Al-Wahidi (al-Basit)Al‑Mumtahanah · 60:1–10

Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic

الممتحنة

Al-Mumtahanah

She that is to be examined · Medinan · 13 ayahs

60:1Page 549

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمۡ أَوۡلِيَآءَ تُلۡقُونَ إِلَيۡهِم بِٱلۡمَوَدَّةِ وَقَدۡ كَفَرُواْ بِمَا جَآءَكُم مِّنَ ٱلۡحَقِّ يُخۡرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِيَّاكُمۡ أَن تُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ رَبِّكُمۡ إِن كُنتُمۡ خَرَجۡتُمۡ جِهَٰدٗا فِي سَبِيلِي وَٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِيۚ تُسِرُّونَ إِلَيۡهِم بِٱلۡمَوَدَّةِ وَأَنَا۠ أَعۡلَمُ بِمَآ أَخۡفَيۡتُمۡ وَمَآ أَعۡلَنتُمۡۚ وَمَن يَفۡعَلۡهُ مِنكُمۡ فَقَدۡ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ ١

O you who have believed, do not take My enemies and your enemies as allies,1 extending to them affection while they have disbelieved in what came to you of the truth, having driven out the Prophet and yourselves [only] because you believe in Allāh, your Lord. If you have come out for jihād [i.e., fighting or striving] in My cause and seeking means to My approval, [take them not as friends]. You confide to them affection [i.e., instruction], but I am most knowing of what you have concealed and what you have declared. And whoever does it among you has certainly strayed from the soundness of the way.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ قال جماعة أهل التفسير: نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب إلى مشركي قريش يخبرهم بمسير النبي -ﷺ- إليهم لما قصد فتح مكة، فأنزل الله ينهاه عن موالاة الكفار [[أخرجه عامة المفسرين وأصحاب كتب السنة. انظر: "تفسير مقاتل" 150 ب، و"تفسير عبد الرزاق" 2/ 286، و"جامع البيان" 28/ 38، و"أسباب النزول" للواحدي ص 485، و"فتح الباري" 8/ 633 - 634، "صحيح مسلم"، فضائل الصحابة، "سنن الترمذي"، كتاب التفسير، و"الدر" 6/ 302]].

قوله تعالى: ﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ قال صاحب النظم: هو وصف للنكرة التي هي أولياء [[انظر: "مشكل إعراب القرآن" 2/ 728، و"التفسير الكبير" 29/ 297.]] -وهو قول الفراء. قال: وهو كقولك: لا تتخذنه رجلاً تلقي إليه كل ما عندك- [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 149.]] قال: ويجوز أن تجعله ابتدأ كلام فلا يكون صلة لأولياء [[انظر: "الكشاف" 4/ 86، و"التفسير الكبير" 29/ 297.]].

قال الفراء، وأبو عبيدة، والكسائي: الباء في ﴿بِالْمَوَدَّةِ﴾ زيادة كهي في قوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾ [[من الآية (25) من سورة الحج. وانظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 147، و"تهذيب اللغة" 4/ 422 (لحد) ونسبه لبعض أهل اللغة.]] وأنشد أبو عبيدة قوله:

هُنَّ الحرائرُ لا رَبَّاتُ أَخْمِرَةٍ ... سُودُ المحاجِر لا يقرَأْنَ بالسَّوَرِ [[والحرائر: جمع حرة، والربات: رَبّة بمعنى الصاحبة. والأحمرة: جمع حمار، وروى: أخمرة. وسود المحاجر: الإماء السود، والمحاجر: جمع محجر وهو من الوجه حيث يقع عليه النقاب. ولم أجد البيت عند أبي عبيدة. وفي اللسان (لحد) نسبه لحميد الأرقط. وهو في "ديوان الراعي" ص 110 وانظر: "مجالس ثعلب" ص 365، و"جمهرة اللغة" 3/ 414، ونسبه للقتال الكلابي، وهو في "ديوانه" ص 53، وفي "معجم البلدان" 4/ 237، ونسبه للقتال.]]

قال: الباء فصل، والمعنى: لا يقرأن السور.

وقال الكسائي: يقال: رميت إليه بما في قلبي، وما في نفسي وألقيت إليك ما في نفسي وبما في نفسي كلام عربي [[انظر: "إيضاح الشعر" للفارسي ص 481، و"اللسان" 3/ 42 (قرأ).]].

وقال أبو إسحاق: المعنى يلقون إليهم أخبار النبي -ﷺ- وسره بالمودة التي بينكم وبينهم، ودليل هذا القول قوله: ﴿تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 155.]].

قوله تعالى: ﴿وَقَدْ كَفَرُوا﴾ الواو [[في (ك): (والواو).]] للحال ، لأن المعنى: وحالهم أنهم كفروا [[انظر: "الكشاف" 4/ 86.]].

﴿بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ قال مقاتل: يعني القرآن [[انظر: "تفسير مقاتل" 151 أ.]].

﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾ يعني من مكة ﴿أَنْ تُؤْمِنُوا﴾ أي لأن تؤمنوا [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 149، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 412.]] كأنه قال: يفعلون ذلك لإيمانكم بالله ربكم.

قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ﴾ قال الزجاج: هو شرط جوابه متقدم، وهو قوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾. [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 156.]]

قوله: ﴿جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي﴾ منصوبان لأنهما مفعولان لهما [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 412، و"مشكل إعراب القرآن" 2/ 728.]].

وقوله: ﴿تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ قال مقاتل: بالنصيحة [[انظر: "تفسير مقاتل" 151 أ، و"التفسير الكبير" 29/ 298.]]. والكلام في الباء هاهنا كما ذكرنا [[انظر: "تفسير غريب القرآن" ص 461.]].

ثم ذكر أنه لا يخفى عليه من أحوالهم شيء، فقال: ﴿وَأَنَا أَعْلَمُ﴾ أي: من كل أحد ﴿بِمَا أَخْفَيْتُمْ﴾ من المودة للكفار ﴿وَمَا أَعْلَنْتُمْ﴾ أي أظهرتم بألسنتكم منها، ويجوز أن يكون عاماً في كل ما يخفى ويعلن.

﴿وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ﴾ يجوز رجوع الكناية إلى الإسرار وإلى الإلقاء، وإلى اتخاذ الكفار أولياء، لأن هذه الأفعال قد ذكرت وهي تدل على المصادر [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 412، و"الكشاف" 4/ 86، و"زاد المسير" 8/ 233، و"التفسير الكبير" 29/ 298.]].

وقوله تعالى: ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ قال ابن عباس: قصد الإيمان [[لم أجده بهذا اللفظ، وانظر: "تنوير المقباس" 6/ 51.]]. وقال مقاتل: فقد أخطأ قصد الطريق [[انظر: "تفسير مقاتل" 151 أ.]].

60:2Page 549

إِن يَثۡقَفُوكُمۡ يَكُونُواْ لَكُمۡ أَعۡدَآءٗ وَيَبۡسُطُوٓاْ إِلَيۡكُمۡ أَيۡدِيَهُمۡ وَأَلۡسِنَتَهُم بِٱلسُّوٓءِ وَوَدُّواْ لَوۡ تَكۡفُرُونَ ٢

If they gain dominance over you, they would be [i.e., behave] to you as enemies and extend against you their hands and their tongues with evil, and they wish you would disbelieve.

ثم أخبر المؤمنين بعداوة كفار مكة إياهم فقال: ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ﴾ قال ابن عباس: إن يظفروا بكم [[انظر: "التفسير الكبير" 29/ 299، و"معالم التنزيل" 4/ 330، ولم ينسبه لقائل.]].

وقال مقاتل: إن يظهروا عليكم [[انظر: "تفسير مقاتل" 151 أ، و"الكشف والبيان" 13/ 106 ب، و"التفسير الكبير" 29/ 299.]]، والمعنى إن يصادفوكم ويلقوكم ﴿يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ بالضرب [[وقال غيره بالقتل والضرب. ولعله الأقرب إلى معني الآية. انظر: "جامع البيان" 28/ 40، و"الكشف والبيان" 13/ 106 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 330.]] ﴿وَأَلْسِنَتَهُمْ﴾ بالشتم ﴿وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ كما كفروا وأن [[في (ك): (واس).]] ترجعوا إلى دينهم. والمعنى: أن أعداء الله لا يخلصون المودة لأولياء الله لما بينهم من الخلاف الذي يوجب المباينة [[في (ك): (السلفة).]] فلا ينفعكم التقرب إليهم بنقل أخبار النبي -ﷺ-.

60:3Page 549

لَن تَنفَعَكُمۡ أَرۡحَامُكُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُكُمۡۚ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَفۡصِلُ بَيۡنَكُمۡۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ٣

Never will your relatives or your children benefit you; the Day of Resurrection He will judge between you. And Allāh, of what you do, is Seeing.

قوله: ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ﴾ لما عوتب حاطب على ما فعل اعتقد بأن له أرحاماً وأولاداً فيما بينهم وليس له [[في (ك): (وأن له).]] هناك من يمنع عشيرته، فأراد أن يتخذ عندهم يداً ليحسنوا إلى من خلفهم بمكة من عشيرته، فقال الله تعالى: ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم﴾ [[انظر: "التفسير الكبير" 29/ 299.]] التي بمكة، أعلم الله أن أهلهم وأولادهم لا ينفعونهم شيئاً، والمعنى على هذا (ذوو أرحامكم) يعني القرابات.

قال المفسرون: يقول لا يدعونكم قراباتكم وأولادكم التي بمكة إلى خيانة رسول الله -ﷺ- والمؤمنين فلن ينفعكم أولئك الذين عصيتم الله لأجلهم ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ﴾ الله ﴿بَيْنَكُمْ﴾ فيدخل أهل طاعته والإيمان به الجنة، وأهل معصيته والكفر به النار.

وقوله: ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ يجوز أن يكون ظرفاً لقوله: ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ﴾ ويجوز أن يكون ظرفاً ليفصل في قوله: ﴿يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 412 - 413، و"مشكل إعراب القرآن" 2/ 728]] أي الله تعالى. ودل على اسم الله قوله: ﴿وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ﴾، وهذه قراءة عاصم. وقرأ ابن كثير (يُفصَل) بضم الياء وفتح الصاد مخففة، والمعنى راجع إلى الله تعالى، لأنه وإن لم يسم فاعله معروف أنه يفصل، وهو خير الفاصلين، كما أن قوله: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: 37] معناه: خلق الله الإنسان وقرئ [[في (ك): (وقرئ من) والصواب: وقرئ (يُفَصّل).]] من التفصيل بالوجهين اللذين ذكرناهما في الفصل وهو يقتضي تكثير هذا الفعل [[قرأ عاصم، ويعقوب (يَفْصِلُ) بفتح الياء وكسر الصاد مخففة مع إسكان الفاء. وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وأبو جعفر (يُفْصَلُ) بضم الياء وفتح الصاد مع إسكان الفاء وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف (يُفَصَّلُ) بضم الياء وفتح الفاء وكسر الصاد وتشديدها. وقرأ ابن عامر (يُفَصَّلُ) بضم الياء وفتح الصاد مع التشديد. انظر: "حجة القراءات" ص 706، و"الحجة للقراء السبعة" 6/ 285 - 286، "النشر" 2/ 387، "الإتحاف" ص 414.]].

قوله: ﴿بَيْنَكُمْ﴾ ظرف على معنى الذي بينكم كقوله: {لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ} [الأنعام: 54] في قراءة من نصب، ومن لم يسند الفعل إلى الله وقرأه على غير تسمية الفاعل فقوله: ﴿بَيْنَكُمْ﴾ يجوز أن يكون ظرفاً كما ذكرنا.

قال أبو علي: وكان أبو الحسن يذهب في هذا النحو إلى أن الظرف أقيم مقام الفاعل، وترك على الفتح الذي كان يجري عليه في الكلام يجريه في أكثر الكلام منصوباً، فاللفظ على هذا القول مفتوح، والموضع رفع كما كان اللفظ في قوله: ﴿كَفَى بِاللَّهِ﴾ [العنكبوت: 52] وما جائني من رجل، مجرورًا، والموضع موضع رفع [[انظر: "لحجة للقراء السبعة" 6/ 285.]].

قال ابن عباس في هذه الآية: لا يجمع بين كافر ومؤمن [[انظر: "تنوير المقباس" 6/ 51، ولفظه (يفرق بينكم وبين المؤمنين يوم القيامة).]].

﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ يعني بما عمل حاطب من مكاتبة أهل مكة، (بصير) حين أخبر نبيه -ﷺ- بذلك [[رواه عبد بن حميد، عن مجاهد. "الدر" 6/ 205.]].

60:4Page 549

قَدۡ كَانَتۡ لَكُمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ فِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ إِذۡ قَالُواْ لِقَوۡمِهِمۡ إِنَّا بُرَءَٰٓؤُاْ مِنكُمۡ وَمِمَّا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ كَفَرۡنَا بِكُمۡ وَبَدَا بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةُ وَٱلۡبَغۡضَآءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ وَحۡدَهُۥٓ إِلَّا قَوۡلَ إِبۡرَٰهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسۡتَغۡفِرَنَّ لَكَ وَمَآ أَمۡلِكُ لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖۖ رَّبَّنَا عَلَيۡكَ تَوَكَّلۡنَا وَإِلَيۡكَ أَنَبۡنَا وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ ٤

There has already been for you an excellent pattern1 in Abraham and those with him, when they said to their people, "Indeed, we are disassociated from you and from whatever you worship other than Allāh. We have denied you, and there has appeared between us and you animosity and hatred forever until you believe in Allāh alone" - except for the saying of Abraham to his father, "I will surely ask forgiveness for you, but I have not [power to do] for you anything against Allāh. Our Lord, upon You we have relied, and to You we have returned, and to You is the destination.

ثم ضرب لهم إبراهيم -صلى الله عليه- مثلاً حين تبرأ من قومه ونابذهم وباغضهم وهو قوله: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ والأسوة: ما يؤتسى [[في (ك): (يأتس).]] به مثل القدوة، والقدوة لما يقتدى به. ويقال: ائتسِ به، أي: اقتد به، وكن مثله. ويقال هو أسوتك، أي: أنت مثله وهو مثلك، وتجمع الأسوة والإسوة أسي. فالأسوة اسم لكل ما يقتدى به. ومن يقتدى به أسوة أيضًا. يقال: فلان أسوة في هذا الأمر. وقدوة: أي يؤتسى [[انظر: "تهذيب اللغة" 13/ 139 (أسى)، و"اللسان" 1/ 63 (أسا)، و"المفردات" ص 18 (أسا).]] ويقتدى به ولك به أسوة. أي: ائتساء، وفي فلان أسوة، أي: يتأسى به [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 149.]].

قال المفسرون: أعلم الله عز وجل أن إبراهيم وأصحابه تبرأوا من قومهم وعادوهم وقالوا لهم ﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ﴾ وأمر أصحاب رسول الله -ﷺ- أن يتأسوا بهم وبقولهم. قال الفراء: يقول أفلا تأسيت يا حاطب بإبراهيم فتتبرأ من أهلك كما برئ إبراهيم -ﷺ- [[أخرجه ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم، وصححه من طريق سعيد بن جبير. "الدر" 6/ 205.]].

قوله تعالى: ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ قال ابن عباس: كان لهم أسوة حسنة في صنع إبراهيم كله إلا في استغفاره لأبيه وهو مشرك [[أخرجه ابن جرير، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والحاكم، وصححه عن ابن عباس. انظر: "جامع البيان" 28/ 41، و"الدر" 6/ 205، و"تفسير مجاهد" 2/ 667.]].

وقال مجاهد: نهوا أن يتأسوا باستغفار إبراهيم لأبيه فيستغفروا للمشركين. وقال قتادة: يقول ائتسوا بأمره [[في (ك): (يإبراهيم).]] كله إلا في استغفاره لأبيه فلا تأتسوا به في ذلك، لأنه كان عن موعدة منه، فلما تبين له إقامته على الكفر تبرأ منه [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 287، و"جامع البيان" 28/ 41، و"تفسير غريب القرآن" ص 461، و"البحر المحيط" 1/ 254، ونسبه لقتادة، ومجاهد، وعطاء الخراساني.]].

وقال مقاتل: يقول الله: تبرأوا من كفار قومكم، فإن لكم أسوة حسنة في إبراهيم ومن معه من المؤمنين في البراءة من قومهم المشركين، وليس لكم أسوة في إبراهيم في الاستغفار لأبيه فتقتدوا به في الاستغفار للمشركين [[في (ك): (استغفار المشركين).]] [[انظر: "تفسير مقاتل" 157 ب.]]، هذا الذي ذكرنا هو قول جماعة المفسرين.

وقال ابن قتيبة: يريد أن إبراهيم عاداهم وهجرهم في كل شيء إلا في قوله لأبيه لأستغفرن له [[انظر: "تأويل المشكل" ص 277.]]، قال ابن الأنباري: ليس الأمر على ما ذكره، بل المعنى: قد كان لكم أسوة حسنة في كل شيء فعله إبراهيم إلا في قوله لأبيه ﴿لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ فإن هذا مما لا يجب أن تتأسوا به فيه [[انظر: "التفسير الكبير" 29/ 300.]].

قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ هذا من قول إبراهيم لأبيه، يقول: ما أغني عنك شيئًا وما أدفع عنك عذاب الله إن أشركت به وعصيته، فوعده [[في (ك): (بوعده).]] الاستغفار رجاء إسلامه، وأن ينقله الله بالاستغفار من الكفر إلى الإيمان ، وذكر أنه لا يغني عنه شيئًا سوى أن يستغفر له على رجاء أن يسلم. وهذه القصة مشروحة في آخر سورة براءة [[عند تفسيره الآية (114) من سورة براءة.]].

60:5Page 549

رَبَّنَا لَا تَجۡعَلۡنَا فِتۡنَةٗ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ وَٱغۡفِرۡ لَنَا رَبَّنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٥

Our Lord, make us not [objects of] torment for the disbelievers and forgive us, our Lord. Indeed, it is You who is the Exalted in Might, the Wise."

قال ابن عباس: وكان من دعاء إبراهيم وأصحابه قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (4) رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [[انظر: "التفسير الكبير" 29/ 301.]] قال مجاهد: لا تعذبنا بأيديهم، ولا بعذاب من عندك فيقولوا [[(ك): (فيقولون).]]: لو كان هؤلاء على الحق ما أصابهم هذا [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 667، و"جامع البيان" 28/ 42، و"الدر" 6/ 205.]].

قال أبو إسحاق: معناه لا تظهرهم علينا فيظنوا أنهم على حق فيفتتنوا بذلك [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 157، وهو قول قتادة كما ذكره الطبري في جامعه 28/ 42.]].

وقال الفراء: يقول لا تظهر علينا الكفار فيروا أنهم على حق وإنا على باطل [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 150.]].

وقال مقاتل: لا تقتر علينا الرزق وتبسط لهم فيكون ذلك فتنة لهم [[انظر: "تفسير مقاتل" 151 ب، ولفظه: (لا تقتر علينا بالرزق وتبسط لهم في الرزق فيحتاج إليهم فيكون ذلك فتنة لنا).]]. ونحو هذا قال الكلبي في أحد قوليه، وقال الذي القول الثاني: الذين كفروا أهل مكة أي لا تذللنا لمشركين ولا تسلطهم علينا يفتنوننا عن ديننا ويعذبوننا. وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء [[انظر: "تنوير المقباس" 6/ 52، و"التفسير الكبير" 29/ 302، وصدر هذه الأقوال بقيل دون نسبة لقائل.]]، وعلى هذا ليست الآية من قول إبراهيم وأصحابه، وكأنه قيل لأصحاب النبي -ﷺ- قوله: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فأضمر القول.

60:6Page 550

لَقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِيهِمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَۚ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ ٦

There has certainly been for you in them an excellent pattern for anyone whose hope is in Allāh and the Last Day. And whoever turns away - then indeed, Allāh is the Free of need, the Praiseworthy.

ثم أعاد ذكر الأسوة تأكيدًا للكلام فقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ﴾ أي في إبراهيم والذين معه من المؤمنين ﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ قال ابن عباس: كانوا يبغضون من خالف الله ويبغضون أعمالهم ويحبون من أحب الله [[انظر: "التفسير الكبير" 29/ 302.]].

قوله تعالى: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ بدل من قوله: ﴿لَكُمْ﴾ [[انظر: "الكشاف" 4/ 87.]]، وبيانه أن هذه الأسوة لمن يخاف الله ويخاف عقاب الآخرة ، ويخشى اليوم الذي [[قوله (الذي) قلادة يقتضيها السياق.]] فيه جزاء الأعمال ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ﴾ أي: يعرض عن الائتساء بهم ويميل إلى موالاة الكفار ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ عن خلقه ﴿الْحَمِيدُ﴾ إلى أوليائه وأهل طاعته.

60:7Page 550

۞ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَجۡعَلَ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَ ٱلَّذِينَ عَادَيۡتُم مِّنۡهُم مَّوَدَّةٗۚ وَٱللَّهُ قَدِيرٞۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٧

Perhaps Allāh will put, between you and those to whom you have been enemies among them, affection. And Allāh is competent,1 and Allāh is Forgiving and Merciful.

قال مقاتل: فلما أمر الله المؤمنين بعداوة الكفار والبراءة منهم، عادوا أقرباءهم وأرحامهم، وأظهروا لهم العداوة، وعلم الله شدة وجد المؤمنين في ذلك فأنزل قوله: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً﴾ أي من كفار مكة مودة، وفعل ذلك بأن أسلم كثير منهم وخالطوا المسلمين وناكحوهم وتزوج رسول الله -ﷺ- أم حبيبة بنت أبي سفيان فلان لهم أبو سفيان [[انظر: "تفسير مقاتل" 151 ب، "الكشف والبيان" 13/ 107 ب، و"التفسير الكبير" 29/ 302.]].

وقال ابن عباس في قوله: ﴿وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً﴾ يريد نفرًا من قريش آمنوا بعد فتح مكة منهم أبو سفيان بن حرب، وأبو سفيان بن الحارث [[أبو سفيان بن الحارث، كان أخا رسول الله -ﷺ- من الرضاعة، وكان يحب الرسول -ﷺ- قبل البعثة، ثم انقلبت محبته إلى عداوة، وكان شاعراً يهجو الرسول وأصحابه أسلم عام الفتح وأبلى في حنين -رضي الله عنه- مات سنة (20 هـ) وقيل: بعد استخلاف عمر بسنة وسبعة أشهر. انظر: "صفة الصفوة" 1/ 519: و"سير أعلام النبلاء" 1/ 202.]]، والحارث بن هشام [[الحارث بن هشام، أخو أبي جهل، شهد بدرًا مع المشركين فانهزم، وأسلم يوم فتح مكة، وخرج في زمن عمر إلى الشام، ولم يزل مجاهدًا حتى مات في طاعون عمواس سنة ثمان عشرة. انظر: "المعارف" 282، و"سير أعلام النبلاء" 4/ 419، و"الإصابة" 1/ 293، و"الاستيعاب" 1/ 307، و"تهذيب ابن عساكر" 4/ 8.]]، وسهيل بن عمرو [[سهيل بن عمرو، أسلم بالجعرانة، بعد غزوة حنين، وخرج إلى الشام في خلافة عمر فمات بها في طاعون عمواس، وهو نائب قريش في صلح الحديبية مع رسول الله -ﷺ- انظر: "المعارف" ص 284، و"سير أعلام النبلاء" 1/ 192، و"أسد الغابة" 2/ 371، و"الإصابة" 2/ 93، و"الأعلام" 3/ 144.]]، وحكيم بن حزام.

﴿وَاللَّهُ قَدِيرٌ﴾ على جعل المودة ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ بهم إذا تأبوا وأسلموا ورجعوا.

60:8Page 550

لَّا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَلَمۡ يُخۡرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ أَن تَبَرُّوهُمۡ وَتُقۡسِطُوٓاْ إِلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ ٨

Allāh does not forbid you from those who do not fight you because of religion and do not expel you from your homes - from being righteous toward them and acting justly toward them. Indeed, Allāh loves those who act justly.

قوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ اختلفوا في المراد بقوله: ﴿الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ فالأكثرون على أنهم أهل العهد الذين عاهدوا رسول الله -ﷺ- على ترك القتال والمظاهرة في العداوة وهم خزاعة. وكانوا عاقدوا النبي -ﷺ- أن لا يقاتلوه ولا يخرجوه، فأمر النبي -ﷺ- بالبر والوفاء لهم إلى مدة أجلهم. وهذا قول المقاتلين [[انظر: "التفسير الكبير" 29/ 303، ولم ينسبه لقائل، وانظر: "تفسير مقاتل" 152 أ، الإيضاح لناسخ القرآن لمكي: 432، ونسبه للحسن، و"الكشف والبيان" 13/ 108 أ، ونسبه لابن عباس، وكذا البغوي في تفسيره 4/ 331، و"التفسير الكبير" 29/ 304، ونسبه لابن عباس، والمقاتلين، والكلبي.]].

وروى مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير [[هو مصعب بن ثابت عبد الله بن الزبير. روى عن أبيه، وعطاء، وطائفة، ضعفه ابن معين. وقال ابن حجر: كان لين الحديث عابدًا، توفي سنة (157 هـ). انظر: == "تهذيب التهذيب" 10/ 158، "الجرح والتعديل" 8/ 304، و"شذرات الذهب" 1/ 243، "سير أعلام النبلاء" 7/ 29، "تقريب التهذيب" 2/ 250.]] عن أبيه أنه قال: قدمت قتيلة بنت عبد العزى [[هي قتيلة بنت عبد العزى، كانت امرأة لأبي بكر -رضي الله عنه- فطلقها في الجاهلية. انظر: "البحر المحيط" 8/ 255.]] [[في (ك): (قدمت قتيلة بنت أسماء).]] على ابنتها أسماء بنت أبي بكر -رضي الله عنها- على ابنتها أسماء بهدايا وهي كافرة فأبت أسماء أن تقبل منها وتدخلها منزلها، وأرسلت إلى عائشة لتسأل لها رسول الله -ﷺ- أن تقبل هداياها وتدخلها منزلها فأنزل الله هذه الآية [[أخرجه الحاكم في "المستدرك" 2/ 485، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وفي "مجمع الزوائد" 7/ 123، من رواية أحمد، والطبراني، والبزار. وقال: وفيه مصعب بن ثابت، وثقه ابن حبان، وضعفه جماعة، وبقية رجاله رجال الصحيح. وفي "تخريجات الكشاف" ص 168، قال ابن حجر: (وحديث أسماء في الصحيحين عن عروة بغير هذا السياق). وانظر: "أسباب النزول" للواحدي ص 488، و"الدر" 6/ 205.]]، وعلى هذا القول المراد بقوله: ﴿الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ﴾ النساء والصبيان.

وقال ابن عباس: يريد قومًا من بني هاشم منهم العباس أخرجوا يوم بدر كرهًا، وهذا قول مرة، وعطية [[انظر: "الكشف والبيان" 13/ 108 أ، و"زاد المسير" 8/ 237، و"روح المعاني" 28/ 75.]].

قوله تعالى: ﴿أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ قال أبو إسحاق: أن في موضع خفض بدل من الذين، المعنى لا ينهاكم الله عن أن تبروا الذين لم يقاتلوكم في الدين. وهذا يدل على أن المراد لا ينهاكم الله عن بر الذين لم يقاتلوكم [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 157]].

قال أهل التأويل: وهذه الآية تدل على أن [[في (ك): (على أن) والصواب حذفها.]] جواز البر بين المسلمين والمشركين، وإن كانت المودة منقطعة فإن الله تعالى أباح ذلك في هذه الآية [[والآية محكمة في قول مجاهد، والحسن، وهو المعتمد عند ابن جرير، وغيره. انظر: "جامع البيان" 28/ 43، "الإيضاح لناسخ القرآن لمكي" ص 431، نواسخ القرآن لابن الجوزي: 239، وقال النحاس: (وليس لقول من قال إنها منسوخة معنى، لأن البر في اللغة إنما هو لين الكلام والمواساة وليس هذا محظورًا أن ينقله أحد بكافر ...). "إعراب القرآن" 3/ 416.]].

قوله تعالى: ﴿وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ قال ابن عباس: يريد بالصلة وغير ذلك [[انظر: "تنوير المقباس" 6/ 54، و"التفسير الكبير" 29/ 304.]] ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ يريد أهل البر والتواصل.

وقال المقاتلان: أن توفوا لهم بعهدهم وتعدلوا [[انظر: "تفسير مقاتل" 152 أ، و"التفسير الكبير" 29/ 204.]].

قال أبو إسحاق: أي وتعدلوا فيما بينكم وبينهم من الوفاء بالعهد [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 158.]].

وقال المبرد: يقال: أقسطت إلى الرجل إذا عاملته بالعدل.

وقال مجاهد: هذه الآية نزلت في الذين آمنوا بمكة ولم يهاجروا [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 668، و"جامع البيان" 28/ 43، و"الدر" 6/ 305.]] وهذا قول الربيع في الآية.

60:9Page 550

إِنَّمَا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ قَٰتَلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَأَخۡرَجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ وَظَٰهَرُواْ عَلَىٰٓ إِخۡرَاجِكُمۡ أَن تَوَلَّوۡهُمۡۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٩

Allāh only forbids you from those who fight you because of religion and expel you from your homes and aid in your expulsion - [forbids] that you make allies1 of them. And whoever makes allies of them, then it is those who are the wrongdoers.

ثم ذكر من الذين ينهاهم عن صلتهم فقال قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ إلا قوله: ﴿أَنْ تَوَلَّوْهُمْ﴾ أن في موضع خفض على البدل كما ذكرنا في الآية الأولى [[انظر: "مشكل إعراب القرآن" 2/ 729.]]، والمعنى: إنما ينهاكم الله عن أن تتولوا هؤلاء الذين قاتلوكم. قال أبو إسحاق: أي أن مكاتبتهم بإظهار ما أسره النبي -ﷺ- موالاة [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 158.]].

60:10Page 550

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا جَآءَكُمُ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ مُهَٰجِرَٰتٖ فَٱمۡتَحِنُوهُنَّۖ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِإِيمَٰنِهِنَّۖ فَإِنۡ عَلِمۡتُمُوهُنَّ مُؤۡمِنَٰتٖ فَلَا تَرۡجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلۡكُفَّارِۖ لَا هُنَّ حِلّٞ لَّهُمۡ وَلَا هُمۡ يَحِلُّونَ لَهُنَّۖ وَءَاتُوهُم مَّآ أَنفَقُواْۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَآ ءَاتَيۡتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّۚ وَلَا تُمۡسِكُواْ بِعِصَمِ ٱلۡكَوَافِرِ وَسۡـَٔلُواْ مَآ أَنفَقۡتُمۡ وَلۡيَسۡـَٔلُواْ مَآ أَنفَقُواْۚ ذَٰلِكُمۡ حُكۡمُ ٱللَّهِ يَحۡكُمُ بَيۡنَكُمۡۖ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ١٠

O you who have believed, when the believing women come to you as emigrants, examine [i.e., test] them. Allāh is most knowing as to their faith. And if you know them to be believers, then do not return them to the disbelievers; they are not lawful [wives] for them, nor are they lawful [husbands] for them. But give them [i.e., the disbelievers] what they have spent.1 And there is no blame upon you if you marry them when you have given them their due compensation [i.e., mahr]. And hold not to marriage bonds with disbelieving women, but ask for what you have spent and let them [i.e., the disbelievers] ask for what they have spent.2 That is the judgement of Allāh; He judges between you. And Allāh is Knowing and Wise.

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ﴾ الآية. وقال جماعة المفسرين لما قاضى رسول الله -ﷺ- عام الحديبية المشركين على أن يرد إليهم من جاء من المسلمين منهم ولا يردون من جاءهم من المسلمين وكتبوا بذلك العهد جاءت سبيعة بنت الحارث الأسلمية [[سبيعة بنت الحارث الأسلمية، أسلمت بعد صلح الحديبية، ويؤيد هذا أن هبة الله في "الناسخ والمنسوخ" ذكر أن النبي -ﷺ- لما انصرف من الحديبية لحقت به سبيعة بنت الحارث، امرأة من قريش فبان أنها غير الأسلمية التي تروي عدة المرأة التي مات عنها زوجها، وهذا قول العقيلي، ومنهم من قال بأنها هي، والله أعلم. "الإصابة" 4/ 324 - 325. انظر: "تهذيب التهذيب" 12/ 424، و"الكاشف" 3/ 472.]] مؤمنة إلى المسلمين وزوجها مسافر المخزومي -وقال المقاتلان- زوجها صيفى بن الراهب [[انظر: "تفسير مقاتل" 152 أ، و"الكشف" 13/ 108 ب، و"أسباب النزول" للواحدي ص 489، و"معالم التنزيل" 4/ 332.]].

وقال الزهري: جاءت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وهي عاتق [[العاتق: الشابة أول ما تُدرك، وقيل: هي التي لم تبن من والديها ولم تتزوج، وقد أدركت وشبت. اللسان 2/ 678 (عتق).]] فجاء أهلها يسألون رسول الله -ﷺ- أن يرجعها إليهم. وهذا قول ابن عباس. إلا أنه قال: هربت من زوجها عمرو بن العاص ومعها أخواها عمارة والوليد، فرد رسول الله -ﷺ- أخويها وحبسها، فقالوا للنبي -ﷺ- ردها علينا فإن شرطنا عليك أن من أتاك من عندنا أن ترده علينا، فقال النبي -ﷺ- "لوكان الشرط في الرجال ولم يكن في النساء" [[قال ابن حجر: وهذا لو ثبت كان قاطعًا للنزاع، لكن يؤيد الأول والثالث ما تقدم في أول الشروط وهو حديث أم كلثوم الآتي - وقوله الأول والثالث هو قول من قال بأن حكم النساء نسخ بهذه الآية، أو هو عام أريد به الخصوص وبين ذلك عند نزول الآية. "فتح الباري" 9/ 419، وانظر: "تفسير القرآن العظيم" 4/ 35.]] فأنزل الله هذه الآية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ﴾ [[انظر: "صحيح البخاري"، كتاب المغازي، باب غزوة الحديبية (31) 5/ 162، وفيه (فجاء أهلها) وفي حديث عبد الله بن أبي أحمد بن جحش " .. فخرج أخواها الوليد وعمارة ابنا عقبة بن أبي معيط حتى قدما المدينة فكلما رسول الله -ﷺ- أن يردها إليهم ... " الحديث. انظر: "الكشف والبيان" 13/ 108 ب، "فتح الباري" 7/ 454، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 350، "مجمع الزوائد" 7/ 123، و"زاد المسير" 8/ 238، قلت: وهم المؤلف -رحمه الله- في قوله (ومعها أخواها عمارة والوليد) لأن الوليد -رضي الله عنه- لم يسلم إلا عام الفتح، ولما ثبت في الصحيح من أنهما جاءا لطلبها، والله أعلم.]] سماهن مؤمنات ولم يعرفن بالإيمان. وقبل أن يصلوا إلى النبي -ﷺ- لإظهارهن الإيمان وكلمة التصديق.

قوله: ﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ قال المفسرون: ذلك أن يستخلف المهاجرة ما هاجرت لبغض زوجها ولا لحدث أحدثته ولا خرجت عشقاً لرجل من المسلمين، وما خرجت إلا رغبة في الإسلام [[ذكر المفسرون نحو هذا عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وعكرمة، وغيرهم. انظر: "تفسير مقاتل" 152 أ، و"تفسير مجاهد" 2/ 668، و"تفسير عبد الرزاق" 2/ 288، و"جامع البيان" 28/ 44، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 350.]]، فهذا هو معنى الامتحان المأمور به.

قوله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ أي: إن هذا الامتحان لكم والله عالم بإيمانهن؛ لأنه يتولى السرائر، وأما أنتم فإنما تعرفون الظواهر وهو قوله: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ أي بما يظهرون من الإيمان.

وقال مقاتل: فإن علمتموهن مؤمنات قبل المحنة [[انظر: "تفسير مقاتل" 152 أ.]]، وجملة الكلام في هذا أن المرأة إذا هاجرت الكفار إلى المسلمين وأظهرت الإيمان لم يجز ردها إلى الكفار، وإن كان بيننا وبينهم عهد بأن نرد إليهم من جاءنا من عندهم مسلمًا، والأمر بالامتحان أمر استحباب وهو غير واجب [[أخرجه ابن إسحاق، وابن سعد، وابن المنذر، وابن جير، وغيرهم انظر: "جامع البيان" 28/ 45، "السنن الكبرى" للبيهقي 7/ 170، و"الدر" 6/ 206.]]، فإذا عرفناها مؤمنة لم يجز ردها إليهم بحال، وإنما يعرف ذلك بإقرارها وذلك قوله تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ واختلفوا في أن ذلك العهد الذي جرى بينهم بالحديبية هل يتناول النساء أم لا؟

قال عروة بن الزبير: إن الله نقض العهد في النساء ومنعهن أن يردون وحكم فيهن بالذي حكم، وهذا يدل على أن العهد كان عاماً في الرجال والنساء. ثم أمضى الله ذلك في الرجال ومنع في النساء [[أخرجه ابن أبي حاتم من طريق مقاتل بن حيان، وهو قول مقاتل بن سليمان أيضًا. انظر: "تفسير مقاتل" 152 أ، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 350.]].

وقال المقاتلان: إن النبي -ﷺ- كان عالماً بأن الشرط ممنوع في النساء ولكن أوهم المشركين بإطلاق العهد أنهن مردودات.

القول الثاني: أنه لم يعلم أن الشرط في النساء باطل، حتى أعلمه الله أنهن غير مردودات ولا داخلات في العهد.

قوله تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ قال ابن عباس: لم يحل الله مؤمنة لكافر، ولا نكاح مؤمن لمشركة [[انظر: "تنوير المقباس" 6/ 55.]].

وقوله: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾ يعني أزواجهن الكفار ما أنفقوا عليهن من المهر. قال أصحابنا: إنما أمرنا أن نغرم مهرهن؛ لأنهن كن داخلات في الشرط الذي شرط رسول الله -ﷺ- برد من جاءه منهن على أحد القولين، فلزم العزم لأنهن دخلن في العقد ثم منعناهن، وإذا قلنا لم يدخلن في العقد فالعزم إنما كان لإيهام رسول الله -ﷺ- إياهم أنهن داخلات في الشرط ثم لم يلزم غرم المهر إلا إذا طالب الزوج الكافر بذلك وحضر لطلبه، فإذا حضر وهي باقية عندنا منعناها وغرمنا له صداقها، وإن كانت ماتت قبل حضور الزوج ما [[كذا في (ك)، ولعل صوابها: (لم).]] نغرم المهر؛ لأن المنع لم يتحقق، وإنما نغرم الصداق المسمى في أصل العقد لا مهر المثل؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾ وهذا يتناول المسمى في العقد، فإن كان المسمى خمرًا أو خنزيرًا لم نغرم شيئًا، لأن ذلك ليس بمال، وان كان المسمى مالاً ولكنه لم يسلمه إليها لم نغرم له شيئاً؛ لأنه ما أنفق شيئًا. وكذلك لو كانت أبرأته.

وقال مقاتل: يرد المهر الذي يتزوجها من المسلمين، فإن لم يتزوجها من المسلمين أحد فليس لزوجها الكافر شيء [[انظر: "تفسير مقاتل" 152 أ.]].

قوله: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أباح الله نكاحهن بشرط المهر؛ لأن الإسلام فرق بينها وبين زوجها الكافر. وهذا مختلف بالمرأة فإن إسلامها إن كان قبل المسيس بانت منه بنفس الإسلام ولا عدة لها، ولها أن تنكح مسلمًا في الحال، وإن كان بعد المسيس كان النكاح موقوفًا على انقضاء العدة، فإن أسلم الزوج قبل انقضاء العدة فهما على النكاح الأول، وإن انقضت عدتها قبل إسلام الزوج علمنا أنها بانت منه يوم أسلمت [[انظر: "زاد المسير" 8/ 242، ونسبه الأوزاعي والليث ومالك والشافعي.]].

قوله: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ قراءة أبي عمرو من التمسيك يقال: مسك يمسك، مثل أمسك يمسك، وحجته قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ﴾ [الأعراف: 170] وقراءة الباقين بالتخفيف من الإمساك [[قرأ أبو عمرو ويعقوب: (ولا تُمسَّكُوا) بالتشديد. وقرأ الباقون: (ولا تُمْسِكوا) بالتخفيف. انظر: "حجة القراءات" ص 707، و"الحجة للقراء السبعة" 6/ 286، "النشر" 2/ 387.]]. والعصم جمع العصمة وهي كل ما عصمك واعتصمت به. قال أبو عبيدة: أصل العصمة: الحمل والسبب [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 257، و"تهذيب اللغة" 2/ 53 (عصم).]].

قال ابن عباس: العصمة النكاح فيما بيننا [[كذا في (ك)، ولم أجده.]].

قال مقاتل: يعني بعقد الكوافر، يقول: لا تعقد بامرأتك الكافرة فإنها ليست لك بامرأة [[انظر: "تفسير مقاتل" 152 أ.]]، وقال المفسرون: من كانت له امرأة كافرة بمكة فلا يعتدن بها فقد انقطعت عصمته منها ولا عصمة بين المشركة والمؤمن فإذا أسلم الزوج وامرأته الوثنية بقيت على الكفر حتى انقطعت عدتها فقد انقطعت بينهما بانقضاء العدة وانبت عقدة النكاح [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 333، و"زاد المسير" 8/ 242.]].

قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ﴾ أي إن لحقت امرأة منكم بأهل العهد من الكفار مرتدة فاسئلوهم ما أنفقتم من المهر، هذا إذا منعوها ولم يدفعوها إلينا فعليهم أن يغرموا لنا صداقها كما يغرم لهم [[انظر: "زاد المسير" 8/ 242، و"التفسير الكبير" 29/ 306.]] وهو قوله تعالى: ﴿وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ يعني ما ذكر في هذه الآية من الحكم، فإن رضوا بهذا الحكم وردوا المهر على المسلم أخذه وإن لم يردوا طائعين أو كانوا أهل حرب ولم يكونوا أهل عهد، فالحكم ما ذكره في قوله: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ﴾ الآية.

قال الزهري: لما نزل قوله: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ الآية. أقر المؤمنون بحكم الله وأدوا ما أمروا به من نفقات المشركين وأبى المشركون أن يقروا بحكم الله فيما أمر من أداء نفقات المسلمين، فأنزل الله ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ [[أخرجه ابن جرير، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وعبد الرزاق. انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 288، و"جامع البيان" 28/ 48، و"الدر" 6/ 208]]

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском