Ibn 'AshurAl‑Fatihah · 1:7

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Fatihah 1:7

1:7Page 1

صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِمۡ غَيۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَيۡهِمۡ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ ٧

The path of those upon whom You have bestowed favor, not of those who have earned [Your] anger or of those who are astray.

صفحة ١٩٢

﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ بَدَلٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ مِنَ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، وإنَّما جاءَ نَظْمُ الآيَةِ بِأُسْلُوبِ الإبْدالِ أوِ البَيانِ دُونَ أنْ يُقالَ: اهْدِنا صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمُ المُسْتَقِيمَ، لِفائِدَتَيْنِ: الأُولى: أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الطَّلَبِ ابْتِداءً هو كَوْنُ المُهْدى إلَيْهِ وسِيلَةً لِلنَّجاةِ واضِحَةً سَمْحَةً سَهْلَةً، وأمّا كَوْنُها سَبِيلَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَأمْرٌ زائِدٌ لِبَيانِ فَضْلِهِ. الفائِدَةُ الثّانِيَةُ ما في أُسْلُوبِ الإبْدالِ مِنَ الإجْمالِ المُعَقَّبِ بِالتَّفْصِيلِ لِيَتَمَكَّنَ مَعْنى الصِّراطِ لِلْمَطْلُوبِ فَضْلُ تَمَكُّنٍ في نُفُوسِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لُقِّنُوا هَذا الدُّعاءَ فَيَكُونُ لَهُ مِنَ الفائِدَةِ مِثْلُ ما لِلتَّوْكِيدِ المَعْنَوِيِّ، وأيْضًا لِما في هَذا الأُسْلُوبِ مِن تَقْرِيرِ حَقِيقَةِ هَذا الصِّراطِ وتَحْقِيقِ مَفْهُومِهِ في نُفُوسِهِمْ فَيَحْصُلُ مَفْهُومُهُ مَرَّتَيْنِ فَيَحْصُلُ لَهُ مِنَ الفائِدَةِ ما يَحْصُلُ بِالتَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ واعْتِبارِ البَدَلِيَّةِ مُساوٍ لِاعْتِبارِهِ عَطْفَ بَيانٍ لا مَزِيَّةَ لِأحَدِهِما عَلى الآخَرِ خِلافًا لِمَن حاوَلَ التَّفاضُلَ بَيْنَهُما، إذِ التَّحْقِيقُ عِنْدِي أنَّ عَطْفَ البَيانِ اسْمٌ لِنَوْعٍ مِنَ البَدَلِ وهو البَدَلُ المُطابِقُ وهو الَّذِي لَمْ يُفْصِحْ أحَدٌ مِنَ النُّحاةِ عَلى تَفْرِقَةٍ مَعْنَوِيَّةٍ بَيْنَهُما ولا شاهِدًا يُعَيِّنُ المَصِيرَ إلى أحَدِهِما دُونَ الآخَرِ.

قالَ في الكَشّافِ: فَإنْ قُلْتَ ما فائِدَةُ البَدَلِ ؟ قُلْتُ: فائِدَتُهُ التَّوْكِيدُ لِما فِيهِ مِنَ التَّثْنِيَةِ والتَّكْرِيرِ اهـ فَأفْهَمَ كَلامُهُ أنَّ فائِدَةَ الإبْدالِ أمْرانِ يَرْجِعانِ إلى التَّوْكِيدِ وهُما ما فِيهِ مِنَ التَّثْنِيَةِ أيْ تَكْرارِ لَفْظِ البَدَلِ ولَفْظِ المُبْدَلِ مِنهُ وعَنى بِالتَّكْرِيرِ ما يُفِيدُهُ البَدَلُ عِنْدَ النُّحاةِ مِن تَكْرِيرِ العامِلِ، وهو الَّذِي مَهَّدَ لَهُ في صَدْرِ كَلامِهِ بِقَوْلِهِ: وهو في حُكْمِ تَكْرِيرِ العامِلِ كَأنَّهُ قِيلَ: اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ اهْدِنا صِراطَ الَّذِينَ، وسَمّاهُ تَكْرِيرًا لِأنَّهُ إعادَةٌ لِلَّفْظِ بِعَيْنِهِ، بِخِلافِ إعادَةِ لَفْظِ المُبْدَلِ مِنهُ فَإنَّهُ إعادَةٌ لَهُ بِما يَتَّحِدُ مَعَ ما صَدَقَهُ فَلِذَلِكَ عَبَّرَ بِالتَّكْرِيرِ وبِالتَّثْنِيَةِ، ومُرادُهُ أنَّ مِثْلَ هَذا البَدَلِ وهو الَّذِي فِيهِ إعادَةُ لَفْظِ المُبْدَلِ مِنهُ يُفِيدُ فائِدَةَ البَدَلِ وفائِدَةَ التَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ، وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ الجَمْعَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ لا يَتَأتّى عَلى وجْهٍ مُعْتَبَرٍ عِنْدَ البُلَغاءِ إلّا بِهَذا الصَّوْغِ البَدِيعِ.

وإنَّ إعادَةَ الِاسْمِ في البَدَلِ أوِ البَيانِ لِيُبْنى عَلَيْهِ ما يُرادُ تَعَلُّقُهُ بِالِاسْمِ الأوَّلِ أُسْلُوبٌ بَهِيجٌ مِنَ الكَلامِ البَلِيغِ لِإشْعارِ إعادَةِ اللَّفْظِ بِأنَّ مَدْلُولَهُ بِمَحَلِّ العِنايَةِ وأنَّهُ حَبِيبٌ إلى النَّفْسِ، ومِثْلُهُ تَكْرِيرُ الفِعْلِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفرقان: ٧٢] وقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا﴾ [القصص: ٦٣] فَإنَّ إعادَةَ فِعْلِ (مَرُّوا) وفِعْلِ (أغْوَيْناهم) وتَعْلِيقِ المُتَعَلِّقِ بِالفِعْلِ المُعادِ دُونَ الفِعْلِ الأوَّلِ تَجِدُ لَهُ مِنَ الرَّوْعَةِ والبَهْجَةِ ما لا تَجِدُهُ لِتَعْلِيقِهِ بِالفِعْلِ الأوَّلِ

صفحة ١٩٣

دُونَ إعادَةٍ، ولَيْسَتِ الإعادَةُ في مِثْلِهِ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ لِأنَّهُ قَدْ زِيدَ عَلَيْهِ ما تَعَلَّقَ بِهِ. قالَ ابْنُ جِنِّي في شَرْحِ مُشْكِلِ الحَماسَةِ عِنْدَ قَوْلِ الأحْوَصِ:

فَإذا تَزُولُ تَزُولُ عَنْ مُتَخَمِّطٍ تُخْشى بَوادِرُهُ عَلى الأقْرانِ

مُحالٌ أنْ تَقُولَ إذا قُمْتُ قُمْتُ وإذا أقْعُدُ أقْعُدُ لِأنَّهُ لَيْسَ في الثّانِي غَيْرُ ما في الأوَّلِ وإنَّما جازَ أنْ يَقُولَ فَإذا تَزُولُ تَزُولُ لِما اتَّصَلَ بِالفِعْلِ الثّانِي مِن حَرْفِ الجَرِّ المُفادَةُ مِنهُ الفائِدَةُ، ومِثْلُهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعالى ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا﴾ [القصص: ٦٣] وقَدْ كانَ أبُو عَلِيٍّ يَعْنِي الفارِسِيَّ امْتَنَعَ في هَذِهِ الآيَةِ مِمّا أخَذْناهُ اهـ.

قُلْتُ: ولَمْ يَتَّضِحْ تَوْجِيهُ امْتِناعِ أبِي عَلِيٍّ فَلَعَلَّهُ امْتَنَعَ مِنَ اعْتِبارِ أغْوَيْناهم بَدَلًا مِن أغْوَيْنا وجَعَلَهُ اسْتِئْنافًا وإنْ كانَ المَآلُ واحِدًا. وفي اسْتِحْضارِ المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ بِطَرِيقِ المَوْصُولِ، وإسْنادِ فِعْلِ الإنْعامِ عَلَيْهِمْ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ، تَنْوِيهٌ بِشَأْنِهِمْ خِلافًا لِغَيْرِهِمْ مِنَ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ والضّالِّينَ.

ثُمَّ إنَّ في اخْتِيارِ وصْفِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ بِأنَّهُ صِراطُ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ دُونَ بَقِيَّةِ أوْصافِهِ تَمْهِيدًا لِبِساطِ الإجابَةِ فَإنَّ الكَرِيمَ إذا قُلْتَ لَهُ أعْطِنِي كَما أعْطَيْتَ فُلانًا كانَ ذَلِكَ أنْشَطَ لِكَرَمِهِ، كَما قَرَّرَهُ الشَّيْخُ الجَدُّ قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ في قَوْلِهِ ﷺ كَما صَلَّيْتَ عَلى إبْراهِيمَ، فَيَقُولُ السّائِلُونَ: اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ الصِّراطَ الَّذِي هَدَيْتَ إلَيْهِ عَبِيدَ نِعَمِكَ مَعَ ما في ذَلِكَ مِنَ التَّعْرِيضِ بِطَلَبِ أنْ يَكُونُوا لاحِقِينَ في مَرْتَبَةِ الهُدى بِأُولَئِكَ المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ، وتَهَمُّمًا بِالِاقْتِداءِ بِهِمْ في الأخْذِ بِالأسْبابِ الَّتِي ارْتَقَوْا بِها إلى تِلْكَ الدَّرَجاتِ، قالَ تَعالى ﴿لَقَدْ كانَ لَكم فِيهِمُ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الممتحنة: ٦]، وتَوْطِئَةً لِما سَيَأْتِي بَعْدُ مِنَ التَّبْرِيءِ مِن أحْوالِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ والضّالِّينَ فَتَضَمَّنَ ذَلِكَ تَفاؤُلًا وتَعَوُّذًا.

والنِّعْمَةُ بِالكَسْرِ وبِالفَتْحِ مُشْتَقَّةٌ مِنَ النَّعِيمِ وهو راحَةُ العَيْشِ ومُلائِمُ الإنْسانِ والتَّرَفُّهِ، والفِعْلُ كَسَمِعَ ونَصَرَ وضَرَبَ.

والنِّعْمَةُ الحالَةُ الحَسَنَةُ لِأنَّ بِناءَ الفِعْلَةِ بِالكَسْرِ لِلْهَيْئاتِ ومُتَعَلِّقَ النِّعْمَةِ اللَّذّاتُ الحِسِّيَّةُ ثُمَّ اسْتُعْمِلَتْ في اللَّذّاتِ المَعْنَوِيَّةِ العائِدَةِ بِالنَّفْعِ ولَوْ لَمْ يُحِسَّ بِها صاحِبُها.

فالمُرادُ مِنَ النِّعْمَةِ في قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ النِّعْمَةُ الَّتِي لَمْ يَشُبْها ما يُكَدِّرُها ولا تَكُونُ عاقِبَتُها سُوأى، فَهي شامِلَةٌ لِخَيْراتِ الدُّنْيا الخالِصَةِ مِنَ العَواقِبِ السَّيِّئَةِ ولِخَيْراتِ الآخِرَةِ، وهي الأهَمُّ، فَيَشْمَلُ النِّعَمَ الدُّنْيَوِيَّةَ المَوْهُوبِيَّ مِنها والكَسْبِيَّ، والرُّوحانِيَّ والجُثْمانِيَّ، ويَشْمَلُ النِّعَمَ الأُخْرَوِيَّةَ.

صفحة ١٩٤

والنِّعْمَةُ بِهَذا المَعْنى يَرْجِعُ مُعْظَمُها إلى الهِدايَةِ، فَإنَّ الهِدايَةَ إلى الكَسْبِيِّ مِنَ الدُّنْيَوِيِّ وإلى الأُخْرَوِيِّ كُلِّهِ ظاهِرَةٌ فِيها حَقِيقَةُ الهِدايَةِ، ولِأنَّ المَوْهُوبَ في الدُّنْيا وإنْ كانَ حاصِلًا بِلا كَسْبٍ إلّا أنَّ الهِدايَةَ تَتَعَلَّقُ بِحُسْنِ اسْتِعْمالِهِ فِيما وُهِبَ لِأجْلِهِ.

فالمُرادُ مِنَ المُنْعَمِ عَلَيْهِمُ الَّذِينَ أُفِيضَتْ عَلَيْهِمُ النِّعَمُ الكامِلَةُ. ولا تَخْفى تَمامُ المُناسَبَةِ بَيْنَ المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ وبَيْنَ المَهْدِيِّينَ حِينَئِذٍ فَيَكُونُ في إبْدالِ صِراطِ الَّذِينَ مِنَ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ مَعْنًى بَدِيعٌ وهو أنَّ الهِدايَةَ نِعْمَةٌ وأنَّ المُنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِالنِّعْمَةِ الكامِلَةِ قَدْ هُدُوا إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ. والَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هم خِيارُ الأُمَمِ السّابِقَةِ مِنَ الرُّسُلِ والأنْبِياءِ الَّذِينَ حَصَلَتْ لَهُمُ النِّعْمَةُ الكامِلَةُ. وإنَّما يَلْتَئِمُ كَوْنُ المَسْئُولِ طَرِيقَ المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ فِيما مَضى وكَوْنُهُ هو دِينَ الإسْلامِ الَّذِي جاءَ مِن بَعْدُ بِاعْتِبارِ أنَّ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ جارٍ عَلى سَنَنِ الشَّرائِعِ الحَقَّةِ في أُصُولِ الدِّيانَةِ وفُرُوعِ الهِدايَةِ والتَّقْوى، فَسَألُوا دِينًا قَوِيمًا يَكُونُ في اسْتِقامَتِهِ كَصِراطِ المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ فَأُجِيبُوا بِدِينِ الإسْلامِ، وقَدْ جَمَعَ اسْتِقامَةَ الأدْيانِ الماضِيَةِ وزادَ عَلَيْها. أوِ المُرادُ مِنَ المُنْعَمِ عَلَيْهِمُ الأنْبِياءُ والرُّسُلُ فَإنَّهم كانُوا عَلى حالَةٍ أكْمَلَ مِمّا كانَ عَلَيْهِ أُمَمُهم، ولِذَلِكَ وصَفَ اللَّهُ كَثِيرًا مِنَ الرُّسُلِ الماضِينَ بِوَصْفِ الإسْلامِ، وقَدْ قالَ يَعْقُوبُ لِأبْنائِهِ ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] ذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى رَفِقَ بِالأُمَمِ فَلَمْ يَبْلُغْ بِهِمْ غايَةَ المُرادِ مِنَ النّاسِ لِعَدَمِ تَأهُّلِهِمْ لِلِاضْطِلاعِ بِذَلِكَ ولَكِنَّهُ أمَرَ المُرْسَلِينَ بِأكْمَلِ الحالاتِ وهي مُرادُهُ تَعالى مِنَ الخَلْقِ في الغايَةِ، ولْنُمَثِّلْ لِذَلِكَ بِشُرْبِ الخَمْرِ فَقَدْ كانَ القَدْرُ غَيْرُ المُسْكِرِ مِنهُ مُباحًا وإنَّما يَحْرُمُ السُّكْرُ أوْ لا يَحْرُمُ أصْلًا غَيْرَ أنَّ الأنْبِياءَ لَمْ يَكُونُوا يَتَعاطَوْنَ القَلِيلَ مِنَ المُسْكِراتِ وهو المِقْدارُ الَّذِي هَدى اللَّهُ إلَيْهِ هَذِهِ الأُمَّةَ كُلَّها، فَسَواءٌ فَسَّرْنا المُنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِالأنْبِياءِ أوْ بِأفْضَلِ أتْباعِهِمْ أوْ بِالمُسْلِمِينَ السّابِقِينَ فالمَقْصِدُ الهِدايَةُ إلى صِراطٍ كامِلٍ، ويَكُونُ هَذا الدُّعاءُ مَحْمُولًا في كُلِّ زَمانٍ عَلى ما يُناسِبُ طُرُقَ الهِدايَةِ الَّتِي سَبَقَتْ زَمانَهُ والَّتِي لَمْ يَبْلُغْ إلى نِهايَتِها.

والقَوْلُ في المَطْلُوبِ مِنِ (اهْدِنا) عَلى هَذِهِ التَّقادِيرِ كُلِّها كالقَوْلِ فِيما تَقَدَّمَ مِن كَوْنِ اهْدِنا لِطَلَبِ الحُصُولِ أوِ الزِّيادَةِ أوِ الدَّوامِ.

والدُّعاءُ مَبْنِيٌّ عَلى عَدَمِ الِاعْتِدادِ بِالنِّعْمَةِ غَيْرِ الخالِصَةِ، فَإنَّ نِعَمَ اللَّهِ عَلى عِبادِهِ كُلِّهِمْ كَثِيرَةٌ والكافِرُ مُنْعَمٌ عَلَيْهِ بِما لا يُمْتَرى في ذَلِكَ، ولَكِنَّها نِعَمٌ تَحُفُّها آلامُ الفِكْرَةِ في سُوءِ العاقِبَةِ، ويَعْقُبُها عَذابُ الآخِرَةِ. فالخِلافُ المَفْرُوضُ بَيْنَ بَعْضِ العُلَماءِ في أنَّ الكافِرَ هَلْ هو مُنْعَمٌ عَلَيْهِ خِلافٌ لا طائِلَ تَحْتَهُ فَلا فائِدَةَ في التَّطْوِيلِ بِظَواهِرِ أدِلَّةِ الفَرِيقَيْنِ.

* * *

صفحة ١٩٥

﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾

كَلِمَةُ ”غَيْرِ“ مَجْرُورَةٌ بِاتِّفاقِ القُرّاءِ العَشَرَةِ وهي صِفَةٌ لِلَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ. أوْ بَدَلٌ مِنهُ والوَصْفُ والبَدَلِيَّةُ سَواءٌ في المَقْصُودِ، وإنَّما قَدَّمَ في الكَشّافِ بَيانَ وجْهِ البَدَلِيَّةِ لِاخْتِصارِ الكَلامِ عَلَيْها لِيُفْضِيَ إلى الكَلامِ عَلى الوَصْفِيَّةِ، فَيُورِدُ عَلَيْها كَيْفِيَّةَ صِحَّةِ تَوْصِيفِ المَعْرِفَةِ بِكَلِمَةِ (غَيْرِ) الَّتِي لا تُتَعَرَّفُ، وإلّا فَإنَّ جَعْلَ ”غَيْرِ المَغْضُوبِ“ صِفَةً ”لِلَّذِينَ“ هو الوَجْهُ، وكَذَلِكَ أعْرَبَهُ سِيبَوَيْهِ فِيما نَقَلَ عَنْهُ أبُو حَيّانَ ووَجَّهَهُ بِأنَّ البَدَلَ بِالوَصْفِ ضَعِيفٌ إذِ الشَّأْنُ أنَّ البَدَلَ هو عَيْنُ المُبْدَلِ مِنهُ أيِ اسْمُ ذاتٍ لَهُ، يُرِيدُ أنَّ مَعْنى التَّوْصِيفِ في غَيْرِ أغْلَبُ مِن مَعْنى ذاتٍ أُخْرى لَيْسَتِ السّابِقَةَ، وهو وُقُوفٌ عِنْدَ حُدُودِ العِباراتِ الِاصْطِلاحِيَّةِ حَتّى احْتاجَ صاحِبُ الكَشّافِ إلى تَأْوِيلِ غَيْرِ المَغْضُوبِ بِالَّذِينَ سَلِمُوا مِنَ الغَضَبِ، وأنا لا أظُنُّ الزَّمَخْشَرِيَّ أرادَ تَأْوِيلَ غَيْرِ بَلْ أرادَ بَيانَ المَعْنى. وإنَّما صَحَّ وُقُوعُ (غَيْرِ) صِفَةً لِلْمَعْرِفَةِ مَعَ قَوْلِهِمْ: إنَّ (غَيْرَ) لِتَوَغُّلِها في الإبْهامِ لا تُفِيدُها الإضافَةُ تَعْرِيفًا أيْ فَلا يَكُونُ في الوَصْفِ بِها فائِدَةُ التَّمْيِيزِ فَلا تُوصَفُ بِها المَعْرِفَةُ لِأنَّ الصِّفَةَ يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ أشْهَرَ مِنَ المَوْصُوفِ، فَـ (غَيْرِ) وإنْ كانَتْ مُضافَةً لِلْمَعْرِفَةِ إلّا أنَّها لِما تَضَمَّنَهُ مَعْناها مِنَ الإبْهامِ انْعَدَمَتْ مَعَها فائِدَةُ التَّعْرِيفِ، إذْ كُلُّ شَيْءٍ سِوى المُضافِ إلَيْهِ هو غَيْرُ، فَماذا يُسْتَفادُ مِنَ الوَصْفِ في قَوْلِكَ مَرَرْتُ بِزَيْدٍ غَيْرِ عَمْرٍو. فالتَّوْصِيفُ هُنا إمّا بِاعْتِبارِ كَوْنِ (﴿الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾) لَيْسَ مُرادًا بِهِ فَرِيقٌ مُعَيَّنٌ فَكانَ وِزانُ تَعْرِيفِهِ بِالصِّلَةِ وِزانَ المُعَرَّفِ بِألِ الجِنْسِيَّةِ المُسَمّاةِ عِنْدَ عُلَماءِ المَعانِي بِلامِ العَهْدِ الذِّهْنِيِّ، فَكانَ في المَعْنى كالنَّكِرَةِ وإنْ كانَ لَفْظُهُ لَفْظَ المَعْرِفَةِ فَلِذَلِكَ عُرِفَ بِمِثْلِهِ لَفْظًا ومَعْنًى، وهو غَيْرُ المَغْضُوبِ الَّذِي هو في صُورَةِ المَعْرِفَةِ لِإضافَتِهِ لِمَعْرِفَةٍ وهو في المَعْنى كالنَّكِرَةِ لِعَدَمِ إرادَةِ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ، وإمّا بِاعْتِبارِ تَعْرِيفِ (غَيْرِ) في مِثْلِ هَذا لِأنَّ (غَيْرَ) إذا أُرِيدَ بِها نَفْيُ ضِدِّ المَوْصُوفِ أيْ مُساوِي نَقِيضِهِ صارَتْ مُعَرَّفَةً، لِأنَّ الشَّيْءَ يَتَعَرَّفُ بِنَفْيِ ضِدِّهِ نَحْوُ عَلَيْكَ بِالحَرَكَةِ غَيْرِ السُّكُونِ، فَلَمّا كانَ مَن أُنْعِمَ عَلَيْهِ لا يُعاقَبُ كانَ المُعاقَبُ هو المَغْضُوبَ عَلَيْهِ، هَكَذا نَقَلَ ابْنُ هِشامٍ عَنِ ابْنِ السَّرّاجِ والسِّيرافِيِّ وهو الَّذِي اخْتارَهُ ابْنُ الحاجِبِ في أمالِيهِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥] ونَقَلَ عَنْ سِيبَوَيْهِ أنَّ (غَيْرِ) إنَّما لَمْ تَتَعَرَّفْ لِأنَّها بِمَعْنى المُغايِرِ فَهي كاسْمِ الفاعِلِ وألْحَقَ بِها مِثْلًا وسِوى وحَسْبَ وقالَ إنَّها تَتَعَرَّفُ إذا قُصِدَ بِإضافَتِها الثُّبُوتُ. وكَأنَّ مَآلَ المَذْهَبَيْنِ واحِدٌ لِأنَّ (غَيْرَ) إذا أُضِيفَتْ

صفحة ١٩٦

إلى ضِدِّ مَوْصُوفِها وهو ضِدٌّ واحِدٌ أيْ: إلى مُساوِي نَقِيضِهِ تَعَيَّنَتْ لَهُ الغَيْرِيَّةُ، فَصارَتْ صِفَةً ثابِتَةً لَهُ غَيْرَ مُنْتَقِلَةٍ، إذْ غَيْرِيَّةُ الشَّيْءِ لِنَقِيضِهِ ثابِتَةٌ لَهُ أبَدًا فَقَوْلُكَ: عَلَيْكَ بِالحَرَكَةِ غَيْرِ السُّكُونِ هو غَيْرُ قَوْلِكَ مَرَرْتُ بِزَيْدٍ غَيْرِ عَمْرٍو وقَوْلُهُ (﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾) مِنَ النَّوْعِ الأوَّلِ.

ومِن غَرَضِ وصْفِ (﴿الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾) بِأنَّهم غَيْرُ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ التَّعَوُّذُ مِمّا عَرَضَ لِأُمَمٍ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالهِدايَةِ إلى صِراطِ الخَيْرِ بِحَسَبِ زَمانِهِمْ بِدَعْوَةِ الرُّسُلِ إلى الحَقِّ فَتَقَلَّدُوها ثُمَّ طَرَأ عَلَيْهِمْ سُوءُ الفَهْمِ فِيها فَغَيَّرُوها وما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها،، والتَّبَرُّؤُ مِن أنْ يَكُونُوا مِثْلَهم في بَطَرِ النِّعْمَةِ، وسُوءِ الِامْتِثالِ، وفَسادِ التَّأْوِيلِ، وتَغْلِيبِ الشَّهَواتِ الدُّنْيَوِيَّةِ عَلى إقامَةِ الدِّينِ حَتّى حَقَّ عَلَيْهِمْ غَضَبُ اللَّهِ تَعالى، وكَذا التَّبَرُّؤُ مِن حالِ الَّذِينَ هُدُوا إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، فَما صَرَفُوا عِنايَتَهم لِلْحِفاظِ عَلى السَّيْرِ فِيهِ بِاسْتِقامَةٍ، فَأصْبَحُوا مِنَ الضّالِّينَ بَعْدَ الهِدايَةِ إذْ أساءُوا صِفَةَ العِلْمِ بِالنِّعْمَةِ فانْقَلَبَتْ هِدايَتُهم ضَلالًا، والظّاهِرُ أنَّهم لَمْ يَحِقَّ عَلَيْهِمْ غَضَبُ اللَّهِ قَبْلَ الإسْلامِ لِأنَّهم ضَلُّوا عَنْ غَيْرِ تَعَمُّدٍ فَلَمْ يَسْبِقْ غَضَبُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ قَدِيمًا، واليَهُودُ مِن جُمْلَةِ الفَرِيقِ الأوَّلِ، والنَّصارى مِن جُمْلَةِ الفَرِيقِ الثّانِي كَما يُعْلَمُ مِنَ الِاطِّلاعِ عَلى تارِيخِ ظُهُورِ الدِّينَيْنِ فِيهِمْ.

ولَيْسَ يَلْزَمُ اخْتِصاصُ أوَّلِ الوَصْفَيْنِ بِاليَهُودِ والثّانِي بِالنَّصارى فَإنَّ في الأُمَمِ أمْثالَهم، وهَذا الوَجْهُ في التَّفْسِيرِ هو الَّذِي يَسْتَقِيمُ مَعَهُ مَقامُ الدُّعاءِ بِالهِدايَةِ إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، ولَوْ كانَ المُرادُ دِينَ اليَهُودِيَّةِ ودِينَ النَّصْرانِيَّةِ لَكانَ الدُّعاءُ تَحْصِيلًا لِلْحاصِلِ فَإنَّ الإسْلامَ جاءَ ناسِخًا لَهُما. ويَشْمَلُ المَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ والضّالُّونَ فِرَقَ الكُفْرِ والفُسُوقِ والعِصْيانِ، فالمَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ جِنْسٌ لِلْفِرَقِ الَّتِي تَعَمَّدَتْ ذَلِكَ واسْتَخَفَّتْ بِالدِّيانَةِ عَنْ عَمْدٍ أوْ عَنْ تَأْوِيلٍ بَعِيدٍ جِدًّا، والضّالُّونَ جِنْسٌ لِلْفِرَقِ الَّتِي أخْطَأتِ الدِّينَ عَنْ سُوءِ فَهْمٍ وقِلَّةِ إصْغاءٍ؛ وكِلا الفَرِيقَيْنِ مَذْمُومٌ لِأنَّنا مَأْمُورُونَ بِاتِّباعِ سَبِيلِ الحَقِّ وصَرْفِ الجُهْدِ إلى إصابَتِهِ، واليَهُودُ مِنَ الفَرِيقِ الأوَّلِ والنَّصارى مِنَ الفَرِيقِ الثّانِي.

وما ورَدَ في الأثَرِ مِمّا ظاهِرُهُ تَفْسِيرُ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ بِاليَهُودِ والضّالِّينَ بِالنَّصارى فَهو إشارَةٌ إلى أنَّ في الآيَةِ تَعْرِيضًا بِهَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ اللَّذَيْنِ حَقَّ عَلَيْهِما هَذانِ الوَصْفانِ؛ لِأنَّ كُلًّا مِنهُما صارَ عَلَمًا فِيما أُرِيدَ التَّعْرِيضُ بِهِ فِيهِ. وقَدْ تَبَيَّنَ لَكَ مِن هَذا أنَّ عَطْفَ ولا الضّالِّينَ عَلى غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمُ ارْتِقاءٌ في التَّعَوُّذِ مِن شَرِّ سُوءِ العاقِبَةِ لِأنَّ التَّعَوُّذَ مِنَ الضَّلالِ الَّذِي جَلَبَ لِأصْحابِهِ غَضَبَ اللَّهِ لا يُغْنِي عَنِ التَّعَوُّذِ مِنَ الضَّلالِ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ بِأصْحابِهِ تِلْكَ الدَّرَكاتِ، وذَلِكَ وجْهُ تَقْدِيمِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ عَلى ولا الضّالِّينَ، لِأنَّ الدُّعاءَ كانَ بِسُؤالِ النَّفْيِ، فالتَّدَرُّجُ فِيهِ يَحْصُلُ

صفحة ١٩٧

بِنَفْيِ الأضْعَفِ بَعْدَ نَفْيِ الأقْوى، مَعَ رِعايَةِ الفَواصِلِ.

والغَضَبُ المُتَعَلِّقُ بِالمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ هو غَضَبُ اللَّهِ، وحَقِيقَةُ الغَضَبِ المَعْرُوفِ في النّاسِ أنَّهُ كَيْفِيَّةٌ تَعْرِضُ لِلنَّفْسِ يَتْبَعُها حَرَكَةُ الرُّوحِ إلى الخارِجِ وثَوَرانُها فَتَطْلُبُ الِانْتِقامَ، فالكَيْفِيَّةُ سَبَبٌ لِطَلَبِ الِانْتِقامِ وطَلَبُ الِانْتِقامِ سَبَبٌ لِحُصُولِ الِانْتِقامِ.

والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ إرادَةَ الِانْتِقامِ لَيْسَتْ مِن لَوازِمِ ماهِيَّةِ الغَضَبِ بِحَيْثُ لا تَنْفَكُّ عَنْهُ، ولَكِنَّها قَدْ تَكُونُ مِن آثارِهِ، وأنَّ الغَضَبَ هو كَيْفِيَّةٌ لِلنَّفْسِ تَعْرِضُ مِن حُصُولِ ما لا يُلائِمُها فَتَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ كَراهِيَةُ الفِعْلِ المَغْضُوبِ مِنهُ وكَراهِيَةُ فاعِلِهِ، ويُلازِمُهُ الإعْراضُ عَنِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِ ومُعامَلَتُهُ بِالعُنْفِ وبِقَطْعِ الإحْسانِ وبِالأذى وقَدْ يُفْضِي ذَلِكَ إلى طَلَبِ الِانْتِقامِ مِنهُ فَيَخْتَلِفُ الحَدُّ الَّذِي يَثُورُ عِنْدَ الغَضَبِ في النَّفْسِ بِاخْتِلافِ مَراتِبِ احْتِمالِ النُّفُوسِ لِلْمُنافَراتِ واخْتِلافِ العاداتِ في اعْتِبارِ أسْبابِهِ.

فَلَعَلَّ الَّذِينَ جَعَلُوا إرادَةَ الِانْتِقامِ لازِمَةً لِلْغَضَبِ بَنَوْا عَلى القَوانِينِ العَرَبِيَّةِ. وإذْ كانَتْ حَقِيقَةُ الغَضَبِ يَسْتَحِيلُ اتِّصافُ اللَّهِ تَعالى بِها وإسْنادُها إلَيْهِ عَلى الحَقِيقَةِ لِلْأدِلَّةِ القَطْعِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى عَنِ التَّغَيُّراتِ الذّاتِيَّةِ والعَرَضِيَّةِ، فَقَدْ وجَبَ عَلى المُؤْمِنِ صَرْفُ إسْنادِ الغَضَبِ إلى اللَّهِ عَنْ مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ، وطَرِيقَةُ أهْلِ العِلْمِ والنَّظَرِ في هَذا الصَّرْفِ أنْ يُصْرَفَ اللَّفْظُ إلى المَجازِ بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ أوْ إلى الكِنايَةِ بِاللَّفْظِ عَنْ لازِمِ مَعْناهُ فالَّذِي يَكُونُ صِفَةً لِلَّهِ مِن مَعْنى الغَضَبِ هو لازِمُهُ، أعْنِي العِقابَ والإهانَةَ يَوْمَ الجَزاءِ واللَّعْنَةَ أيِ الإبْعادَ عَنْ أهْلِ الدِّينِ والصَّلاحِ في الدُّنْيا أوْ هو مِن قَبِيلِ التَّمْثِيلِيَّةِ. وكانَ السَّلَفُ في القَرْنِ الأوَّلِ ومُنْتَصَفِ القَرْنِ الثّانِي يُمْسِكُونَ عَنْ تَأْوِيلِ هَذِهِ المُتَشابِهاتِ لِما رَأوْا في ذَلِكَ الإمْساكِ مِن مَصْلَحَةِ الِاشْتِغالِ بِإقامَةِ الأعْمالِ الَّتِي هي مُرادُ الشَّرْعِ مِنَ النّاسِ فَلَمّا نَشَأ النَّظَرُ في العِلْمِ وطَلَبِ مَعْرِفَةِ حَقائِقِ الأشْياءِ، وحَدَثَ قَوْلُ النّاسِ في مَعانِي الدِّينِ بِما لا يُلائِمُ الحَقَّ، لَمْ يَجِدْ أهْلُ العِلْمِ بُدًّا مِن تَوْسِيعِ أسالِيبِ التَّأْوِيلِ الصَّحِيحِ لِإفْهامِ المُسْلِمِ وكَبْتِ المُلْحِدِ، فَقامَ الدِّينُ بِصَنِيعِهِمْ عَلى قَواعِدِهِ.

وتَمَيَّزَ المُخْلِصُ لَهُ عَنْ ماكِرِهِ وجاحِدِهِ. وكُلٌّ فِيما صَنَعُوا عَلى هُدًى. وبَعْدَ البَيانِ لا يُرْجَعُ إلى الإجْمالِ أبَدًا. وما تَأوَّلُوهُ إلّا بِما هو مَعْرُوفٌ في لِسانِ العَرَبِ مَفْهُومٌ لِأهْلِهِ.

فَغَضَبُ اللَّهِ تَعالى عَلى العُمُومِ يَرْجِعُ إلى مُعامَلَتِهِ الحائِدِينَ عَنْ هَدْيِهِ العاصِينَ لِأوامِرِهِ ويَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الِانْتِقامُ وهو مَراتِبٌ أقْصاها عِقابُ المُشْرِكِينَ والمُنافِقِينَ بِالخُلُودِ في الدَّرْكِ

صفحة ١٩٨

الأسْفَلِ مِنَ النّارِ، ودُونَ الغَضَبِ الكَراهِيَةُ فَقَدْ ورَدَ في الحَدِيثِ «ويَكْرَهُ لَكم قِيلَ وقالَ وكَثْرَةَ السُّؤالِ»، ويُقابِلُهُما الرِّضى والمَحَبَّةُ وكُلُّ ذَلِكَ غَيْرُ المَشِيئَةِ والإرادَةِ، بِمَعْنى التَّقْدِيرِ والتَّكْوِينِ، فَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ ﴿وإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧] ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: ١١٢] ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩] وتَفْصِيلُ هَذِهِ الجُمْلَةِ في عِلْمِ الكَلامِ.

واعْلَمْ أنَّ الغَضَبَ عِنْدَ حُكَماءِ الأخْلاقِ مَبْدَأٌ مِن مَجْمُوعِ الأخْلاقِ الثَّلاثَةِ الأصْلِيَّةِ الَّتِي يُعَبَّرُ عَنْ جَمِيعِها بِالعَدالَةِ وهي: الحِكْمَةُ والعِفَّةُ والشَّجاعَةُ، فالغَضَبُ مَبْدَأُ الشَّجاعَةِ إلّا أنَّ الغَضَبَ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ مَبْدَأٍ نَفْسانِيٍّ لِأخْلاقٍ كَثِيرَةٍ مُتَطَرِّفَةٍ ومُعْتَدِلَةٍ فَيُلَقِّبُونَ بِالقُوَّةِ الغَضَبِيَّةِ ما في الإنْسانِ مِن صِفاتِ السَّبُعِيَّةِ وهي حُبُّ الغَلَبَةِ، ومِن فَوائِدِها دَفْعُ ما يَضُرُّهُ ولَها حَدُّ اعْتِدالٍ وحَدُّ انْحِرافٍ فاعْتِدالُها الشَّجاعَةُ وكِبَرُ الهِمَّةِ، وثَباتُ القَلْبِ في المَخاوِفِ، وانْحِرافُها إمّا بِالزِّيادَةِ فَهي التَّهَوُّرُ وشِدَّةُ الغَضَبِ مِن شَيْءٍ قَلِيلٍ والكِبْرُ والعُجْبُ والشَّراسَةُ والحِقْدُ والحَسَدُ والقَساوَةُ، أوْ بِالنُّقْصانِ فالجُبْنُ وخَوْرُ النَّفْسِ وصِغَرُ الهِمَّةِ فَإذا أُطْلِقَ الغَضَبُ لُغَةً انْصَرَفَ إلى بَعْضِ انْحِرافِ الغَضَبِيَّةِ، ولِذَلِكَ كانَ مِن جَوامِعِ كَلِمِ النَّبِيءِ ﷺ «أنَّ رَجُلًا قالَ لَهُ أوْصِنِي قالَ: لا تَغْضَبْ فَكَرَّرَ مِرارًا فَقالَ: لا تَغْضَبْ» رَواهُ التِّرْمِذِيُّ.

وسُئِلَ بَعْضُ مُلُوكِ الفُرْسِ: بِمَ دامَ مُلْكُكم ؟ فَقالَ: لِأنّا نُعاقِبُ عَلى قَدْرِ الذَّنْبِ لا عَلى قَدْرِ الغَضَبِ.

فالغَضَبُ المَنهِيُّ عَنْهُ هو الغَضَبُ لِلنَّفْسِ لِأنَّهُ يَصْدُرُ عَنْهُ الظُّلْمُ والعُدْوانُ، ومِنَ الغَضَبِ مَحْمُودٌ وهو الغَضَبُ لِحِمايَةِ المَصالِحِ العامَّةِ وخُصُوصًا الدِّينِيَّةِ وقَدْ ورَدَ أنَّ النَّبِيءَ كانَ لا يَغْضَبُ لِنَفْسِهِ فَإذا انْتُهِكَتْ حُرْمَةٌ مِن حُرُماتِ اللَّهِ غَضِبَ لِلَّهِ.

وقَوْلُهُ (( ﴿ولا الضّالِّينَ﴾) ) مَعْطُوفٌ عَلى المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ كَما هو مُتَبادِرٌ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: إنَّ دُخُولَ لا لِدَفْعِ تَوَهُّمِ عَطْفِ الضّالِّينَ عَلى الَّذِينَ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ، وهو تَوْجِيهٌ بَعِيدٌ فالحَقُّ أنَّ (لا) مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ المُسْتَفادِ مِن لَفْظِ غَيْرِ عَلى طَرِيقَةِ العَرَبِ في المَعْطُوفِ عَلى ما في حَيِّزِ النَّفْيِ نَحْوَ قَوْلِهِ ﴿أنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِن بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ﴾ [المائدة: ١٩] وهو أُسْلُوبٌ في كَلامِ العَرَبِ.

وقالَ السَّيِّدُ في حَواشِي الكَشّافِ لِئَلّا يَتَوَهَّمَ أنَّ المَنفِيَّ هو المَجْمُوعُ فَيُجَوِّزَ ثُبُوتَ أحَدِهِما، ولَمّا كانَتْ غَيْرُ في مَعْنى النَّفْيِ أُجْرِيَتْ إعادَةُ النَّفْيِ في المَعْطُوفِ عَلَيْها، ولَيْسَتْ زِيادَةُ (لا) هُنا كَزِيادَتِها في نَحْوِ ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢] كَما تَوَهَّمَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ؛ لِأنَّ

صفحة ١٩٩

تِلْكَ الزِّيادَةَ لَفْظِيَّةٌ ومَعْنَوِيَّةٌ لِأنَّ المَعْنى عَلى الإثْباتِ والَّتِي هُنا زِيادَةٌ لَفْظِيَّةٌ فَحَسْبُ والمَعْنى عَلى النَّفْيِ.

والضَّلالُ سُلُوكُ غَيْرِ الطَّرِيقِ المُرادِ عَنْ خَطَأٍ سَواءٌ عَلِمَ بِذَلِكَ فَهو يَتَطَلَّبُ الطَّرِيقَ أمْ لَمْ يَعْلَمْ، ومِنهُ ضالَّةُ الإبِلِ، وهو مُقابِلُ الهُدى وإطْلاقُ الضّالِّ عَلى المُخْطِئِ في الدِّينِ أوِ العِلْمِ اسْتِعارَةٌ كَما هُنا. والضَّلالُ في لِسانِ الشَّرْعِ مُقابِلُ الِاهْتِداءِ والِاهْتِداءُ هو الإيمانُ الكامِلُ والضَّلالُ ما دُونُ ذَلِكَ، قالُوا ولَهُ عَرْضٌ عَرِيضٌ أدْناهُ تَرْكُ السُّنَنِ وأقْصاهُ الكُفْرُ.

وقَدْ فَسَّرْنا الهِدايَةَ فِيما تَقَدَّمَ أنَّها الدَّلالَةُ بِلُطْفٍ، فالضَّلالُ عَدَمُ ذَلِكَ، ويُطْلَقُ عَلى أقْصى أنْواعِهِ الخَتْمُ والطَّبْعُ والأكِنَّةُ.

والمُرادُ مِنَ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ والضّالِّينَ جِنْسا فِرَقِ الكُفْرِ، فالمَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ جِنْسٌ لِلْفِرَقِ الَّتِي تَعَمَّدَتْ ذَلِكَ واسْتَخَفَّتْ بِالدِّيانَةِ عَنْ عَمْدٍ وعَنْ تَأْوِيلٍ بَعِيدٍ جِدًّا تُحْمَلُ عَلَيْهِ غَلَبَةُ الهَوى، فَهَؤُلاءِ سَلَكُوا مِنَ الصِّراطِ الَّذِي خُطَّ لَهم مَسالِكَ غَيْرَ مُسْتَقِيمَةٍ فاسْتَحَقُّوا الغَضَبَ لِأنَّهم أخْطَئُوا عَنْ غَيْرِ مَعْذِرَةٍ إذْ ما حَمَلَهم عَلى الخَطَأِ إلّا إيثارُ حُظُوظِ الدُّنْيا.

والضّالُّونَ جِنْسٌ لِلْفِرَقِ الَّذِينَ حَرَّفُوا الدِّياناتِ الحَقَّ عَنْ عَمْدٍ وعَنْ سُوءِ فَهْمٍ وكِلا الفَرِيقَيْنِ مَذْمُومٌ مُعاقَبٌ لِأنَّ الخَلْقَ مَأْمُورُونَ بِاتِّباعِ سَبِيلِ الحَقِّ وبَذْلِ الجُهْدِ إلى إصابَتِهِ. والحَذَرِ مِن مُخالَفَةِ مَقاصِدِهِ. وإذْ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وعُلِمَ أنَّ الغَضَبَ عَلَيْهِمْ لِأنَّهم حادُوا عَنِ الصِّراطِ الَّذِي هُدُوا إلَيْهِ فَحَرَمُوا أنْفُسَهم مِنَ الوُصُولِ بِهِ إلى مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى، وأنَّ الضّالِّينَ قَدْ ضَلُّوا الصِّراطَ، فَحَصَلَ شِبْهُ الِاحْتِباكِ وهو أنَّ كِلا الفَرِيقَيْنِ نالَ حَظًّا مِنَ الوَصْفَيْنِ إلّا أنَّ تَعْلِيقَ كُلِّ وصْفٍ عَلى الفَرِيقِ الَّذِي عُلِّقَ عَلَيْهِ يُرْشِدُ إلى أنَّ المَوْصُوفِينَ بِالضّالِّينَ هم دُونَ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ في الضَّلالِ فالمُرادُ المَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ غَضَبًا شَدِيدًا لِأنَّ ضَلالَهم شَنِيعٌ.

فاليَهُودُ مَثَلٌ لِلْفَرِيقِ الأوَّلِ والنَّصارى مِن جُمْلَةِ الفَرِيقِ الثّانِي كَما ورَدَ بِهِ الحَدِيثُ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ في جامِعِ التِّرْمِذِيِّ وحَسَّنَهُ.

وما ورَدَ في الأثَرِ مِن تَفْسِيرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ بِاليَهُودِ والضّالِّينَ بِالنَّصارى، فَهو مِن قَبِيلِ التَّمْثِيلِ بِأشْهَرِ الفِرَقِ الَّتِي حَقَّ عَلَيْها هَذانِ الوَصْفانِ، فَقَدْ كانَ العَرَبُ يَعْرِفُونَ اليَهُودَ في خَيْبَرَ والنَّضِيرِ وبَعْضِ سُكّانِ المَدِينَةِ وفي عَرَبِ اليَمَنِ.

وكانُوا يَعْرِفُونَ نَصارى العَرَبِ مِثْلَ تَغْلِبَ وكَلْبٍ وبَعْضِ قُضاعَةَ، وكُلُّ أُولَئِكَ بَدَّلُوا وغَيَّرُوا وتَنَكَّبُوا عَنِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ الَّذِي أرْشَدَهُمُ اللَّهُ إلَيْهِ وتَفَرَّقُوا في بِنْياتِ الطُّرُقِ عَلى تَفاوُتٍ في ذَلِكَ.

صفحة ٢٠٠

فاليَهُودُ تَمَرَّدُوا عَلى أنْبِيائِهِمْ وأحْبارِهِمْ غَيْرَ مَرَّةٍ وبَدَّلُوا الشَّرِيعَةَ عَمْدًا فَلَزِمَهم وصْفُ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وعَلِقَ بِهِمْ في آياتٍ كَثِيرَةٍ.

والنَّصارى ضَلُّوا بَعْدَ الحَوارِيِّينَ وأساءُوا فَهْمَ مَعْنى التَّقْدِيسِ في عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَزَعَمُوهُ ابْنَ اللَّهِ عَلى الحَقِيقَةِ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا في دِينِكم غَيْرَ الحَقِّ ولا تَتَّبِعُوا أهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وأضَلُّوا كَثِيرًا وضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧] وفي وصْفِ الصِّراطِ المَسْئُولِ في قَوْلِهِ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ﴾ [الفاتحة: ٦] بِالمُسْتَقِيمِ إيماءً إلى أنَّ الإسْلامَ واضِحُ الحُجَّةِ قَوِيمُ المَحَجَّةِ لا يَهْوِي أهْلُهُ إلى هُوَّةِ الضَّلالَةِ كَما قالَ تَعالى﴿قُلْ إنَّنِي هَدانِي رَبِّي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا﴾ [الأنعام: ١٦١] وقالَ ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، عَلى تَفاوُتٍ في مَراتِبِ إصابَةِ مُرادِ اللَّهِ تَعالى ولِذَلِكَ قالَ النَّبِيءُ ﷺ «مَنِ اجْتَهَدَ وأصابَ فَلَهُ أجْرانِ ومَنِ اجْتَهَدَ وأخْطَأ فَلَهُ أجْرٌ واحِدٌ» ولَمْ يَتْرُكْ بَيانُ الشَّرِيعَةِ مَجارِيَ اشْتِباهٍ بَيْنَ الخِلافِ الَّذِي تُحِيطُ بِهِ دائِرَةُ الإسْلامِ والخِلافِ الَّذِي يَخْرُجُ بِصاحِبِهِ عَنْ مُحِيطِ الإسْلامِ قالَ تَعالى ﴿إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ [النمل: ٧٩] واخْتَلَفَ القُرّاءُ في حَرَكَةِ هاءِ الضَّمِيرِ مِن قَوْلِهِ (﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾) وقَوْلِهِ ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ وما ضاهاهُما مِن كُلِّ ضَمِيرِ جَمْعٍ وتَثْنِيَةِ مُذَكَّرٍ ومُؤَنَّثٍ لِلْغائِبِ وقَعَ بَعْدَ ياءٍ ساكِنَةٍ، فالجُمْهُورُ قَرَءُوها بِكَسْرِ الهاءِ تَخَلُّصًا مِنَ الثِّقَلِ لِأنَّ الهاءَ حاجِزٌ غَيْرُ حَصِينٍ فَإذا ضُمَّتْ بَعْدَ الياءِ فَكانَ ضَمَّتُها قَدْ ولِيَتِ الكَسْرَةَ أوِ الياءَ السّاكِنَةَ وذَلِكَ ثَقِيلٌ وهَذِهِ لُغَةُ قَيْسٍ وتَمِيمٍ وسَعْدِ بْنِ بَكْرٍ. وقَرَأ حَمْزَةُ عَلَيْهم وإلَيْهم ولَدَيْهم فَقَطْ بِضَمِّ الهاءِ وما عَداها بِكَسْرِ الهاءِ نَحْوُ إلَيْهِما وصَياصِيهِمْ وهي لُغَةُ قُرَيْشٍ والحِجازِيِّينَ. وقَرَأ يَعْقُوبُ كُلَّ ضَمِيرٍ مِن هَذا القَبِيلِ مِمّا قَبْلَ الهاءِ فِيهِ ياءٌ ساكِنَةٌ بِضَمِّ الهاءِ.

وقَدْ ذَكَرْنا هَذا هُنا فَلا نُعِيدُ ذِكْرَهُ في أمْثالِهِ وهو مِمّا يَرْجِعُ إلى قَواعِدِ عِلْمِ القِراءاتِ في هاءِ الضَّمِيرِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском