Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
الانسان
Al-Insan
The Man · Medinan · 31 ayahs
76:1Page 578
هَلۡ أَتَىٰ عَلَى ٱلۡإِنسَٰنِ حِينٞ مِّنَ ٱلدَّهۡرِ لَمۡ يَكُن شَيۡـٔٗا مَّذۡكُورًا ١
Has there [not] come upon man a period of time when he was not a thing [even] mentioned?
﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ [[كلمة (الإنسان) ساقط من (ع).]] قال ابن عباس [["المحرر الوجيز" 5/ 408.]]، (ومقاتل) [["تفسير مقاتل" 218/ ب.]] [[ساقط من (أ).]]، والمفسرون [[قال بذلك: ابن قتيبة في "تأويل مشكل القرآن" 538، وابن الأنباري في: كتابه "إيضاح الوقف والابتداء" 2/ 959، الطبري في "جامع البيان" 29/ 202، والسمرقندي في "بحر العلوم" 3/ 429. وإليه ذهب البغوي في "معالم التنزيل" 4/ 426، وابن عطية في "المحرر الوجيز" 5/ 408. وحكى الفخر ألفاظ المفسرين على هذا القول: 30/ 235، وساق الشوكاني قول الواحدي عن المفسرين في (فتح القدير) 5/ 344.]]: قد أتى، وهو قول أهل المعاني [[قال بذلك: الفراء في: (معاني القرآن) 3/ 213، وأبو عبيدة في "مجاز القرآن" 2/ 279، والزجاج في "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 257، والثعلبي في "الكشف والبيان" 13: 12/ أ.]] أيضًا.
قال الأخفش: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾، و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ أي قد أتاك، كما تقول: هل رأيت صنيع فلان، وقد علمت أنه قد رآه [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
وقال المبرد: (هل) معناه في هذا الموضع: (قد) [["المقتضب" 1/ 298.]]، وكذلك قوله: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ﴾ [ص: 21]، وحُكي عن سيبويه: أن (هل) قد تكون لغير الاستفهام [[انظر: "كتاب سيبويه" 3/ 189، وانظر أيضًا "المحرر الوجيز" 5/ 408، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 116، (فتح القدير) 5/ 344.]].
وقال الكسائي: (هل) تأتي استفهامًا، وهو بابها، وتأتي جحدًا [[أي: نفيًا.]]، (وتأتي بمعنى: قد) [[ورد قوله في "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 116.]] [[ما بين القوسين ساقطة من (أ).]].
(وقال الفراء: معناه: قد أتى، قال (وهل): قد تكون جحدًا) [[ما بين القوسين ساقطة من (أ).]]، وتكون خبرًا، فهذا من الخبر؛ لأنك تقول: هل وعظتك، هل أعطيتك، تقرره بأنك قد أعطيته، ووعظته، قال: والجحد أن تقول: وهل يقدر أحد على مثل هذا [["معاني القرآن" 3/ 213 بتصرف يسير.]].
وقال أبو إسحاق: (هل) ليست باستفهام [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 257، لم يرد عن أبي إسحاق ما ذكره الواحدي، وإنما ورد خلافه، وعبارته كالآتي. قال: ومعنى: "هل أتى" قد أتى على الإنسان، أي ألم يأت على الإنسان حين من الدهر".]]. ويحقق ذلك قول أبي بكر الصديق -أرضاه الله- قال لما سمع هذه الآية: [ليت] [[في كلا النسختين: ليست، ولا تستقيم العبارة بهذا اللفظ، ولعله خطأ من الناسخ، أو تصحيف.]] المدة التي أتت على آدم، ولم يكن شيئًا مذكورًا، تمت على ذلك، وكان لا يلد، ولا يُبتلى أولاده [["الجامع لأحكام القرآن" 19/ 118.]].
وهذا الذي ذكره عن الصديق يروى ذلك عن عمر [["الكشف والبيان" 13/ 12/ أ، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 118، "الدر المنثور" 8/ 366 وعزاه إلى ابن المبارك، وأبي عبيد في فضائله، وعبد بن حميد، وابن المنذر.]]، وابن مسعود [["الكشف والبيان" 13/ 12/ أ، "الدر المنثور" 8/ 366 وعزاه إلى ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر.]]، (ومراده) [[ساقطة من (أ).]] أن (هل) لو كان استفهامًا ما قال من قال: ليت ذلك تم؛ لأن الاستفهام إنما يجاب بـ (لا) أو (نعم)، وهذا الكلام، إنما يحسن إذا كان المراد بـ (هل) الخبر لا الاستفهام [[(هل): من الحروف الهوامل؛ لأنها لا تختص بأحد القبيلين، ولها موضعان: أحدهما: أن تكون استفهامًا عن حقيقة الخبر، وجوابها: نعم، أو لا، قال تعالى: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ [الأعراف: 44]. والثاني: أن تكون بمعنى: (قد)، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ [الإنسان: 1]، كتاب معاني الحروف للرُّمَاني: 102.]].
وقوله: ﴿عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ قال جماعة من المفسرين [[قال بذلك: قتادة، وسفيان الثوري، والسدي، وعكرمة، ومقاتل. انظر: "تفسير مقاتل" 218/ ب، "تفسير عبد الرزاق" 2/ 336، "جامع البيان" 29/ 202، "النكت والعيون" 6/ 161، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 117. وبه قال == السمرقندي في "بحر العلوم" 3/ 429، والثعلبي في "الكشف والبيان" 13: 12/ أ، وعزاه الماوردي إلى (جميع المفسرين) 6/ 162، وإليه أيضًا ذهب البغوي في "معالم التنزيل" 4/ 426، وحكاه ابن الجوزي عن الجمهور في "زاد المسير" 8/ 142.
قال ابن تيمية: وقوله: "الإنسان" هو اسم جنس يتناول جميع الناس، ولم يدخل فيه آدم الذي خلق من طين، فإن المقصود بهذه الآية بيان الدليل على الخالق تعالى، والاستدلال إنما يكون بمقدمات يعلمها المستدل، والمقصود بيان دلالة الناس وهدايتهم، وهم كلهم يعلمون أن الناس يخلقون من العلق".
(مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية) 16/ 260 - 261.]]: يريد آدم عليه السلام.
﴿حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ يعني أربعين سنة كان ملقى قبل أن ينفخ فيه الروح. هذا قول الكلبي [[لم أعثر على مصدر لقوله. وقد ورد بنحوه في (الوسيط) 4/ 398.]].
وقال عطاء، عن ابن عباس: يريد بـ (الحين) أن آدم أقام حين خلق من طين أربعين سنة [[قوله: أربعين سنة: مكرر في (ع).]] من صلصال، وأربعين سنة من حمأ [[حمأ: طين أسود منتن. المفردات في غريب القرآن 133.]] مسنون [[مسنون: أي: مَصْبوب، يقال: سننت الشيء سنًا إذا صببتَهُ صبًا سهلاً، ويقال: "مسنون" أي: متغير الرائحة.
"نزهة القلوب" للسجستاني: 403.]]، فتم خلقه بعد عشرين ومائة سنة [["النكت والعيون" 6/ 162، "التفسير الكبير" 30/ 235، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 117.]]. وزاد ابن مسعود فقال: أقام من تراب أربعين سنة، ثم ذكر مثل قول ابن عباس، فقال: فتم خلقه بعد ستين ومائة سنة [["الجامع لأحكام القرآن" 19/ 117.]].
وقوله: ﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ قال ابن عباس: لا في السماء، ولا في الأرض [[المرجع السابق.]].
قال الفراء: يريد كان شيئًا، ولم يكن مذكورًا، وذلك من حين أن خلقه الله إلى أن نفخ فيه الروح [[(معاني القرآن للفراء) 3/ 213 بنصه.]]. ونحو هذا قال الزجاج، قال: ويجوز أن يعني به جميع الناس [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 257 بنصه.]].
والمعنى: أنهم كانوا نطفًا [[النُّطْفة: الماء الصافي قلّ أو كثُر. انظر مادة: (نطف) في (مقاييس اللغة) لابن فارس: 5/ 440، (مختار الصحاح) 666.]]، ثم علقًا [[العَلَق: الدم الجامد، وفي الصحاح: الدم الغليظ. انظر مادة: (علق) في (مقاييس اللغة) 4/ 125، (مختار الصحاح) 450.]]، ثم مضغًا [[مضغ: الميم، والضاد، والغين: أجل صحيح، وهو المضغ للطعام، والمضغة: قطعة لحم؛ لأنها كالقطعة التي تؤخذ فتمضغ. انظر مادة: (مضغ) في (مقاييس اللغة) 5/ 330، مختار الصحاح: 626.]]، إلى أن صاروا شيئاً مذكورًا.
قوله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ يعني ولد آدم من نطفة. ﴿أَمْشَاجٍ﴾ يعني المشج في اللغة: "الخلط، يقال: مشج (يمشج) [[ساقط من (أ).]] مشجًا إذا خلط، والأمشاج: الأخلاط.
قال ابن الأعرابي: واحدها: مَشْج، ومَشَج، وأنشد (قول الشماخ) [[ساقط من (أ).]]: طَوَتْ أحْشاءَ مُرْتِجَةٍ لِوَقْتٍ ... على مَشَجٍ سُلالتُه مَهِينُ [[ديوانه: 328. وانظر (مشج) في: "لسان العرب" 2/ 367، "الكامل" 2/ 1017، "البحر المحيط" 8/ 392. ومعناه: طوت: ضمت، أحشاء: أراد رحمها، مرتجة: حامل، لوقت: أي لوقت الولادة، مشج: أخلاط، والمراد هنا: النطفة التي اختلط فيها ماء الحمار بماء الأتان. سلالته: ماؤه، مهين: ضعيف. والمعنى: أطبقت هذه الأتان رحمها إلى وقت الولادة على النطفة، فلا تمكن الحمار منها، فهي تهرب منه أشد ما يكون، فناقة الشماخ تشبه هذه الأتان في: الإسراء للتوجه إلى الممدوح. ديوانه: 328.]]
وأنشد أيضًا:
فَهُنَّ يَقْذِفْنَ مِنَ الأمْشاجِ ... مِثْلَ بُرُودِ اليُمْنَةِ الحجاج [[ورد البيت غير منسوب في: "لسان العرب" 2/ 367، برواية: "نزول" بدلاً من: "برود".]]
قال: والمشج: شيئان مخلوطان [[ما بين القوسين نقله عن الأزهري من "تهذيب اللغة" 10/ 551 (مشج). وانظر المعنى اللغوي لـ (مشج) في: "اللسان" 2/ 367، "تاج العروس" 2/ 100 - 101.]].
وقال [أبو عبيدة [["مجاز القرآن" 2/ 279.]]] [[في (أ) أبو عبيد، وبياض في (ع)، والصواب "أبو عبيدة" فقوله في "مجاز القرآن".]]، والفراء [["معاني القرآن" 3/ 214.]]: الأمشاج: الأخلاط، ويقال للشيء إذا خُلط: مَشيج، كقولك: خليط، وممشوج (كقولك) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]] مخلوط، وأنشد [[أي أبو عبيدة، إذ لم يرد عن الفراء ذكر بيت القصيد.]] للهذلي [[في (ع): وأنشد قول الهذلي.]] [[البيت عند أبي عبيدة منسوب لأبي ذؤيب الهذلي: "مجاز القرآن" 2/ 279، وكذا == عند الطبري في: "جامع البيان" 29/ 203، ونسب إلى الشماخ في: "الكامل" 2/ 1016، والصواب أنه لـ: زهير بن حرام الهذلي من قصيدته في: "ديوان الهذليين" 3/ 104، "شرح أشعار الهذليين" 2/ 619، وقد بين ذلك محقق ديوان الشماخ: 434.]]، فقال: كأنّ الرِّيش والفُوقَيْن منه ... خِلاف النَّصْل سِيطَ به مَشِيجُ [[وورد البيت أيضًا في: "الصحاح" 1/ 341 (مشج)، "اللسان" 2/ 368، "الدر المنثور" 8/ 367 برواية:
كأن النصل والفوقين منها ... خلال الريش سِيطَ به مَشيج
وفي "البحر المحيط" 8/ 392 برواية: كأن النّصل خلاف الريش. وفي "الكامل" 2/ 1016 برواية:
كأنَّ الْمَتْنَ والشرخين منه ... خلاف النّصل سَيط به مَشيج
كما ورد في: ديوان الشماخ: كأن المتن والشرخين منه: 434.]]
يصف السهم: بأنه قد نفذ في الرمية، فالتطخ ريشه وفوقاه بدم يسير، ووصف (النطفة) وهي واحدة بالأمشاج، وهي جمع، كوصف: البُرمة [[البرمة: هي الحجارة التي توضع تحت القدر، ويقال لها الأثافي أيضًا. "غريب الحديث" لابن الجوزي: 1/ 11.]] بالأعشار في قولهم: بُرمة أعشارٌ، أي قطع متكسرة، وثوب أخلاق، وأرض سباسب [[سباسب: أي القفار، واحدها سَبْسَبٌ، والسَّبْسب: الأرض القَفْر البعيدة، مستوية وغير مستوية، وغليظة وغير غليظة، لا ماء بها ، ولا أنيس. "لسان العرب" 1/ 460 مادة: (سبسب).]] [[عد الكرماني هذا القول من غرائب التفسير 2/ 286. وانظر: "فتح القدير" 5/ 345.]].
ومعنى أمشاج: أخلاط في قول جميع أهل اللغة [[انظر (مشج) في: "تهذيب اللغة" 10/ 551، "مقاييس اللغة" 5/ 326، "الصحاح" == 1/ 341، "لسان العرب" 2/ 367، "تاج العروس" 2/ 101، "المعجم الوسيط" 1/ 207.]]، (والمفسرين) [[وهو قول عكرمة، وابن عباس، والربيع بن أنس، ومجاهد، والحسن، ومقاتل. انظر: "تفسير مقاتل" 219/ أ، "جامع البيان" 29/ 203 - 204، "الكشف والبيان" 13: 12/ أ - ب، "النكت والعيون" 6/ 162، معالم التنزيل: 4/ 426، "المحرر الوجيز" 5/ 408، "زاد المسير" 8/ 142 حاشية: 2 من النسخة الأزهرية، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 483. وقال به اليزيدي في: "غريب القرآن" 404، وابن قتيبة في: تفسير "غريب القرآن" 502، ومكي بن أبي طالب في: العمدة في: "غريب القرآن" 327، و"تفسير المشكل" لمكي بن أبي طالب: 367، الخزرجي في: نفس "الصباح" 2/ 651، أبو حيان في: "تحفة الأريب" 280. وقال بذلك أيضًا: الطبري، والسمرقندي، والثعلبي. انظر: "جامع البيان" 29/ 203، "بحر العلوم" 3/ 430، "الكشف والبيان" 13: 12/ أ.]] [[ساقط من (أ).]].
واختلفوا في كيفية اختلاط نطفة الرجل، ومعنى ذلك الاختلاط.
فالأكثرون (على) [[ساقطة من (أ).]] أنه اختلاط نطفة الرجل بنطفة المرأة، وهو قول ابن عباس [["الكشف والبيان" 13: 12/ أ، معالم التنزيل: 4/ 426، "زاد المسير" 8/ 142 حاشية: 2، "التفسير الكبير" 30/ 236، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 119، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 483.]] في رواية عطاء، (والكلبي) [[لم أعثر على مصدر لقوله.]] [[ساقط من (أ).]]، ومقاتل [["تفسير مقاتل" 219/ أ.]]، (وعكرمة) [["جامع البيان" 29/ 203، "زاد المسير" 8/ 142 حاشية: 2، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 483.]] [[ساقط من (أ). وزاد في نسخة (أ) وغيرهما، ويعني: الكلبي، وعكرمة، فإن نسخة ع لم تذكرهما. وممن قال بذلك أيضًا: الحسن، ومجاهد، والربيع ..]]. قالوا: هو اختلاط ماء الرجل، وهو أبيض غليظ، بماء المرأة، وهو أصفر رقيق، فيختلطان، ويخلق الولد منهما، فما كان من عَصب، وعظم، وقوة، فمن نطفة الرجل، وما كان من لحم ودم وشعر، فمن مَاءِ المرأة.
وقال مجاهد: هي ألوان النطفة، نطفة الرجل بيضاء، وحمراء، ونطفة المرأة خضراء، وحمراء [["جامع البيان" 29/ 205، "الكشف والبيان" 13/ 12/ ب، "التفسير الكبير" 30/ 236، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 119، "الدر المنثور" 8/ 368 وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.]]، وهو قول الكلبي [["الكشف والبيان" 13/ 12/ ب، "معالم التنزيل" 4/ 427، "زاد المسير" 8/ 142.]]، (ورواية الوالبي عن ابن عباس [[المراجع السابقة إضافة إلى "جامع البيان" 29/ 204، وصحيفة علي بن طلحة، عن ابن عباس في: "تفسير القرآن الكريم"؛ تحقيق راشد الرجال: 510.]]) [[ما بين القوسين ساقطة من (أ).]].
وقال عبد الله: أمشاجها عروقها [[المراجع السابقة، عدا الكشف والبيان، وصحيفة ابن عباس. وانظر: "جامع البيان" 29/ 205، "التفسير الكبير" 30/ 236، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 483، "الدر المنثور" 8/ 367 وعزاه إلى سعيد بن منصور، وابن أبي حاتم.]]. يعني: العروق التي تكون في النطفة. وقال الحسن: يعني من نطفة مشجت بدم، وهو دم الحيضة، وذلك [[في (أ): ولذلك.]] أن المرأة إذا تلقت ماء الرجل، وحبلت أمسك حيضها، فاختلطت النطفة بالدم [["الكشف والبيان" 13/ 12 ب، "التفسير الكبير" 30/ 263، "الدر المنثور" 8/ 368، وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر. وانظر: "تفسير الحسن البصري" 2/ 383.]].
وقال قتادة: الأمشاج إذا اختلط الماء والدم، ثم كان علقة، ثم كان مضغة [["تفسير عبد الرزاق" 2/ 336، "جامع البيان" 29/ 204، "الدر المنثور" 8/ 368 وعزاه إلى ابن المنذر.]].
ونحو هذا روى (سماك) [[ساقطة من (أ).]] عن عكرمة [["جامع البيان" 29/ 204، "معالم التنزيل" 4/ 427.]]، واختاره الزجاج فقال: أمشاج: أخلاط من مني ودم، ثم ينقل من حال إلى حال [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 257 بنصه.]].
وقال أهل المعاني: إن الله جعل في النطفة أخلاطًا من الطبائع التي تكون في الإنسان من الحرارة، والبرودة، واليبوسة، والرطوبة، ثم عدلها [[انظر: "لسان العرب" 2/ 367 (مشج)، وعزاه الكرماني إلى ابن عيسى، واعتبر هذا القول من عجائب التأويل. انظر: "غرائب التفسير" 2/ 1286.]].
والتقدير: من نطفة ذات أمشاج، فحذف المضاف، وتم الكلام [[وعند بعضهم حسن. قاله الأشموني. انظر: "منار الهدى" 411، وقد علل السجاوندي الوقف على "أمشاج" بقوله: لأنه منكر. ثم قال: ولو وصل صار "نبتليه" صفة له، وإنما هو حال الضمير المنصوب في: "جعلناه" تقديره: فجعلناه سميعًا بصيرًا مبتلين له. فيوقف على "أمشاج" لتبين هذا المعنى. "علل الوقوف" 3/ 1070.]].
ثم قال: (قوله تعالى) [[ساقطة من (ع).]]: ﴿نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾
قال مقاتل: فجعلناه بعد النطفة سميعًا بصيرًا لنبتليه بالعمل [["تفسير مقاتل" 219/ أ، "بحر العلوم" 3/ 430، "النكت والعيون" 6/ 163.]].
وقال الفراء: المعنى: جعلناه سميعًا بصيرًا لنبتليه، فهي مقدمة معناها التأخير، المعنى: خلقناه، وجعلناه سميعًا بصيرًا لنبتليه [["معاني القرآن" 3/ 214 بيسير من التصرف. وقد رد هذا المعنى ابن جرير فقال: "ولا وجه عندي لما قال يصح، وذلك أن الابتلاء إنما هو بصحة الآلات، وسلامة العقل من الآفات، وإن عدم السمع والبصر". "جامع البيان" 29/ 206، كما رده النحاس بمعنى ما ذكره ابن جرير. انظر: "القطع والائتناف" 2/ 775.]]. (ونحو هذا قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 257.]]، وابن قتيبة [[تفسير غريب القرآن: 502.]] [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]].
وقال آخرون: (نبتليه) متصل المعنى بما قبله، كأنه قيل: خلقناه من نطفة أمشاج لنبتليه، لنختبره في الاعتبار بهذه الأحوال في خلقه، فيكون (نبتليه) في موضع الحال، أي خلقناه مبتلين إياه [[وهو قول ابن أبي حاتم، وإليه ذهب أيضًا النحاس. انظر: "القطع والإتناف" 2/ 775، و"منار الهدى" للأشموني 412.]].
ثم ذكر أنه أعطاه ما يصح معه الابتلاء، وهو السمع والبصر، فقال: فجعلناه سميعًا بصيرًا. (وهذا قول صاحب النظم) [[لم أعثر على مصدر لقوله.]] [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]].
76:2Page 578
إِنَّا خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِن نُّطۡفَةٍ أَمۡشَاجٖ نَّبۡتَلِيهِ فَجَعَلۡنَٰهُ سَمِيعَۢا بَصِيرًا ٢
Indeed, We created man from a sperm-drop mixture1 that We may try him; and We made him hearing and seeing.
No commentary for this ayah
76:3Page 578
إِنَّا هَدَيۡنَٰهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرٗا وَإِمَّا كَفُورًا ٣
Indeed, We guided him to the way, be he grateful or be he ungrateful.
قوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ قال ابن عباس: يريد بيّنا له سبل الهدى [[لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بمثله عن عطاء في الوسيط: 4/ 398.]].
وقال الفراء: هديناه السبيل، وإلى السبيل، كل ذلك جائز، يقول عرفناه السبيل [["معاني القرآن" 3/ 214 بيسير من التصرف.]].
وقوله تعالى: ﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ قال ابن عباس: يريد إما موحّدًا طائعًا لله، و (إمّا) مشركًا بالله [[غير واضحة في (ع).]] في علم الله [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
قال الفراء: و (إمَّا) هاهنا تكون جزاء، أي إن شكروا [[في (ع). اشكروا.]] أو كفروا [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 214 بيسير من التصرف.]].
ومعنى الآية: إن الله تعالى ذكر أنه بين سبيل التوحيد، ودل عليه بنصب الأدلة، وبعث الرسل، شكر الإنسان فآمن، أو كفر فجحد.
ومعنى: (هدينا) هاهنا: بيَّنَّا ، وليس معناه خلقنا الهداية، ألا ترى [[في (أ): ترا.]] أنه ذكر السبيل فقال: {هديناه السبيل [[في (ع). للسبيل.]] (أي: أريناه ذلك، ثم إن وفقه للسلوك سلك فآمن، وإن خذله كفر [[وهذا المعنى للهداية هو المرتبة الثانية من مراتب الهدى الأربعة، والتي أولها: الهدى العام، وثانيها: هدى البيان والدلالة -وهو ما جاء بيانه-، وثالثها: هداية == التوفيق والإلهام، ورابعها: الهداية إلى الجنة والنار يوم القيامة. انظرت "شفاء العليل" لابن قيم الجوزية: 117.]].
وفي الآية قول آخر: قال مقاتل: يعني بينا له سبيل الهدي، وسبيل الضلالة، إما أن يكون موحدًا فيما بيّن له، أو كافرًا فلا يوحده [["تفسير مقاتل" 219/ ب.]].
وقال مجاهد: (إنا هديناه السبيل) قال: الشقاء والسعادة [["جامع البيان" 29/ 206، "النكت والعيون" 6/ 164، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 120. وانظر مجموع "فتاوى ابن تيمية" 16/ 143، وعزاه إلى ابن أبي حاتم. والهداية بقول مجاهد -هي هداية التوفيق والإلهام، وهي المرتبة الثالثة من مراتب الهدى، وهذه المرتبة تستلزم أمرين:
أحدهما: فعل الرب، وهو الهدى. والثاني: فعل العبد، وهو الاهتداء، وهو أثر فعله الله تعالى، فهو الهادي، والعبد المهتدي. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾ [الإسراء: 97]، ولا سبيل إلى وجود الأثر إلا بمؤثره التام، فإن لم يحصل فعله لم يحصل فعل العبد، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ [النحل: 37]. "شفاء العليل" 141.]].
والمعنى على هذا: بينا له سبيل الحق، والباطل، وعرفناه طريق الخير والشر، كقوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [[سورة البلد: 10.]]
قال الفراء: و (إما) (أنْ) [[ساقط من (ع).]] تكون على: (إما) التي في قوله: ﴿إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ﴾ [[سورة التوبة: 106. قال تعالى: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.]] فكأنه قال: خلقناه شقيًا، أو سعيدًا [["معاني القرآن" 3/ 214 بنصه.]].
وقال الزجاج: معناه: هديناه الطريق إما الشِقْوة، وإما السَّعادة [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 257.]].
والآية حجة على القدرية [[القائلة بأن العبد يخلق فعله، وأن الله لا يخلق أفعال العباد، ورتبوا عليها مسألة الهدى والضلالة، فقالت المعتزلة: الهدى من الله بيان طريق الصواب، والإضلال: تسمية العبد ضالاً، وحكمه تعالى على العبد بالضلال عند خلق العبد الضلال في نفسه، -وهذا مبني على أصلهم الفاسد، أن أفعال العباد مخلوقة لهم-. والصحيح: أن الله سبحانه وتعالى يهدي من يشاء، ويعصم ويعافي فضلاً، ويُضل من يشاء، ويخذل ويبتلي عدلًا، ودليله قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: 56]. ولو كان الهدى بيان الطريق لما صح هذا النفي عن نبيه؛ لأنه -ﷺ- بين الطريق لمن أحب وأبغض. وقال تعالى: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ولو كان الهدى من الله البيان، وهو عاصم في كل نفس لما صح التقييد بالمشيئة. انظر: "شرح العقيدة الطحاوية" 98. وللاستزادة والتفصيل يراجع كتاب: "المعتزلة في أصولهم الخمسة ورأي أهل السنة فيها"، رسالة ماجستير، إعداد: عبد الله المعتق: 209 - 229.]]؛ لأن الله تعالى ذكر أنه هدى الإنسان (إلى) [[ما بين القوسين ساقط من (ع).]] طرق السعادة، والشقاوة، وانتصب شاكرًا أو كفورًا على القول الأول بإضمار على التقدير [[في (ع): تقدير.]]: إما (كان) [[ساقطة من (أ).]] شاكرًا، وإما جعلناه [[في (أ): جعلاه.]] كفورًا، ودل عليه قوله: هديناه السبيل على هذا المضمر.
ويجوز أن ينتصب على الجار بتقدير: هديناه السبيل شاكرًا أو كفورًا كأنك لم تذكر (إما) وهو قول الأخفش [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
ثم بين ما أعد للكافرين، فقال: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ﴾
قال ابن عباس [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، ومقاتل [["تفسير مقاتل" 219/ ب.]]: يريد في جهنم طولها سبعون ذراعًا كقوله: ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا﴾ [الحاقة: 32] الآية. وتقرأ: (سلاسلًا) بالتنوين [[قرأ نافع، وأبو بكر عن عاصم، والكسائي، وأبو جعفر: "سلاسلاً" منونة.
وقرأ الباقون: "سلاسل" بغير تنوين. انظر كتاب "السبعة" 664، "القراءات وعلل النحويين " فيها: 2/ 733، الحجة: 6/ 348 - 349، "المبسوط" 389، "حجة القراءات" 738 - 739، "الكشف عن وجوه القراءات السبع" 2/ 352 - 354، "إتحاف فضلاء البشر" 428 - 429.]]، وكذلك: (قواريرًا قواريرًا) [[سورة الإنسان: 15 - 16.]].
ومنهم من يصل بغير تنوين، ويقف بالألف [[قرأ نافع، وأبو بكر، والكسائي، وأبو جعفر: "قواريرًا قواريرًا" منونًا كلاهما، وإذا وقفوا وقفوا عليهما بألف.
وقرأ ابن كثير، وخلف: "قواريرًا" منونًا، والوقف بغير ألف، و"قواريرا من فضة" بغير تنوين، والوقف عليه بالألف. وقرأ أبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، وحفص: "قواريرَ قواريرَ" بغير تنوين، ووقفوا على الأولى بالألف؛ لأنها رأس آية، ووقفوا على الثانية بغير ألف لأنها ليست برأس آية. ووقف حمزة، ويعقوب: "قوارير" بغير تنوين في جميعها، والوقف بغير ألف عليهما. [المرجع]]].
ولمن نون وصرف وجهان: أحدهما: أن أبا الحسن الأخفش قال: قد سمعنا من العرب [[وهم بنو أسد. انظر: "الإتحاف" 429.]] من يصرف هذا الجنس، ويصرف جميع ما لا ينصرف، وقال: هذا لغة الشعراء؛ (لأنهم اضطروا إليه في الشعر) [[انظر شواهد ذلك من الشعر في: "الحجة" 6/ 348 - 349، "حجة القراءات" 738 - 739.]] [[ساقطة من (أ).]]، فصرفوه، فجرت ألسنتهم على ذلك.
والوجه الثاني: أن هذه الجموع أشبهت الآحاد؛ لأنهم قد قالوا: (صواحبات يوسف) [[نص الحديث كما في الصحيح: ما رواه أبو موسى، قال: مرض النبي -ﷺ- فاشتد مرضه، فقال: مُروا أبا بكر فليُصَلِّ بالناس. فقالت عائشة: إنه رجل رقيق، إذا قام مقامك لم يستطع أن يُصلِّيَ بالناس، قال: مُروا أبا بكر فليُصلِّ بالناس، فعادت. فقال: مُري أبا بكر فليُصل بالناس، فإنكن صواحب يوسف. فأتاه الرسول، فصلى بالناس في حياة النبي -ﷺ-" الحديث. الجامع الصحيح للبخاري: 1/ 224 - 225: ح: 678، 679، 682، كتاب الأذان، باب: 46. كما أخرجه مالك في: "الموطأ" 1/ 155 - 156: ح: 83، كتاب فضل الصلاة في السفر، باب: 24. والإمام أحمد في "المسند" 6/ 210، 224، 229، 270. ومعنى: "إنكن صواحب يوسف" جمع صاحبة، والمراد: أنهن مثلهن في إظهار خلاف ما في الباطن، والخطاب -وإن كان بلفظ الجمع- فالمراد به عائشة فقط. انظر: "الموطأ" 155 - 156 حاشية (أ).]]، فلما جمعوه جمع الآحاد المنصرفة، جعلوها في حكمها [[في (أ): حكها.]]، فصرفوها، وكثير من العرب يقولون: (موالياتٌ) يريدون: الموالي، ومن ترك الصرف فإنه جعله كقوله تعالى: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ﴾ [الحج: 40].
وأما إلحاق (الألف) في الوقف فهو كإلحاقها في قوله [[غير مقروءة لسواد في النسخة (أ).]]: (الظنونا) [[الأحزاب: 10.]]، و (الرسولا) [[الأحزاب: 66.]]، و (السبيلا) [[الأحزاب: 67.]] أشبه [[في (ع): شبه.]] ذلك بالإطلاق في القوافي [[والشبه من حيث كانت مثلها في أنها كلام تام نحو: * أقلي اللوم عاذِلَ والعتابا * انظر الحجة: 6/ 351.]] [[ما ذكره المؤلف هنا من القراءات وتوجيهها نقله عن أبي علي من الحجة باختصار شديد: 6/ 348 - 351.]].
وقوله تعالى: ﴿وَأَغْلَالًا﴾ يعني في أيديهم تغل [[الغُلُّ: مختص بما يقيد به، فيجعل الأعضاء وسطه، وجمعه أغلال، وغُل فلان: قُيد به. انظر المفردات في غريب القرآن: 363.]] أعناقهم ﴿وَسَعِيرًا﴾ وقودًا لا تُوصف شدته، قاله ابن عباس [[أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بنحوه في: الوسيط من غير عزو: 4/ 399.]]، ومقاتل [[لم أعثر على مصدر لقوله، والذي ورد عنه في تفسيره: 219/ ب، قال: "وقودًا لا يطفأ".]].
ثم ذكر ما أعد [[في (أ): وأما.]] للشاكرين الموحدين فقال: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ﴾ قال عطاء: هم الذين بروا الآباء، والأمهات، والأبناء، مع اليقين والمعرفة بالله [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
وقال مقاتل: يعني المطيعين (لله) [[ساقطة من (أ).]] في التوحيد [["تفسير مقاتل" 219/ ب، "النكت والعيون" 6/ 164 مختصرًا. قال الخازن: الأبرار: واحدهم: بار، وبر، وأصله التوسع، فمعنى البر: المتوسع في الطاعة. لباب التأويل: 4/ 338 - 339. وعن ابن عاشور: الأبرار جمع: بَر -بفتح الباء-، وجمع بار أيضًا، والبار، أو البَرّ: المكثر من البِر- بكسر الباء- وهو فعل الخير. التحرير والتنوير: 29/ 379.]].
وقوله تعالى: ﴿يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ﴾ يعني: (من إناء فيه الشراب) [[ما بين القوسين نقله عن الزجاج. انظر معاني القرآن وإعرابه: 5/ 258.]]، ولهذا قال ابن عباس: يريد الخمرة [["التفسير الكبير" 30/ 240، الجامع لأحكام القرآن: 19/ 123.]]. وقال مقاتل: يعني الخمر [["تفسير مقاتل" 219/ ب، "التفسير الكبير" 30/ 240.]]. ﴿كَانَ مِزَاجُهَا﴾ ما يمازجها، ومنه: مزاج البدن، وهو ما يمازجه من الصفراء، والسوداء، والحرارة، والبرودة [[مَزَج الشَّراب: خلطه بغيره، ومِزاج الشراب: ما يُمزج به، ومِزاج البدن ما رُكب عليه من الطبائع. انظر: "الصحاح" 1/ 341: مادة: (مزج).]].
وقوله: ﴿كَافُورًا﴾ قال عطاء [[ورد عن عطاء من قوله: معالم التنزيل: 4/ 427، "زاد المسير" 8/ 144. عن ابن عباس من غير ذكر الطريق إليه في: "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 123، و"لباب التأويل" 4/ 239.]]، والكلبي [[ورد عن الكلبي من قوله: معالم التنزيل: 4/ 427، "زاد المسير" 8/ 144، "البحر المحيط" 8/ 395.]] عن ابن عباس: هو اسم عين ماءٍ في الجنة يقال: هو عين الكافور [[في (أ): الكافون. ومعنى الكافور: هو أخلاط تجمع من الطيب تُركب من كافور الطلع. انظر: "لسان العرب" 5/ 149 مادة: (كفر).]].
والمعنى: أن ذلك الشراب يمازجه ماء هذه العين التي تسمى كافورًا.
وقال آخرون: يعني الكافور الذي له رائحة طيبة. وهو قول مقاتل [[ورد بمعناه في: معالم التنزيل: 4/ 427، ولم أعثر عليه في تفسيره.]]، ومجاهد [[المصدر السابق.]].
وعلى هذا له معنيان:
أحدهما: أن يمازجه ريح الكافور، فيكون طيب الريح.
والآخر: أن يمازجه عين الكافور، ولا يكون في ذلك ضرر لأهل الجنة، لا يمسهم الضرر فيما يأكلون ويشربون. (ذكرهما الزجاج) [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 258 بتصرف.]] [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]].
وقال مقاتل: ليس ككافور الدنيا؛ ولكن الله سمى ما عنده بما عندكم حتى يهدي له القلوب [["تفسير مقاتل" 219/ ب، وبمعناه في: "معالم التنزيل" 4/ 427، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 124، "فتح القدير" 5/ 346.]].
ويدل على صحة القول الأول قوله: (عينًا).
قال الفراء: إن شئت جعلتها متابعة للكافور كالمفسرة، وإن شئت نصبتها على القطع [[يعبر عن الحال بالقطع عند الكوفيين. انظر: "نحو القراء الكوفيين" 349.]] من (الهاء) في: (مزاجها) [[غير واضحة في (ع).]] [["معاني القرآن" 3/ 215 بنصه.]].
وهذا على أن يجعل (العين) حالاً للكأس؛ لأن ضميرها معرفة، ويكون التقدير: كان مزاج الكأس، وهي [[في (أ): هي.]] عين كافورًا، وهذا يوجب أن تكون العين الكأس، وليس المعنى على هذا.
وقال الأخفش: وإن شئت نصبت على وجه المدح، كما يذكر لك الرجل، فتقول: العاقل اللبيب، أي ذكرتم العاقل اللبيب، فتجعل النصب هاهنا على أعْني: [عينًا] [[في كلا النسختين: هاهنا، والمثبت من كتاب الأخفش: "معاني القرآن" 2/ 722.]].
وقال أبو إسحاق: الأجود أن يكون المعنى من عين [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 258 بنصه.]].
وقوله تعالى: ﴿يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ قال الفراء: (يشرب بها) وَيشْرَبها سواء، المعنى: كأن [[في (ع): وكان.]] يشرب بها، يريد ينقع بها، ويروى بها [["معاني القرآن" 3/ 215 بيسير من التصرف.]].
قال ابن عباس: يشرب بها أولياء الله [[معالم التنزيل: 4/ 428، "لباب التأويل" 4/ 339.]].
وقال مقاتل: يشربها المقربون، وهم الصديقون، والشهداء صِرفًا، وتمزج لسائر أهل الجنة الخمر، واللبن، والعسل [["النكت والعيون" 6/ 165 بنحوه، والذي ورد عنه في تفسيره: 219/ ب قال: "عباد الله يعني أولياء الله، يمزجون ذلك الخمر مزجًا".]].
وقوله تعالى: ﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ قال الكلبي: يقول: يفجرون تلك العيون الكافور في الجنة حيث يريدون؛ كما يفجر الرجل النهر يكون له في الدنيا -هاهنا- وهاهنا حيث يريد [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
وذكرنا معنى التفجير عند قوله: ﴿فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ﴾ [[سورة الإسراء: 91، وعند تعرضه للآية أحال إلى سورة البقرة في بيان معنى التفجير، [البقرة: 60]، ومما جاء في تفسيرها: قال: "وأصل الفجر في اللغة: الشق، وسمي فجر النهار لانصداعه، أو لشقه ظلمة الليل، ويقال: انفجر الصبح إذا سال ضوؤه في سواد الليل كانفجار الماء في النهر، ويقال: فَجَرَ وأفجَرَ ينبوعًا من ماء، أي: شقه وأخرجه، قال الليث: والمَفْجَر: الموضع الذي يُفْجَر منه".]] الآية.
ثم نعتهم فقال: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ قال صاحب النظم: (كان) في قوله: ﴿كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾ زائدة لا يحتاج إليها، والعرب تزيدها في أضعاف الكلام، ولا معنى لها، كما قال:
وَجِيرانٍ لنا كانوا كرامِ [[البيت للفرزدق من قصيدة يمدح فيها هشام بن عبد الملك، وصدر البيت:
فَكَيْفَ إذا رأيت ديارَ قوْمي
ورد البيت في ديوانه: 2/ 290 ط دار صادر.]]
قال: وكما يزيدون [كان] [[ساقطة من النسختين، وأثبت ما يستقيم به المعنى.]] وليس لها معنى، يحذفونها من مواضع يحتاجون إليها كقوله: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ (والمعنى: كانوا يوفون بالنذر) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]]، لأن هذا إخبار عما كانوا عليه في الدنيا [[لم أعثر على مصدر لقوله، وقد قال بقوله أبو علي في: "المسائل البصريات" 2/ 875.]].
وهذا قول الفراء، قال: هذه من صفاتهم في الدنيا كأن فيها إضمار (كانوا) [["معاني القرآن" 3/ 316 بيسير من التصرف.]].
ونحو هذا قال مقاتل، فقال: كانوا في الدنيا يوفون بالنذر [[بمعناه في: "تفسير مقاتل" 219/ ب، وعبارته "قال: يعني من نذر لله نذرا فقضى الله حاجته، فيوفي لله بما قد نذره".]].
ومعنى ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ قال قتادة: بطاعة الله، والصلاة [[في (ع): الصلوات.]]، والحج [["تفسير عبد الرزاق" 2/ 336، "جامع البيان" 29/ 208، وبنحوه في: "الكشف والبيان" 13/ 14/ أ، "زاد المسير" 8/ 145 بمعناه، "القرطبي" 19/ 125.]].
وعلى هذا معنى النذر: ما أوجبه الله [عليهم] [[في كلا النسختين: عنهم، ولا تستقيم العبارة بذلك، والأوفق للسياق لفظ: عليهم. والله أعلم.]]. النذر معناه: الإيجاب [[قال الليث: النَّذْر: النَّحْب، وهو ما ينذره الإنسان فيجعله على نفسه نحبًا واجبًا، ومنه قولك: نذرت على نفسي، أي أوجبت. انظر مادة: (نذر) في: تهذيب اللغة: 14/ 420،"لسان العرب" 5/ 200، وأيضًا "مقاييس اللغة" 5/ 414.]].
وقال الكلبي: يتممون العهود [["النكت والعيون" 6/ 166 بمعناه، "التفسير الكبير" 3/ 242، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 125، "فتح القدير" 5/ 347.]].
وقال مجاهد [["الكشف والبيان" 13: 14/ أ، "زاد المسير" 8/ 145، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 125 بنحوه.]]، وعكرمة [[المراجع السابقة.]]: يعني: إذا نذروا في طاعة الله وثوابه.
وقوله تعالى: ﴿وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ قال أبو عبيدة [[مجاز القرآن: 2/ 279، وعبارته: "فاشيًا".]]، وغيره [[قال بذلك: ابن عباس، ومقاتل، وإليه ذهب الأخفش. انظر: "تفسير مقاتل" 219/ ب، "النكت والعيون" 6/ 166، معالم التنزيل: 4/ 428، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 126.]]: فاشيًا منتشرًا.
وقال الزجاج: بالغًا أقصى المبالغ [[معاني القرآن وإعرابه: 5/ 258 بنحوه]].
وقال الفراء: ممتدًا قال: والعرب تقول: استطار الصَّدع في القارورة، واستطال، ولا يقال في الحائط [["معاني القرآن" 3/ 216 بإضافة عبارة: "ولا يقال في الحائط".]].
وقال ابن قتيبة: يقال: استطار الحريق إذا انتشر، واستطار الصبح إذا انتشر ضوؤه [["تفسير غريب القرآن" 502 بيسير من التصرف.]].
وأنشدوا [[وممن أنشد قول الأعشى: "جامع البيان" 29/ 209، "الكشف والبيان" 13/ 14/ أ، "النكت والعيون" 6/ 166. وبه قال أيضا: "المحرر الوجيز" 5/ 410، "زاد المسير" 8/ 145، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 126، "ابن كثير" 4/ 484.]] للأعشى:
فَبَانَتْ وقَدْ أَسْأرتْ في الفؤاد ... صَدْعًا على نأيها مسْتطيرا [[ديوانه: 89 برواية: (وقد أورثت) بدلًا من: (أسأرت)، و (يخالط عثَّارها) بدلاً من: (على نأيها مستطيرا)، وليس فيه موطن الشاهد، وله في شعر يمدح فيه هوذة بن علي الحنفي، وليس فيه موضع شاهد أيضًا:
بانَتْ وقدْ أسْأرَتْ في النَّفْسِ حاجَتَها ... بَعْدَ ائتلاف وخَيْرُ الوُدِّ ما نَفَعا]] قال الكلبي: قد علن شره، وفشا، وعم [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
وقال عطاء: استطار خوفه في أهل السموات وأهل الأرض في أولياء الله، وفي أعدائه [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
وقال مقاتل: يعني كان شره فاشيًا في السموات، فانشقت وتناثرت الكواكب، وفزعت الملائكة، وكورت الشمس، والقمر في الأرض، فنسفت الجبال، وغارت المياه، وتكسر كل شىء على (وجه) [[ساقط من (ع).]] الأرض من جبل، وبناء، ففشا شر يوم القيامة فيهما [["تفسير مقاتل" 219/ ب، "معالم التنزيل" 4/ 428، "زاد المسير" 8/ 145، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 126، "فتح القدير" 5/ 347.]].
قال ابن عباس في هذه الآية: نزلت في علي بن أبي طالب، وفاطمة رضي الله عنهما كانا نذرا نذرًا في مرض الحسين، فوفوا لله عَزَّ وَجَلَّ بما نذروا له [["التفسير الكبير" 30/ 243 - 244.]].
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences