Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
ق
Qaf
The Letter "Qaf" · Meccan · 45 ayahs
(ق) اختلفوا في تأويله. فأكثر المفسرين قالوا: إنه جبل محيط بالدنيا من زَبَرْجَد، والسماء مقببةٌ عليه، وهو من وراء الحجاب التي تغيب الشمس من ورائه بمسيرة سنة، وما بينهما ظلمة. وهذا قول مقاتل، وابن بريدة، وعكرمة، والضحاك، ومجاهد، ورواية عطاء، وأبي الجوزاء عن ابن عباس. قال الفراء: على هذا القول: كان يجب أن يظهر الإعراب في قاف؛ لأنه اسم وليس هجاء. ثم قال: ولعل القاف وحدها ذكرت من اسمه كما قال:
قلتُ لها قِفِي فَقَالَتْ قَافْ [[بيت للوليد بن عقبة بن أبي معيط، وبعده: (لا تحسبينا قد نسينا الإيجاف) والإيجات: هو العدو. والشاهد فيه قوله (فقالت قاف) والمراد: فقالت إني واقفة أو أقف.
انظر: "الأغاني" للأصفهاني 4/ 181، "الخصائص" لابن جني 1/ 30، "شرح شواهد الشافية" ص 271، "الكتاب" لسيبويه 2/ 62، "المحتسب" لابن جني 2/ 204.]]
قال: ذكرت قاف أرادت الوقف، أي أنا واقفة [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 75.]]. وقال قتادة: قاف اسم من أسماء القرآن [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 234، "جامع البيان" للطبري 26/ 93، "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي 17/ 3.]]. وروى خصيف عن مجاهد قال: قاف فاتحة السورة [[انظر: "تفسير القرآن العظيم" 4/ 221، حيث قال: "والذي ثبت عن مجاهد أنه حرف من حروف الهجاء كقوله تعالى: (ص)، (ن)، (حم)، (طسم)، (الم) ونحو ذلك، فهذه تبعد ما تقدم عن ابن عباس رضي الله عنهما، وهذا القول هو المرجح عند ابن كثير وغيره.
وانظر: "تفسير القاسمي" 15/ 5482.]]. وهذا مذهب أهل اللغة. قال أبو عبيدة: مجازها مجاز أوائل السور [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 222.]]. يعني: مجاز الحروف التي في أوائل السور نحو ﴿ن﴾ [القلم: 1] و ﴿الر﴾ [الحجر: 1]، و ﴿الم﴾ [لقمان: 1]، واختاره الزجاج وقال: هو ابتداء للسورة، يعني أن السورة افتتحت بهذا الحرف، كما افتتحت سائر السور التي ابتدئ فيها بحروف الهجاء [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 41.]]. وحكى الفراء، وأبو إسحاق أن قومًا من أهل اللغة قالوا معنى (ق) قضي الأمر، أو قضي ما هو كائن كما قيل في (حم) حمَّ الأمر. واحتجوا بقول الشاعر [[تقدم في الصفحة السابقة.]]:
قلنا لها قِفِي فَقَالَتْ قَافْ
معناه: قالت: أقف [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 75، "معاني القرآن" للزجاج 5/ 41.
وقد رد ابن كثير رحمه الله هذا القول، لأن الحذف في الكلام إنما يكون إذا دل دليل عليها، ومن أين يفهم هذا من ذكر هذا الحرف. انظر: "تفسير القرآن العظيم" 4/ 221. == قلت: وما ذكره ابن كثير هو المرجح، وسيأتي زيادة بيان في أول سورة القلم. والله تعالى أعلم.]].
قوله تعالى: ﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ قال المفسرون: الكريم على الله الكثير الخير. وذكرنا معنى المجيد [[(ك): (المجيد. والمجيد).]] في سورة هود [[عند تفسيره لآية (73) من سورة هود، حيث قال: المجيد الماجد وهو ذو الشرف والكرم. يقال: مسجد الرجل يمجد مجدًا ومجدادةً، ومجد يمجد. لغة قال الحسن والكلبي: المجيد الكريم، وهو قول أبي إسحاق. وقال ابن الأعرابي: المجيد الرفيع. قال أهل المعاني: المجيد الكامل الشرف والرفعة والكرم والصفات المحمودة.]]. واختلفوا في جواب القسم، فقال الأخفش: جوابه ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ﴾ [ق: 4] [[انظر: "معاني القرآن" للأخفش 2/ 696.]].
قال الزجاج: ويكون المعنى: ق والقرآن المجيد لقد علمنا ما تنقص الأرض منهم. وحذفت اللام؛ لأن ما قبلها عوض منها كما قال -عز وجل-: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس: 1] إلى قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ [الشمس: 9] [[وانظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 42.]]. وقال الفراء: جواب القسم محذوف يدل عليه قوله: ﴿أَإِذَا مِتْنَا﴾ [ق: 3] والمعنى: ق والقرآن المجيد لتبعثن بعد الموت، فقالوا: أإذا كنا ترابًا بعثنا، فجحدوا البعث. واختار الزجاج هذا القول أيضًا [[انظر: "معانى القرآن" للفراء 3/ 75، "معانى القرآن" للزجاج 5/ 41، "مشكل إعراب القرآن" 2/ 682.]].
وذهب كثير من الناس إلى أن الجواب قوله: ﴿بَلْ عَجِبُوا﴾ [[قاله نحاة الكوفة. انظر: "الجامع" للقرطبي 17/ 3، "البحر المحيط" 8/ 120.]]. وقد ذكرنا الكلام في هذا مستقصى عند قول: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (1) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [[عند تفسيره للآيتين (1، 2) من سورة ص وقد ذكر ستة أقوال في جواب القسم في قوله تعالى: ﴿ص (1) وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ وهي:
1 - حكى الكسائي والفراء والَزجاج أن جواب القسم: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ ثم نقل استبعاد الكسائي والفراء له.
2 - أن يكون قوله: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ اعترض بين القسم وجوابه: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ومعناه: لكم أهلكنا. فلما طال الكلام المعترض بينهما حذفت اللام.
3 - أن يكون قوله: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾.
4 - أن موضع القسم: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ كما قال: ﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (1) بَلْ عَجِبُوا﴾.
5 - أن يكون لـ (ص) معنى يقع عليه القسم لا نعرفه كقولك: الحق والله.
6 - الجواب محذوف تقديره: والقرآن ذي الذكر ما الأمر كما يقول هؤلاء الكفار. قال الواحدي: وهو قول حسن. انظر: "البسيط" 3/ 204 أ.]]. ونظم ابتداء هذه السورة شبيه بنظم ابتداء سورة ص.
2
50:2Page 518
بَلۡ عَجِبُوٓاْ أَن جَآءَهُم مُّنذِرٞ مِّنۡهُمۡ فَقَالَ ٱلۡكَٰفِرُونَ هَٰذَا شَيۡءٌ عَجِيبٌ ٢
But they wonder that there has come to them a warner from among themselves, and the disbelievers say, "This is an amazing thing.
قوله: ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ مفسَّر في سورة ص [[عند تفسيره لآية [[انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 386، "اللسان" 2/ 688 (عجيب). وفي (ك): (عجيب وعجيب).]] من سورة: ص ومما قال: قال "صاحب النظم": هذا منظوم بقوله: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ لأنه مسوق عليه بالواو.]] قوله: ﴿فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ قال مقاتل: يعنون هذا الأمر عجب أن يكون محمد رسولاً [[انظر: "تفسير مقاتل" 123 ب.]]. والعجيب يعني المُعْجِب، وهو الذي يحملك علي العجب.
وقال الليث: يقال إنه عجيب وعجاب، ويقال: هذا شيء عجب وعجاب (¬4)، على معنى أنه ذو عجيب أي: يعجب منه. وقوله: {فَقَالَ الْكَافِرُونَ} وقال في سورة ص: ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ﴾ [ص: 4] بالواو وهاهنا بالفاء. ذكر صاحب النظم أن في سورة (ص) قراءة: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ﴾ [ص: 4] خبران:
أحدهما قوله: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ فهذا خبر تام.
ثم نسق عليه خبر آخر فقال: ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ أخبر عنهم بالعجب وبقولهم: ﴿هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾. وفي هذه السورة عطف بالفاء؛ لأن الآية كلها خبر واحد، والعجب سبب لقولهم: ﴿هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ لأنهم عجبوا فقالوا: هذا شيء عجيب، كما تقول: قام فمرَّ. جعلت القيام سببًا للمرور. ولو قلت: قام ومر. كنت قد أخبرت عنه بشيئين ولم تجعل الأول سببًا للثاني، يدل على أن الآية في هذه السورة خبر واحد. قوله: ﴿فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ فهذا من جنس قوله: ﴿وَعَجِبُوا﴾ وقال في سورة ص: ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ وهذا ليس من جنس عجبوا [[انظر: "التفسير الكبير" 28/ 151.]].
50:3Page 518
أَءِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابٗاۖ ذَٰلِكَ رَجۡعُۢ بَعِيدٞ ٣
When we have died and have become dust, [we will return to life]? That is a distant [i.e., unlikely] return."
قوله تعالى: ﴿أَإِذَا مِتْنَا﴾ قال أبو إسحاق: أي أنُبْعث إذا متنا وكنا ترابًا. ولو لم يكن [[(ك): (ولم لم يكن) والصواب ما أثبته.]] لإذا متعلق، لم يكن في الكلام فائدة [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 42.]].
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ الرجع معناه الرد. قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: 83] وقد مر [[قال: معنى الرجع تصيير الشيء إلى المكان الذي كان فيه. يقأل رجعته رجعًا كقولك: ر ددته. ردًّا.]].
قال مقاتل: ذلك رجع إلى الحياة بعيد، فإن البعث غير كائن [[انظر: "تفسير مقاتل" 123 ب، "معالم التنزيل" 4/ 220.]].
أي: يبعد عندنا أن نبعث بعد الموت. قال الفراء: جحدوا البعث أصلاً كما تقول للرجل يخطئ في المسألة: لقد ذهبت مذهبًا بعيدًا من الصواب. أي أخطأت [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 75 - 76.]].
قال مقاتل: أنكروا البعث وقالوا: إن الله لا يحيينا، وكيف يقدر علينا وقد كنا ترابًا وضللنا في الأرض [[انظر: "تفسير مقاتل" 124 أ.]]. فقال الله تعالى:
50:4Page 518
قَدۡ عَلِمۡنَا مَا تَنقُصُ ٱلۡأَرۡضُ مِنۡهُمۡۖ وَعِندَنَا كِتَٰبٌ حَفِيظُۢ ٤
We know what the earth diminishes [i.e., consumes] of them, and with Us is a retaining record.
﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾ أي: ما تأكل من لحومهم ودمائهم وأشعارهم وأبدانهم.
وهذا قول الحسن، ومجاهد، ومقاتل، والكلبي [[انظر: "تفسير مقاتل" 124 أ، "جامع البيان" 26/ 94، "معالم التنزيل" 4/ 220.]].
وقال السدي: قد علمنا من يموت منهم [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 220، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 4.]]. جعل نقص الأرض، من الناس الموت، وذلك أن من مات دفن في الأرض، فهي تأخذ من مات، وتنقص من الناس بالأخذ منهم. وهذا قول قتادة، والضحاك [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 236، "جامع البيان" 26/ 94.]].
ثم ذكر أن عنده بذلك كتابًا فقال: ﴿وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ قال ابن عباس: يريد اللوح المحفوظ [[انظر: "الكشف والبيان" 10/ 175 ب، "غرائب القرآن" 26/ 107 ولم ينسبه لقائل.]].
وقال الضحاك: وعندنا كتاب محفوظ بعدتهم وأسمائهم [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 221، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 4، "الدر" 6/ 102.]].
وقال مقاتل: محفوظ من الشياطين، يعني اللوح المحفوظ [[انظر:"تفسير مقاتل" 124 أ.]].
50:5Page 518
بَلۡ كَذَّبُواْ بِٱلۡحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمۡ فَهُمۡ فِيٓ أَمۡرٖ مَّرِيجٍ ٥
But they denied the truth when it came to them, so they are in a confused condition.
ثم استأنف فقال: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ﴾ [ق: 5] أي: بالقرآن ومحمد -ﷺ-. قاله المفسرون [[انظر: "التفسير الكبير" 28/ 153، "روح المعاني" 26/ 174، وقال القرطبي في "جامعه" 17/ 4 أي بالقرآن في قول الجميع.]]. ﴿فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ قال أبو عبيدة والمبرد: مختلط [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 222.]]. يقال للشيء المُخلّى، قد اختلط بعضه ببعض: مريج، ومنه قوله -ﷺ-: "قد مرجت عهودهم وأماناتهم، وصاروا هكذا وشبك بين أصابعه، [[انظر: جزء من حديث صحيح رواه الإمام أحمد في "مسنده" 2/ 162، 212، وابن ماجه في "سننه" كتاب: الفتن، باب: التثبت في الفتنة 2/ 1307، وأبو داود في كتاب: الملاحم 4/ 513، وانظر: "المسند" بتحقيق أحمد شاكر 11/ 7047، 7062، "صحيح سنن ماجه" للألباني 2/ 354.]]. ذكره المبرد [[لم أجده في مؤلفات المبرد المطبوعة، ولعله نُقل من كتاب "إعراب القرآن" للمبرد، وهو من الكتب التي لم يصل إلينا سوى اسمها. انظر: "منهج ابن حيان النحوي الأندلسي" في كتابه: "ارتشاف الضرب من لسان العرب" تحقيق مزيد إسماعيل نعيم. رسالة في مكتبة الرسائل الجامعية بجامعة الإمام بالرياض.]]. وأصله على هذا من قوله: مرج الشيء، إذا أرسله وخلاه، ومرج دابتَه، خلاها، ومنه قوله: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ [الرحمن: 19]، والمريج المهمل والمهمل يختلط، فسمي المختلط مريجًا.
وأنشد أبو عبيدة قول الهذلي [[عمرو بن الداخل الهذلي، أصله من بني سهم بن معاوية، له قصيدة جيمية ومنها هذا البيت.
انظر: "ديوان الأدب" 3/ 89، "تاريخ التراث العربي" 2/ 261، "الأمالي" 1/ 264.]] فقال:
فجالَتْ والتَمَسَتْ به حَشَاها ... فَخَرَّ كأنَّهُ خُوطٌ مَرِيجُ [[البيت ورد منسوبًا في "ديوان الهذليين" 3/ 103، "تهذيب اللغة" التحقيق 11/ 72، "اللسان" 3/ 461 (مرج). وعند أبي عبيدة نسبه لأبي ذؤيب الهذلي، ولم أجده في "ديوانه".
انظر: "مجاز القرآن" 2/ 222، ومعناه أن البقرة راغت عن السهم فأصاب حشوة الجوف وكأن السهم غصن طرح وترك عندما سقط.]]
أي غصنٌ قد أرسل من الشجر بأن قطع منه فسقط. وعلى هذا المعنى يدور كلام المفسرين، فإنهم قالوا في تفسير المريج: المختلف والملتبس والمختلط. والاختلاط يؤدي إلى الالتباس.
وهذا الذي ذكرنا قول ابن عباس، ومجاهد، ومقاتل، والضحاك، وقد قال عطاء عن ابن عباس: يريد مختلط مثل البهائم الممرجة [[وممن قال به أيضًا: قتادة، وابن زيد، وابن جبير.
وقال ابن جرير: "وقد اختلفت عبارات أهل التأويل في تأويلها، وإن كانت متقاربات المعاني". "جامع البيان" 26/ 94.
وانظر: "تفسير مقاتل" 124 أ، "تفسير عبد الرزاق" 2/ 236، "الجاح لأحكام القرآن" 17/ 4 - 5.]].
وقيل في قول الهذلي: (خوط مريج) إنه الذي اختلط شعبه والتبس بعضه ببعض [[انظر: "تهذيب اللغة" 11/ 72 (مرج).]]. وقال قوم: أصل هذا من المرج وهو القلق والاضطراب.
يقال: مرج الخاتمُ في يدي، ومرج العهود اضطرابها، ومنه قول الشاعر:
مَرجَ الدِّينُ فأعددتُ له ... مُشْرِفَ الحَارِكِ مَحْبُوكَ الكَتَدْ [[البيت لأبي دؤاد كما في "ديوانه" ص 304، "اللسان" 3/ 461 (مرج)، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 5 والحارِكُ: أعلى الكاهل. وقيل: الحارك من الفرس فروع الكتفين.
والكتد: مجتمع الكتفين من الإنسان والفرس. "اللسان" 3/ 218 (كتد) 1/ 615 (حرك).]]
أي: اضطرب والتبس.
وعلى هذا: المريج المضطرب غير المستقر [[انظر: "اللسان" 3/ 461، "المفردات" 465 (مرج).]]. وعلى هذا الأصل قول من قال من المفسرين في المريج: الفاسد والمتغير. قال الحسن: ما ترك قوم الحق إلا مرج أمرهم [[انظر: "الوسيط" 4/ 163، "معالم التنزيل" 4/ 221.]].
قال أبو إسحاق: هو أنهم كانوا يقولون للنبي -ﷺ- مرة شاعر، ومرة ساحر، ومرة معلَّم. وللقرآن إنه سحر، ومرة يقولون مفترى. وهذا دليل أن أمرهم ملتبس مختلط عليهم. ثم دلهم -عز وجل- على قدرته على بعثهم بعد الموت بعظيم خلقه الذي يدل على [[(ك): (عليه على).]] قدرته على البعث [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 42.]] فقال قوله تعالى:
50:6Page 518
أَفَلَمۡ يَنظُرُوٓاْ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوۡقَهُمۡ كَيۡفَ بَنَيۡنَٰهَا وَزَيَّنَّٰهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٖ ٦
Have they not looked at the heaven above them - how We structured it and adorned it and [how] it has no rifts?
﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا﴾ [ق: 6] قال المفسرون: يعني بغير عمد [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 221 ، "روح المعاني" 26/ 175، "تفسير القاسمي" 15/ 5485.]] ﴿وَزَيَّنَّاهَا﴾ أي بالكواكب ﴿وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾، أي فتوق وشقوق وصدوع وفصول. كل هذا من ألفاظهم. وقال مقاتل: من خلل [[انظر: "تفسير مقاتل" 124 أ.]]. ومعنى الفَرْجِ في اللغة: الخلل، والفُرجة بين الشيئين. ويقال لما بين دوارج [[دوارج الدابة: قوائمها. "اللسان" 1/ 963 (درج).]] الدابة: الفروج. ومنه قول امرئ القيس:
تسدُّ به فَرْجَها من دُبُر [[وصدره:
لها ذنب مثل ذيل العروس
انظر: "ديوانه" ص 112، "تهذيب اللغة" 11/ 45 (فَرَجَ)، "الخزانة" 7/ 210.]]
أراد لما بين فخذيها ورجليها.
50:7Page 518
وَٱلۡأَرۡضَ مَدَدۡنَٰهَا وَأَلۡقَيۡنَا فِيهَا رَوَٰسِيَ وَأَنۢبَتۡنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوۡجِۭ بَهِيجٖ ٧
And the earth - We spread it out and cast therein firmly set mountains and made grow therein [something] of every beautiful kind,
No commentary for this ayah
50:8Page 518
تَبۡصِرَةٗ وَذِكۡرَىٰ لِكُلِّ عَبۡدٖ مُّنِيبٖ ٨
Giving insight and a reminder for every servant who turns [to Allāh].
قوله تعالى: ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى﴾ قال أبو إسحاق: فعلنا لنبصر ونذكر به، ويدلُّ على القدرة: ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ يرجع إلى الله ويفكر في قدرته [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 43.]].
50:9Page 518
وَنَزَّلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ مُّبَٰرَكٗا فَأَنۢبَتۡنَا بِهِۦ جَنَّٰتٖ وَحَبَّ ٱلۡحَصِيدِ ٩
And We have sent down blessed rain from the sky and made grow thereby gardens and grain from the harvest
قوله: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ يعني كثير الخير، وفيه حياة كل شيء وهو المطر. قوله ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ الحصيد المَحصود، وقد مَرَّ تفسيرُه عند قوله: ﴿مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ [هود: 100] [[عند تفسيره لآية (100) من سورة هود. ومما قال: الحصيد غير القائم وهو من الديار الخرب والمخسوف به، ومن الزرع ما أهلك ومحي أثره.]].
قال ابن عباس: يريد القمح [[والذي ورد عنه رضي الله عنه قوله: (الحبوب كلها التي تحصد).
انظر: "تنوير المقباس" 5/ 253، وهو ما قال به الزجاج أيضًا.]].
وقال قتادة: هو البر والشعير [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 237، "جامع البيان" 26/ 96.]].
وقال أبو إسحاق: جَمع بذلك جميع ما يقتات ويحصد من حب [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 43.]]. قال الفراء: الحب الحصيد، وهو مما أضيف إلى نفسه [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 76، قال الأزهري: وقول الزجاج: أصح لأنه أعم. "تهذيب اللغة" 4/ 226 (حصد).]]. والبصريون يقولون: أراد حب النبت الحصيد [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 413، "البحر المحيط" 8/ 121.]].
50:10Page 518
وَٱلنَّخۡلَ بَاسِقَٰتٖ لَّهَا طَلۡعٞ نَّضِيدٞ ١٠
And lofty palm trees having fruit arranged in layers -
قوله: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ يعني طوالاً، وبسوقها طولها. يقال: جبل باسق، وبناء باسق، وحَسَب باسق، وبسقت المرأة إذا طالت، وكذلك النخلة [[انظر: "تهذيب اللغة" 8/ 418، "المفردات" ص 46 (بسق).]].
وأنشد أبو عبيدة [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 223، "اللسان" 1/ 214 (بسق). والبيت لأبي نوفل يمدح ابن هبيرة.
"اللسان" 1/ 214 (بسق)، "الدر المصون" 10/ 20 - 21.]]:
يا ابْنَ الذين بُضُلُهم ... بَسَقْتَ على قَيسٍ فَزَارَة [[قيس بن عيلان بن مضر بن نزار. قبيلة عظيمة تشعبت إلى ثلاثة بطون من كعب وعمرو وسعد. وغلب اسم قيس على سائر العدنانية.
انظر: "معجم قبائل العرب" 3/ 972.
وفزارة بطن عص من غطفان وهم بنو فزارة بن ذبيان ومنهم جماعة من العلماء والأئمة من بطن بني غراب. كانت منازلهم بنجد ووادي القرى، ثم تفرقوا. لهم أيام في الإسلام وقبله. انظر: "معجم قبائل العرب" 3/ 918.]] والمفسرون كلهم قالوا في الباسقات: إنها الطوال [[قاله ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والحسن، وقتادة، والسدي، وغيرهم.
انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 610، "تفسير عبد الرزاق" 2/ 237، "جامع البيان" 26/ 96، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 222.]].
قوله: ﴿لَهَا طَلْعٌ﴾ وهو أول ما يظهر من ثمر النخل. يقال: طَلَعَ الطَّلعُ أي يطلعُ طلوعًا، وأطلعت النخلة، إذا أخرجت طلعها. وطلعها كفرَّاها [[الكَفَرُ، الكُفُرِّي، والكِفِرَّي، والكَفَرَّي، والكُفَّري، وعاء طلع النخل.
وكفُرَّاهُ: بالضم وتشديد الراء وفتح الفاء وضمها هو وعاء الطلع وقشره الأعلى. "اللسان" 3/ 275 (كفر).]] قبل أن ينشق. وقال المفضل: الطلع أول ما يرى من عذق النخلة الواحدة طَلْعَة [[انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 173، "اللسان" 2/ 605 (طلع).]].
قوله: ﴿نَضِيدٌ﴾ يقال: نضدت الشيء أنضده نضدًا، إذا وضعت بعضه فوق بعض، وهو منضود ونضيد ونضد.
قال المفسرون [[انظر: "تفسير مقاتل" 124 أ، "تفسير عبد الرزاق" 2/ 237، "جامع البيان" 26/ 96 - 97.]]: (نضيد) منضود بعضه على بعض.
قال الفراء: طلع الكُفُرَّى نضيد ما كان في أكمامه، فإذا خرج من أكمامه فليس بنضيد [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 76، ولم أجده منسوبًا للكلبي.]]. وهذا قول الكلبي، واختاره ابن قتيبة فقال: وذلك قبل أن ينفتح، فإذا انشق جفت الطلعة وتفرقت فليس بنضيد [[انظر: "تفسير غريب القرآن" ص 418، والجُفُّ: الوعاء، وجُفُّ الطلعة: وعاؤها الذي تكون فيه.]]. ومجاهد جعله نصيدًا بعد الانشقاق، فقال: (طلع نضيد): حيث ينشق عنه كمامه [[لم أجده عن مجاهد، أو عن غيره، ولعل ما ذكره صاحب "اللسان" 3/ 656 في قوله تعالى: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ هو الذي نُضَّد بالحمل من أوله إلى آخره. أو بالورق ليس دونه سوق بارزة. يفسر هذا ويدل عليه.]]. والقولان تحتملهما المشاهدة، وذلك أنه قبل الانشقاق أشد تنضدًا بعد الاششقاق، فقال: (طلع نضيد) حيث ينشق عنه كمامه، لا يتفرق حب الثمر حتى ينفصل بعضه عن بعض كالعنب فإن حباته منتضدة على الشِّمراخ [[الشمراخ والشُّمروخ: العثكال الذي عليه الشر، وأصله في العذق وقد يكون في العنب.
والعثكال، والعثكول، والعثكولة: العذق. "اللسان" 2/ 357 (شمرخ) 2/ 685 (عثكل).]].
50:11Page 518
رِّزۡقٗا لِّلۡعِبَادِۖ وَأَحۡيَيۡنَا بِهِۦ بَلۡدَةٗ مَّيۡتٗاۚ كَذَٰلِكَ ٱلۡخُرُوجُ ١١
As provision for the servants, and We have given life thereby to a dead land. Thus is the emergence [i.e., resurrection].
قوله تعالى: ﴿رِزْقًا لِلْعِبَادِ﴾ قال أبو إسحاق: ينتصب على وجهين:
أحدهما: على معنى رزقناهم رزقًا، لأن إنباته هذه الأشياء رزق، ويجوز أن يكون مفعولاً له، المعنى: فأنبتنا هذه الأشياء للرزق [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 43.]].
قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ أي من القبور. والمعنى: كما خلقنا هذه الأشياء نبعثكم كقوله: ﴿كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى﴾ [الأعراف: 57]. وقال ابن عباس: ينزل من السماء مطر كنطف الرجال تنبت عليهم اللحوم والعظام [[لم أجده عن ابن عباس وسيأتي نحوه عن علي رضي الله عنه عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ من سورة الطور.]]. وهذا معنى قول مقاتل: يخرجون من القبور بالماء، كما أخرجنا النبت من الأرض بالماء [[انظر: "تفسير مقاتل" 124 أ.]].
ثم ذكر الأمم المكذبة تخويقًا لكفار مكة. فقال:
50:12–14Page 518
كَذَّبَتۡ قَبۡلَهُمۡ قَوۡمُ نُوحٖ وَأَصۡحَٰبُ ٱلرَّسِّ وَثَمُودُ ١٢
The people of Noah denied before them,1 and the companions of the well2 and Thamūd
وَعَادٞ وَفِرۡعَوۡنُ وَإِخۡوَٰنُ لُوطٖ ١٣
And ʿAad and Pharaoh and the brothers [i.e., people] of Lot
وَأَصۡحَٰبُ ٱلۡأَيۡكَةِ وَقَوۡمُ تُبَّعٖۚ كُلّٞ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ ١٤
And the companions of the thicket and the people of Tubbaʿ. All denied the messengers, so My threat was justly fulfilled.
قوله: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (12) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ (13) وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ﴾ وأخبار هؤلاء قد سبق ذكرُها، وتُبّع هذا هو الذي ذكر في قوله: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ وهو تبع الحميري [[أسعد أبو كرب بن ملك يكرب بن تبع، قدم مكة، وكسا الكعبة. ثم عاد إلى اليمن وآمن بالتوراة ودخل معه عامة أهل اليمن بعد التحاكم إلى نار تأخذ الظالم ولا تضر المظلوم. وهو تبع الأوسط. وتوفي قبل مبعث الرسول -ﷺ- بنحو من سبعمائة سنة. وبعد موته عاد قومه إلى عبادة النيران والأصنام فعاقبهم الله تعالى.
انظر: "المعارف" 631، "تاريخ الأمم والملوك" 1/ 371، "البداية والنهاية" 2/ 163، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 222.]]، أسلم ودعا قومه إلى الإسلام. وكانوا يعبدون النار فأحرقهم الله بالنار.
قوله: ﴿فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ قال ابن عباس: يعني ما أوجب الله لمن كذب أنبياءه من العذاب [[انظر: "تنوير المقباس" 5/ 256، "معالم التنزيل" 4/ 222.]]. وقال مقاتل: فوجب عليهم عذابي [[انظر: "تفسير مقاتل" 124 أ.]].
وقال أبو إسحاق: فحقت عليهم كلمةُ العذاب والوعيد لمكذبي الرسل [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 43.]].
ثم أنزل جوابًا لقولهم: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ قوله تعالى:
50:15Page 518
أَفَعَيِينَا بِٱلۡخَلۡقِ ٱلۡأَوَّلِۚ بَلۡ هُمۡ فِي لَبۡسٖ مِّنۡ خَلۡقٖ جَدِيدٖ ١٥
Did We fail in the first creation? But they are in confusion over a new creation.
﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ﴾ يقال لكل من عجز عن شيء: عَيِيَ به، وعَيِيّ به، وعَيِيَ فلان بهذا الأمر. قال الشاعر:
عَيُّوا بأمْرِهِمُ كَمَا ... عَيَّتْ ببَيْضَتِهَا الحَمَامَةْ ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ﴾ [الأحقاف: 33]. قال ابن عباس: يريد عجزنا [[انظر: "الوسيط" 4/ 164، "معالم التنزيل" 4/ 222، "تفسير القاسمي" 15/ 5488، ولم ينسبوه لقائل.]].
وقال مقاتل: يقول الله: أعجزنا عن الخلق الأول حين خلقناهم ولم يكونوا شيئًا، فكيف نعيا عن بعثهم [[انظر: "تفسير مقاتل" 124 ب.]]؟ وهذا تقرير لهم؛ لأنهم اعترفوا بأن الله الخالق وأنكروا البعث. ثم ذكر أنهم في شك من البعث بعد الموت فقال: ﴿بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ قال مجاهد، وقتادة: يمترون بالبعث بعد الموت [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 610، "تفسير عبد الرزاق" 2/ 237، "جامع البيان" 26/ 98.]].
وقال الفراء: أي هم في ضلال وشك [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 77.]].
وقال المبرد: التبس عليهم إعادة الخلق [[لم أجده عنه وهو معنى ما روي عن مجاهد، وقتادة، وأصحاب اللغة.]]. وذكرنا معنى اللبس عند قوله: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ﴾ [الأنعام: 9] [[مما قال عند تفسيره لهذه الآية: لبست الأمر على القوم ألبسه لبسًا، إذا شبهته عليهم وجعلته مشكلاً. قال ابن السكب: يقال: لبست عليه الأمر إذا خلطته عليه حتى لا يعرف جهته. قال أهل اللغة: معنى اللبس منع النفس من إدراك المعنى بما هو كالستر له، وأصله من الستر بالثوب. ومنه لبس الثوب؛ لأنه ستر النفس به.
وانظر: "تهذيب اللغة" 12/ 442 "اللسان" 3/ 335 (لبس).]].
50:16Page 519
وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ وَنَعۡلَمُ مَا تُوَسۡوِسُ بِهِۦ نَفۡسُهُۥۖ وَنَحۡنُ أَقۡرَبُ إِلَيۡهِ مِنۡ حَبۡلِ ٱلۡوَرِيدِ ١٦
And We have already created man and know what his soul whispers to him, and We are closer1 to him than [his] jugular vein.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾ يعني ابن آدم، وهو اسم الجنس ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ يعني يُحدث به قلبه. والمعنى: يعلم ما يخفي ويكن في نفسه. وذكرنا معنى الوسوسة عند قوله: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف: 20] [[الآية (20) من سورة الأعراف موضع سقط من المخطوطة.
والوسوسة هي الصوت الخفي من ريح، والوسوسة والوسواس: حديث النفس، والوسواس بالفتح هو الشيطان. انظر: "تهذيب اللغة" 13/ 136 (وسس)، "اللسان" 3/ 922 (وسس).]].
قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ قال أهل اللغة: الوريد: عرق تحت اللسان يتفرق في البدن، وهو في العضد فَلِيقٌ [[الفليق: عرق في العضد يجري على العظم إلى نغضِ الكتف. "تهذيب اللغة" 156/ 9، "اللسان" 2/ 1128 (فلق). ونغض الكتف هو أعلى منقطع غضروف الكتف.]]، وفي الذراع الأكحل، وفيما تفرق من ظهر الكفِّ الأشاجعُ [[الأشاجع: العصب الممدود فوق السّلامى من بين الرسغ إلى أصول الأصابع. وقيل: رؤوس الأصابع التي تتصل بعصب ظاهر الكف، وقيل عروق ظاهر الكف، وهو مغرز الأصابع.
"تهذيب اللغة" 1/ 331، "اللسان" 2/ 273 (شجع).]]، وفي بطن الذراع الرَّواهش [[الرواهش: واحدها راهشة، أو راهش، وهي عروق باطن الذراع. "تهذيب اللغة" 6/ 81، "اللسان" 1/ 1239 (رهش).]].
وقال أبو الهيثم [[انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 163، "اللسان" 3/ 908 (ورد).]]: الوريدان عرقان بجنب الودجين عن يمين ثغرة النحر ويسارها. قال: والوريدان ينبضان أبدًا من الإنسان. فكل عرق ينبض فهو من الأوردة التي فيها مجرى الحياة، والوريد من العروق ما جرى فيه النَّفس ولم يجر فيه الدم.
وقال الليث: هما وريدان مكتنفان صفحتي العنق، يقال للغضبان: قد انتفخ وريداه، والجميع الأوردة، والورد [[انظر المرجع السابق.]]. وذكر الفراء وأبو عبيدة والزجاج أن الوريد في الحلق وباطن العنق [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 223، "معاني القرآن" للفراء 3/ 76، "معاني القرآن" للزجاج 5/ 44.]].
قال مقاتل: هو عرق يخالط القلب، فعِلْمُ الربِّ تبارك وتعالى أقرب إلى القلب من ذلك العرق [[انظر: "تفسير مقاتل" 124 ب، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 9.]].
وقال أهل المعاني [[قال ابن الصلاح: وحيث رأيت في كتب التفسير (قال أهل المعاني) فالمراد به مصنفو الكتب في "معاني القرآن" كالزجاج ومن قبله. وفي بعض كلام الواحدي: أكثر أهل المعاني: الفراء والزجاج، وابن الأنباري. قالوا كذا
انظر: "البرهان في علوم القرآن" 1/ 291]]: المعنى: ونحن أقرب إليه في العلم وما تحدث به نفسه من هذا العرق المخالط للإنسان، وذلك أن أبعاض الإنسان وأجزاءه يحجب بعضها بعضًا، ولا يحجب علم الله عنه شيء [[انظر: "الكشف والبيان" 11/ 178 ب، "معالم التنزيل" 4/ 222، "الجامع لأحكام القرآن" 9/ 17.]].
ثم ذكر أنه مع علمه به وكَّل به ملكين يحفظان ويكتبان عليه عمله إلزامًا للحجة فقال: قوله:
50:17Page 519
إِذۡ يَتَلَقَّى ٱلۡمُتَلَقِّيَانِ عَنِ ٱلۡيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٞ ١٧
When the two receivers [i.e., recording angels] receive,1 seated on the right and on the left.
﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ﴾ (إذ) يتعلق بمحذوف دل عليه ما قبله وهو العلم، كأنه قيل: يعلم، ما يعمل، ويقول إذ يتلقى الملكان. أخبر أنه عالم بأحواله وما يثبت عليه الملكان فلا يحتاج إلى الملكين ليخبراه، ولكنهما وكِّلا به إلزامًا للحجة وتوكيدًا للأمر عليه. والتلقِّي معناه: التلقن [[التَلَقِّي: هو الاستقبال ومنه: فلان يتلقى فلانًا، أي يستقبله، ويأتي بمعنى التلقين، ومنه: الرجل يلقي الكلام، أي يُلقنه. "اللسان" 3/ 388 (لقا).]] والأخذ. ذكرنا ذلك عند قوله: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ﴾ [البقرة: 37] [[عند تفسيره لآية (37) من سورة البقرة، ومما قال: والتلقي في اللغة معناه الاستقبال .. ومنه الحديث: أنه نهى عن تلقي الركبان. قالوا معناه الاستقبال. وتفسير التلقي بالتلقن جائز صحيح وليس من لفظه.]] ومفعول التلقي محذوف وتقديره: يتلقى المتلقيان ألفاظه وأفعاله. ودل علي هذا قوله: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ﴾ الآية.
قال مقاتل في هذه الآية: يعني الملكين يتلقيان عمل ابن آدم ومنطقه [[انظر: "تفسير مقاتل" 124 ب.]].
قوله: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ قعيدا كلِّ إنسان حافظاه، وهما الملكان الموكَّلان به، قال ابن قتيبة: قعيد بمنزلة قاعد. مثل: قدير وقادر، وقد يكون بمنزلة: أكيل وشريب [[انظر: "تفسير غريب القرآن" ص 418.]]. فيكون القعيد بمعنى القاعد، وأصل هذا من القعود، ثم صار اسمًا للملازم للإنسان في كل حال من القيام والقعود والمشي والاضطجاع. ولهذا كانت العرب تطلق هذا الاسم تريد به الله تعالى، على معنى أن الله مع العبد بالعلم أينما كان فيقول: قَعْدَكَ الله وقعيدَك الله، بمنزلة نشدتك الله. وأنشد أبو الهيثم فقال: قَعِيدكُمَا الله الذي أنْتُما له ... ألم تَسْمَعَا بالبيضَتَيْن المُنَادِيَا [[البيت للفرزدق، والبيضتان ماء لبني يربوع وماء لبني دارم.
انظر: "ديوان الفرزدق" 2/ 360، "اللسان" 1/ 298 (بيض) 3/ 129 (قعد)، "همع الهوامع" 4/ 262.]]
قال: ومعنى قعيدك الله: أي أينما قعدت فأنت مقاعد لله، أي: هو معك، ومن هذا قول المتمم:
قَعِيدَكِ ألَّا تُسْمِعِيني مَلامَةً ... ولا تَنْكِئي قَرْحَ الفُؤادِ قبيحا [[ورد البيت منسوبًا في "المفضليات" ص 269، "الإيضاح في شرح المفصل" 1/ 237، "تهذيب اللغة" 1/ 199، "اللسان" 3/ 129، (قعد)، "الخزانة" 2/ 20، وكل المصادر روته (فييجعا) بدل (قبيحًا).]]
قال أبو إسحاق: المعنى عن اليمين قعيد، وعن الشمال قعيد. فدل أحدهما على الآخر، فحذف المدلول عليه، وأنشد [[البيت لقيس بن الخطيم والد ثابت بن قيس الصحابي الجليل، وينسب إلى عمرو بن امرئ القيس الخزرجي.
انظر: "ديوان قيس" ص 239، "الكتاب" 1/ 75، "المقتضب" 3/ 112، 4/ 73، "الأمالي" ابن الشجري 2/ 20، "الإنصاف" ص 95.]]:
نَحْن بما عِنْدَنا وأنْتَ بما ... عِنْدَك رَاضٍ والرَّأيُ مُخْتَلِفُ
أي: نحن بما عندنا راضون، وأنت بما عندك راضٍ.
ومثله أيضًا:
رَمَاني بأَمْرٍ كنتُ منه ووالِدِي ... بريئًا ومن أجْلِ الطّوى رَمَانِي [[البيت لعمرو بن أحمر أو لطرفة الفراصي. انظر: "الكتاب" 1/ 75، "همع الهوامع" 2/ 84، "المذكر والمؤنث" لابن الأنباري ص 678، "معاني القرآن" للأخفش 1/ 258، ونسبه أبو عبيدة في "مجاز القرآن" 2/ 161 للأَزرق الباهلي.
والمراد بالطوي البئر التي كان بينة وبين خصمه خلاف عليها.]] قال: المعنى كنت بريئًا وكان والدي منه بريئًا [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 44.]]. ونحو هذا قال الفراء، وأنشد للفرزدق [[في (أ): (الفرزدق) والصواب ما أثبته. سبق ترجمته في سورة النساء.]]:
إني ضَمِنْت لمن أتانِي ما جَنَى ... وأبي فكان وكُنْتُ غَيْرَ غَدُورِ [[ورد البيت في "الكتاب" 1/ 38، "الإنصاف" ص 95، "معاني القرآن" للفراء 3/ 77، "المذكر والمؤنث" ص 677، "الإيضاح في شرح المفصل"1/ 168، وليس في "ديوان الفرزدق". والشاهد فيه: "غدور" ولم يقل: "غدورين".]]
وقال المبرد: فعيل يكون للواحد والجميع، وأنشد هو وأبو عبيدة:
يا عاذلاتي لا تطلن ملامتي ... إن العواذل لسن [[أي: (ليس).]] لي بأمير [[قال البغدادي في شرح أبيات "مغني اللبيب" 4/ 483: والبيت مشهور بتداول العلماء إياه في مصنفاتهم، ولم أقف على قائله اهـ. ونسب في بعض المصادر ليزيد ابن الصعق.
انظر: "تهذيب اللغة" 6/ 244، "اللسان" 2/ 658 (ظهر)، "الخصائص" 3/ 171 ، "معاني القرآن" للأخفش 2/ 643، وقوله: (بأمير) أي لسن لي بأمراء.]]
وقال الله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: 4]. وقد ذكرنا هذا عند قوله: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: 69] [[ومما قال عند تفسيره لآية: قال الفراء: وإنما وحد الرفيق وهو حقه الجمع؛ لأن الرفيق والبريد والرسول تذهب بها العرب إلى الواحد وإلى الجمع، ولا يجوز أن تقول: حسن أولئك رجلاً. وقال بعضهم: حسن كل واحد منهما رفيقًا]]. والمراد بالقعيد هاهنا: الملازم الذي لا يبرح، لا القاعد الذي هو ضد القائم، قال مجاهد: عن اليمين كاتب الحسنات، وعن الشمال كاتب السيئات [[انظر: "جامع البيان" 26/ 99، "الوسيط" 4/ 165.]].
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences