Al-Wahidi (al-Basit)Maryam · 19:1–8

Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic

مريم

Maryam

Mary · Meccan · 98 ayahs

19:1Page 305

كٓهيعٓصٓ ١

Kāf, Hā, Yā, ʿAyn, Ṣād.1

﴿كهيعص﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: (كاف: كاف، ها: هاد، عين: عالم، صاد: صادق، والياء: يد من الله على خلقه) [[انظر "جامع البيان" 16/ 41، "بحر العلوم" 2/ 317، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 74.]]. وهذا قول الكلبي، وزاده بيانا فقال: (معناه كاف لخلقه، هاد لعباده، يده فوق أيديهم، عالم ببريته، صادق في وعده) [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 5، "جامع البيان" 16/ 42،"معالم التنزيل" 5/ 218، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 74.]]. وعلى هذا كل واحد من هذه الحروف يدل على صفة من صفات الله.

وذكر أبو الهيثم قال: (روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال في "كهيعص": هو كاف، هاد، يمين، عزيز، صادق) [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 5، "جامع البيان" 16/ 41، "معالم التزيل" 5/ 218، "الدر المنثور" 4/ 465.]].

قال أبو الهيثم: (جعل الياء من يمين من قولك: يمن الله الإنسان يمينه، يمنًا، ويُمْنًا فهو مَيْمُون، قال: فَاليَمِيْنُ واليَامِنُ يكونان بمعنى واحد كالقدير والقادر) [["تهذيب اللغة" (يمن) 4/ 3984.]].

وقال أبو إسحاق: (قال أكثر أهل اللغة: إنها حروف التَّهَجِّي تدل على الابتداء بالسورة) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 317.]] [[قال الطبري في "تفسيره" 1/ 93: والصواب من القول عندي في تأويل مفاتيح السور التي هي حروف المعجم: أن الله ثناؤه جعلها حروف مقطعة ولم يصل بعضها ببعض فيجعلها كسائر الكلام المتصل الحروف؛ لأنه عن ذكره أراد بلفظه الدلالة بكل حرف منه على معان كثيرة لا على معنى واحد. وقال ابن كثير في "تفسيره" 1/ 40: إنما ذكرت هذه الحروف في أوائل السور التي ذكرت فيها بيانا لإعجاز القرآن وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله، هذا مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعه التي يتخاطبون بها.

وقال الشوكاني في "تفسيره" 3/ 364: وكما وقع الخلاف في هذا وأمثاله بين الصحابة وقع بين من بعدهم ولم يصح مرفوعًا في ذلك شيء، ومن روي عنه من الصحابة في ذلك شيء فقد روي عن غيره ما يخالفه، وقد يروى عن الصحابي نفسه التفاسير المتخالفه المتناقضة في هذه الفواتح فلا يقوم شيء من ذلك حجة، بل الحق الوقف ورد العلم في مثيلها إلى الله سبحانه.

انظر: "المحرر الوجيز" 1/ 138، "الجامع لأحكام القرآن" 1/ 154، "التفسير الكبير" 2/ 5، "التحرير والتنوير"1/ 94، " أضواء البيان" 4/ 399، "مشكل القرآن" لابن قتيبة 299.]].

وقُرئ: ها، يا، بالتفخيم والإمالة [[قرأ: أبو بكر عن عاصم، والكسائي: (كهيعص) بإمالة الهاء والياء. وقرأ: أبو عمرو البصري: (كهيعص) بإمالة الهاء وفتح الياء. وقرأ: ابن عمر، وحمزة: (كهيعص) بإمالة الياء وفتح الهاء. وقرأ: نافع المدني: (كهيعص) بين اللفظين فيهما، وذكر عنه الفتح. وقرأ: ابن كثير المكي، وحفص عن عاصم: (كهيعص) بفتحهما وتبيين الدال. انظر: "السبعة" ص 406، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 184، "المبسوط في القراءات" ص 242، "حجة القراءات" ص 437، "التبصرة" ص 255.]]. قال أبو علي: (إمالة هذه الحروف لا يمتنع؛ لأنها ليست بحروف معنى، وإنما هي أسماء لهذه الأصوات) [["الحجة للقراء السبعة" 185/ 5.]].

قال سيبويه: (قالوا: يا، تا؛ لأنها أسماء ما يتهجى به) [["الكتاب" لسيبويه 2/ 267.]]. (فلما كانت أسماء غير حروف [جازت فيها الإمالة كما جازت في الأسماء، ويدلك على أنها أسماء غير حروف] [[ما بين المعقوفتين ساقط من (س).]] أنها إذا أخبرت عنها أعربتها، كما أن أسماء العدد إذا أخبرت عنها أعربتها، فكما أن أسماء العدد قبل أن تعربها أسماء، فكذلك هذه الحروف، وإذا كانت أسماء شاعت فيها الإمالة) [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 185.]].

وروى حفص عن عاصم: عين صاد بين النون [[انظر: "السبعة" ص 407، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 185.]].

قال أبو عثمان: (بيان النون مع حروف الفم [[في (ص): (الفهم)، وهو تصحيف.]] لحن؛ إلا أن هذه تجري على الوقف عليها والقطع لها مما بعدها، فحكمها البيان وأن لا تُخفى) [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 185.]]. (وقول عاصم هو القياس فيها، وكذلك أسماء العدد حكمها على الوقف وعلى أنها منفصلة مما بعدها، ومما يبين أنها على الوقف أنهم قالوا: ثلاثة، أربعه، فألقوا حركة الهمزة على الهاء لسكونها ولم يقلبوها تاء وإن كانت موصولة لما كانت النية بها الوقف، فكذلك النون ينبغي أن تبين؛ لأنها في نية الوقف والانفصال مما بعدها. ولمن لم يبين أن يستدل بتركهم قطع الهمزة في قولهم: ﴿الم (1) اللَّهُ﴾ [آل عمران: 1،2] ألا ترى أن الهمزة لم تقطع، وإن كانت في تقدير الانفصال مما قبلها، وكما لم تقطع الهمزة في (الم الله) وفي قولهم: واحد اثنان، كذلك لم تبين النون؛ لأنها جعلت في حكم الاتصال كما كان الهمزة فيما ذكرنا) [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 186.]]. كذلك قال أبو الحسن: (تبين النون أجود في العربية؛ لأن حروف العدد والهجاء منفصل بعضه من بعض، وعامة القراء على خلاف التبيين) [["معاني القرآن" للأخفش 1/ 173، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 186.]].

19:2Page 305

ذِكۡرُ رَحۡمَتِ رَبِّكَ عَبۡدَهُۥ زَكَرِيَّآ ٢

[This is] a mention of the mercy of your Lord to His servant Zechariah

وقوله تعالى: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾ قال أبو إسحاق: ("ذكر" مرتفع بالمضمر المعنى: هذا الذي نتلو عليك ذكر) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 318.]]. قال الأخفش: (كأنه قال: ومما نقص عليك ذكر رحمة ربك) [["معاني القرآن" للأخفش 2/ 624.]].

وذكر الفراء وجها آخر فقال: (الذكر مرفوع بكهيعص) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 161. قال أبو البقاء في "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 110: وفيه بعد؛ لأن الخبر هو المبتدأ في المعنى وليس في الحروف المقطعة ذكر الرحمة، ولا في ذكر الرحمة معناها.]]. وأنكره الزجاج فقال: (هذا محال؛ لأن كهيعص ليس مما أنباء الله به عن زكريا، ولم يجيء في شيء من التفسير أن كهيعص هو قصة زكريا) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 318.]].

وقول الفراء صحيح على قول من يقول: كهيعص اسم لهذه السورة، وهو قول الحسن [["النكت والعيون" 3/ 352، "معالم التنزيل" 5/ 217، "زاد المسير" 5/ 206.]]. ويصير المعنى كأنه قيل هذه السورة ذكر رحمة ربك، وقد تضمنت هذه السورة قصة زكريا.

وذكر صاحب النظم هذا القول فقال: (هذه الحروف كأنها اسم لهذه السورة، فصارت مبتدأ وصار خبرها في قوله: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ﴾ [[في (ص): (ثم حذف المضاف)، زائد على الأصل.]] [[ذكره نحوه بلا نسبة "المحرر الوجيز" 9/ 423، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 75، "البحر المحيط" 6/ 172.]].

وقال ابن الأنباري مصححًا قول الفراء منكرًا على الزجاج: (تلخيص قول الفراء كهيعص ابتداء ذكر رحمة ربك، وتقدمه ذكر رحمة ربك ثم حذف المضاف، وافتتاح الشيء داخل فيه ومحسوب من جملته) [[أورده بلا نسبة "المحتسب" 2/ 37، "المحرر الوجيز" 9/ 425، "البحر المحيط" 6/ 172، "الدر المصون" 7/ 561.]]. والمراد بالرحمة هاهنا: إجابة الله تعالى زكريا حين دعاه وسأله الولد [["النكت والعيون" 3/ 354، "التفسير الكبير" 11/ 179، "فتح القدير" 3/ 458.]]. وانتصب قوله: "عبده" بالذكر، ومعنى الآية على التقديم والتأخير تقديرها: ذكر ربك عبده بالرحمة، هذا قول الفراء، والزجاج، وصاحب النظم [["معاني القرآن للفراء" 2/ 261، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 318.]].

وقال الأخفش: (انتصب العبد بالرحمة كما نقول: هذا ذكر ضرب زيد عمرا) [["معاني القرآن" للأخفش 2/ 624.]]. وهذا هو الوجه؛ لأن الله تعالى ذكر في هذه السورة رحمته زكريا بإجابة دعائه، وليس يحتاج في هذا القول تقدير التقديم والتأخير.

19:3Page 305

إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥ نِدَآءً خَفِيّٗا ٣

When he called to his Lord a private call [i.e., supplication].

قوله تعالى: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ بمعنى: الخافي، يقال: خفي الشيء يخفى، خفاء، فهو خاف، وخفي كما يقال: سامع وسميع [[انظر: "تهذيب اللغة" (خفى) 1/ 1070، "المعجم الوسيط" (خفى) 1/ 247.]]. قال ابن عباس: (يريد يخفي ذلك في نفسه) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "النكت والعيون" 3/ 354، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 113، " الجامع لأحكام القرآن" 11/ 76، "التفسير الكبير" 21/ 180، "روح المعاني" 16/ 59.]]. قال ابن جريج: (لا يريد رياء) [["جامع البيان" 16/ 45، " النكت والعيون" 3/ 354، "المحرر الوجيز" 9/ 426، "زاد المسير" 5/ 206، "الدر المنثور" 4/ 466.]].

وهذا يدل على أن المستحب في الدعاء الإخفاء. قال الحسن: (وقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء، وما يسمع لهم صوت إن كان إلا همسًا بينهم وبين ربهم، وذلك أن الله -عز وجل- يقول [[قوله: (يقول)، ساقط من (ص).]]: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: 55] [[ذكر نحوه مختصرًا الهواري في "تفسيره" 3/ 6.]]. وذكر الله عبدا صالحًا ورضي قوله فقال: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ وقال الكلبي: (أخفاه وأسره عن قومه لئلا يسمعوه) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة.

انظر: "بحر العلوم" 2/ 318، "زاد المسير" 5/ 206، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 76، "التفسير الكبير" 11/ 180، "البحر المحيط" 6/ 173 "أنوار التنزيل" 4/ 2.]]. وهذا يقرب من قول من قال: إنما أخفى؛ لأنه خاف أن يلام على مسألته الولد عند كبر سنه فدعاء الله خفيا من قومه. وهذا القول حكاه ابن الأنباري عن الكلبي، ومقاتل بن سليمان قالا: (إنما أخفى نداءه استيحاء من أن يرى الناس شيخا كبيرا يتمنى الولد ويحب أن يرزقه) [["النكت والعيون" 3/ 354، "زاد المسير" 5/ 206. وقال الشقيطي في "أضواء == البيان" 4/ 204 بعد ذكر هذه الأقوال: كل ذلك ليس بالأظهر، والأظهر أن السر في إخفائه هو ما ذكرنا من كون الإخفاء أفضل من الإعلان في الدعاء.]].

19:4Page 305

قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ ٱلۡعَظۡمُ مِنِّي وَٱشۡتَعَلَ ٱلرَّأۡسُ شَيۡبٗا وَلَمۡ أَكُنۢ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّٗا ٤

He said, "My Lord, indeed my bones have weakened, and my head has filled1 with white, and never have I been in my supplication to You, my Lord, unhappy [i.e., disappointed].

قوله تعال ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ وهن: ضعف يَهِن وَهْنا، ووَهَنا، فهو واهنِ، وأوهنه يُوهِنُه [[انظر: "تهذيب اللغة" (وهن) 4/ 3966، "مقاييس اللغة" (وهن) 6/ 149، "القاموس المحيط" (وهن) 1239، "لسان العرب" (وهن) 8/ 4935.]]. ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ﴾ أي: انتشر فيه الشيب كما ينتشر شعاع النار في الحطب، وهذا من أحسن الإشارة إذ شبه بياض الشيب وانتشاره في الرأس بشعاع النار وانتشارها [[انظر: "النكت والعيون" 3/ 355، "المحرر الوجيز" 9/ 426، "الكشاف" 2/ 405، "الإيضاح في علوم البلاغة" 302، "البرهان في علوم القرآن" 3/ 435.]]. وأصل هذا الحرف من الاشتعال يقال: غارة مُشْعِلة، وقد أَشْعَلَت إذا تفرقت.

قال ابن السكيت: (جاء جيش كالجراد المُشْعِل، وهو الذي يخرج في كل وجه، وكَتِيْبَةٌ مُشْعَلَةُ: إذا انتشرت) [["تهذيب اللغة" (شعل) 2/ 1891.]]. قال جرير [[البيت لجرير في قصيدة يهجو بها الأخطل، المُشْعَلَة: المتفرقه والرِّعَال: قطع الخيل. وتُغاوِلُ: تبادر سرعة. وشَمَام: جبل.

انظر: "ديوان جرير" ص 224، "تهذيب اللغة" (غال) 3/ 2624، "لسان العرب" (غول) 6/ 3319.]]:

عَايَنْت مُشْعِلَةَ الرِّعَالِ كَأنَّها طَيْرٌ ... تُغَاوِلُ في شَمَامِ وُكُوْرا

ويقال أيضًا: أَشْعَلْت جَمْعَهم، أي: فرقتهم، ومنه يقال: أَشْعَلْتُ النار في الحطب، أي: فرقتها فيه فَاشْتَعَلَت. قال الزجاج: (يقال للشيب إذا كثر جدا: قد اشتعل رأس فلان) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 319.]]. قال لبيد [[البيت للبيد من قصيدة يتحدث فيها عن مآثره ومواقفه، ويأسى لفقد أخيه أربد. انظر: "ديوان لبيد بن ربيعة" ص 140.]]: أَلَمْ تَرَى رَأْسي أَمْسَى وَاضِحًا ... سُلِّطَ الشَّيْب عَلَيْه فَاشْتَعَل

أي: انتشر وكثر، والإشتعال للشيب إلا أنه نقل الفعل إلى الرأس فخرج الشيب مفسرًا ولذلك نصب كما يقال: ألم رأسه، ووجع بطنه [["إملاء ما من به الرحمن" 1/ 110، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 301.]].

وقال بعضهم: انتصب قوله: "شيبا" على المصدر كأنه قال: شاب رأسي شيبًا [["معاني القرآن" للأخفش 2/ 624، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 301.]].

قال ابن الأنباري: (المعنى واشتعل شيب الرأس، فنقل الفعل عن الشيب إلى الرأس وانتصب الشيب بتحول الفعل عنه وخروجه من الوصف، يعني من أن يوصف بأنه فاعل، كما يقال: مررت برجل حسن وجها، نقلوا الحسن إلى الرجل، فلما انعدل الحسن عن الوجه انتصب بخروجه عن الوصف. قال: ويجوز أن يكون الشيب نائبًا عن المصدر، والتأويل واشتعل الرأس اشتعالا، فسد الشيب مسد الاشتعال، كما تقول: جاء فلان ركضا، والتأويل ركض ركضا أو جاء مجيئًا) [[ذكره نحوه بلا نسبة "إملاء ما من به الرحمن" ص 406، "المحرر الوجيز" 9/ 426، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 77، "الدر المصون" 7/ 565.]].

ومعنى الشيب: مخالطة الشعر الأبيض الأسود، وهو موافق لمعنى الشايب الذي يخلط الشيء بغيره [[انظر: "تهذيب اللغة" (شاب) 2/ 1799، "مقاييس اللغة" (شيب) 3/ 232، "القاموس المحيط" (شيب) 99، "المعجم الوسيط" (شيب) 1/ 502.]].

وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ﴾ أي: بدعائي إياك، والمصدر هاهنا مضاف إلى المفعول ﴿رَبِّ شَقِيًّا﴾ قال ابن عباس: (لم تكن تخيب دعائي إذا دعوتك) [[ذكرته بعض كتب التفاسير بدون نسبة.

انظر: "جامع البيان" 16/ 46، "النكت والعيون" 3/ 355، "معالم التنزيل" 5/ 218، "تنوير المقباس" 254.]].

[وقال مجاهد: (كنت تعرفني الإجابة إذا دعوتك)] [[ذكره الطبري في "تفسيره" 16/ 46 بدون نسبة، وكذلك الماوردي في "تفسيره" 3/ 355.]] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).]]. وهذا قول الجميع. ويقال: شقي فلان بكذا [[قوله: (بكذا)، ساقط من (س).]] إذا أتعب بسببه ولم يحصل له طائل، يقول: لم أكن أتعب بالدعاء ثم أخيب.

19:5Page 305

وَإِنِّي خِفۡتُ ٱلۡمَوَٰلِيَ مِن وَرَآءِي وَكَانَتِ ٱمۡرَأَتِي عَاقِرٗا فَهَبۡ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيّٗا ٥

And indeed, I fear the successors1 after me, and my wife has been barren, so give me from Yourself an heir

وقوله تعالى: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾ أراد بالموالي: الورثة، وهم العصبة، والكلالة. قاله ابن عباس في رواية الضحاك، وهو قول مجاهد، وجميع أهل التفسير [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 3، "جامع البيان" 16/ 46 - 47، "النكت والعيون" 3/ 355، "المحرر الوجيز" 9/ 427، "معالم التنزيل" 5/ 218.]].

قال الزجاج: (ومعنى "الموالي": هم الذين يلونه في النسب، كما أن معنى القرابة: الذين يقربون منه بالنسب) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 219.]].

وقال الفراء: (﴿الْمَوَالِيَ﴾ هم: بنو العم، وورثته، والولي والمَوْلَى في كلام العرب واحد) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 161.]].

ويقول تعالى: ﴿مِنْ وَرَائِي﴾ أي: من بعد موتي، واختلفوا في معنى خوفه فقال بعضهم: (خاف أن يرثه غير الولد) [["المحرر الوجيز" 9/ 427، "الكشاف" 2/ 405، "زاد المسير" 5/ 209، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 78.]].

وقيل: (خاف أن تذهب النبوة من نسبه إلى بني الأعمام) [[ذكرت كتب التفسير نحوه. انظر: "جامع البيان" 16/ 46، "تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 3، "الكشف والبيان" 3/ 2 أ، "معالم التنزيل" 5/ 218، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 124، "زاد المسير" 5/ 209.]]. وهذا ليس بشيء؛ لأنه لا يكون خوفًا من الموالي، والصحيح في معنى خوفه ما ذكره أبو علي فقال: (الخوف لا يكون من الأعيان في الحقيقة، إنما يكون من معان فيها، فإذا قال القائل: خفت الله، وخفت الوالي، وخفت الناس، فالمعنى: خفت عقاب الله ومؤاخذته، وخفت عقوبة الوالي، وملامة الناس، وكذلك أي: "خفت الموالي من ورائي"، أي خفت تضيج بني عمي، فحذف المضاف، والمعنى تضييعهم للدين، ونبذهم إياه وإطراحهم له، فسأل ربه وليا يرث نبوته وعلمه لئلا يضيع الدين، وكأن الذي حمله على مسألة ذلك ما شاهدهم عليه من تبديلهم للدين وتوثُّبِهِم على الأنبياء وقتلهم إياهم) [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 189.]].

ويؤكد هذا ما روى عطاء عن ابن عباس قال: (يريد بالموالي بني إسرائيل) [[ذكر في كتب التفاسير بدون نسبة. انظر: "النكت والعيون" 3/ 355، "الكشاف" 2/ 405، "روح المعاني" 16/ 61، "الدر المصون" 7/ 566.]]. وبنو إسرائيل كانوا يبدلون ويقتلون الأنبياء [[وإلى هذا أشار القرآن الكريم في قوله تعالى في سورة البقرة الآية (59): ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ الآية. == وقال سبحانه في الآية (61): ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾.]]، وعلى هذا سَمَّى بني إسرائيل موالي؛ لأنهم كانوا بني أعمامه.

وقوله تعالى: ﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا﴾ أي: عقيما لا تلد، وهذا الذي قاله زكريا إخبار عن خوفه فإما مضى حين كانت امرأته لا تلد، وكان هو آيسًا من الولد لذلك ذكره بلفظ الماضي في "خفت" "وكانت".

وقوله تعالى: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ أي: ابنا صالحًا يتولاه، قال أبو إسحاق: (قوله: ﴿وَلِيًّا﴾ يدل على أنه سأل ولدًا دَيِّنًا؛ لأن غير الدَّيِّنِ لا يكون وليا لنبي) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 320.]].

19:6Page 305

يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنۡ ءَالِ يَعۡقُوبَۖ وَٱجۡعَلۡهُ رَبِّ رَضِيّٗا ٦

Who will inherit me1 and inherit from the family of Jacob. And make him, my Lord, pleasing [to You]."

قوله تعالى: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ﴾ قرئ: بالرفع، والجزم [[قرأ: ابن كثير، ونافع، وعاصم، وابن عامر، وحمزة: (يرثنني ويرث) برفعهما. وقرأ: أبو عمرو والبصري، والكسائي: (يرثني ويرث) بالجزم فيهما.

انظر: "السبعة" ص 407، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 191، "العنوان في القراءات" 126، "النشر" 2/ 317.]]. فالرفع على صفة الولي، كأنه سأل وليا وارثًا علمه ونبوته، والجزم على جواب الأمر، والرفع أصح القراءتين، إذ ليس المعنى على الجزاء وذلك؛ لأنه ليس كل ولي يرث، وإذا كان كذلك لم يسهل الجزاء من حيث لم يصح إن وهبته ورث؛ لأنه قد يهب له وليا لا يرث بأن يموت قبله، أو لا يصلح لخلافة النبوة، وإذا كان كذلك كان الوجه الرفع، ووجه الجزم أنه أراد بالولي وليا وارثًا، فيصح الشرط بأن تقول: إن وهبت ورث إذا كان المسؤول وليًا وإرثًا [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 191.= قرئ بالرفع والجزم كما مر معنا آنفا، وثبتت القراءة بهما وصحت عن النبي -ﷺ- فلا وجه لتضعيف قراءة الجزم.]].

واختلفوا فيم يرثه هذا الولي فقال ابن عباس في رواية عطاء: (يرث النبوة) [["التفسير الكبير" 11/ 184، وذكره بدون نسبة ابن الجوزي في "تفسيره" 5/ 209، وكذلك القرطبي في "تفسيره" 16/ 81.]]. وهو قول أبي صالح: (يكون نبيا كما كانت أباؤه أنبياء) [["جامع البيان" 16/ 47، "الدر المنثور" 4/ 467.]]. وقال مجاهد والسدي: (يرث العلم والنبوة) [["جامع البيان" 16/ 48، "الوسيط" 3/ 176.]].

وقال الكلبي: (يرث مكاني وحبورتي) [["روح المعاني" 16/ 62، وذكره بدون نسبة البغوي في "تفسيره" 5/ 219، والزمخشري في "كشافه" 2/ 405.]].

وقال قتادة: (نبوتي وعلمي) [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 5، "جامع البيان" 16/ 48، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 124.]].

وقال ابن قتيبة: (يرثني الحبورة، وكان زكريا حبرا، ﴿وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ الملك، قال: وكذلك قيل في التفسير) [["غريب القرآن" لابن قتيبة 2/ 2.]].

وقال قوم: أراد وراثة المال. وهو قول ابن عباس في رواية عكرمة قال: (يرث مالي ويرث من آل يعقوب النبوة). وهو قول الحسن وسفيان [["النكت والعيون" 3/ 356، "معالم التنزيل" 5/ 219، "زاد المسير" 5/ 209، "الدر المنثور" 4/ 467.]]. والصحيح القول الأول [[وهو قول جمهور المفسرين، وتشهد له الأحاديث الصحيحة.

قال ابن كثير -رحمه الله- في "تفسيره" 3/ 124: إن النبي أعظم مزلة وأجل قدرًا == من أن يشفق على حاله إلى ما هذا حده، وأن يأنف من وراثه عصابته له ويسأل أن يكون له ولد ليحوز ميراثه دونهم هذا وجه.

والثاني: أنه لم يذكر أنه كان ذا مال بل كان نجارا يأكل من كسب يديه ومثل هذا لا يجمع ولا سيما أن الأنبياء كانوا أزهد شيء في الدنيا.

والثالث: أنه قد ثبت في الصحيحين من غير وجه أن رسول الله -ﷺ- قال: "لا نورث مما تركنا صدقه". وعلى هذا فيتعين أن المراد ميراث النبوة. وانظر: "زاد المسير" 5/ 209، "أضواء البيان" 4/ 206.]].

قال أبو إسحاق: (لا يجوز أن يخاف زكريا أن يورث المال؛ لأن أمر الأنبياء والصالحين أنهم لا يخافون أن يرثهم أقرباؤهم ما جعله الله لهم) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 320.]]. وكان يحيى بن يعمر [[يحيى بن يعمر العدواني، أبو سليمان البصري، قاضي مرو، إمام تابعي ثقة، فقيه مقرئ، نحوي أديب، عالم باللغة، يقال أنه أول من نقط المصحف، مات -رحمه الله- قبل المائة وقيل بعدها. انظر:"سير أعلام النبلاء" 4/ 441، "غاية النهاية" 2/ 381، "تهذيب التهذيب" 11/ 305، "معجم البلدان" 20/ 42.]] يقول: (لئن كان إنما قال يرثني مالي إن كان إذا لجشعا) [[لم أقف عليه، وهو قول بعيد؛ لأنه لا يصح أن يقال ذلك في حق الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- فهو وصف لا يليق بمكانة نبي الله زكريا -عليه السلام-، وحاشاه أن يوسف بالجشع وهو صفة ذم، والأنبياء عليهم السلام لهم صفات المدح والثناء فمَد اصطفاهم الله واختصهم بالنبوة وشرفهم بها.]].

قال أبو علي: (لا يخلو هذا من أن يكون أراد يرث مالي، وعلمي، ونبوتي، وفيما أثر عن رسول الله -ﷺ- من أنه قال: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة" [[أخرجه البخاري: كتاب: فضائل الصحابة، باب: مناقب قرابة رسول الله -ﷺ- ومنقبة فاطمة عليها السلام 3/ 1360، ومسلم: كتاب: الجهاد والسير باب قول == النبي -ﷺ-: "لا نورث ما تركناه صدقة" (3/ 1379، والترمذي في "جامعه" كتاب: السير، باب: ما جاء في تركة رسول الله -ﷺ- 4/ 135، وقال: حديث صحيح، وأخرجه النسائي: كتاب: قسم الفيء 7/ 95، والإمام أحمد في مسنده 1/ 4.]]. دلالة على أن الذي سأل أن يرثه وليه ليس المال، فإذا بطل هذا ثبت الوجه الآخر، على أنه لا يجوز على نبي الله أن يقول: أخاف أن يرثني بنو عمي وعصبتي على ما فرضته لهم، ويدل على صحة هذا قراءة عثمان -رضي الله عنه-: (وإني خَفَّتِ الموالي) [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 189، "مختصر ابن خالويه" 83، "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 5، "المحتسب" 2/ 37.]]. أي: أنهم قَلُّوا وقَلَّ من كان منهم يقوم بالدين فسأل وليا يقوم به) [["الحجة السبعة" للفراء 5/ 189.]].

وبين عبد الله بن مسلم هذا فقال: (زكريا لم يرد يرثني مالا، وأي مال كان لزكريا فيظن به عن عصبته حتى يسأل الله أن يهب له ولدًا يرثه، لقد جَلَّ هذا المال إذا وعَظُم عنده، ونافس عليه منافسة أبناء الدنيا الذين لها يعملون وللمال يكدحون، وإنما كان زكريا ابن آذر نجارا وكان حبرا). كذلك قال وهب بن منبه [[لم أقف على هذا القول. ولكن له شواهد، فقد صح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي -ﷺ- قال: كان زكريا نجارا. انظر: "صحيح مسلم" كتاب الفضائل، باب: من فضائل زكريا عليه السلام 4/ 1847، وابن ماجه كتاب: التجارات، باب: الصناعات 2/ 727، وأحمد 2/ 296، وابن كثير في "تفسيره" 3/ 114.]].

وكلا هذين الأمرين يدل على أنه لا مال له، والذين قالوا: يرثني مالي رووا عن رسول الله -ﷺ-: أنه كان إذا قرأ هذه الآية قال: (رحم الله زكريا ما كان عليه من ورثته) [[رواه الطبري في "تفسيره" 16/ 37 بسنده عن قتادة، وعبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 3، والثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 1 ب، والماوردي في "النكت" == 3/ 356، وابن عطية في "المحرر الوجيز" 11/ 13، والسيوطي في "الدر المنثور" 4/ 467 وعزاه لعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم، وأورده ابن كثير في "تفسيره" 3/ 124، وقال: وهذه مرسلات لا تعارض الصحاح، والله أعلم.]]. وهذا لا يدل على أنه فسر الآية بوارث الوالي وإنما أراد -ﷺ-: وما كان عليه من وراثة النبوة والعلم، كأنه يقول: لو لم يسأل الله ولدا يرثه علمه ونبوته ما كان الله ليضيع دينه، وكان يرث ما كان قوم به من أمر الدين غير ولده.

وقولى تعالى: ﴿مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ أكثر الناس على أن هذا يعقوب بن إسحاق، وكان زكريا من سبط يهوذا بن يعقوب [["الكشاف" 2/ 405، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 124، "زاد المسير" 5/ 209، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 82.]].

وقال الكلبي: (هو يعقوب بن ماتان، رؤوس بني إسرائيل وبنو ملوكهم، وكان آل يعقوب أخوال ولده؛ لأن امرأة زكريا حنة أخت مريم بنت عمران بن ماتان) [["النكت والعيون" 3/ 356، "زاد المسير" 5/ 209، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 82، "روح المعاني" 16/ 62.]].

قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ الرضى بمعنى المرضي، قال ابن عباس: (يريد يكون عبدًا مرضيا في الصلاح والعفاف والنبوة) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "الكشف والبيان" 3/ 2 أ، "المحرر الوجيز" 9/ 430، "معالم التنزيل" 5/ 219، "التفسير الكبير" 21/ 185.]].

19:7Page 305

يَٰزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَٰمٍ ٱسۡمُهُۥ يَحۡيَىٰ لَمۡ نَجۡعَل لَّهُۥ مِن قَبۡلُ سَمِيّٗا ٧

[He was told],1 "O Zechariah, indeed We give you good tidings of a boy whose name will be John. We have not assigned to any before [this] name."

وقوله تعالى: ﴿يَا زَكَرِيَّا﴾ فيه إضمار والمعنى: استجاب الله دعاءه فقال: ﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى﴾ وذكرنا في سورة آل عمران هذه القصة [[عند قوله سبحانه في سورة آل عمران الآية (39): ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾]].

وقوله تعالى: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ قال ابن عباس في رواية عكرمة: (لم يسم أحد قبله يحيى) [["زاد المسير" 5/ 210،"الجامع لأحكام القرآن" 11/ 73، "روح المعاني" 16/ 65، "الدر المنثور" 4/ 468، "تفسير ابن عباس" 2/ 599.]]. وهذا قول قتادة، والكلبي، وابن جريج، والسدي، وابن زيد، واختيار القتبي [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 6، "جامع البيان" 16/ 50، "النكت والعيون" 3/ 357، "معالم التنزيل" 5/ 219.]]. وعلى هذا فالفضيلة تثبت ليحيى من حيث أن الله تعالى تولى تسميته باسم لم يسبق به، ولم يكل تسميته إلى الأبوين فكان ذلك تفضيلًا له من هذا الوجه. قال الزجاج: (قيل: سمي يحيى؛ لأنه حيي بالعلم والحكمة التي أوتيها) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 325.]].

وقال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ يريد: (لم يكن له في سابق علمي نظير ولا شبه) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "جامع البيان" 16/ 49، "الكشف والبيان" 3/ 2/ أن "النكت والعيون" 3/ 357، "معالم التنزيل" 5/ 220، "زاد المسير" 5/ 211، "المحرر الوجيز" 9/ 432، "تفسير القرآن العظيم " 3/ 124.]].

وقال في رواية الوالبي: (لم تلد العواقر مثله ولدًا) [["جامع البيان" 16/ 49،"النكت والعيون" 3/ 357، "المحرر الوجيز" 9/ 431، "معالم التنزيل" 5/ 220.]]. وهذا قول سعيد بن جبير: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ قال: (عدلاً) [["الدر المنثور" 4/ 468، وقال: شبيهًا. "الكشف والبيان" 3/ 3.]]. وقال مجاهد: (مثلًا) [["جامع البيان" 16/ 49، "المحرر الوجيز" 9/ 431، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 124، "زاد المسير" 5/ 211.]].

وعلى هذا القول فالمراد بالسمي: المثل والنظير كقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: 65]، أي: مثلا وعدلا، ولم يكن ليحيى مثل من البشر من حيث أنه لم يعص ولم يهم بمعصية قط.

19:8Page 305

قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَٰمٞ وَكَانَتِ ٱمۡرَأَتِي عَاقِرٗا وَقَدۡ بَلَغۡتُ مِنَ ٱلۡكِبَرِ عِتِيّٗا ٨

He said, "My Lord, how will I have a boy when my wife has been barren and I have reached extreme old age?"

وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ مضى الكلام في معنى هذا الاستفهام في سورة آل عمران [[عند قوله سبحانه في سورة آل عمران الآية: (40): ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾.]].

وقوله تعالى: ﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا﴾ قال كثير من الناس: (كَانَت) هاهنا زيادة [[التعبير بلفظ الزيادة، لا يصح القول به في القرآن الكريم، فإن كل حرف منه ورد ليدل على معنى من المعاني فزيادة المبني تدل على زيادة المعنى والمنزل الحكيم سبحانه لا ينزل الشيء إلا لفائدة.]]، والمعنى: وامرأتي عاقرًا، كما قال في موضع آخر: ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾ [آل عمران: 40]. قال ابن الأنباري: (كَانَت) هاهنا ماضٍ، معناه الحال كأنه قال: وكائنة امرأتي في الحال، فصلح وضع الماضي في وضع الدائم؛ لأن المعنى مفهوم غير ملتبس، كقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: 96]، و ﴿كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: 11]. المعنى: وكائن الله غفورا أبدا. قال: وفي المسألة جواب ثالث: وهو أنه لما بشر بالولد وقع في نفسه أنه يكون بزوال العقر عن زوجته فقال بعد وقوع هذا المعنى في نفسه ﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا﴾ أي: إلى هذا الوقت الذي لا أدري أزال العقر عنها أم لا؟ قال: وهذا جواب جيد صحيح) [[ذكر نحوه في "المحر الوجيز" 9/ 432، "زاد المسير" 5/ 211، "التفسير الكبير" 21/ 184.]].

قوله تعالى: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ قال أبو عبيد: (يقال للشيخ إذا ولى وكبر: عَتَا، يَعْتُو، عِتِيّا) [["تهذيب اللغة" (عتا) 3/ 2313، "لسان العرب" (عتا) 5/ 2804.]].

وقال أبو عبيدة: (كل مبالغ في شيء أو كفر فقد عَتَا، عِتِيّا، فهو عَاتٍ) [["مجاز القرآن" 2/ 2.]].

وقال أبو إسحاق: (كل شيء انتهى فقد عَتَا يَعْتْوا عُتُوًّا وعِتيًا) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 320.]].

وقال الفراء: (يقال للشيخ إذا كبر عَتَا وعِتِيا) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 162.]].

قال أهل المعاني: (يقال للذي غيره الزمان إلى حال اليبس والجفاف: هو عَاتٍ وعَاس) [["النكت والعيون" 3/ 357، "لسان العرب" (عتا) 5/ 2804.]].

وبهذا المعنى فسره مجاهد فقال: (هو نحول العظم) [["جامع البيان" 16/ 51، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 125، "زاد المسير" 5/ 211، "تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 7.]]. وهو قول قتادة [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 6، "جامع البيان" 16/ 5، "النكت والعيون" 3/ 357، "معالم التنزيل" 5/ 220.]].

وقال ابن قتيبة: ﴿عِتِيًّا﴾ هو أي: يبسا ومنه يقال: ملك عَاتٍ إذا كان قاسي القلب غير لين) [["تفسير غريب القرآن" 272.]].

وقال ابن عباس في معنى قوله: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ (لا أقدر على مجامعة النساء) [[ذكره الطبرسي في "مجمع البيان" 6/ 780، وورد بلا نسبة في "جامع البيان" 16/ 50، "بحر العلوم" 2/ 319، "الكشف البيان" 3/ 3 أ.]]. وهذا راجع إلى ما ذكرنا من معنى اليبوسة.

وروى عمرو بن ميمون: (أن نافع بن الأزرق سأل ابن عباس فقال: أخبرني عن قول الله -عز وجل-: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ ما العتي؟ قال: اليبوس من الكبر) [[ذكر بلا نسبة في "بحر العلوم" 2/ 319، "النكت والعيون" 3/ 357، "الكشف والبيان" 3/ 3 أ.]].

وقرأ القراء: عُتِيا بالضم، وعِتيا بالكسر [[قرأ: ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم في رواية أبي بكر، وابن عامر: (عُتيا) بالضم، وقرأ: حمزة، والكسائي، وحفصر عن عاصم: (عتيا) بالكسر.

انظر: "السبعة" ص 407، "الحجة للاقراء السبعة" 5/ 192، "المبسوط في القراءات" ص 242، "التبصرة" ص 255.]]. وكذلك: (صليا) [مريم: 70]، (بكيا) [مريم: 58]، (جثيا) [مريم: 68]، والأصل في هذا أن ما كان من فُعُول جمعا من المعتل اللام، فاللام إذا كانت واوا لزمه القلب على الإطراد إلى الياء، ثم تقلب واو فُعول إلى الياء لادغامها في الياء، وتكسر عين الفعل كما كسرت في مرمي ونحوه، وذلك نحو: حَقْو وحُقِي، ودَلْو ودُلِي، وعَصَا وعُصِي، وصَفَا وصَفِي، وكسر الفاء مطرد في هذا نحو: دِلِي، وحِقِي، وعِصِي، وجاز ذلك؛ لأنها غيرت تغيرين وهما: أن الواو التي هي لام قلبت، والواو التي كانت قبلها قلبت أيضا، فلما غيرت تغيرين قويا على هذا التغيير من كسر الفاء هذا في الجمع، فأما ما كان من ذلك مصدرا فالقياس فيه أن يصح نحو: العُتْو والقُلُو؛ لأن واوه لم يلزمها الإنقلاب كما لزمها في الجمع، ولكن لما كانوا قد قلبوا الواو من هذا النحو وإن كان مفردا نحو: مَرْمِي وقلبوا ما كان قبل الآخر بحرف كما قلبوا الآخر نحو: صيَّم، وكان هذا على وزنه غير أيضًا تغيرين كما غيروا في الجمع ثم أجرى المصدر مجرى الجمع في كسر الفاء منه، ويروى أن في حرف عبد الله: (ظلما وعليا) [النمل: 14] في علو [[" الحجة للقراء السبعة" 5/ 193، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 305، "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 111، "الدر المصون" 7/ 569.]]. وقال الله تعالى: ﴿وَعَتَوْا عُتُوًّا﴾ [الفرقان: 21] وقال في موضع آخر: ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ [مريم: 69] يعني هاهنا كالذي في هذه الآية. وقد ذكرنا في هذا النحو في قوله تعالى: ﴿مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا﴾ [الأعراف: 148].

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском