هو المتقدم على غيره، وقد جاء الشرع المطهر باسمه الأول، وهو أحسن من القديم، لأنه يشعر أن ما بعده آيل إليه.
انظر: "شرح العقيدة الطحاوية" 1/ 77.]] كما يكون في وصف الإنسان؛ لأن العجب منا إنما يكون إذا شاهدنا ما لم نشاهد مثله ولم نعرف سببه، وهذا منتف عن القديم سبحانه وتعالى، وهذا مذهب المعتزلة. ومذهب أهل السنة أن العجب قد ورد مضافًا إلى الله في كثير من الأخبار كما روى: "عجب ربكم من إلِّكُم وقنوطكم، وعجب ربكم من شاب ليست له صبوة" [[أخرج ابن الأثير في "النهاية في غريب الحديث" 1/ 61 أول الحديث وفي 3/ 11 آخر الحديث "وعجب ربكم من شاب ليست له صبوة". والزمخشري في "الفائق" 1/ 52، أول الحديث: "عجب ربكم من إلكم وقنوطكم". وابن الجوزي في "غريب الحديث" 1/ 36 أول الحديث، وإلّكم من الإِلّ، قال ابن الأثير في "النهاية" 1/ 61: الإِلُّ: شدة القنوط، ويجوز أن يكون رفع الصوت بالبكاء.
وقال الزمخثمري في "الفائق" 1/ 52: الإِل والألل والأليِّل رفع الصوت بالبكاء. والمعنى أن إفراطكم في الجؤار والنحيب فعل القانطين من رحمة الله مستغرب مع ما ترون من آثار الرأفة عليكم.]] ومعناه ما ذكرنا. والعجب الذي ذكروا أنه لا يجوز في وصف الله لا نجوزه نحن، ولكن من حيث اللفظ قد ورد العجب في وصفه، وتأويله ما ذكرنا [[تأويل المؤلف لصفة العجب الذي يشير إليه بقوله ما ذكرنا لم أقف عليه. والذي يظهر لي والله أعلم أن المؤلف رحمه الله قد اضطرب في فهم هذه الصفة أو في إثباتها، فمذهب الأشاعرة هو تأويل هذه الصفة. أما أهل السنة والجماعة فإنهم يثبتون لله جل وعلا ما أثبته لنفسه وما أثبته له نبيه -ﷺ- من الصفات من غير تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه ولا تعطيل. انظر: "شرح العقيدة الطحاوية" 1/ 60.]].
وأما معنى الآية والمفسرون على فتح التاء وذكروا فيه قولين، أحدهما: عجبت يا محمد من القرآن حين أوحي إليك ﴿وَيَسْخَرُونَ﴾، يعني كفار مكة سخروا من النبي حين سمعوا منه القرآن، هذا قول مقاتل [["تفسير مقاتل" 110 أ.]].
وقال قتادة [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 148، "الطبري" 23/ 44، "معاني النحاس" 6/ 15.]]: عجب نبي الله من هذا القرآن حين أنزل عليه وضلال بني آدم، والمعنى أنه -ﷺ- كان يظن أن كل من يسمع منه القرآن يؤمن به، فلما سمع المشركون القرآن فسخروا منه وتركوا الإيمان به عجب محمد -ﷺ- من ذلك، فقال الله تعالى عجبت يا محمد من نزول الوحي وتركهم الإيمان وهو معنى قوله: ﴿وَيَسْخَرُونَ﴾، لأن سخرتهم من ترك الإيمان به.
والقول الثاني: عجبت من إنكارهم البعث وهم يسخرون منك ويستهزئون من تعجبك، وهذا قول الكلبي [[انظر: "زاد المسير" 7/ 49.]] ومعنى قول ابن عباس [[لم أقف عليه عن ابن عباس. وانظر: "القرطبي" 15/ 69، "زاد المسير" 7/ 49.]] في رواية عطاء، وذكر أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 300.]] القولين جميعاً.
وعلى القول الأول: العجب من نزول الوحي وسخرتهم بالنبي -ﷺ- والقرآن. والواو في: ﴿وَيَسْخَرُونَ﴾ واو الحال، والتقدير: بل عجبت وهم يسخرون أن وقع العجب منك في هذه الحال منهم.
وعلى القول الثاني: العجب من إنكارهم البعث والواو في: ﴿وَيَسْخَرُونَ﴾ واو الاستئناف.
وأما معنى الآية على قراءة من قرأ بالضم فقد ذكرنا فيه قولين، فمن أجاز إضافة العجب إلى الله على معنى الإنكار، كان تأويل الآية أن الله تعالى ذكر إنكاره عليهم ما هم فيه من الكفر والتكذيب، وسخطه عليهم وهم يسخرون ويستهزئون ولا يتفكرون. وعلى قول من لم يضف العجب إلى الله معنى الآية كمعناها في قراءة من قرأ بالفتح [[انظر: "الحجة" 6/ 53، "القراءات وعلل النحويين فيها" 2/ 574.]].
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ (13) وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ أي: إذا وعظوا بالقرآن لا يتعظون به، ﴿وَإِذَا رَأَوْا آيَةً﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يعني انشقاق القمر بمكة [[انظر: "بحر العلوم" 3/ 112، "البغوي" 4/ 24، "تفسير مقاتل" 110 أ.]] ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾، قال أبو عبيدة [["مجاز القرآن" 2/ 167.]]: يستسخرون ويسخرون سواء، وهو قول المفسرين، قالوا كلهم: يسخرون ويستهزئون ويقولون: هذا عمل السحرة وهو قوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾، وقال ابن قتيبة: (يقال سخر واستسخر كما يقال قرَّ واستقر، وعجب واستعجب، وأنشد قول أوس:
ومستعجبٍ مما يرى من أناتنا [[عجز بيت وصدره:
ولو زبنته العرب لم يترمرم
وهو من الطويل لأوس بن حجر في "ديوانه" ص 121، "تفسير غريب القرآن" ص 370، "اللسان" 2/ 69 - 15/ 147، "الكامل" 2/ 1143.]]
قال: ويجوز أن يكون يسألون غيرهم من المشركين أن يسخروا من النبي -ﷺ-، كما تقول استعتبته أي سألته العتبى واستوهبته) [["تفسير غريب القرآن" ص370.]] ونحو ذلك.
وقال أبو إسحاق في قوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أي جعلوا ما يدل على التوحيد مما يعجزون عنه سحرًا) [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 300.]].
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
37:15Page 446
وَقَالُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٌ ١٥
And say, "This is not but obvious magic.
No commentary for this ayah
37:16Page 446
أَءِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابٗا وَعِظَٰمًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ ١٦
When we have died and become dust and bones, are we indeed to be resurrected?
قوله تعالى: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا﴾ [[قوله: (وكنا ترابا) غير مثبت في (أ).]] الآية. الكلام في نظير هذه الآية قد تقدم في سورة الرعد [[عند قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ الآية 5.]]، ثم في سورة النمل [[عند قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾ الآية: 67.]]، والعنكبوت [[عند قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (19) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ الآيتان 19 - 20.]]. قال أبو إسحاق المعنى: أنبعث إذا كنا ترابًا وعظامًا [["معاني القرآن وإعرابه" 4/ 300.]]، وهذا استفهام إنكار وتعجب.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences