Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
طه
Taha
Ta-Ha · Meccan · 135 ayahs
﴿طه﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: (يا رجل، يريد محمدً -ﷺ- [["جامع البيان" 16/ 135، "معالم التنزيل" 5/ 262، "زاد المسير" 5/ 369، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 157، "الدر المنثور" 4/ 516.]]. وهو قول الحسن، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والضحاك، وقتادة، وابن أبي نجيح عن مجاهد، والكلبي [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 14، "جامع البيان" 16/ 135، "الكشف والبيان" 3/ 14 ب، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 157، "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي 11/ 166.]].
قال عكرمة: (هي بلسان الحبشة) [["زاد المسير" 5/ 369، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 166، "الدر المنثور" 4/ 517، "التفسير الكبير" 22/ 3.]].
وقال سعيد بن جبير والضحاك: (بالنبطية) [["جامع البيان" 16/ 135، "النكت والعيون" 3/ 392، "زاد المسير" 5/ 369، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 157، "الدرر المنثور" 4/ 517.]].
وقال قتادة: (بالسريانية) [["جامع البيان" 16/ 135، "معالم التنزيل" 5/ 135، "زاد المسير" 5/ 369، "التفسير الكبير" 3/ 157.]].
وقال الكلبي: (هي بلغة عك) [[عك: بطن اختلف في نسبة، فقال بعضهم: بنو عك بن عدنان بن عبد الله بن الأزد من كهلان من القحطانية. وذهب آخرون إلى أنهم: من العدنانية، وعك أصغر من معد بن عدنان، أبو العدنانية. وقال آخرون: إنه عك بن الديث بن آذر، أخو معد ابن عدنان. حالفوا اليمن، ونزلوا في الأشعريين، وقيل غير ذلك. انظر "أنساب العرب" 328، "الأنساب" للسمعاني 4/ 225، "معجم قبائل العرب" 2/ 802، "التعريف بالأنساب" 125، "معجم البلدان" 4/ 143.]] [["النكت والعيون" 3/ 392، "معالم التنزيل" 5/ 262، "القرطبي" 11/ 165، "البحر المحيط" 6/ 224.]].
وأنشد لشاعرهم [[البيت ليزيد بن المهلهل. انظر: "جامع البيان" 16/ 137، "النكت والعيون" 3/ 392، "المحرر الوجيز" 10/ 2، "الكشاف" 2/ 528،، "القرطبي" 11/ 166، "البحر المحيط" 6/ 224، "أضواء البيان" 4/ 399، "مجمع البيان" 7/ 5.]]:
إِنَّ السّفَاهَة طَه من خَلائِقكُم ... لاَ قَدسَ اللهُ أروَاحَ المَلاَعين
وقال السدي: (يا فلان) [["الكشف والبيان" 3/ 14 ب، "ابن كثير" 3/ 157، "للقرطبي" 11/ 166.]].
وروى خصيف عن مجاهد قال: (هي من فواتح السور) [["بحر العلوم" 2/ 336، "الدر المنثور" 4/ 517، "تفسير سفيان الثوري" 192.]]. وهو اختيار أبي إسحاق [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 349.]].
وقال ابن عباس في رواية الوالبي: (هو قسم أقسم الله به) [["جامع البيان" 16/ 136، "النكت والعيون" 3/ 393، "زاد المسير" 5/ 270، القرطبي "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 166، "الدر المنثور" 4/ 517.]]. وهذا القول اختيار صاحب النظم [[ذكرته كتب التفسير بلا نسبة. انظر: "النكت والعيون" 3/ 393، "زاد المسير" 5/ 270، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 166.]].
وفسر القرظي هذا القسم فقال: (أقسم الله عز وجل بَطوْلِه وهدايته) [["معالم التنزيل" 5/ 262، "زاد المسير" 5/ 270.]].
وقال مقاتل بن حيان: (معناه: طاء الأرض بقدميك، يريد به التهجد) [["معالم التنزيل" 5/ 262، "زاد المسير" 5/ 270، "الكشف والبيان" 3/ 14/ ب.]]. ومال قوم إلى هذا التفسير، واحتجوا بما بعده، وبما ذكر في سبب النزول وهو: (أن النبي -ﷺ- في ابتداء الوحي ربما علق إحدى رجليه في الصلاة تخشعًا وشكرًا، فقيل له: طأها. أي: طاء الأرض برجلك وضعها عليها) [["بحر العلوم" 2/ 336، "المحرر الوجيز" 10/ 2 بدون نسبة،، "الكشاف" 2/ 528، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 157، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 167.]]. وقالوا: أصله طأها من [[في نسخة (س): أمر.]] وطئ الأرض، والهاء كناية عن الأرض ثم لينت الهمزة فقيل: طه.
قال صاحب النظم: (ولو كان الأمر على ما ذهبوا إليه لما كتبت حرفين، ووجه الكتب أربعة أحرف، كمن تكتب الكلام المؤلف) [[لم أقف عليه.]].
وروى الفراء بإسناده: (أن رجلاً قرأ على ابن مسعود: ﴿طه﴾ بالكسر. فقال له الرجل: يا أبا عبد الرحمن أليس إنما أمر أن يطأ قدمه؟ فقال له عبد الله: ﴿طه﴾ هكذا أقرأني رسول الله -ﷺ-) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 174، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 168، "الدر المنثور" 4/ 517.]] [[اختلف العلماء في الحروف الهجائية في فواتح السور وما المراد بها إلى أقوال كثيرة. والصواب -والله أعلم- أن علمها إلى الله عز وجل، وهذا ما ذهب إليه أكثر المحققين من المفسرين. قال ابن جرير الطبري في "تفسيره" 1/ 93: (والصواب == من القول عندي في تأويل مفاتيح السور التي هي حروف المعجم: أن الله جل ثناؤه جعلها حروفًا مقطعة، ولم يصل بعضها ببعض فيجعلها كسائر الكلام المتصل الحروف؛ لأنه عز ذكره أراد بلفظه الدلالة بكل حرف منه على معان كثيرة لا على معنى واحد).
وذهب بعض العلماء إلى أن هذه الحروف إنما ذكرت في أوائل السور التي ذكرت فيها بيانًا لإعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله، هذا مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها.
وقال الشوكاني -رحمه الله- في "فتح القدير" 3/ 464: (وكما وقع الخلاف في هذا وأمثاله بين الصحابة وقع بين من بعدهم، ولي يصح مرفوعًا في ذلك شيء، ومن روي عنه من الصحابة في ذلك شيء فقد روي عن غيره ما يخالفه، وقد يروى عن الصحابي نفسه التفاسير المتخالفة المتناقضة في هذه الفواتح، فلا يقوم شيء من ذلك حجة، بل الحق الوقف ورد العلم في مثلها إلى الله سبحانه).
وقال الدكتور محمد صالح في كتابه "تفسير سورة الرعد" ص 43 بعد أن ذكر بعض الأقوال: (ولكن الأقوال المحكية، والنقول المروية لا تصح نقلاً، ولا تسلم عقلاً، فالله أعلم بحقيقة المراد).
انظر "المحرر الوجيز" 1/ 138، "الجامع لأحكام القرآن" 1/ 154، "تفسير القرآن العظيم" 1/ 38، "التفسير الكبير" 2/ 5، "التحرير والتنوير" 1/ 206، أضواء البيان 4/ 399، "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة 299.]].
فلو كان المعنى كما ذهبوا إليه ما أنكر ابن مسعود قراءة من قرأ: ﴿طه﴾ بإسكان الهاء [[قراء الحسن: (طه) بسكون الهاء من غير ألف قبلها. انظر: "القراءات الشاذة" للقاضي ص 66، "إتخاف فضلاء البشر" ص 301.]]. وأصله: طأ بالهمز فأبدلت منها الهاء، كما قالوا: هياك وهرقت، في إياك، وأرقت، ويجوز أن يكون الأصل طا من وطي على ترك الهمز، ثم أثبتت الهاء فيها للوقف، والوجهان ذكرهما أبو إسحاق [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 349.]]. وهذه قراءة شاذة لا يقرأ بها.
قال ابن الأنباري: (وجه قول من قال: إن ﴿طه﴾ لغة غير العرب، أن لغة قريش وافقت تلك اللغة في هذا المعنى من جهة اتفاق اللغتين؛ لأن الله تعالى لم يخاطب نبيه -ﷺ- بلسان غير قريش) [["زاد المسير" 5/ 269، "روح المعاني" 16/ 148، "فتح القدير" 3/ 508.]].
فمن بني ﴿طه﴾ على يا رجل قال: موضعه رفع بالنداء المفرد. ووجه قول من قال: إنه قسم أن التأويل: وحق طه وحق حروف المعجم التي نزل القرآن بها، وأثنى على الباري وسبح ومجد بما انتظم من كلمها، وموضعه خفض بإضمار واو القسم، أو نصب على أنه حلت محل: حقًا ويقينًا، ويمينًا صادقة، وحلفًا بارًا. وقول من قال: إنه من فواتح السور أن يصرف طه إلى مثل ألا في افتتاح الكلام حين يقال: ألا إن عبد الله مقيم [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 174، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 349، "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 118، "البحر المحيط" 6/ 224.]].
20:2Page 312
مَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡقُرۡءَانَ لِتَشۡقَىٰٓ ٢
We have not sent down to you the Qur’ān that you be distressed
قوله تعالى: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ أي: لتتعب وتبلغ من الجهد ما بلغت. قال أبو إسحاق: (أي لتصلي على إحدى رجليك فيشتد عليك) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 349.]].
قال الكلبي: (لما نزل على رسول الله -ﷺ- الوحي بمكة اجتهد في العبادة واشتدت عبادته، فأمره الله أن يخفف على نفسه، وذكر له أنه ما أنزل عليه الوحي ليتعب كل ذلك التعب، وكان بعد نزول هذه الآية ينام بعض الليل ويصلي بعضه) [["معالم التنزيل" 5/ 263، "القرطبي" 11/ 167 "الكشف والبيان" 3/ 15 أ.]].
وذكر مقاتل في سبب النزول غير هذا وهو أنه قال: (قال أبو جهل والمشركون للنبي -ﷺ-: إنك لتشقى بترك دنيا، وذلك لما رأوا من جهده وطول عبادته، فأنزل الله هذه الآية جوابًا للمشركين) [["الجامع لأحكام القرآن" 11/ 168،"التفسير الكبير" 22/ 3، "روح المعاني" 16/ 149، "تفسير مقاتل" ص 2.]].
قوله تعالى: ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً﴾ قال الفراء: (نصبها على قوله: ما أنزلناه إلا تذكرة) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 174.]]. فأضمر ما أنزلناه لدلالة ما قبله عليه. قال المبرد: (لكن تذكرة أي: لكن أنزلناه تذكرة، كقوله تعالى: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (19) إِلَّا ابْتِغَاءَ﴾ [الليل:19 - 20]، أي: لكن فعله ابتغاء وجه ربه) [[ذكره الطبري في "تفسيره" 7/ 5، وذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: "المحرر الوجيز" 10/ 3، "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 118،"روح المعاني" 16/ 151، "فتح القدير" 3/ 509.]].
وقال صاحب النظم: (﴿إِلّا﴾ هاهنا بمعنى بل، المعنى: بل أنزلناه تذكرة) [[ذكره بلا نسبة "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 118، "الكشاف" 2/ 529، "البحر المحيط" 6/ 225.]]. وهذا أضعف الوجوه. ومعنى الآية: أنزلنا القرآن لتذكر به من يخشى الله، والتذكرة مصدر كالتذكير.
20:4Page 312
تَنزِيلٗا مِّمَّنۡ خَلَقَ ٱلۡأَرۡضَ وَٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلۡعُلَى ٤
A revelation from He who created the earth and highest heavens,
قوله تعالى: ﴿تَنْزِيلًا﴾ قال الزجاج: (المعنى أنزلناه تنزيلًا) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 350.]]. فعلى هذا ينتصب على المصدر، وأنزلنا ونزلنا بمعنى واحد، فهو من باب المصدر على غير الصدر.
وقال المبرد: (تنزيلًا بدل من تذكرة) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة.= انظر: "زاد المسير" 5/ 270، "التفسير الكبير" 22/ 5، "روح المعاني" 16/ 151.]].
وقال ابن الأنباري: (معناه نزلناه تنزيلًا) [[انظر المراجع السابقة.]]. فأكد المصدر فعلًا أتى الكلام السابق بتأويله، كما قال الهذلي [[البيت لأبي كبير الهذلي.
المِحْمَلُ: مِحْمَلُ السيف. ويريد الشاعر: أنه إذا اضطجع لم يمس الأرض إلا منكبه وحرف ساقه، لأنه خميص البطن فلا يصيب بطنه الأرض. انظر: "شرح أشعار الهذليين" 3/ 1074، "خزانة الأدب" 8/ 194، "شرح أبيات سيبويه" 1/ 324، "شرح شواهد الإيضاح" ص 147، "الشعر والشعراء" ص 447، "المقاصد النحوية" 3/ 54.]]:
مَا إِنْ يَمَسُّ الأَرْضَ إِلاَ مَنْكِبٌ ... مِنْهُ وَحَرْفُ السَّاقِ طَيَّ المِحْمَلِ
نصب طي على المصدر من غير أن يذكر فعله؛ لأن ما تقدم من الكلام يدل على طوى، ومثله قول امرئ القيس [[البيت لامرئ القيس في معلقته.
الغبيط: أكمة قد إنخفض وسطها وارتفع طرفاها، وسميت غبيطًا تشبيهًا بغبيط البعير، ويقال: إن صحراء الغبيط هي أرض بني يربوع. والبِعَاع: الثقل. ونزول اليماني: أي: نزول التاجر اليماني. العِيَاب: جمع عيبة الثياب. انظر: "ديوان امرئ القيس" ص 62، "شرح القصائد العشر" للتبريزي ص 71، "شرح المعلقات السبع" للزورني ص 59، "الخصائص" لابن جني 2/ 126.]]:
وأَلْقَى بِصَحْرَاءِ الغَبِيطِ بِقَاعَه ... نُزُولَ اليَمَانِي ذِي العِيَابِ المُحَمَّلِ
وقوله تعالى: ﴿مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى﴾ قال ابن عباس: (أخبر بعظمته وجلاله) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة.
انظر: "القرطبي" 11/ 169، "البحر المحيط" 6/ 226، "أنوار التنزيل" 4/ 18.]].
قال أبو إسحاق: (العلى جمع العليا، كما يقال: الكبرى والكبر) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 350.]]. قال المبرد: (وهو مثل ظُلْمَة وظُلَم، ورُكْبَة ورُكَب، وكذلك العُلْيَا والعُلَى، والدُنْيَا والدُنَى، فالألف بحذاء الهاء للتأنيث) [[أورد نحوه بلا نسبة العبكري في "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 118، والقرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 169، والألوسي في "روح المعاني" 16/ 152.]].
20:5Page 312
ٱلرَّحۡمَٰنُ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ ٱسۡتَوَىٰ ٥
The Most Merciful [who is] above the Throne established.1
قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ﴾ قال الأخفش: (هو الرحمن) [["معاني القرآن" للأخفش 2/ 629.]]. [قال المبرد: (﴿الرَّحْمَنِ﴾ مرفوع على خبر المبتدأ المضمر) [[انظر: "الكشاف" 2/ 529، "البحر المحيط" 6/ 226، "فتح القدير" 3/ 509.]]. لأنه لما قال: ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَق﴾ بينه فكأنه قال: هو الرحمن] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة: (ص).]]، كقوله: ﴿بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّار﴾ [الحج: 72]، المعنى ففي النار.
قوله تعالى: ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ قال كثير من أهل التأويل: استوى معناه استولى [[تفسير الاستواء بالاستعلاء قول المعتزلة والجهمية والحرورية قالوا: إن استوى بمعنى استولى وملك وقهر. قال أبو الحسن الأشعري في "الإبانة عن أصول الديانة" ص 49: (فلو كان الله مستويًا على العرش بمعنى الاستيلاء، وهو عز وجل مستول على الأشياء كلها، لكان مستويًا على العرش وعلى الأرض وعلى السماء .. لأنه قادر على الأشياء مستول عليها .. ، لم يجز أن يكون الاستواء على العرش: الاستيلاء الذي هو عام في الأشياء كلها، ووجب أن يكون معناه استواء يخص العرش دون الأشياء كلها).
وقال ابن تيمية -رحمه الله- في "مجموعة الفتاوى" 5/ 144، في الرد على من فسر ﴿اسْتَوَى﴾ بـ (استولى): (ومن تلك الوجوه أنه لم يرد عن أحد من الصحابة ولا التابعين لهم، بل تفسير حدث من المبتدعة بعدهم، ثم هو ضعيف لغة).]].
وقد بينا استقصاء هذا عند قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء﴾ [[سورة البقرة: (29). وانظر تعليق المحقق عليه.]].
وأخبرني العروضي عن الأزهري عن المنذري قال: (سئل أحمد بن يحيى عن قول الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ فقال: الاستواء الإقبال على الشيء) [["تهذيب اللغة" (سواء) 2/ 1794.]].
وقال الأخفش: (استوى أي علا تقول: استويت فوق الدابة وعلى ظهر البيت أي علوته) [["معاني القرآن" للأخفش 2/ 631، "تهذيب اللغة" (سواء) 2/ 1794.]]. ونحو هذا قال أبو عبيدة [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 15.]]. وعلى هذا التفسير معنى الآية: أنه عز وجل علا على العرش بقدرته وقوته، وخص العرش بالذكر؛ لأنه أعظم المخلوقات. وعامة السلف أعرضوا عن الكلام في هذه الآية ونظائرها وذلك طريقة مالك، والشافعي، والأوزاعي، والثوري رحمهم الله [[إن أريد إعراضهم عن معانيها؛ فهذا قول المفوضة لا قول أهل السنة، فإن أهل السنة يثبتون الأسماء والمعاني والصفات الثابتة اللائقة بالله عز وجل، وأما الإعراض في آيات الصفات فإنما يكون للكيفية فهي التي لا يعلمها إلا الله تعالى، ومثل هذا يقال في معنى الاستواء، فالمنهج السوي أن نثبت لله ما أثبته لنفسه، فهو سبحانه مستو على عرشه عال على خلقه، ولا يلزم لهذا أي: لازم باطل مما يلزم لاستواء المخلوقين.
قال ابن كثير -رحمه الله- في "تفسيره" 2/ 220: (وللناس في هذا المقام مقالات كثرة جدًّا يشير هذا موضع بسطها، وإنما نسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح مالك، والأوزاعي، والثوري، والليث بن سعد، والشافعي، وأحمد وإسحاق بن راهوية وغيرهم من أئمة المسلمين قديمًا وحديثًا وهو: إمرارها كما == جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل فإن الله لا يشبه شيء من خلقه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. انظر: "الإبانة عن أصول الديانة" ص 48، "شرح العقيدة الطحاوية" ص 313، "الرسالة التدمرية" ص 81، "مجمع فتاوى شيخ الإسلام" ابن تيمية 5/ 95، "أضواء البيان" 2/ 316.]].
20:6Page 312
لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا وَمَا تَحۡتَ ٱلثَّرَىٰ ٦
To Him belongs what is in the heavens and what is on the earth and what is between them and what is under the soil.
قوله تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية، تأويلها إنه مالك كل شيء ومدبره. وقوله تعالى: ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ قال المبرد: (يعني الهواء) [[ذكرته كتب التفسير بلا نسبة.
انظر: "التفسير الكبير" 22/ 8، "مجمع البيان" 7/ 5، "روح المعاني" 16/ 161، وقال: ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ من الموجودات الكائنة في الجو كالهواء، والسحاب، وخلق لا نعلمهم هو سبحانه يعلمهم.]]. ﴿وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ الثرى في اللغة معناه: التراب الندي، وثَرَّيْتُ التربة بللتها، ويقال: ثَرِيْتُ الأرضَ ثَرَّى فهي ثَرِيَّةٌ إذا ابتل ترابها بعد الجدوبة، وأَثْرَتْ فهي ثَرِيَّة إذا كثر ثَراها، ويقال: أرض ثَرِيَّةٌ أي ذات ثَرَى، والثَرى يستعمل في أشياء كثيرة يقال: قد بدا ثَرَى الماء من الفرس، وهو حين يندى بعرقه [[انظر: "تهذيب اللغة" (ثرا) 1/ 478، "الصحاح" (ثرا) 6/ 2291، "اللسان" (ثرا) 1/ 479، "المعجم الوسيط" (ثرى) 1/ 95، "مختار الصحاح" (ثرى) ص83.]].
وقال ابن الأعرابي: يقال: فلان قريب الثَّرَى بعِيد النَّبَط للذي يعد ولا وفاء له [["تهذيب اللغة" (ثرا) 1/ 479، "لسان العرب" (ثرا) 1/ 479.]]. ويقال: إِني لأَرَى ثَرَى الغضب في وجه فلان أي: أَثَره، ومنه قول الشاعر [[نسبة في "الأغاني" إلى شبيب بن البرصاء، وذكرته كتب اللغة بدون نسبة. انظر: "تهذيب اللغة" (ثرى) 1/ 479، "لسان العرب" (ثرا) 1/ 479.]]:
وإِنَّي لَتَرَّاكُ الضغَّينَةِ قَدْ أَرَى ... ثَرَاهَا من المَوْلَى فَمَ أَسْتَثْيِرُهَا ويقال: الثَرَى بيني وبين فلان نَد، إذا لم ينقطع ما بينك وبينه، ومنه [[قول: (ومنه)، ساقط من نسخه: (ص).]] قول جرير [[البيت لجرير. انظر: "ديوانه" ص 213، "الصحاح" (ثرى) 6/ 2293، "لسان العرب" (ثرا) 1/ 480.]]:
فَلاَ تُوبِسُوا بَيْنِي وبَيْنَكُمُ الثَّرَى ... فإِنَّ الذِي بَيْنِي وبَيْنَكمُ مُثْرى
والمفسرون يقولون في (الثرى) في هذه الآية: أراد الثرى الذي تحت الصخرة التي عليها الثور الذي تحت الأرض، ولا يعلم ما تحت الثرى إلا الله عز وجل [["الكشف والبيان" 3/ 15 أ، "بحر العلوم" 2/ 336، "النكت والعيون" 3/ 394، "معالم التنزيل" 5/ 263، "زاد المسير" 5/ 270، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 169.
ود ذكر ابن كثير -رحمه الله- في "تفسيره" 3/ 157 بعض هذه الروايات وضعفها وقال غريبة جدًّا، ورفعها فيه نظر.]].
20:7Page 312
وَإِن تَجۡهَرۡ بِٱلۡقَوۡلِ فَإِنَّهُۥ يَعۡلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخۡفَى ٧
And if you speak aloud - then indeed, He knows the secret and what is [even] more hidden.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرّ﴾ اختلفوا في وجه هذا النظم، ومعنى الآية، وكان من حق المقابلة أن يقول: وإن أسررت القول فإنه يعلم السر.
فقال المفضل: (﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ﴾ أي: ترفع صوتك بالقراءة ﴿فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرّ وَأخْفَى﴾ فلا تجهد نفسك بالمبالغة في رفع الصوت؛ فإنك وإن لم تجهر [به وأسررته علم ذلك السر) [[ذكرته كتب التفسير بلا نسبة. انظر: "زاد المسير" 5/ 270، "التفسير الكبير" 22/ 8، "الفتوحات الإلهية" 3/ 82، "مجمع البيان" 7/ 6، "فتح القدير" 3/ 510.]].
وقال صاحب النظم: (معناه وإن تجهر بالقول فتظهره] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة: (س).]] فهو يعلم السر وأخفى منه فكيف الجهر) [[ذكرت نحوه كتب التفسير بلا نسبة. انظر: "المحرر الوجيز" 10/ 5، "البحر المحيط" 6/ 226، "روح المعاني" 16/ 162.]]. وذكر وجهًا آخر وهو: أن يكون في الكلام اختصار على معنى: وإن تجهر بالقول، أو لم تجهر فهو يعلم السر وأخفى منه. أي فما حاجتك إلى الجهر، أي: إن في غير الجهر كفاية لك.
فأما معنى: (السر وأخفى) قال ابن عباس فيما روى عنه سعيد بن جبير: (السر ما علمت أنت مما أسررت في نفسك، وأخفى من السر ما لم يكن بعد وهو كائن) [["جامع البيان" 16/ 140، "معالم التنزيل" 5/ 264، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 170، "الدر المنثور" 4/ 519.]].
وقال في رواية الوالبي: (السر: ما أسر ابن آدم في نفسه، وأخفى: ما خفي على ابن آدم مما هو فاعله قبل أن يعلمه، والله يعلم ذلك كله، فيعلمه فيما مضى من ذلك وما بقي علم واحد) [["معالم التنزيل" 5/ 264، "زاد المسير" 5/ 271، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 170، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 158، "الدر المنثور" 4/ 518.]]. وهو قول مجاهد، وقتادة، وسفيان، والضحاك، وسعيد بن جبير [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 14 "جامع البيان" 16/ 140 "بحر العلوم" 2/ 336 "النكت والعيون" 3/ 394، "الكشف والبيان" 3/ 15 ب.]]. وأكثرهم قالوا: (السر ما أسره في نفسه، وأخفى: ما لم يحدث به نفسه مما يكون في غد) [["جامع البيان" 16/ 140، "النكت والعيون" 3/ 394، "زاد المسير" 5/ 271، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 170، "الدر المنثور" 4/ 519.]].
وقال عكرمة: (السر: ما حدث به الرجل أهله، وأخفى: ما تكلمت به في نفسك) [["جامع البيان" 16/ 139، "بحر العلوم" 2/ 336، "الكشف والبيان" 3/ 15 ب.]].
وهذا قول الحسن [["معالم التنزيل" 5/ 264، "الكشف والبيان" 3/ 15 ب، "الدر المنثور" 4/ 519.]]. وعلى هذا؛ المراد: وأخفى منه إلا أنه حذف منه للعلم به. قال المفضل: (ومثله قول القائل: الله أكبر، معناه: أكبر من كل شيء) [[لم أقف عليه.]]. وأنشد قول الفرزدق [[البيت للفرزدق. انظر: "ديوانه" 2/ 155، "الأشباه والنظائر" 6/ 50، "خزانة الأدب" 6/ 539، "شرح المفصل" 6/ 97، "المقاصد النحوية" 4/ 42، "لسان العرب" (كبر) 6/ 3808.]]:
إِنَّ الذِي سَمَكَ السَّمَاءَ بَنَى لَنَا ... بَيْتًا دَعَائِمُه أَعَزُّ وأَطْوَلُ
معناه: أعز وأطول من دعائم بيتك، فحذفه للعلم به.
قال المبرد: (لم يقل: وأخفى منه؛ لأنه قد ذكر السر فبان ما يتصل بأخفى، كقولك: فلان كالفيل أو أعظم، والعرب تحذف ما لا يبطل المعنى استخفافًا واختصارًا، ألا تراهم يقولون: أزيد أفضل أم عمرو، وتمام الكلام: أزيد أفضل من عمرو أم عمرو أفضل من زيد) [[ذكره نحوه بدون نسبة الطبرسي في "مجمع البيان" 7/ 6.]].
وقال زيد بن أسلم في قوله: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾: (يعلم أسرار العباد، وأخفى سره عنهم فلا يعلم) [["جامع البيان" 16/ 140، "النكت والعيون" 3/ 394، "معالم التنزيل" 4/ 264، "زاد المسير" 5/ 271.]]. فعلى هذا لا يحتاج إلى تقدير محذوف؛ لأن أخفى على هذا القول أَفْعَل من الإخفاء. وعلى القول الأول أفعل من الخفاء، والألف للتفضيل.
وذهب قوم إلى أن (أخفى) هاهنا بمعنى الخفي، وأفعل يأتي في الكلام ولا يراد به التفضيل. كقول الشاعر: تَمَنَّى رِجَالٌ أَنْ أَمُوتَ وإنْ أَمُتْ ... فَتِلْكَ سَبِيلُ لَسْتُ فِيهَا بأَوحَدِ [[البيت لطرفة بن العبد.
انظر: "جامع البيان" 16/ 140، "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 16، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 170.]]
أي: بواحد. وقيل في بيت الفرزدق: إن قوله: أعز وأطول؛ بمعنى: عزيزة طويلة، وهذا قول أبي عبيدة [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 16.]]. قال ابن الأنباري: (وهذا القول يخالف الآثار، ويبعد متناوله عند أهل النحو، إذ ترتيب أفعل أن لا يعرى من التزيد حتى يقوم بذلك دليل عند الاضطرار والبناء على الأحرف، والأشهر عند أهل الأثر أوجب) [[ذكره نحوه بلا نسبة في "الكشاف" 2/ 162، "المحرر الوجيز" 10/ 6، "البحر المحيط" 6/ 227.]]. والأولى من هذه الأقاويل ما عليه المفسرون [[قال الطبري -رحمه الله- في "تفسيره" 16/ 140: (والصواب من القول في ذلك قول من قال: معناه يعلم السر وأخفى من السر: لأن ذلك هو الظاهر من الكلام، ولو كان معنى ذلك ما تأوله ابن زيد لكان الكلام وأخفى الله سره؛ لأن أخفى فعل واقع متعد إذ كان بمعنى فعل، على ما تأوله ابن زيد، وفي انفراد أخفى من مفعوله والذي يعمل فيه لو كان بمعنى فعل الدليل الواضح على أنه بمعنى أفعل وأن تأويل الكلام: فإنه يعلم السر وأخفى منه، فإذا كان ذلك تأويله فالصواب من القول في معنى (أخفى) من السر أن يقال: هو ما علم الله مما أخفى عن العباد ولم يعلموه مما هو كائن ولما يكن).
وانظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة 2/ 8، "غريب القرآن" لعبد الله بن المبارك ص 243، "المحرر الوجيز" 16/ 6.]].
20:8Page 312
ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ لَهُ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ ٨
Allāh - there is no deity except Him. To Him belong the best names.
قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ قال المبرد: يجوز أن يكون ﴿اللهُ﴾ ابتداء، وخبره ﴿لا إِلَهَ إِلا هُو﴾ ويجوز أن تكون خبر ابتداء على قدير: هو الله لا إله إلا هو، نعت) [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 332، "البحر المحيط" 6/ 227، "روح المعاني" 16/ 164 "الفتوحات الإلهية" 3/ 82]]. والمعنى: لا معبود يستحق العبادة غيره. ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ يعني: التسعة والتسعين التي ورد بها الخبر [[وهو ما أخرجه البخاري عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -ﷺ-: لله تسع وتسعون اسمًا من أحصاها دخل الجنة".
أخرجه البخاري في التوحيد، باب: لله عز وجل مائة اسم غير واحد 8/ 169، ومسلم في الذكر والدعاء، باب: في أسماء الله تعالى 4/ 2062.
والحديث الذي فيه ذكر الأسماء أخرجه ابن ماجه 2/ 1269، والحاكم في "المستدرك" 1/ 16، والبيهقي في "الأسماء والصفات" ص 15، والترمذي 5/ 530، وقال: هذا حديث غريب، وذكر الأسماء ليس له إسناد صحيح.
وقال ابن تيمية -رحمه الله- في "الفتاوى" 6/ 379: (وتعيينها ليس من كلام النبي -ﷺ- باتفاق أهل المعرفة بالحديث، ولم يرد في تعيينها حديث صحيح عن النبي -ﷺ-).
وقال النووي في "شرح مسلم" 7/ 17: (اتفق العلماء على أن هذا الحديث ليس فيه حصر لأسمائه سبحانه وتعالى فليس معناه إنه ليس له أسماء غير هذه التسعة والتسعين، وإنما مقصود الحديث: أن هذه التسعة والتسعين من أحصاها دخل الجنة، فالمراد الإخبار عن دخول الجنة بإحصائها لا الإخبار بحصرها).
انظر: "أحكام القرآن" لابن العربي 2/ 802، "شرح أسماء الله الحسني" للرازي ص 36، "القواعد المثلى" للشيخ محمد بن عثيمين ص 13.]]. والحسنى تأنيث الأحسن، كالكبرى والعليا، ووحدت الحسنى والأسماء جمع؛ لأنها مؤنثه والجماعة توصف بصفة المؤنث الواحد كقوله: ﴿حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَة﴾ [النمل: 60]، و ﴿مَارِبُ أُخْرَى﴾ [طه:18]، كأنها اسم واحد للجميع [["الكشاف" 2/ 530 "البحر المحيط" 6/ 227، "روح المعاني" 16/ 165.]].
قوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ روى سلمة عن الفراء: (هل [[في (س): (هل قد تكون).]] تكون جحدًا، وتكون خبرًا، قال: وقول الله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ [الإنسان: 1]، من الخبر معناه قد أتى، قال: والجحد أن يقول: وهل يقدر أحد على مثل هذا. قال: ومن الخبر قولك للرجل: هل وعظتك، هل أعطيتك، تقرره بأنك قد وعظته وأعطيته) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 213.]]. فعلى هذا قوله ﴿وَهَلْ أَتَاكَ﴾ استفهام يراد به التقرير والخبر. أي: وقد أتاك (حديث موسى).
وقال الكلبي: (لم يكن آتاه حديثه ثم أخبره) [["الجامع لأحكام القرآن" 16/ 171، "التفسير الكبير" 22/ 14.]]. والصحيح أنه استفهام تقرير بمعنى الخبر [["معالم التنزيل" 5/ 264، "البحر المحيط" 6/ 229.]]. وعلى هذا فسره ابن عباس، فقال: (يريد وقد أتاك) [["الجامع لأحكام القرآن" 16/ 171، "التفسير الكبير" 22/ 14، وذكره البغوي في "تفسيره" 5/ 264 بدون نسبة.]].
قال أهل المعاني: (معنى ذكر قصة موسى عليه السلام هاهنا تسلية للنبي -ﷺ- مما ناله من أذى قومه، وتثبيت بالصبر على ذلك، كما صبر أخوه موسى حتى نال الفوز في الدنيا والآخرة) [["الكشاف" 2/ 531، "البحر المحيط" 6/ 229، "التفسير الكبير" 22/ 14، "روح المعاني" 16/ 164.]].
20:10Page 312
إِذۡ رَءَا نَارٗا فَقَالَ لِأَهۡلِهِ ٱمۡكُثُوٓاْ إِنِّيٓ ءَانَسۡتُ نَارٗا لَّعَلِّيٓ ءَاتِيكُم مِّنۡهَا بِقَبَسٍ أَوۡ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدٗى ١٠
When he saw a fire and said to his family, "Stay here; indeed, I have perceived a fire; perhaps I can bring you a torch or find at the fire some guidance."
قوله تعالى: ﴿إِذْ رَأَى نَارًا﴾ قال وهب: (استأذن موسى عليه السلام شعيبًا [[لم يرد دليل صحيح في أن الذي صاهره موسى عليه السلام هو نبي الله شعيب، ولم ينقل عن أحد من الصحابة في ذلك شيء، وقد توسع شيخ الإسلام ابن تيمية في الرد == على من يقول بذلك القول في رسالة جميعها في ذلك ضمن "جامع الرسائل" 1/ 63، وقال فيها: وإن كان الثعلبي قد ذكر أنه شعيب النبي فقد قال ما ليس له به علم وما لم ينقل عن النبي -ﷺ- ولا عن الصحابة ولا عمن يحتج بقوله من علماء المسلمين، وخالف في ذلك ما ثبت عن ابن عباس والحسن البصري مع مخالفته أيضًا لأهل الكتاب فإنهم متفقون على أنه في هو شعيب النبي فإن في التوراة عند اليهود والإنجيل الذي عند النصارى أن اسمه: (يثرون) وليس لشعيب النبي عندهم ذكر في التوراة.]] بالرجوع إلى والديه فأذن له، فخرج بأهله فولد له ابن في الطريق في ليلة شاتية مثلجة، وقد حاد عن الطريق فقدح موسى النار فلم تنور المقدحة شيئًا، فبينما هو في مزاولته ذلك أبصر نارًا من بعيد عن يسار الطريق، فذلك قوله: ﴿إِذْ رَأَى نَارًا﴾) [["جامع البيان" 16/ 142، "زاد المسير" 5/ 272، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 171، "الكشف والبيان" 3/ 16 أ، "الدر المنثور" 4/ 519.]].
وقال عطاء عن ابن عباس: (كان موسى رجلاً غيورًا لا يصحب الرفقة لئلا ترى امرأته، فأخطأ الطريق في ليلة مظلمة فرأى نارًا من بعيد) [["الجامع لأحكام القرآن" 11/ 171، وذكره نحوه البغوي في "تفسيره" 5/ 265، بدون نسبة، وابن عطية في "تفسيره" 10/ 7.]] ﴿فَقَالَ لِأَهْلِهِ﴾ يريد امرأته بنت شعيب ﴿امْكُثُوا﴾ أقيموا مكانكم، الخطاب لامرأته ولكنه خرج على ظاهر لفظ الأهل، فإن الأهل يقع على الجماعة كما يقال: أهل البيت [[انظر: "تهذيب اللغة" (أهل) 1/ 227، "الصحاح" (أهل) 4/ 1628، "القاموس المحيط" (أهل) ص 963.]].
﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ قال المبرد: (ويقول الذي يبصر الشيء من بعيد مما تسكن إليه نفسه: آنست كذا أي رأيته لي أنسًا، ويقال: أنس الطائر إذا كان مما يصيد فرأى صيدًا) [[ذكر بلا نسبة في "تهذيب اللغة" (أنس) 1/ 217، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 172، "البحر المحيط" 6/ 230.]].
قال العجاج [[البيت للعجاج.
الخِرْب: ذكر الحبارى، وقيل: هو الحبارى كلها. انظر: "ديوانه" ص 17، "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 287.]]:
أَنَسَ خِرْبَانَ فَضاَءٍ فَانْكَدَرْ
وذكرنا هذا الحرف عند قوله: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: 6]، والأصل فيه ما ذكره المبرد. والمفسرون يقولون: (رأيت وأبصرت) [["النكت والعيون" 3/ 395، "معالم التنزيل" 5/ 265، "المحرر الوجيز" 10/ 8، "الكشاف" 2/ 531، "زاد المسير" 5/ 272.]].
وقوله تعالى: ﴿آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ﴾ القبس: شعلة من نار يقتبسها من معظم النار [[انظر: "تهذيب اللغة" (قبس) 3/ 2871، "مقاييس اللغة" (قبس) 5/ 48، "الصحاح" (قبس) 3/ 960، "لسان العرب" (قبس) 6/ 3510.]].
قال أبو زيد: (أقبست الرجل علمًا بالألف، وقبسته نارًا إذا جئته بها، فإن كان طلبها قال: أقبسته بالألف) [["تهذيب اللغة" (قبس) 3/ 2871.]].
وقال الكسائي: (أقبسته نارًا وعلمًا سواء، وقد يجوز طرح الألف منهما) [["تهذيب اللغة" (قبس) 3/ 2871، "لسان العرب" (قبس) 6/ 3510.]]. قال المبرد: (والأصل واحدة لأن كلاهما مستضاء به) [[انظر: "الفتوحات الإلهية" 3/ 83، "فتح القدير" 3/ 511.]].
وقوله تعالى: ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ قال ابن عباس: (من يدل على الطريق) [["جامع البيان" 16/ 142، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 159، "الدر المنثور" 4/ 519.]] وقال مجاهد: (هاديًا يهدي إلى الطريق) [["جامع البيان" 16/ 143، "الدر المنثور" 4/ 519.]].
قال الفراء: (أراد: هاديًا فذكره بلفظ المصدر) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 175.]].
قال الزجاج: (رجاء أن يجد عند النار من يهديه للطريق) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 351.]]. لأن النار لا تخلو من أهل لها وناس عندها. قاله السدي [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "الكشاف" 2/ 531، "زاد المسير" 5/ 272، "التفسير الكبير" 22/ 15، "مجمع البيان" 7/ 10، "روح المعاني" 5/ 369.]].
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences