Al-Wahidi (al-Basit)An‑Najm · 53:1–11

Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic

النجم

An-Najm

The Star · Meccan · 62 ayahs

53:1Page 526

وَٱلنَّجۡمِ إِذَا هَوَىٰ ١

By the star when it descends,

﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ اختلفت الروايات عن ابن عباس في تفسير هذه الآية، فقال في رواية الكلبي: أقسم بالقرآن إذا نزل نجوما على رسول الله -ﷺ- أربع آيات وثلاث آيات، والسورة، وكان بين أوله وآخره عشرون سنة.

ونحو هذا روي عن عطاء [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 295، و"الوسيط" 4/ 192، و"معالم التنزيل" 4/ 244.]]، وهو قول مقاتل، والضحاك، ومجاهد في رواية الأعمش عنه، واختيار الفراء [[انظر: "تفسير مقاتل" 130 أ، و"معاني القرآن" للفراء 3/ 94، و"جامع البيان" 27/ 24. قال الشنقيطي: أظهر الأقوال عندي وأقربها للصواب في نظري أن المراد بـ ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ هنا في هذه السورة و ﴿بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ في الواقعة هو نجوم القرآن التي نزل بها الملك نجمًا فنجمًا، وذلك لأمرين:

أحدهما: أن هذا الذي أقسم الله عليه بالنجم إذا هوى أن النبي -ﷺ- على حق، وأنه ما ضل وما غوى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى موافق في المعنى لما أقسم عيه بمواقع النجم، وهو قوله: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾.

والثاني: أن كون المقسم به المعبر عنه بالنجوم هو القرآن العظيم، وهو أنسب لقوله بعده: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾.

انظر: "أضواء البيان" 7/ 700 - 701.]].

وعلى هذا القول سُمي القرآن نجمًا لتفريقه في النزول، والعرب تسمي التفريق تنجيمًا، والمفرق نجومًا ومنه نجوم الدين ونجوم الكتابة، وتقول: جعلت مالي على فلان نجومًا منجمة يؤدي كل نجم في شهر كذا.

وأصل هذا أن العرب كانت تجعل مطالع منازل القمر ومساقطها مواقيتًا لحلول ديونها، فيقول إذا طلع النجم وهو الثريا: حل عليك مالي، وكذلك سائرها، ومن هذا قول زهير في ديات جعلت نجومًا على العاقلة [[العاقلة: قبيلة الرجال، ولا يُحملون من الدية ما لا يطيقونه. "اللسان" 2/ 845 (عقل).]]:

يُنَجِّمُهَا قَوْمٌ لِقَوْمٍ غَرَامَةً ... ولَمْ يُهريقُوا بَيْنَهُمْ مِلءَ محْجَم [[انظر: "ديوان زهير" ص 17، و"تهذيب اللغة" 11/ 129، و"اللسان" 3/ 589 (نجم)، و"شرح المعلقات السبع" للزوزني ص 64.

والمِحجم: آلة الحجام، والمعنى أنهما لم يريقوا مقدار ما يملأ محجمًا من الدماء.]]

هذا الذي ذكرنا هو الأصل ثم جعل كل تنجيم تفريقًا وإن لم يكن مؤقتًا بطلوع نجم.

ويدل على صحة هذا التأويل الذي ذكرنا في الآية قوله -عز وجل-: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: 75]. قال عبد الله: يعني القرآن. فلما ذكر القسم به هاهنا ذكر أيضًا هناك.

وقوله: (هَوَى) معناه على هذا القول: نزل.

قال الأصمعي: هَوَى يَهْويِ هَوِيًّا إذا سقط من علو إلى أسفل، وقال أبو زيد: هَوت العقاب تَهْوي هَويًّا بالفتح إذا انقضّت على صيد أو غيره. فهذان ذكرا المصدر بفتح الهاء، ونحو ذلك قال ابن الأعرابي، وفرق بين الهَويّ والهُوي، فقال: بالفتح في السريع إلى أسفل والضم في السريع إلى فوق، وأنشد:

والَّدلْوُ في إِصْعادِها عَجْلىَ الهُويّ [[لم أجده منسوبًا. وانظر: "الأضداد" لقطرب ص 120، وفيه: (إتراعها) بدل (إصعادها).]] بالضم. وقال الليث: العامة تقول: الهُوِيُّ في مصدر هَوَى يَهوْيِ هُويًّا. وأما الهَويُ فالحين من الزمان، يقال: جلست عنده هَويًّا. هذا كلام أهل اللغة [[انظر: "تهذيب اللغة" 6/ 488 (هوى)، و"اللسان" 3/ 848 (هوا).]].

وبان أن معنى (هَوَى) سقط كسقوط النجم في مغاربه من الأفق، ولما سمي القرآن نجمًا سمي نزوله هويًا ليتجانس اللفظ.

وقال في رواية علي بن أبي طلحة، وعطية: يعني والثريا إذا سقطت وغابت وهو قول مجاهد في رواية ابنه، ومنصور، وابن أبي نجيح عنه [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 627، و"تفسير عبد الرزاق" 2/ 250، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 246.

وقال ابن جرير: (والصواب من القول في ذلك عندي ما قاله مجاهد من أنه عني بالنجم في هذا الموضع الثريا ...) "جامع البيان" 27/ 25.]].

والعرب تطلق اسم النجم على الثريا خاصة.

قال ساجعهم [[(ك): (سابعهم).]]:

طَلَعَ النجْمُ غُدَيَّه ... ابتَغَى الرَّاعي شُكَيَّه [[انظر: "تهذيب اللغة" 11/ 127، ولم ينسبه لقائل، و"شواهد الكشاف" ص 6، و"التفسير الكبير" 28/ 279، و"البحر المحيط" 8/ 157، وفي "ارتشاف الضرب" 1/ 170:

طَلَعَ النجم غدية ... وبع لراعي كُسيَّه

وفي "الأضداد" لابن الأنباري 62:

إذا الثريا طلعت غديه ... فبع لراعي غنم كسيهْ

وفيه:

إذا الثريا طلعت عشاء ... فبع لراعي غنم كساءَ= وفي "الأضداد" للأصمعي 30:

إذا الثريا طلعت عثسيه ... فبع لراعي غنم كسيه]] وقال أيضًا:

طَلَعَ النجْمُ عشيا ... ابتَغَى الراعي شُكَيَّا

يعني الثريا. ومنه قول الراعي يصف قدرًا كثيرة الدسم:

فَبَاتَتْ تَعُدُّ النَّجْمَ في مُسْتَحِيرَةٍ ... سَرِيعٍ بأَيْدِي الآكِلِينَ جُمُوُدُهَا [[انظر: "ديوان الراعي" ص 194، و"الحماسة" لأبي تمام 2/ 207، و"مجاز القرآن" 2/ 235، و"اللسان" 3/ 590 (نجم). والمستحيرة: هي المتحيرة في امتلائها، أي في مرقها. "اللسان" 1/ 767 (حير).]]

يريد: تعد أنجم الثريا.

قال ابن دريد: وهي سبعة أنجم ستة منها ظاهرة، وواحد منها خفي، يمتحن الناس به أبصارهم [[انظر: "اللسان" 3/ 589 (نجم)، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 82.]].

وقوله: فباتت تعد النجم، يدل على أن هذا كان في وسط الشتاء حين تحلق الثريا في وسط السماء، وذلك في ليالي الشتاء؛ لأنها لو كانت في أفق لم يكن عدها في القِدْر.

وقال في رواية عكرمة: يعني الرجوم من النجوم، وهي ما يرمى به الشياطين عند استراق السمع [[انظر: "الوسيط" 4/ 192، و"معالم التنزيل" 4/ 244.]].

وهذا القول ظاهر ونحن نشاهد هوي النجم إذا رمى به.

وهذا قول الحسن [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 82.]]. وقال أبو حمزة الثمالي: يعني النجوم إذا انتثرت يوم القيامة [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 244.]].

هذا الذي ذكرنا أقوال المفسرين.

وقال أبو عبيدة: النجم بمعنى النجوم. أقسم بالنجم إذا سقط في المغرب، كأنه يخصص الثريا دون غيرها، واحتج ببيت الراعي، وجعل النجم فيه نجوم السماء عامة [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 235، وذكره الشوكاني ونسبه لجماعة المفسرين، ورجحه. "فتح القدير" 5/ 104.]].

وعلى هذا أقسم بالنجم ليدل على ما فيها من العبرة بتصريف من يملك طلوعها وغيوبها، ولا يملكه إلا الله وحده.

وقال الأخفش: النجم هاهنا معناه: النبت الذي ليس له ساق، وهوى سقط على الأرض [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 244، "فتح القدير" 5/ 105، شرحه ثم قال: وأما على قول من قال إنه الشجر الذي لا ساق له. فلا يظهر للهوي معنى صحيح.]]، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: 6] وسنذكر الكلام في النجم بمعنى النبت إذا انتهينا إلى هذه الآية إن شاء الله. ثم ذكر جواب القسم فقال:

53:2Page 526

مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمۡ وَمَا غَوَىٰ ٢

Your companion [i.e., Muḥammad] has not strayed, nor has he erred,

قوله تعالى: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ يعني النبي -ﷺ- يقول: ما ضل عن طريق الهدى وما غوى.

قال مقاتل: يعني ما تكلم بالباطل [[انظر: "تفسير مقاتل" 130 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 245.]].

53:3Page 526

وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلۡهَوَىٰٓ ٣

Nor does he speak from [his own] inclination.

﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ أي وما ينطق محمد بالقرآن من هوى نفسه. قال الكلبي: قالت قريش: إن محمدًا -ﷺ- يقول القرآن من تلقاء نفسه، فنزلت هذه الآيات [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 70.]].

قال أبو إسحاق: أي ما الذي يأتيكم به مما قاله بهواه.

53:4Page 526

إِنۡ هُوَ إِلَّا وَحۡيٞ يُوحَىٰ ٤

It is not but a revelation revealed,

﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ إنْ بمعنى ما [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 70.]].

قال الكلبي ومقاتل: ما القرآن إلا وحي من الله -عز وجل- يأتي به جبريل، فذلك قوله:

53:5Page 526

عَلَّمَهُۥ شَدِيدُ ٱلۡقُوَىٰ ٥

Taught to him by one intense in strength [i.e., Gabriel] -

﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [[انظر: "تفسير مقاتل" 130 أ، و"الوسيط" 4/ 193.]] قال ابن عباس والمفسرون: يعني جبريل [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 291، و"جامع البيان" 27/ 25، و"ابن كثير" 4/ 247.]] عليه السلام، والقوى جمع قوة

53:6Page 526

ذُو مِرَّةٖ فَٱسۡتَوَىٰ ٦

One of soundness.1 And he rose to [his] true form2

﴿ذُو مِرَّةٍ﴾. قال الكلبي: ذو شدة [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 291، و"معالم التنزيل" 4/ 245.]]، وقال مقاتل: ذو قوة [[انظر: "تفسير مقاتل" 130 أ، و"جامع البيان" 27/ 25، عن ابن زيد، ومجاهد، وسفيان.]].

ومعنى المِرَّة في اللغة شدة الفتل وشدة أسر الخلق، ومنه الحديث: "لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مِرَّة سَوي" [[حديث صحيح، أخرجه الإمام أحمد في "المسند" 2/ 164، 192 والترمذي في الزكاة، باب ما جاء من لا تحل له الصدقة 3/ 42، وأبو داود في الزكاة، باب من يعطى من الصدقة وحد الغنى 1/ 407، وابن ماجه في الزكاة 1/ 580 (26).]].

وأصل المرة من أمررت الحبل أي: شددت قتله، وكل قوة من قوى الحبل مرة، وجمعها مِرر [[انظر: "تهذيب اللغة" 15/ 196 (مر).]]. وتم الكلام عند قوله: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 87.]] وهو من نعت ﴿شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 95.]].

ثم قال: ﴿فَاسْتَوَى﴾ قال صاحب النظم: ﴿فَاسْتَوَى﴾ لا يحسن انتظامه بما قبله؛ لأن دخول الفاء لو كان متصلاً بما قبله لوجب أن يكون ما قبله للاستواء، وهو متصل بما بعده على تأويل ﴿فَاسْتَوَى﴾ أي جبريل ﴿وَهُوَ﴾ أي النبي -ﷺ-، وعلى هذا عطف بقوله ﴿وَهُوَ﴾ على الضمير المرفوع في ﴿اسْتَوَى﴾ من غير تأكيد.

قال الفراء: وأكثر كلام العرب إذا نسقوا على المكنى المرفوع أن يؤكدوه [[في (ك): (يؤكده، فيقول).]] قبل أن ينسقوا عليه فيقولون: استوى هو وأبوه ولا يكادون يقولون: استوى وأبوه، وربما فعلوا ذلك كقول الشاعر:

ألم تر أن النبع يصلب عوده ... ولا يستوى والخروع المتقصف [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 95، و"القطع والائتناف" ص 68، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 85، ولم أجد البيت منسوبًا.]]

قال أبو إسحاق: وهذا عند أهل اللغة لا يجوز مثله إِلَّا في الشعر، وإنما المعنى: استوى جبريل وهو بالأفق الأعلى على [[في (ك): (على) ساقطة.]] صورته الحقيقية فاستوى لأنه كان يتمثل للنبي -ﷺ- إذا هبط عليه بالوحي في سورة رجل فأحب رسول الله -ﷺ- أن يراه على حقيقته فاستوى في أفق المشرق فملأ الأفق، فالمعنى: فاستوى جبريل في الأفق الأعلى على صورته [[انظر: "معانى القرآن" للزجاج 5/ 70.]].

وشرح أبو علي الفارسي هذا الفصل فقال: قوله:

53:7Page 526

وَهُوَ بِٱلۡأُفُقِ ٱلۡأَعۡلَىٰ ٧

While he was in the higher [part of the] horizon.1

﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾ مرتفع ﴿هُوَ﴾ فيه بالابتداء وليس هو وهو، وكان قوله: ﴿بِالْأُفُقِ﴾ ظرفًا لـ (استوى)، وليس كذلك، ولكنه من استوى الذي هو يقتصر فيه على فاعل واحد، كقوله: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ [القصص: 14] ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: 5] فقوله: ﴿بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾ تأويلنا في موضع رفع بأنه خبر المبتدأ، وفيه ضمير للمبتدأ، وقد تبينت أنه لا دلالة لمن احتج بهذه الآية على جواز عطف الظاهر المرفوع على المضمر المرفوع من غير أن يؤكد، ولكن يجيء في الشعر كقوله:

قُلْتُ إذْ أَقْبَلَتْ وزُهْرٌ تَهادَى ... كَنِعاجِ اْلْمَلا تَعَسَّفنَ رَمْلا [[البيت لعمر بن أبي ربيعة كما في "ديوانه" ص 177، و"الكتاب" 1/ 390، و"الخصائص" 2/ 2، و"الإنصاف" ص 475.]]

انتهى كلامه [[لم أجده.]].

وعلى ما قالا: الواو في ﴿وَهُوَ﴾ واو الحال لا العطف، والضمير لجبريل.

وقول الفراء كما هو خطأ في العربية، ولم يقله أيضًا أحد من المفسرين الذين يعتمدون فيما أعلم، إنما جعلوا ﴿هُوَ﴾ ضميرًا لجبريل.

قال عطاء عن ابن عباس: رأى رسول الله -ﷺ- جبريل وهو بالأفق الأعلى في صورته له ستمائة جناح، ونحو هذا ذكر الكلبي عنه [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 293، وفي صحيح البخاري: كتاب التفسير، سورة == النجم 6/ 176، عن ابن مسعود بلفظ ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ ... رأي جبريل له ستمائة جناح.]].

وقال مقاتل ﴿وَهُوَ﴾ يعني جبريل ﴿بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾ يعني من قبل المطلع [[انظر: "تفسير مقاتل" 130 أ.]].

وقال الكلبي: يعني مطلع الشمس [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 291.]]، وهذا قول الجميع في الأفق الأعلى. يعني: أفوق المشرق [[انظر: "تفسير عبد الرزاق 2/ 250، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 88.]]. وذكرنا تفسير الأفق عند قوله: ﴿آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ﴾ [[عند تفسيره لآية (53) من سورة فصلت. حيث قال: واحد الآفاق أفق وهو الناحية من نواحي الأرض، وكذلك آفاق السماء أطرافها ونواحيها.]].

قال المفسرون: إن جبريل كان يأتي رسول الله -ﷺ- في صورة الآدميين فسأله رسول الله -ﷺ- أن يريه نفسه على صورته التي جعل عليها فأراه نفسه مرتين. مرة في الأرض، ومرة في السماء، فأما في الأرض ففي الأفق الأعلى، وذلك أن محمدًا [[قوله: (وذلك أن محمدًا) زيادة من "الوسيط" حيث لم تظهر في (ك).]] -ﷺ- كان بحراء [[حراء بالكسر والتخفيف والمد: جبل من جبال مكة على ثلاثة أميال.

انظر: "معجم البلدان" 2/ 233.]] فطلع له جبريل من المشرق فسد الأفق إلى المغرب، فخر رسول الله -ﷺ- مغشيًّا عليه، فنزل جبريل في سورة الآدميين وضمه إلى نفسه، وجعل يمسح الغبار عن وجهه، ومثل هذا [[في (ك): (ومثل هذا) لم تظهر ولعل ما أثبته يقيم العبارة.]] قوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ [التكوير: 23]، وأما في السماء فعند سدرة المنتهى، ويأتي بيانه بعد ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾.

هذا، ولم يره أحد من الأنبياء [[في (ك): (الأنبياء) مطموسة.]] على تلك الصورة إلا محمد -ﷺ- [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 4 أ - ب، و"الوسيط" 4/ 193، و"معالم التنزيل" 4/ 245، و"زاد المسير" 8/ 65.]].

وقوله: ﴿الْأَعْلَى﴾ ليس المراد به الأعلى في السماء، وإنما المراد بالأعلى جانب المشرق، وهو فوق جانب المغرب، فهو أعلى منه في صعيد الأرض لا في الهواء. وقد يقال لما استعلى من البلاد آفاق تشبيهًا بآفاق السماء ومنه قول امرئ القيس:

فقد طوفتُ بالآفاق حتى ... رضيتُ من الغنيمةِ بالإياب [[تقدم تخريجه.]].

ويجوز أن يكون المراد بالأفق الأعلى طرف السماء، ويدل على صحة هذا التفسير الذي ذكرنا وهو أن جبريل كان بالأفق الأعلى دون محمد -ﷺ-.

53:8Page 526

ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ ٨

Then he approached and descended

﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ التدلي مطاوع التدلية [[انظر: "التفسير الكبير" 28/ 285، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 247، و"تفسير القاسمي" 15/ 5557.]] يقال: دليت الشيء في مهواه فتدلى، فمعنى التدلي الامتداد إلى جهة السفل، يقال: تدلى العذق تدليًا. هذا هو الأصل، ثم يستعمل في القرب من العلو، وهذا قول الفراء [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 95.]].

وقال صاحب النظم: هذا من التقديم والتأخير؛ لأن المعنى: ثم تدلى فدنا، لأن التدلي سبب الدنو [[انظر: "التفسير الكبير" 28/ 286، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 89.]].

قال ابن الأعرابي: تدلى إذا قرب بعد علو، وتدلى تواضع، ويقال: تدلى فلان علينا من أرض كذا، أي: أتانا، يقال: من أين تدليت علينا. قال أسامة الهذلي [[أسامة بن الحارث الهذلي، يكنى أبا سهم، كان من بني عمرو بن الحارث، عاش في الجاهلية وصدر الإسلام. انظر: "الشعر والشعراء" 419، الإصابة 1/ 20، و"ديوان الهذليين" 2/ 152، و"معجم الشعراء الجاهليين والمخضرمين" ص 14.]]:

تَدَلَّى عَلَينا وهْوَ زُرْقٌ جِمَامُهُ ... له طِحْلِبٌ في مُنْتَهَى القَيْضِ هَامِدُ [[انظر: "تهذيب اللغة" 14/ 173 (دال)، و"اللسان" 1/ 1009 (دلا)، وروايتهما: زرق حمامةٍ، وكذا ذكرها المؤلف، وفي زيادات "ديوان الهذليين" 3/ 1351: زرقٌ جمامهُ، وهو الصواب. ومعناه الماء الصافي الكثير.]]

وقال لبيد:

فَتَدَلَّيْتُ عليه قَافِلًا ... وعلى الأرضِ غَيَايَاتُ الطَّفَل [[انظر: "ديوان لبيد" ص 145، غيايات الطفل: هو ظل الشمس بالعشي. "اللسان"

599/ 2 (طفل)، 1/ 1039 (غيا).]]

أراد أنه نزل من مر بابه وهو على فرسه راكب. ولا يكون التدلي إلا من علو إلى أسفل [[انظر: "تهذيب اللغة" 14/ 173 (دال)، و"اللسان" 1/ 1008 (دلا).]]. قال الكلبي: ثم دنا جبريل من محمد فتقرب منه [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 292، و"معاني القرآن" للفراء 3/ 95.]].

وقال الحسن، وقتادة: ثم دنا جبريل بعد استوائه بالأفق الأعلى من الأرض فنزل إلى محمد -ﷺ- [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 250، و"الوسيط" 4/ 193، و"معالم التنزيل" 4/ 246.]].

وقال أبو صالح: جبريل الذي دنا فتدلى [[انظر: "الوسيط" 4/ 193، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 88.]].

قال أبو إسحاق: معنى (دنا فتدلى) واحد، لأن المعنى أنه قرب، وتدلى زاد في القرب كما تقول: قد دنا مني فلان وقرب، ولو قلت: قرب مني ودنا جاز [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 70.]].

قال أبو بكر بن الأنباري: معنى الآية: ثم تدلى جبريل فدنا من محمد -ﷺ-، فقدم (دَنَا) على (تدلى) لأن الفعلين المصطحبين اللذين إذا وقع أحدهما موقع الآخر كان تقدم المتقدم كتأخره، كقولك: دنوت فقربت، وقربت فدنوت، لا فرق بينهما، وكذلك ظلمتني فأسأت، بمنزلة: أسأت فظلمتني، ومنه قوله: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: 1]. معناه انشق القمر واقتربت الساعة [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 89، و"فتح القدير" 5/ 106، وهو قول الفراء أيضًا. انظر: "معاني القرآن" 3/ 95.]].

53:9Page 526

فَكَانَ قَابَ قَوۡسَيۡنِ أَوۡ أَدۡنَىٰ ٩

And was at a distance of two bow lengths or nearer.

﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ القاب من القوس ما بين المقبض والسية [[سية القوس: ما عطف من طرفيها، ولها سيتان، وقيل: رأسها، وقيل: ما اعوج من رأسها. "اللسان" 2/ 255 (سيا).]]. ولكل قوس قابان، والقاب في اللغة أيضًا القَدْر.

قال أبو عبيدة: قدر قوسين، ونحو ذلك قال الفراء والزجاج [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 236، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 71، و"اللسان" 3/ 11 (قوب).]].

وقال ابن السكيت: يقال: قاب قوس وقيب، وقال رمح، وقيد رمح. كله بمعنى القدر [[انظر: "إصلاح المنطق" ص 89، ولفظه: قاب قوس وقيب قوس، وقيس رمح وقاس رمح .. ، و"تهذيب اللغة" 9/ 247 (قاد).]]. وهذا هو المعنى بما في الآية لا الأول وهو قول المفسرين جميعًا [[انظر: "جامع البيان" 27/ 27، و"معالم التنزيل" 4/ 246، و"القرطبي" 17/ 89.]].

قال الكسائي: وهي لغة حجازية، يقال: كان مني قاب قوسين، وقال قوشن، وقيد قوسين [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 5 ب.]]، وانتصب قاب على خبر كان.

قال الزجاج: المعنى كان ما بينه وبين رسول الله -ﷺ- مقدار قوسين [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 71.]].

وقال الكلبي: ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ﴾ قدر قوسين من القسط العربية، وهو قول مجاهد، ورواية عكرمة عن ابن عباس، وعطاء قالوا: قدر قوسين [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 292، و"الوسيط" 4/ 194، و"معالم التنزيل" 4/ 246، و"زاد المسير" 8/ 76.]].

وقال الكلبي، والحسن، وقتادة: قيد قوسين [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 250، و"جامع البيان" 27/ 27.]].

والمراد بالقوس هي التي ترمى منها في قول هؤلاء وخصت بالذكر على عادتهم كما ذكره الكسائي [[انظر: "الوسيط" 4/ 194.]].

وقال عبد الله: قدر ذراع أو ذراعين [[انظر: "جامع البيان" 27/ 27.]].

وروى عاصم عن أبي رزين قال: القاب: القيد، والقوس: الذراع. وهذا قول شقيق [[في (ك): (سفيان) والصواب ما أتبته.]] بن سلمة، وسعيد بن جبير، وأبي إسحاق الهمداني قالوا: قدر ذراعين [[انظر: "جامع البيان" 27/ 27، و"الوسيط" 4/ 194، "القرطبي" 17/ 90. == قال ابن حجر: وينبغي أن يكون هذا القول هو الراجح، فقد أخرج ابن مردويه بإسناد صحيح عن ابن عباس قال: القاب القدر، والقوسان الذراعان، ويؤيده أنه المراد به القوس التي يرمى بها لم يمثل بذلك ليحتاج إلى التثنية، فكان يقال مثلاً: قاب رمح أو نحو ذلك. "فتح الباري" 8/ 610.]]، وعلى هذا معنى القوس: ما يقاس به الشيء، أي: يقدر كالذراع.

قال ابن السكيت: قاس الشيء يَقُوسُه قوسًا لغة في قاسه إذا قدرته، يقال قِسْتُه وقُسْتُه [[انظر: "إصلاح المنطق" 137، و"تهذيب اللغة" 9/ 225 (قاس).]].

والقوس مصدر كالقيس، ثم سُمِّي ما يقاس به الشيء قوسًا، وهي لغة أهل الحجاز.

وروى الشعبي عن مسروق قال: قلت لعائشة رضي الله عنها في قوله [[في (ك): (في قوله) ساقطة.]]: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ قال: ذاك جبريل [[انظر: "صحيح مسلم"، كتاب الإيمان، باب قوله عز وجل ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ 1/ 159، و"جامع البيان" 27/ 27، و"الوسيط" 4/ 194.]]، وهو قول ابن عباس، والحسن، وقتادة، والربيع [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 251، و"ابن كثير" 4/ 249، و"فتح الباري" 8/ 608.]].

وقوله: (أَوْ أَدْنَى) أو أقرب بنصف القوس، وقال مقاتل: بل أقرب من ذلك [[انظر: "تفسير مقاتل" 130 أ.]].

قال أبو إسحاق: خاطب الله تعالى العباد على لغتهم ومقدار فهمهم، والمعنى: أو أدنى فيما تقدرون أنتم كما تقول في الشيء تقدره: هذا قدر رمحين، أو نقص، أو أرجح، والله تعالى عالم بمقادير الأشياء من غير شك، ولكنه يخاطبنا على ما جرت به عادة المخاطبة فيما بيننا [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 71.]]، وقد مر مثل هذا في قوله: ﴿إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [[من آية (147) من سورة الصافات. قال: ﴿أَوْ يَزِيدُونَ﴾ قال أبو عبيدة: أو هاهنا ليست شك، وقالوا هي في موضع الواو .. وهو قول قطرب واختيار ابن قتيبة، ومثله (أَوْ أَدْنَى) ﴿أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ وبعضهم يذهب إلى أنها بمعنى (بل)، وبه قال الفراء وهو قول مقاتل والكلبي ... وقال الأخفش: كانوا كذلك عندكم .. وبه قال الزجاج.]].

ومعنى الآية أن جبريل مع عظمه وكثرة أجزائه حتى سد الأفق بجناحه دنا من النبي -ﷺ- في غير تلك الصورة حتى قرب منه بعدما رآه على الصورة الأولى، وفي ذلك بيان قدرة الله تعالى.

53:10–11Page 526

فَأَوۡحَىٰٓ إِلَىٰ عَبۡدِهِۦ مَآ أَوۡحَىٰ ١٠

And he revealed to His Servant1 what he revealed [i.e., conveyed].

مَا كَذَبَ ٱلۡفُؤَادُ مَا رَأَىٰٓ ١١

The heart1 did not lie [about] what it saw.

قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء والكلبي: أوحى جبريل إلى النبي -ﷺ- ما أوحى الله إليه [[انظر: "الوسيط" 4/ 195، و"معالم التنزيل" 4/ 246.]].

وقال قتادة: يوحي الله إلى جبريل ويوحي جبريل إلى محمد -ﷺ-، هذا قول الحسن، وابن زيد [[انظر: "جامع البيان" 28/ 27، و"الكشف والبيان" 12/ 6 أ، و"الوسيط" 4/ 195، و"معالم التنزيل" 4/ 246.]]، واختيار الفراء، والزجاج، وابن الأنباري [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 95، و"معاني القرآن"، للزجاج 5/ 71.]].

قوله: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ يقال: كذبني فلان بالتخفيف، أي: قال لي الكذب ولم يصدقني، وهذا فعل يتعدى إلى مفعول واحد، يدل عليه قول الأخطل:

كَذَبَتْكَ عَيْنُكَ أم رَأيتَ بواسِطٍ ... غَلَسَ الظَّلامِ من الرَّبابِ خَيَالاَ [[انظر: "ديوان الأخطل" 1/ 105، و"الكتاب" 3/ 174، و"الخزانة" 6/ 9، و"مغني اللبيب" ص 45، و"المقتضب" 3/ 295.]]

أي أرتك ما لا حقيقة له، كما أنك إذا قلت كذبتني عيني، معناه: رأت ما لا حقيقة له، ومعنى الآية: كانت رؤيته صحيحة غير كاذبة.

قال المفسرون: هذا إخبار عن رؤية النبي -ﷺ- ربه ليلة المعراج.

قال ابن عباس في رواية عطاء: رأى ربه بقلبه [[أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب قول الله -عز وجل- ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ 1/ 158، بلفظ (رآه بقلبه).

قال ابن حجر: وأصرح من ذلك ما أخرجه ابن مردويه من طريق عطاء أيضًا عن ابن عباس قال: لم يره رسول الله -ﷺ- بعينه، إنما رآه بقلبه. "فتح الباري" 8/ 608.]].

وقال في رواية باذان: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ﴾ يعني فؤاد رسول الله -ﷺ-، وإنما رأى محمد ربه بفؤاده ولم يره بعينه [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 292، و"الدر" 6/ 125، وزاد نسبة تخريجه لابن جرير وعبد بن حميد.]].

وقال في رواية عكرمة: رآه بقلبه [[أخرجه الترمذي في التفسير، سورة النجم، 5/ 369، وقال: هذا حديث حسن، وابن جرير في "جامعه" 27/ 28، وعبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 251.]].

وقال في رواية أبي العالية: رآه بفؤاده [[انظر: صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ 1/ 158 ولفظه: (رآه بفؤاده مرتين)، و"مسند الإمام أحمد" 2/ 223، و"الطبري" 27/ 29.]]، ونحو هذا روي عن أبي ذر [[رواه ابن خزيمة بلفظ: (رآه بقلبه ولم يره بعينه)، و"فتح الباري" 8/ 608.]]، وإبراهيم التيمي. وعلى هذا القول: رأى النبي -ﷺ- ربه بفؤادهِ رؤية صحيحة، وهو أن الله تعالى جعل بصره في فؤاده، أو خلق لفؤاده بصرًا حتى رأى به رؤية غير كاذبة كما يرى بالعين [[انظر: "شرح النووي على مسلم" 3/ 6، و"معالم التنزيل" 4/ 246، و"الجامع لأحكام القرآن" 17/ 92.]].

ومذهب جماعة من المفسرين أنه رآه بعينه، وهو قول أنس [[رواه ابن خزيمة بلفظ: (رأى محمدٌ ربه)، و"فتح الباري" 8/ 608.]]، وعكرمة، والحسن، وكان يحلف بالله لقد رأى محمد ربه [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 253.]]، ونحو ذلك قال الربيع [[صحيح مسلم بشرح النووي 3/ 7 - 6، و"فتح الباري" 8/ 608، وزاد نسبة هذا القول لعروة بن الزبير وكعب الأحبار، والزهري، ومعمر، والأشعري، وغالب أتباعه، وسائر أصحاب ابن عباس، والإمام أحمد.]].

وروى عكرمة أنه قال: أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم، والكلام لموسى، والرؤية لمحمد -ﷺ- [[أخرجه الحاكم في "مستدركه"، كتاب التفسير، تفسير سورة النجم 2/ 469 وقال: حديث صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه. وانظر: "فتح الباري" 8/ 606.]].

وروى عبد الله بن الحارث عن ابن عباس أنه قال: أما نحن بنو هاشم فنقول إن محمدًا رأى ربه مرتين [[أخرجه الترمذي في كتاب "التفسير" 5/ 368، من كلام كعب، حيث قال: فقال كعب: وإن الله قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى، فكلم موسى مرتين، ورآه محمد مرتين.

وابن جرير في "تفسيره" 27/ 31، وذكر عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 252 قول ابن عباس تم قال: فكبر كعب حتى جاوبته الجبال، ثم قال .. وذكر كلام كعب.]].

وكل هؤلاء أثبتوا رؤية صحيحة إما بالعين والبصر، وإما بالفؤاد على ما بينا [[قال ابن كثير رحمه الله: ومن روى عنه -أي: عن ابن عباس- بالبصر فقد أغرب، فإنه لا يصح في ذلك شيء عن الصحابة رضي الله عنهم، وقول البغوي في تفسيره: وذهب جماعة إلى أنه رآه بعينه، وهو قول أنس، والحسن، وعكرمة، فيه نظر والله أعلم. "تفسير القرآن العظيم" 4/ 250.

قلت: وما ذكره ابن كثير -رحمه الله- عن البغوي هو كلام الواحدي، وإنما نقله البغوي عنه.

والخلاف في هذه المسألة مشهور، وبقول كلِّ قال أناس من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، والنصوص الواردة في هذا الباب لا تؤيد وجهة أحدهما، ولهذا نقل القاضي عياض عن بعض مشايخه التوقف ورجحه القرطبي.

انظر: "فتح القدير" 8/ 608، و"روح المعاني" 27/ 53.

وحكى عثمان بن سعيد الدارمي اتفاق الصحابة على أنه لم يره.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وليس قول ابن عباس "أنه رآه" مناقضًا لهذا، ولا قوله (رآه بفؤاده) وقد صح عنه أنه قال: (رأيت ربي تبارك وتعالى) ولكن لم يكن هذا في الإسراء، ولكن كان في المدينة لما احتبس عنهم في صلاة الصبح.

وأما الرؤية فالذي ثبت في الصحيح عن ابن عباس أنه قال: (رأى محمد ربه بفؤاده مرتين) وعائشة أنكرت الرؤيقى فمن الناس من جمع بينهما فقال: عائشة أنكرت رؤية العين، وابن عباس أثبت رؤية الفؤاد ... والألفاظ الثابتة عن ابن عباس هي مطلقة أو مقيدة بالفؤاد تارة .. ولم يثبت عن ابن عباس لفظ صريح بأنه رآه بعينه. وكذلك الإمام أحمد .. لكن طائفة من أصحابه سمعوا بعض كلامه المطلق ففهموا منه رؤية العين، كما سمع بعض الناس مطلق كلام ابن عباس ففهم منه رؤية العين. "مجموع الفتاوى" 6/ 507، 509. قلت: وبهذا الكلام النفيس يتبين اتفاق الصحابة -رضوان الله عليهم- على أنه لم يره بعينه، والله أعلم. وانظر: "زاد المعاد" 3/ 37، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 250 - 251، و"شرح العقيدة الطحاوية" 2/ 222 - 26، و"تفسير ابن عباس ومروياته في التفسير من كتب السنة" 2/ 835 - 841.]].

قال المبرد: ومعنى الآية أنه رأى شيئًا فصدق فيه [[انظر: "التفسير الكبير" 28/ 289.]].

وقال أبو الهيثم: أي لم يكذب الفؤاد رؤيته و (مَا رَأَى) بمعنى الرؤية. يقال: ما أوهمه الفؤاد أنه رأى ولم [[في (ك): (أي لم) والصواب ما أثبته.]] ير، بل صدقه الفؤاد رؤيته [[انظر: "تهذيب اللغة" 10/ 170، و"اللسان" 3/ 233 (كذب).]]، وعلي هذا (مَا رَأَى) مصدر في موضمع النصب؛ لأنه مفعول كذب.

وقرأ ابن عامر (مَا كَذَّبَ) بالتشديد [[قرأ أبو جعفر، وابن عامر في رواية هشام: (ما كَذَب) مشددة، وقرأ ابن عامر في رواية ابن ذكران وبقية العشرة (ما كَذَبَ) مخففة. انظر: "حجة القراءات" ص 65، و"النشر" 2/ 39، و"الإتحاف" ص 402.]]، قال المبرد: ومعناه أنه رأى شيئًا بقلبه. قال: وفي هذه القراءة بعد؛ لأنه إذا رأى بقلبه فقد علمه أيضًا بقلبه، وإذا وقع العلم فلا تكذيب معه، لأن القلب يكذب ويصدق فإذا كان الشيء في القلب معلومًا فكيف يكون معه تكذيب، وهذا على ما قال المبرد إذا جعلت الرؤية للفؤاد، فإن جعلتها للعين زال هذا الإشكال وصح هذا المعنى، فيقال: ما كذب فؤاده ما رآه ببصره [[انظر: "الوسيط" 4/ 195، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 264، قال ابن جرير في معنى قراءة التشديد: إن الفؤاد لم يكذب الذي رأى، ولكنه جعله حقًّا وصدقًا، وقد يحتمل أن يكون معناه إذا قرئ كذلك ما كذب صاحب الفؤاد ما رأى .. لذا هو أولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب قراءة من قرأ بالتخفيف لإجماع الحجة من القراء عليه، والأخرى غير مدفوعة صحتها لصحة معناها. "جامع البيان" 27/ 29. قلت: وإذا أمكن توجيه القراءة وحملها على وجه صحيح فلا مجال لردها، كيف وقد صحت عن رسول الله -ﷺ- وعندها فلا قبول لقول أحد بعد صحتها عن أفصح العرب -ﷺ- مهما بلغت درجته ومنزلته ونسأل الله له المغفرة.]].

وأنكرت عائشة رضي الله عنها رؤية محمد -ﷺ- ربه ليلة المعراج، وكانت تخالف ابن عباس في مذهبه وتذهب بهذه الرؤية إلى رؤية جبريل [[انظر: "سنن الترمذي" كتاب التفسير 5/ 368، عن مسروق، عن عائشة، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 249، وبهذا قال ابن مسعود وأبو ذر، وأبو هريرة.]]. وظاهر الآية مع ابن عباس، وقد قال معمر: ما عائشة عندنا بأعلم من ابن عباس [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 252.]].

ثم هذا الاختلاف من أدل دليل على أن البارئ جائز الرؤية؛ لأن ما لا تجوز رؤيته لا يختلف في رؤيته، وعائشة أنكرت الرؤية في الدنيا وقبل الموت، واحتجت بقوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [[قلت: تقدم الكلام على هذه المسألة. وفي قوله تعالى ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ وفي الأخبار الصحيحة المشهورة ما يثبت وقوعها للمؤمنين في الآخرة، وإذا جازت في الآخرة جازت في الدنيا لتساوي الوقتين بالنسبة إلى المرئي.

وقال الإمام مالك: إنما لم يُرَ سبحانه في الدنيا، لأنه باق، والباقي لا يرى بالفاني، فإذا كان في الآخرة ورزقوا أبصارًا باقية رأوا الباقي بالباقي. انظر: "فتح الباري" 8/ 607 - 608.]] [الأنعام: 103] الآية.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском