Al-Wahidi (al-Basit)At‑Tahrim · 66:1–7

Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic

التحريم

At-Tahrim

The Prohibition · Medinan · 12 ayahs

66:1Page 560

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَۖ تَبۡتَغِي مَرۡضَاتَ أَزۡوَٰجِكَۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١

O Prophet, why do you prohibit [yourself from] what Allāh has made lawful for you, seeking the approval of your wives? And Allāh is Forgiving and Merciful.

﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ اختلفوا في الذي حرمه النبي -ﷺ- على [[في (ك)، (س): (عن).]] نفسه، فروى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: كان رسول الله -ﷺ- إذا صلى الصبح دخل على أزواجه امرأة امرأة يسلم عليهن، وكانت حفصة قد أهدي لها عسل، وكان النبي -ﷺ- إذا دخل عليها تحبسه عندها وتسقيه منه، فيجلس النبي -ﷺ- عندها، وفطنت عائشة بذلك فجمعت أزواج النبي -ﷺ-وقالت لكل واحدة منهن، إذا دخل عليك [[في (ك): (عليك) زيادة.]] النبي -ﷺ- فقولي [[في (ك): (عليك فتقول).]]: ما هذا الريح نجدها منك؟ أكلت مغافير [[المغافير: صمغ يسيل من شجر العرفط حلو غير أن رائحته ليست بطيبة. "اللسان" 2/ 749 (عرفط).]]؟ فإنه يقول: لا. سقتني حفصة عسلًا. فقولي: جرست نحلة العرفط [[جرست النحلة أي أكل ورعت، وهو لحسها إياه ثم تعسله، ولا يقال جرس بمعنى رعى إلا للنحل.

والعرفط (بضم العين والفاء وتسكين الراء): شجر خبيث الريح، وهو من أخبث == المراعي، وقيل: هو شجر الطلح، وله صمغ كريه الرائحة، فهذا أكلته النحل حصل في عسلها من ريحه وهو المغافير. "اللسان" 1/ 440 (جرس) 2/ 749 (عرفط).]]. فدخل النبي -ﷺ- على امرأة امرأة وهن يقلن له ذلك، ثم دخل على عائشة فقالت له ذلك أيضًا. فلما كان من الغد دخل على حفصة فسقته فأبى أن يشربه وحرمه على نفسه، وكان يكره أن يوجد منه ريح منتنة، لأنه يأتيه الملك، فأنزل الله هذه الآية [[حديث متفق عليه، وهو هنا بألفاظ قريبة مما في الصحيح.

وانظر: "صحيح البخاري"، كتاب: الطلاق، باب: لم تحرم ما أحل الله لك 7/ 560 ومسلم، كتاب: الطلاق، باب وجوب الكفارة على من حرم امرأته ولم ينو الطلاق 2/ 1101، "سنن أبي داود" كتاب: الأشربة، باب: في شراب العسل 2/ 708، و"سنن النسائي"، كتاب: الطلاق، باب: تأويل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ 2/ 721، و"جامع البيان" 28/ 102.]].

وهذا قول ابن أبي مليكة، وعبد الله بن عتبة.

وروى عبيد بن عمير عن عائشة أن النبي -ﷺ- كان يمكث عند زينب بنت جحش، ويشرب عندها عسلًا ثم ذكر القصة [[متفق عليه. رواه البخاري، في التفسير، سورة التحريم 6/ 194. ومسلم كتاب: الطلاق، باب وجوب الكفارة على من حرم امرأته ولم ينو الطلاق 2/ 1100.]]، ونحو هذا ذكر أبو إسحاق [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 191.]]. وفي تفسير عطاء الخراساني أن التي كانت تسقي رسول الله العسل أم سلمة [[أخرجه ابن سعد، عن عبد الله بن رافع. "الدر" 6/ 239.]].

وقال المقاتلان: ... رسول الله -ﷺ- في بيت حفصة، فزارت أباها فلما رجعت أبصرت مارية ... النبي -ﷺ- فلم تدخل حتى خرجت مارية، ثم دخلت وقالت: إني رأيت مارية معك في البيت، وكان ذلك في يوم عائشة، فلما رأى النبي -ﷺ- في وجه ... والكآبة قال لها: لا تخبري ولك عليّ أن لا أقربها أبدًا. فأخبرت حفصة عائشة -وكانتا مصافيتين- فغضبت عائشة ولم تزل بالنبي -ﷺ- حتى حلف أن لا يصيبها [[في (س): (والكلبي) زيادة.]]، فأنزل الله هذه الآية [[انظر: "تفسير مقاتل" 19 ب، و"تنوير المقباس" 6/ 96، و"الكشف والبيان" 12/ 147 أ.]].

وروى عطاء عن ابن عباس أن هذه القصة وقعت في بيت [[(بيت) ساقطة من (ك).]] عائشة -وعائشة كانت عند أمها- وعلمت حفصة بذلك، فأخبرت عائشة [[انظر: "جامع البيان" 28/ 101، و"الدر" 6/ 239.]] ... عائشة: في بيتي، وفي يومي؟ فأرضا رسول الله -ﷺ- بأن حلف لها أن لا يصيبها [[في (س): (والشعبي) زيادة.]]. وهذا قول الحسن، ومجاهد، وقتادة، والشعبي، ومسروق، ورواية ثابت عن أنس [[أخرجه الحاكم 2/ 493 وصححه. قال ابن حجر: وقد أخرج النسائي بسند صحيح عن أنس ... وهذا أصح طريق هذا السبب، وله شاهد مرسل أخرجه الطبري بسند صحيح عن زيد بن أسلم التابعي الشهير قال ... وذكره بأطول مما هنا. "فتح الباري" 9/ 376، وفي "تفسير ابن كثير" 4/ 386 قال: وقال الهيثم بن كليب في "مسنده": .. وذكر ما يدل على تعلق القصة بمارية. ثم قال: وهذا إسناد صحيح ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة، وقد اختاره الضياء المقدسي في كتابه المستخرج. ورجح النووي، وابن كثير نزول الآية في قصة العسل، وهو قول القاضي عياض. انظر: "شرح النووي على مسلم" 10/ 77، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 386. ورجح الجصاص، وابن حجر، وغيرهما نزولها في شأن مارية القبطية.

انظر: "أحكام القرآن" 3/ 464، و"فتح الباري" 9/ 290، و"فتح القدير" 5/ 252. وقال ابن حجر أيضًا: فيحتمل أن تكون الآية نزلت في السببين معًا. "الفتح" 8/ 657.== وقال: وطريق الجمع بين هذا الاختلاف العمل على التعدد، فلا يمتنع تعدد السبب للأمر الواحد. "فتح الباري" 9/ 376.

وعموم الآية للسببين وغيرهما هو اختيار ابن جرير وغيره. انظر: "جامع البيان" 28/ 102، و"روح المعاني" 28/ 151.]].

قال مسروق: حرم رسول الله -ﷺ- أم ولده وحلف أن لا يقربها فأنزل الله هذه الآية. فقيل له: أما الحرام فحلال، وأما اليمين التي حلفت عليها فقد فرض الله لكم تحلة أيمانكم [[أخرجه ابن جرير وابن سعد. انظر: "جامع البيان" 28/ 100، و"الدر" 6/ 240. وقال ابن حجر: ووقع عند سعيد بن منصور بإسناد صحيح إلى مسروق قال: ... وذكر نحوه. "فتح الباري" 8/ 657.]].

وقال الشعبي: كان مع الحرام يمين فعوتب في الحرام وأمر أن يكفر اليمين، فذلك قوله: قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم [[انظر: "جامع البيان" 28/ 100.

وقال ابن حجر: قال البيهقي: (.. أخرجه الترمذي، وابن ماجه بسند رجاله ثقات من طريق داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن مسروق.) "فتح الباري" 9/ 373.]].

قال صاحب النظم: قوله: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ﴾ استفهام فيه إنكار، والإنكار من الله عز وجل نهي، وتحريم الحلال [[في (ك): (الحرام).]] مكروه، ولا يحرم الحلال إلا بتحريم الله عز وجل [[انظر: "التفسير الكبير" 30/ 42.]].

قال سعيد بن جبير: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: جعلت امرأتي عليّ حرام قال: كذبت، ليس عليك حرام، ثم تلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ الآية، عليك أغلظ الكفارات رقبة [[أخرجه النسائي، والحاكم في "المستدرك" 2/ 493 ولم يذكر قوله: عليك أغلظ == وقال ابن حجر: وكأنه أشار عليه بالرقبة لأنه عرف أنه موسر، فأراد أن يكفر بالأغلظ من كفارة اليمين لا أنه تعين عليه عتق رقبة. "فتح الباري" 9/ 376.]]. قوله تعالى: {تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ} قال صاحب النظم: ﴿تَبْتَغِي﴾ حال خرجت مخرج المضارع. والمعنى: لم تحرم ما أحل الله لك مبتغيًا مرضاة أزواجك [[انظر: "التفسير الكبير" 30/ 42.]].

66:2Page 560

قَدۡ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمۡ تَحِلَّةَ أَيۡمَٰنِكُمۡۚ وَٱللَّهُ مَوۡلَىٰكُمۡۖ وَهُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ ٢

Allāh has already ordained for you [Muslims] the dissolution of your oaths.1 And Allāh is your protector, and He is the Knowing, the Wise.

قوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قال مقاتل: يعني قد بين الله، كما قال: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾ [النور: 1] [[انظر: "تفسير مقاتل" 159 ب، و"التفسير الكبير" 30/ 43.]]. وقال غيره: قد أوجب، وهو اختيار ابن قتيبة [[انظر: "تفسير غريب القرآن" ص 472.]].

وذكر صاحب النظم القولين، وقال: إذا وصل بعلى لم يحتمل غير الإيجاب كقوله: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ [سورة الأحزاب: 50]، وإذا وصل باللام احتمل الوجهين، فإن حمل على الإيجاب كان اللام بمعنى على كقوله: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: 7] وقوله: ﴿تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ أي تحليلها بالكفارة.

و ﴿تَحِلَّةَ﴾ على وزن تفعلة، وأصله تحللة فأدغمت [["سر صناعة الإعراب" 2/ 762: حيث أدغمت اللام في اللام.]]، وتفعلة من مصادر تفعل كالتوصية، والتسمية. ومن المضاعف التعزة والتغرة. وتحلة القسم تكون بمعنيين:

أحدهما: تحليله بالكفارة كالذي في هذه الآية.

والآخر: يستعمل بمعنى الشيء القليل. وهذا هو الأكثر في الاستعمال [[انظر: "التفسير الكبير" 30/ 43.]]، كما روي في الحديث: "لن يلج النار إلا تحلة القسم" [[متفق عليه، و"صحح البخاري"، كتاب: الأيمان، باب قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ 8/ 167، و"صحيح مسلم"، كتاب: الأدب، باب: فضل من يموت له ولد فيحتسبه 4/ 2028، ولفظه: "يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فتمسه النار إلا تحلة القسم".]]، يعني زمانًا يسيرًا. وذلك أن القسم يتحلل بما يقع عليه الاسم كمن حلف أنه لا يأكل الخبز، يخرج عن يمينه بأدنى ما يقع عليه الاسم، وكذلك في كل شيء، ومنه قول الشاعر [[ورد البيت في "اللسان" 1/ 705 (حلل) ولم ينسبه.]]:

أرى إبلي عاقت جدود فلم تذق ... بها قطرةً إلا تحلَّة مقسم

وذكرنا عن جماعة من المفسرين أن النبي -ﷺ- حلف أن لا يطأ جاريته فذكر الله تعالى له ما أوجب من كفارة اليمين.

قال مقاتل: قد بين الله كفارة أيمانكم في المائدة [: 89]. والذين رووا من المفسرين أنه حلف قالوا: تلزم الكفارة في تحريمه الجارية على نفسه، كما تلزم في اليمين [[وهو قول قتادة، ومسروق، والشعبي، وزيد بن أسلم، والضحاك، وغيرهم. انظر: "جامع البيان" 28/ 100، و"زاد المسير" 8/ 307، و"الدر" 6/ 240.]].

روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: الحرام يمين [[أخرجه البخاري في مواضع، ولفظه: (إذا حرم امرأته ليس بشيء). وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ كتاب الطلاق، باب: لم تحرم ما أحل الله لك 7/ 56، وفي كتاب التفسير، باب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾، ولفظه: (في الحرام يكفر) 6/ 194. == قال ابن حجر في "الفتح" 9/ 376، وأخرجه الإسماعيلي من طريق محمد بن المبارك الصوري عن معاوية بن سلام بإسناد حديث الباب بلفظ: (إذا حرم الرجل امرأته فإنما هي يمين يكفرها)، فعرف أن المراد بقوله: (ليس بشيء)، أي: ليس بطلاق.

وأخرجه مسلم في كتاب: الطلاق، باب: وجوب الكفارة على من حرم امرأته ولم ينو الطلاق 2/ 1100.]]. والحكم في هذا أن الرجل إذا قال لامرأته: أنت علي حرام ولم ينو طلاقًا ولا ظهارًا كان هذا اللفظ موجبًا لكفارة اليمين، وكذلك لو قال لأمته وجب كفارة يمين [[وبه قال عامة أهل العلم. انظر: "أحكام القرآن" للجصاص 3/ 465، و"المغني" 10/ 61، و"فتح الباري" 9/ 371.]]، وكذلك لو قال لنسائه وجواريه: أنتن عليّ حرام. كفته كفارة واحدة. نص عليه الشافعي -رحمه الله- [[قال النووي: فيه قولان للشافعي أصحهما يلزمه كفارة يمين. "شرح النووي على مسلم" 10/ 73، وقال ابن قدامة في "المغني" 10/ 396: إذا قال لزوجته: أنت علي حرام وأطلق فهو ظهار. وقال الشافعي: لا شيء عليه. وله قول آخر عليه كفارة يمين، وليس بيمين.]]. فأما إذا حرم على نفسه طعامًا أو شيئًا آخر سوى الفرج لم يلزمه بذلك كفارة [[وهو مذهب الشافعي، ومالك، والجمهور، وفي المسألة أربعة عشر مذهبًا كما حكاه القاضي عياض، وبلغت عند القرطبي ثمانية عشر، وزاد غيره عليها.

انظر: "شرح النووي على مسلم" 10/ 74، و"فتح الباري" 9/ 372. وقال الألوسي: وهي في هذه المسألة كثيرة جدًّا، وفي نقل الأقوال عن أصحابها اختلاف كثير أيضًا. "روح المعاني" 28/ 149.]]، والآية محمولة على تحريم الجارية، أو على تحريم العسل مع اليمين، لأنه قد روي أنه مع ذلك التحريم حلف [[ورد في رواية البخاري في بلفظ: (وقد حلفت، لا تخبري بذلك أحدًا). قال ابن== حجر: واستدل القرطبي وغيره بقوله: (حلفت) على أن الكفارة التي أشير إليها في قوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ هي عن اليمين التي أشار إليها بقوله: (حلفت)، فتكون الكفارة لأجل اليمين لا لمجرد التحريم. وهو استدلال قوي لمن يقول إن التحريم لغو لا كفارة فيه بمجرده. "فتح الباري" 9/ 378.]]، ولو حرم على نفسه ركوب دابة أو لبس ثوب لم يجب عليه كفارة إذا لم يحلف.

قال المقاتلان: أمر الله نبيه -ﷺ- أن يكفر يمينه ويراجع وليدته، فأعتق رقبة [[انظر: "تفسير مقاتل" 160 أ، وهو قول زيد بن أسلم وغيره. انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 18/ 185.]].

قال أبو إسحاق: وعلى التفسيرين ليس لأحد أن يحرم ما أحل الله، ولم يجعل الله لنبيه أن يحرم إلا ما حرم الله [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 192.]].

قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ﴾، أي: وليكم وناصركم، ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ﴾ بخلقه، ﴿الْحَكِيمُ﴾ فيما فرض من حكمه.

66:3Page 560

وَإِذۡ أَسَرَّ ٱلنَّبِيُّ إِلَىٰ بَعۡضِ أَزۡوَٰجِهِۦ حَدِيثٗا فَلَمَّا نَبَّأَتۡ بِهِۦ وَأَظۡهَرَهُ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ عَرَّفَ بَعۡضَهُۥ وَأَعۡرَضَ عَنۢ بَعۡضٖۖ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِۦ قَالَتۡ مَنۡ أَنۢبَأَكَ هَٰذَاۖ قَالَ نَبَّأَنِيَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡخَبِيرُ ٣

And [remember] when the Prophet confided to one of his wives a statement; and when she informed [another] of it and Allāh showed it to him, he made known part of it and ignored a part. And when he informed her about it, she said, "Who told you this?" He said, "I was informed by the Knowing, the Aware."

قوله: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ قال أبو إسحاق: موضع (إذ) نصب كأنه قال: واذكر إذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثًا [[(حديثًا) ساقطة من (س).]]، يعني ما أسر إلى حفصة في تحريمه الجارية على نفسه واستكتمها ذلك [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 191.]]، وقال جماعة من المفسرين: إن النبي -ﷺ- لما رأى المغيرة والكراهية في وجه حفصة أراد أن يترضاها فأسر إليها بشيئين. تحريم الأمة على نفسه، وبشرها بأن الخلافة بعده في أبي بكر وأبيها عمر. وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء، والكلبي، وسعيد بن جبير [[في (س): (والكلبي وسعيد بن جبير) زيادة.]] ومقاتل [[انظر: "تفسير مقاتل" 160 أ، و"الكشف والبيان" 12/ 147 ب، وفي "مجمع الزوائد" 7/ 126، ذكر الخبر عن أبي هريرة ثم قال: رواه الطبراني في "الأوسط"، من طريق موسى بن جعفر بن أبي كثير، عن عمه. قال الذهبي: مجهول وخبره ساقط. وذكر ابن كثير في "تفسيره" 4/ 390 تخريج الطبراني لذكر الخلافة عن ابن عباس. ثم قال: إسناده فيه نظر. واعتمد ما ورد في الصحيح.

وانظر: "تخريجات الكشاف" ص 176.]].

قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ﴾ قال ابن عباس: أخبرت به عائشة [[انظر: "تنوير المقباس" 6/ 96.]] ﴿وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ أطلع الله نبيه على قول حفصة لعائشة، فأخبر [[في (ك): (فأخبر الله) والصواب ما أثبته.]] النبي -ﷺ- حفصة عند ذلك ببعض [[(ما) ساقطة من (س).]] ما قالت، وهو قوله: ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ﴾ قال ابن عباس: عرف حفصة بعض ما أخبرت به عائشة: ﴿وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾، فلم يعرفه إياها على وجه التكريم والإغضاء [[انظر: "التفسير الكبير" 30/ 43.]].

وقال مقاتل: ﴿وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ لم يخبرها أنك أخبرت عائشة أن أبا بكر وعمر يملكان [[انظر: "تفسير مقاتل" 160 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 364.]]. فالذي أعرض عنه ذكر خلافة أبي بكر وعمر. ونحو هذا ذكر الزجاج [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 192، والذي فيه أنه عرف حفصة بعض ما أفضت به من الخبر دون التصريح بما عرفها به.]].

وروى أبو بكر ابن عيالش الكلبي [[كذا في في (ك): وصوابها (عن الكلبي) ولم أجد هذه الرواية.]] قال: كره أن ينشر في الناس. يعني ذكر الخلافة. وروى عن الكلبي بخلاف هذا قال: عرفها بعض حديثها لعائشة من شأن أبي بكر وعمر، ﴿وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ وهو تحريم الجارية؛ لأنه لم يبال ما أظهرت من ذلك. يعني أنه -ﷺ- أنكر عليها إفشاء الخلافة وأعرض عن إفشاء التحريم لقلة مبالاته بذلك [[انظر: "زاد المسير" 8/ 309، و"الكشاف" 4/ 115، من طريق أبي صالح عن ابن عباس. والقولان في "تفسير ابن عباس" 6/ 97.

قال ابن حجر: قوله: (وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثاً لقوله: بل شربت عسلًا) هذا القدر بقية الحديث .. وكأن المعنى: وأما المراد بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ فهو لأجل قوله: (بل شربت عسلًا)، والنكتة فيه أن هذه الآية داخلة في الآيات الماضية، لأنها قبل قوله: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ﴾.

قلت: وما ذكر من أمر الخلافة لا وجه له إذ يستبعد جمع أمر خاص به -ﷺ- مع خلافة المسلمين العامة، ثم ما الذي منع عائشة وحفصة -رضي الله عنهما- من ذكر هذا الأمر بعد موته -ﷺ- وما حصل أو كاد أن يحصل بين المهاجرين والأنصار، وهل كان الصديق أو الفاروق يحرص على تولي أمر المسلمين، وهل كانت عائشة أو حفصة كذلك، وعائشة هي التي كانت تشير عليه -ﷺ- بأمر عمر بالصلاة دون أبيها، لو كانت علمت ذلك من قبل هل كانت ستشير بهذا؟]].

وقرئ (عرَفَ) مخففًا [[قرأ الكسائي ﴿عَرَّفَ﴾ بتخفيف الراء، وقرأ الباقون بتشديدها.

انظر: "حجة القراءات" ص 713، و"النشر" 2/ 388، و"الإتحاف" ص 419.]]، ومعناه جازى عليه، ولا يجوز أن يكون (عرف) من العلم؛ لأن النبي -ﷺ- إذا أظهره الله على ما كانت أفشته علم جميع ذلك، ولم يجز أن يعلم من ذلك مع إظهار الله إياه بعضه، ولكن يعلم جميعه، فإذا لم يجز حمله على هذا الوجه علمت أنه بمعنى المجازاة، وهذا كما تقول لمن يسيء أو يحسن: أنا أعرف لأهل الإحسان وأعرف لأهل الإساءة، أي: لا يخفى عليّ ذلك وأغضي عن بعض، وهذا كقوله: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ﴾ [البقرة: 197] وقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [النساء: 63]، أي: يجازيهم، وهو أعلم [[في (س): (يعلم).]] بما في قلوب الخلق أجمعين. ومثله قوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7]، أي: يرى جزاءه، وليس المعنى يرى ما عمل. وكان مما جازى حفصة تطليقه إياها؛ هذا كلام أبي علي [[من قوله: (جازى عليه ...) إلى هنا كلامه، وفيه تصرف من الواحدي. وانظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 301 - 302.]]. وهو كله قول الفراء والزجاج [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 166، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 192، و"زاد المسير" 8/ 308.

قلت: تطليق حفصة رضي الله عنها يرده ما في الصحيح، وفيه عن عمر قال: فقلت: أطلقت يا رسول الله -ﷺ- نساءك؟ فرفع رأسه إليّ وقال: لا. فقلت: الله أكبر. وفي رواية (أطلقتهن؟ فقال: لا. فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي: لم يطلق نساءه) وفرحه -رضي الله عنه- لما علم بأنه لم يطلق حفصة، ولو كانت طلقت لحزن؛ إذ في إمساكها دليل على فضل آل الخطاب وخيريتهم، وفي "تفسير مقاتل" 160 أأنه لم يطلقها وأنها من نسائه في الجنة.

وانظر: "صحيح مسلم"، كتاب: الطلاق، باب: بيان أن تخيير المرأة لا يكون طلاقًا إلا بالنية 2/ 1103، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 389.]] واختيار أبي عبيد قراءة العامة لقوله: ﴿وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ يعني لم يعرفها إياه، ولو كان عرف مخففًا لكان ضده وأنكر بعضًا [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 462، ومما قال: وقراءة الكسائي: ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ﴾ وردها أبو عبيد ردًّا شنيعًا .. قال أبو جعفر: وهذا الرد لا يلزم، والقراءة معروفة عن جماعة منهم أبو عبد الرحمن السلمي.]].

66:4Page 560

إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ فَقَدۡ صَغَتۡ قُلُوبُكُمَاۖ وَإِن تَظَٰهَرَا عَلَيۡهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ مَوۡلَىٰهُ وَجِبۡرِيلُ وَصَٰلِحُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ بَعۡدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ ٤

If you two [wives] repent to Allāh, [it is best], for your hearts have deviated. But if you cooperate against him - then indeed Allāh is his protector, and Gabriel and the righteous of the believers and the angels, moreover, are [his] assistants.

ثم خاطب عائشة وحفصة فقال قوله: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ﴾ أي من التعاون على النبي -ﷺ- بالإيذاء: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ قال المفسرون: عدلت ومالت [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 302، و"مجاز القرآن" 2/ 261، و"جامع البيان" 28/ 104.]] عن الحق، وهما أنهما أحبا ما ذكره النبي -ﷺ- من اجتناب جاريته فلذلك صغو قلبيهما [[في (س): (قلبهما) وهو قول ابن زيد. انظر: "جامع البيان" 28/ 104، و"الكشف والبيان" 12/ 148 ب.

قال الألوسي: وإنما لم يفسروا: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ بمالت إلى الواجب، أو الحق، أو الخير، حتى يصح جعله جوابًا من غير احتياج إلى نحو ما تقدم؛ لأن صيغة الماضي، وقد، وقراءة ابن مسعود: (فقد زاغت قلوبكما) وتكثير المعنى مع تقليل اللفظ تقتضي ما سلف. انظر: "روح المعاني" 28/ 152.]]، وجواب الشرط محذوف للعلم به على تقدير: كان خيرًا لكما [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 18/ 189.]].

والمراد بالجمع في قوله: ﴿قُلُوبُكُمَا﴾ التثنية. قال الفراء: وإنما اختير الجمع على التثنية؛ لأن أكثر ما تكون عليه الجوارح اثنين اثنين في الإنسان، كاليدين والرجلين والعينين، فلما جرى أكثره على هذا ذهب بالواحد منه إذا أضيف إلى الاثنين مذهب الاثنين [[انظر: "التفسير الكبير" 30/ 44.]]. وقد ذكرنا شرح هذا عند قوله: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38]، وتفسير الصغو قد تقدم أيضًا عند قوله: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ﴾ [[والصغا: ميل في الحنك أو إحدى الشفتين، وأصغيت الإناء إذا أملته. انظر: "تهذيب اللغة" 8/ 159، و"اللسان" 2/ 445 (صغا).]] [الأنعام: 113].

قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾، أي: يتظاهرا ويتعاونا على النبي -ﷺ- بالمعصية [[في (ك): (والمعصية).]] والإيذاء ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ﴾، أي: لم يضره ذلك التظاهر منكما فإن الله هو مولاه. قال ابن عباس: موال له على من عاداه، وناصر له [[انظر: "تنوير المقباس" 6/ 98، و"معالم التنزيل" 4/ 366، و"زاد المسير" 8/ 310.]]. وقال مقاتل: ولي له في العون [[انظر: "تفسير مقاتل" 160 أ.]]، يعني يتولى نصرته. ﴿وَجِبْرِيلُ﴾ وليه، ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد أبا بكر وعمر مواليين [[في (ك): (والنبيين).]] للنبي -ﷺ- على من عاداه، وناصرين له. وهو قول المقاتلين وعكرمة [[انظر: "التفسير الكبير" 30/ 44، و"البحر المحيط" 8/ 291.]].

وروى ذلك عن عبد الله مرفوعًا أن النبي -ﷺ- قال: "إن صالح المؤمنين أبو بكر وعمر" [[قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 127: رواه الطبراني وفيه عبد الرحيم بن زيد العمي، وهو متروك.]].

وقال المسيب بن شريك [[مسيب بن شريك. أبو سعيد التميمي. سكتوا عنه، مات سنة 186 هـ انظر: "التاريخ الكبير" 7/ 408.]]: هو أبو بكر [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 159 ب، و"زاد المسير" 8/ 310، عن مكحول عن أبي أمامة.]].

وقال سعيد بن جبير: هو عمر [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 159 ب، و"الدر" 6/ 244، ونسب إخراجه لسعيد ابن منصور وابن سعد وابن المنذر.]].

وقال الضحاك: يعني به خيار المؤمنين [[انظر: "جامع البيان" 28/ 105، و"التفسير الكبير" 30/ 44.]]. ولفظ الآية على ما قال. ونحو ذلك قال الكلبي: هم المخلصون الذين ليسوا بمنافقين [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 151 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 366.]].

قال الفراء: وصالح المؤمنين مثل أبي بكر وعمر، الذين ليس فيهم نفاق، وهو موحد في مذهب جمع كما تقول: لا يأتيني إلا سائس الحرب، فمن كان ذا سيسة للحرب فقد أمر بالمجيء واحداً كان أو أكثر [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 167.]].

وقال الزجاج: وصالح المؤمنين هاهنا ينوب عن الجميع كما تقول: يفعل هذا الخيرُ من الناس؛ تريد كل خيّر [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 193.]]، هذا كلامهما. وقد حصل أن قوله: ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يجوز أن يراد به الواحد والجماعة، ثم الكلام في التعيين والتفصيل يكون إلى المفسرين على ما حكينا عنهم.

وقال قتادة وسفيان: صالح المؤمنين هم الأنبياء [[انظر:"تفسير عبد الرزاق" 2/ 302، و"جامع البيان" 28/ 105.

قلت: وهذا المعنى بعيد عن ظاهر الآية، وأي فائدة في موالاة الأنبياء عليهم السلام لنبينا -ﷺ- في هذه القصة، والله أعلم.]]. وعلى هذا معنى الآية: أن الأنبياء يوالونه وهم له أولياء، كما أن الله تعالى وليه وجبريل وليه. أي فلا يضره معاداة من عاداه.

وأظهر هذه الأقوال قول من قال: إن المراد بصالح المؤمنين أبو بكر وعمر؛ لأن الخطاب في هذه الآية لابنتيهما عائشة وحفصة، وكأنه قيل لهمما: إن تعاونتما على إيذاء النبي -ﷺ- فإن أبويكما لا يوافقانكما ولا يتظاهران معكما، فإنهما وليا رسول الله [[قال الآلوسي: (... وهما وزيراه وظهيراه في تدبير أمور الرسالة وتمشية أحكامها الظاهرة مع أن بيان مظاهرتهما له عليه السلام أشد تأثيرًا في قلوب بنتيهما وتوهينًا لأمرهما). انظر: "روح المعاني" 287/ 154.

قلت: وممن قال بعموم اللفظ ابن جرير والنحاس وغيرهما.

انظر: "جامع البيان" 28/ 108، و"روح المعاني" 28/ 154.

وقال النحاس: فمن أصح ما قيل فيه أنه لكل صالح من المؤمنين، ولا يخص به واحد إلا بتوقيف. "إعراب القرآن" 3/ 462، وفي "تنوير المقباس" 6/ 98 قال: (جملة المؤمنين المخلصين أعوان له عليكما مثل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي -رضي الله عنهم- ومن دونهم ...).

وعلى هذا فحمل الآية على عمومها أولى وآكد والصديق والفاروق أولى الناس بنصرة النبي وموالاته، ولو فرض -وهو محال- أنهما نصرا ابنتيهما فبقية المؤمنين في نصرة النبي ومؤازرته -ﷺ-. وهذا أبلغ في حق عائشة وحفصة -رضي الله عنهما-.]].

قوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ قال مقاتل: بعد الله وجبريل وصالح المؤمنين: ﴿ظَهِيرٌ﴾ قال يعني: أعوان النبي -ﷺ- [[انظر: "تفسير مقاتل" 160 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 366.]].

قال أبو عبيدة، والفراء، والزجاج: وظهير في معنى ظهراء، وهذا من الواحد الذي يؤدي عن الجمع [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 261، و"معاني القرآن" 3/ 167، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 193.]] كقوله: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: 69]، وقد ذكرنا هذا في مواضع. قال الفراء: والملائكة بعد نصرة هؤلاء ظهير [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 167.]]. قال أبو علي: وقد جاء فعيل مفردًا يراد به الكثرة، كقوله: ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (10) يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ [المعارج:10 - 11]، فدل عود الذكر مجموعًا إلى القبيلين على أنه أريد بهما الكثرة [[انظر: "التفسير الكبير" 30/ 45، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 192.]].

66:5Page 560

عَسَىٰ رَبُّهُۥٓ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبۡدِلَهُۥٓ أَزۡوَٰجًا خَيۡرٗا مِّنكُنَّ مُسۡلِمَٰتٖ مُّؤۡمِنَٰتٖ قَٰنِتَٰتٖ تَٰٓئِبَٰتٍ عَٰبِدَٰتٖ سَٰٓئِحَٰتٖ ثَيِّبَٰتٖ وَأَبۡكَارٗا ٥

Perhaps his Lord, if he divorced you [all], would substitute for him wives better than you - submitting [to Allāh], believing, devoutly obedient, repentant, worshipping, and traveling1 - [ones] previously married and virgins.

ثم خوف نساءه بقوله: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ﴾ الآية. قال الضحاك: كل عسى في القرآن فهو واجب. والمفسرون يقولون: عسى من الله واجب [[انظر: "جامع البيان" 5/ 117، و"المحرر الوجيز" 2/ 159، و"تهذيب اللغة" 3/ 85، و"اللسان" 2/ 781 (عسى).]]. والمعنى: واجب من الله إن طلقكن رسوله أن يبدله أزواجًا خيرًا منكن، والله تعالى كان عالمًا أنه لا يطلقهن، ولكن أخبر عن قدرته أنه إن طلقهن أبدل خيرًا منهن؛ تخويفًا لهن؛ وهذا كقوله: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [محمد: 38]، والأكثر في قوله: ﴿طَلَّقَكُنَّ﴾ الإظهار، وروي عن أبي عمرو الإدغام [[انظر: "النشر" 1/ 286، و"الإتحاف" 22 - 23.]].

ولإدغام القاف في الكاف حسن ، لأنهما من حروف الفم، وأصل الإدغام أن يكون فيما دون حرف الطرفين الحلق والشفة، فإن ترك الإدغام فيهما حسن ، لأنهما من أول مخارج الحرف فأشبها حرف الحلق لقربهما منها كما أن الخاء والغين لما كانتا من أول مخارج الحلق وأقربهما إلى الفم أجريا مجرى حروف الفم في أن لم تبين النون معهما في بعض اللغات. وهو رواية أبي نشيط [[هو محمد بن هارون، مقرئ جليل ضابط مشهور. قال ابن أبي حاتم: صدوق، سمعت مه مع أبي ببغداد، قلت: وسمع منه أبوه -وأثنى عليه- ومحمد بن مؤمل الناقد وجماعة. وكان ثقةً. توفي سنة 258 هـ ووهم من قال غير ذلك. انظر: "غاية النهاية" 2/ 272، و"سير النبلاء" 12/ 324، و"تاريخ بغداد" 3/ 352، و"تهذيب التهذيب" 9/ 493.]] عن قالون، وقراءة أبي جعفر، وكذلك القاف والكاف يكونان لقربهما من الحلق في حكم حروفه. والإدغام في حروف الحلق ليس بكثير، وكذلك فيما أشبههن [[من قوله (وإدغام القاف في الكاف حسن) إلى هنا، من كلام أبي علي الفارسي وفيه تصرف. انظر: "الحجة" 6/ 303.]].

ثم نعت تلك الأزواج التي كان يبدله لو طلق نساءه، فقال: ﴿مُسْلِمَاتٍ﴾ أي: خاضعات لله بالطاعة، ﴿مُؤْمِنَاتٍ﴾ مصدقات بتوحيد الله، ﴿قَانِتَاتٍ﴾ طائعات، ﴿سَائِحَاتٍ﴾ قال المفسرون: صائمات. وذكرنا تفسير الكلام فيه عند قوله: ﴿السَّائِحُونَ﴾ [[وممن فسرها بالصائمات ابن عباس، والحسن، وابن جبير، وقتادة.

انظر: "جامع البيان" 28/ 106، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 193. ونسبه الزجاج لأهل التفسير وأهل اللغة. "معاني القرآن" 5/ 194، و"اللسان" 3/ 323 (سيح). وقال الفراء: ونرى أن الصائم إنما سمي سائحًا أن السائح لا زاد معه، وإنما يأكل حيث يجد، فكأنه أخذ من ذلك. "معاني القرآن" 3/ 167.]] [التوبة: 112]. قوله: ﴿ثَيِّبَاتٍ﴾ جمع ثيب. قال الليث: وهي المرأة التي قد تزوجت فبانت بأي وجه [[في (ك): (بوجه ما) بدلاً من (بأي وجه)، والصواب ما أثبته.]] كان، فعادت كما كانت غير ذات زوج قبل التزوج، أو تزوجت بعد ذلك [[في (س): (قبل التزوج، أو تزوجت بعد ذلك) زيادة وبعدها عبارة مطموسة.]]، ولا يوصف به الرجل إلا أن يقال: ولد الثيبين كما يقال: ولد البكرين. وجاء في الخبر: "الثيبان يرجمان" [[أخرجه ابن أبي شيبة من طريق الشعبي عن مسروق عن أبي بن كعب (البكران يجلدان وينفيان، والثيبان يجلدان ويرجمان)، وأخرج عبد الرزاق عن الثوري عن الأعمش عن مسروق: (البكران يجلدان وينفيان، والثيبان يرجمان ولا يجلدان، والشيخان يجلدان ثم يرجمان) ورجاله رجال الصحيح. "فتح الباري" 12/ 157.]].

قال الأزهري: كأنه قيل لها ثيب؛ لأنها عادت إلى حالتها الأولى قبل أن تزوج، وكل شيء عاد بعد ذهابه فقد ثاب يثوب ثؤوبًا، ويقال: تثيب المرأة تثيبًا إذا صارت ثيبًا [[انظر: "تهذيب اللغة" 15/ 152 (ثاب)، و"اللسان" 1/ 388 (ثيب).]].

قوله تعالى: ﴿وَأَبْكَارًا﴾ يريد عذارى.

66:6Page 560

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَأَهۡلِيكُمۡ نَارٗا وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُ عَلَيۡهَا مَلَٰٓئِكَةٌ غِلَاظٞ شِدَادٞ لَّا يَعۡصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمۡ وَيَفۡعَلُونَ مَا يُؤۡمَرُونَ ٦

O you who have believed, protect yourselves and your families from a Fire whose fuel is people and stones, over which are [appointed] angels, harsh and severe; they do not disobey Allāh in what He commands them but do what they are commanded.

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [[في (ك): (أنفسكم وأهليكم).]] قال ابن عباس: أي بالانتهاء عما نهاكم الله عنه، والعمل بطاعته [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 367، وأخرج ابن جرير وغيره عنه قال: (اعملوا بطاعة الله، واتقوا معاصي الله، وأمروا أهليكم بالذكر، ينجيكم الله من النار). انظر: "جامع البيان" 28/ 107، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 391، و"الدر" 6/ 244.]]، ﴿وَأَهْلِيكُمْ﴾ قال عمر: يا رسول الله: هذا نقي أنفسنا فكيف لنا بأهلينا؟ قال: "تنهونهم عما نهاكم الله، وتأمرونهم بما أمركم الله به" [[ذكره أبو حيان في "البحر المحيط" 8/ 292، بدون سند. ونحوه روى ابن مردويه عن زيد بن أسلم قال: تلا رسول الله -ﷺ- هذه الآية ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ فقالوا: يا رسول الله: كيف نقي أهلنا نارًا. قال: (تأمرونهم بما يحبه الله وتنهونهم عما يكره الله) "الدر" 6/ 244.]]. ونحو هذا قال جماعة المفسرين.

قال مقاتل بن حيان: يعني أن يؤدب الرجل المسلم نفسه وأهله فيعلمهم الخير وينهاهم عن الشر، فذلك حق على المسلم أن يفعل بنفسه وأهله وعبيده وإمائه في تأديبهم وتعليمهم [[انظر: "التفسير الكبير" 30/ 46، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 391.]].

وقال علي -رضي الله عنه- [[في (ك): (رحمه الله).]] في هذه الآية: علموهم وأدبوهم [[أخرجه عبد الرزاق وابن جرير والحاكم، وصححه ولفظه (علموا أهليكم خيرًا). انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 303، و"جامع البيان" 28/ 107، و"المستدرك" == 2/ 494، و"فتح الباري" 8/ 659 وقال: وروى الحاكم .... ورواته ثقات، و"الاستذكار" 5/ 216 وقال: قال أهل العلم بتأويل القرآن ومعانيه: أدبوهم وعلموهم.]].

وقال الحسن: تأمرهم بطاعة الله وتنهاهم عن معصيته [[أخرج سعيد بن منصور نحوه عن الحسين. انظر: "فتح الباري" 8/ 259.]]. وقال قتادة: مروهم بطاعة الله، وانهوهم عن معصية الله [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 303، و"جامع البيان" 28/ 107، و"الدر" 6/ 244.]].

قال ابن عمر لرجل: أدب ابنك فإنك مسؤول عن ولدك [[في (ك): (كيف).]]، كيف أدبته؟ وماذا علمته؟ وهو مسؤول عن برك وطاعتك [[و [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 194.]] لم أجده.]].

وقال أبو ذر: أوصاني رسول الله -ﷺ- فقال: "أخف أهلك ولا ترفع عنهم عطاءك" (¬5).

وقال أبو إسحاق: المعنى: خذوا أنفسكم وأهليكم بما يقرب من الله، وجنبوا أنفسكم وأهليكم المعاصي [[انظر: "تفسير مقاتل" 160 أ.]].

وقال مقاتل: قوا أنفسكم وأهليكم المعاصي بالأدب الصالح النار في الآخرة [[عند تفسيره الآية (¬24) من سورة البقرة قال: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ﴾، أي: فاحذروا أن تصلوا النار بتكذيبكم، وإنما قيل لهم هذا بعد أن ثبتت الحجة عليهم في التوحيد وصدق محمد ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ﴾ قال ابن السكيت: الوُقود بالضم المصدر. يقال: وقدت النار تقد وقودًا. ويقال: ما أجود هذا الوقود للحطب. ﴿وَالْحِجَارَةُ﴾ جمع == حجر، وليس بقياس، ولكنهم قالوه كما قالوا: جمل وجمالة، وذكر وذكارة، وجاء في التفسير أن الحجارة هاهنا حجارة الكبريت. وقوله: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ﴾ لا يدل على أنها غير مخلوقة بأن الناس لم يدخلوها بعد لأنها متقدة بغير الناس فإذا دخلها الناس صاروا وقودها.]]. وهو قوله: ﴿نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾، وقد سبق تفسيره في سورة البقرة (¬8).

قوله تعالى: ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ﴾ قال ابن عباس: يريد خزنة النار تسعة عشر ملكًا [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 151 ب، و"البحر المحيط" 8/ 292، و"روح المعاني" 28/ 157، ولم ينسب لقائل.]]، ﴿غِلَاظٌ﴾ أي على أهل النار كقوله: ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 73، التحريم: 9]، ويجوز أن يكون معنى الغلظ هاهنا ضخامة أجسامهم. قال [[في (ك): (فقال) زيادة.]] ابن عباس: ما بين منكبيه مسيرة سنة. ونحوه قال مقاتل [[انظر: "تفسير مقاتل" 160 ب، و"الدر" 6/ 244، وذكر تخريج ابن جريج له عن كعب بلفظ: (ما بين منكب الخازن من خزنتها مسيرة سنة ...)، وهذا مما نقل عن أهل الكتاب، والله أعلم.]].

وقوله: ﴿شِدَادٌ﴾ أي أقوياء. قالا: وقوة الواحد منهم أن يضرب بالمقمع فيدفع بتلك الضربة سبعين ألف إنسان في قعر جهنم [[انظر: "تفسير مقاتل" 160 ب، و"زاد المسير" 8/ 313، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 196.]].

66:7Page 560

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَعۡتَذِرُواْ ٱلۡيَوۡمَۖ إِنَّمَا تُجۡزَوۡنَ مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٧

O you who have disbelieved, make no excuses that Day. You will only be recompensed for what you used to do.

No commentary for this ayah

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском