Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
يونس
Yunus
Jonah · Meccan · 109 ayahs
10:1Page 208
الٓرۚ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡحَكِيمِ ١
﴿الر﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الحُرُوفِ الواقِعَةِ في فَواتِحِ بَعْضِ السُّورِ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ فَهي بِمَنزِلَةِ الأعْدادِ المَسْرُودَةِ، لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، ولا يُنْطَقُ بِها إلّا عَلى حالِ السَّكْتِ، وحالُ السَّكْتِ يُعامَلُ مُعامَلَةَ الوَقْفِ، فَلِذَلِكَ لا يُمَدُّ اسْمُ (را) في الآيَةِ، وإنْ كانَ هو في اللُّغَةِ بِهَمْزَةٍ في آخِرِهِ لِأنَّهُ بِالسَّكْتِ تُحْذَفُ الهَمْزَةُ كَما تُحْذَفُ في الوَقْفِ لِثِقَلِ السُّكُوتِ عَلى الهَمْزَةِ في الوَقْفِ والسَّكْتِ، فَبِذَلِكَ تَصِيرُ الكَلِمَةُ عَلى حَرْفَيْنِ فَلا تُمَدُّ. ولِذَلِكَ أجْمَعَ القُرّاءُ عَلى عَدَمِ مَدِّ الحُرُوفِ: را. ها. يا. طا. حا. الَّتِي في أوائِلِ السُّوَرِ وإنْ كانَتْ تِلْكَ الأسْماءُ مَمْدُودَةً في اسْتِعْمالِ اللُّغَةِ.
* * *
﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ اسْمُ الإشارَةِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُرادًا بِهِ جَمِيعُ آيِ القُرْآنِ الَّتِي نَزَلَتْ قَبْلَ هَذِهِ السُّورَةِ بِاعْتِبارِ حُضُورِ تِلْكَ الآياتِ في أذْهانِ النّاسِ مِنَ المُؤْمِنِينَ وغَيْرِهِمْ، فَكَأنَّها مَنظُورَةٌ مُشاهِدَةٌ، فَصَحَّتِ الإشارَةُ إلَيْها إذْ هي مَتْلُوَّةٌ مَحْفُوظَةٌ فَمَن شاءَ أنْ يَسْمَعَها ويَتَدَبَّرَها أمْكَنَهُ
صفحة ٨١
ذَلِكَ، ولِأنَّ الخَوْضَ في شَأْنِها هو حَدِيثُ النّاسِ في نَوادِيهِمْ وأسْمارِهِمْ وشُغْلِهِمْ وجِدالِهِمْ، فَكانَتْ بِحَيْثُ تَتَبادَرُ إلى الأذْهانِ عِنْدَ وُرُودِ الإشارَةِ إلَيْها.
واسْمُ الإشارَةِ يُفَسِّرُ المَقْصُودَ مِنهُ خَبَرُهُ وهو ﴿آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ كَما فَسَّرَهُ في قَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿فَهَذا يَوْمُ البَعْثِ﴾ [الروم: ٥٦] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨] . قالَ في الكَشّافِ: تَصَوَّرَ فِراقًا بَيْنَهُما سَيَقَعُ قَرِيبًا فَأشارَ إلَيْهِ بِهَذا.
وقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِن هَذا المَعْنى عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [الأنعام: ٨٨] في سُورَةِ الأنْعامِ. فالمَقْصُودُ مِنَ الإشارَةِ إمّا الحَثُّ عَلى النَّظَرِ في آياتِ القُرْآنِ لِيَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ ويَعْلَمُوا صِدْقَ مَن جاءَهم بِهِ. وإمّا إقْناعُهم مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِ النَّبِيءِ ﷺ بِآياتِ الكِتابِ الحَكِيمِ فَإنَّهم يَسْألُونَ النَّبِيءَ آيَةً عَلى صِدْقِهِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في هَذِهِ السُّورَةِ ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ﴾ [يونس: ١٥] فَقِيلَ لَهم ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾، أيْ ما هو آيَةٌ واحِدَةٌ بَلْ آياتٌ كَثِيرَةٌ، فَإنَّ الإعْجازَ حاصِلٌ بِكُلِّ سُورَةٍ مِنهُ.
ولِأنَّهُ اشْتَمَلَ عَلى الحَقائِقِ السّامِيَةِ والهُدى إلى الحَقِّ والحِكْمَةِ؛ فَرَجُلٌ أُمِّيٌّ يَنْشَأُ في أُمَّةٍ جاهِلَةٍ يَجِيءُ بِمِثْلِ هَذا الهُدى والحِكْمَةِ لا يَكُونُ إلّا مُوحًى إلَيْهِ بِوَحْيٍ إلَهِيٍّ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إذًا لارْتابَ المُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] .
وعَلَيْهِ فاسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ و(آياتُ) خَبَرُهُ. وإضافَةُ آياتٍ إلى الكِتابِ إضافَةٌ شَبِيهَةٌ بِالبَيانِيَّةِ وإنْ كانَ الكِتابُ بِمَنزِلَةِ الظَّرْفِ لِلْآياتِ بِاخْتِلافِ الِاعْتِبارِ، وهو مَعْنى الإضافَةِ البَيانِيَّةِ عِنْدَ التَّحْقِيقِ.
ويَجُوزُ أنْ تَجْعَلَ الإشارَةَ بِـ (تِلْكَ) إلى حُرُوفِ (﴿الر﴾) لِأنَّ المُخْتارَ في الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في فَواتِحِ السُّوَرِ أنَّ المَقْصُودَ مِن تَعْدادِها التَّحَدِّي بِالإعْجازِ، فَهي بِمَنزِلَةِ التَّهَجِّي لِلْمُتَعَلِّمِ. فَيَصِحُّ أنْ يُجْعَلَ (﴿الر﴾) في مَحَلِّ ابْتِداءٍ ويَكُونُ اسْمُ الإشارَةِ خَبَرًا عَنْهُ. والمَعْنى تِلْكَ الحُرُوفُ
صفحة ٨٢
آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ، أيْ مِن جِنْسِها حُرُوفُ الكِتابِ الحَكِيمِ، أيْ جَمِيعُ تَراكِيبِهِ مِن جِنْسِ تِلْكَ الحُرُوفِ.
والمَقْصُودُ تَسْجِيلُ عَجْزِهِمْ عَنْ مُعارَضَتِهِ بِأنَّ آياتِ الكِتابِ الحَكِيمِ كُلَّها مِن جِنْسِ حُرُوفِ كَلامِهِمْ فَما لَكَمَ لا تَسْتَطِيعُونَ مُعارَضَتَها بِمِثْلِها إنْ كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِأنَّ الكِتابَ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَلَوْلا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ لَكانَ اخْتِصاصُهُ بِهَذا النَّظْمِ المُعْجِزِ دُونَ كَلامِهِمْ مُحالًا إذْ هو مُرَكَّبٌ مِن حُرُوفِ كَلامِهِمْ.
والكِتابُ: القُرْآنُ. فالتَّعْرِيفُ فِيهِ لِلْعَهْدِ. ويَجُوزُ جَعْلُ التَّعْرِيفِ دالًّا عَلى مَعْنى الكَمالِ في الجِنْسِ، كَما تَقُولُ: أنْتَ الرَّجُلُ.
والحَكِيمُ: وصْفٌ إمّا بِمَعْنى فاعِلٍ، أيِ الحاكِمُ عَلى الكُتُبِ بِتَمْيِيزِ صَحِيحِها مِن مُحَرَّفِها، مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨]، وقَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلَ مَعَهُمُ الكِتابَ بِالحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣]
وإمّا بِمَعْنى مُفْعَلٌ بِفَتْحِ العَيْنِ، أيْ مُحْكَمٌ، مِثْلُ عَتِيدٍ، بِمَعْنى مُعَدٍّ.
وإمّا بِمَعْنى ذِي الحِكْمَةِ لِاشْتِمالِهِ عَلى الحِكْمَةِ والحَقِّ والحَقائِقِ العالِيَةِ، إذِ الحِكْمَةُ هي إصابَةُ الحَقِّ بِالقَوْلِ والعَمَلِ فَوُصِفَ بِوَصْفِ ذِي الحِكْمَةِ مِنَ النّاسِ عَلى سَبِيلِ التَّوَسُّعِ النّاشِئِ عَنِ البَلِيغِ كَقَوْلِ الأعْشى:
وغَرِيبَةٍ تَأْتِي المُلُوكَ حَكِيمَةٍ قَدْ قُلْتُها لِيُقالَ مَن ذا قالَها
وإمّا أنْ يَكُونَ وُصِفَ بِوَصْفِ مُنَزِّلِهِ المُتَكَلِّمِ بِهِ، كَما مَشى عَلَيْهِ صاحِبُ الكَشّافِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿يس﴾ [يس: ١] ﴿والقُرْآنِ الحَكِيمِ إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [يس: ٢] واخْتِيارُ وصْفِ (الحَكِيمِ) مِن بَيْنِ أوْصافِ الكَمالِ الثّابِتَةِ لِلْقُرْآنِ لِأنَّ لِهَذا الوَصْفِ مَزِيدَ اخْتِصاصٍ بِمَقامِ إظْهارِ الإعْجازِ مِن جِهَةِ المَعْنى بَعْدَ إظْهارِ الإعْجازِ مِن جِهَةِ اللَّفْظِ بِقَوْلِهِ: ﴿الر﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾، ولِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ السُّورَةُ مِن بَراهِينِ التَّوْحِيدِ وإبْطالِ الشِّرْكِ.
صفحة ٨٣
وإلى هَذا المَعْنى يُشِيرُ قَوْلُهُ بَعْدَ هَذا ﴿قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكم ولا أدْراكم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ١٦]
10:2Page 208
أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنۡ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ رَجُلٖ مِّنۡهُمۡ أَنۡ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنَّ لَهُمۡ قَدَمَ صِدۡقٍ عِندَ رَبِّهِمۡۗ قَالَ ٱلۡكَٰفِرُونَ إِنَّ هَٰذَا لَسَٰحِرٞ مُّبِينٌ ٢
Have the people been amazed that We revealed [revelation] to a man from among them, [saying], "Warn mankind and give good tidings to those who believe that they will have a [firm] precedence of honor1 with their Lord"? [But] the disbelievers say, "Indeed, this is an obvious magician."
﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهم أنْ أنْذِرِ النّاسَ وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أنَّ لَهم قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾
الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّ جُمْلَةَ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ [يونس: ١] بِما فِيها مِن إبْهامِ الدّاعِي إلى التَّوَقُّفِ عَلى آياتِ الكِتابِ الحَكِيمِ تُثِيرُ سُؤالًا عَنْ ذَلِكَ الدّاعِي فَجاءَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ تُبَيِّنُ أنَّ وجْهَ ذَلِكَ هو اسْتِبْعادُ النّاسِ الوَحْيَ إلى رَجُلٍ مِنَ النّاسِ اسْتِبْعادَ إحالَةٍ. وجاءَتْ عَلى هَذا النَّظْمِ الجامِعِ بَيْنَ بَيانِ الدّاعِي وبَيْنَ إنْكارِ السَّبَبِ الَّذِي دَعا إلَيْهِ وتَجْهِيلِ المُتَسَبِّبِينَ فِيهِ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا؛ لِأنَّهُ مَبْدَأُ الغَرَضِ الَّذِي جاءَتْ لَهُ السُّورَةُ، وهو الِاسْتِدْلالُ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ وإثْباتِ البَعْثِ.
فالهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ المُسْتَعْمَلِ في الإنْكارِ، أيْ كَيْفَ يَتَعَجَّبُونَ مِن ذَلِكَ تَعَجُّبَ إحالَةٍ.
وفائِدَةُ إدْخالِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ عَلى (كانَ) دُونَ أنْ يُقالَ: (أعَجِبَ النّاسُ)، هي الدَّلالَةُ عَلى التَّعْجِيبِ مِن تَعَجُّبِهِمُ المُرادِ بِهِ إحالَةُ الوَحْيِ إلى بَشَرٍ.
والمَعْنى: أُحْدِثَ وتَقَرَّرَ فِيهِمُ التَّعَجُّبُ مِن وحْيِنا؛ لِأنَّ فِعْلَ الكَوْنِ يُشْعِرُ بِالِاسْتِقْرارِ والتَّمَكُّنِ فَإذا عُبِّرَ بِهِ أشْعَرَ بِأنَّ هَذا غَيْرُ مُتَوَقَّعٍ حُصُولُهُ.
و(لِلنّاسِ) مُتَعَلِّقٌ بِكانَ لِزِيادَةِ الدَّلالَةِ عَلى اسْتِقْرارِ هَذا التَّعَجُّبِ فِيهِمْ؛ لِأنَّ أصْلَ اللّامِ أنْ تُفِيدَ المِلْكِ، ويُسْتَعارُ ذَلِكَ لِلتَّمَكُّنِ، أيْ لِتَمَكُّنِ الكَوْنِ عَجَبًا مِن نُفُوسِهِمْ.
و(عَجَبًا) خَبَرُ كانَ مُقَدَّمٌ عَلى اسْمِها لِلِاهْتِمامِ بِهِ لِأنَّهُ مَحَلُّ الإنْكارِ.
و(أنْ أوْحَيْنا) اسْمُ كانَ، وجِيءَ فِيهِ بِـ (أنْ) و(الفِعْلِ) دُونَ المَصْدَرِ الصَّرِيحِ وهو وحْيُنًا لِيُتَوَسَّلَ إلى ما يُفِيدُهُ الفِعْلُ مِنَ التَّجَدُّدِ وصِيغَةِ المُضِيِّ مِنَ الِاسْتِقْرارِ تَحْقِيقًا لِوُقُوعِ الوَحْيِ المُتَعَجَّبِ مِنهُ وتَجَدُّدِهِ وذَلِكَ ما يَزِيدُهم كَمَدًا.
صفحة ٨٤
والعَجَبُ: مَصْدَرُ (عَجِبَ)، إذا عَدَّ الشَّيْءَ خارِجًا عَنِ المَأْلُوفِ نادِرَ الحُصُولِ. ولَمّا كانَ التَّعَجُّبُ مَبْدَءًا لِلتَّكْذِيبِ وهم قَدْ كَذَّبُوا بِالوَحْيِ إلَيْهِ ولَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى كَوْنِهِ عَجِيبًا جاءَ الإنْكارُ عَلَيْهِمْ بِإنْكارِ تَعَجُّبِهِمْ مِنَ الإيحاءِ إلى رَجُلٍ مِنَ البَشَرِ لِأنَّ إنْكارَ التَّعَجُّبِ مِن ذَلِكَ يَئُولُ إلى إنْكارِ التَّكْذِيبِ بِالأوْلى ويَقْلَعُ التَّكْذِيبَ مِن عُرُوقِهِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ العَجَبُ كِنايَةً عَنْ إحالَةِ الوُقُوعِ، كَما في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قالَتْ يا ويْلَتى أألِدُ وأنا عَجُوزٌ وهَذا بَعْلِي شَيْخًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ [هود: ٧٢] في سُورَةِ هُودٍ وقَوْلِهِ: ﴿أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكم عَلى رَجُلٍ مِنكم لِيُنْذِرَكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٣] في سُورَةِ الأعْرافِ. وكانَتْ حِكايَةُ تَعَجُّبِهِمْ بِإدْماجِ ما يُفِيدُ الرَّدَّ عَلَيْهِمْ بِأنَّ الوَحْيَ كانَ إلى رَجُلٍ مِنَ النّاسِ وذَلِكَ شَأْنُ الرِّسالاتِ كُلِّها كَما قالَ - تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا يُوحى إلَيْهِمْ﴾ [يوسف: ١٠٩] وقالَ ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ [الأنعام: ٩] وقالَ ﴿قُلْ لَوْ كانَ في الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٥]
وأُطْلِقَ (النّاسُ) عَلى طائِفَةٍ مِنَ البَشَرِ، والمُرادُ المُشْرِكُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ لِأنَّهُمُ المَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ. وهَذا الإطْلاقُ مِثْلُ ما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] . وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنْكَرَتْ طائِفَةٌ مِنَ العَرَبِ رِسالَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ فَقالُوا: اللَّهُ أعْظَمُ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ رَسُولٌ بَشَرًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ - تَعالى: ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهم أنْ أنْذِرِ النّاسَ﴾
وأنَّ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ أنْذِرِ النّاسَ﴾ تَفْسِيرِيَّةٌ لِفِعْلِ (أوْحَيْنا) لِأنَّ الوَحْيَ فِيهِ مَعْنى القَوْلِ.
و(النّاسُ) الثّانِي يَعُمُّ جَمِيعَ البَشَرِ الَّذِينَ يُمْكِنُ إنْذارُهم، فَهو عُمُومٌ عُرْفِيٌّ. ولِكَوْنِ المُرادِ بِـ (النّاسِ) ثانِيًا غَيْرَ المُرادِ بِهِ أوَّلَ ذِكْرٍ بِلَفْظِهِ الظّاهِرِ دُونَ أنْ يُقالَ: أنْ أنْذِرْهم.
ولَمّا عُطِفَ عَلى الأمْرِ بِالإنْذارِ الأمْرُ بِالتَّبْشِيرِ لِلَّذِينَ آمَنُوا بَقِيَ النّاسُ المُتَعَلِّقُ بِهِمُ الإنْذارُ مَخْصُوصًا بِغَيْرِ المُؤْمِنِينَ.
صفحة ٨٥
وحُذِفَ المُنْذَرُ بِهِ لِلتَّهْوِيلِ، ولِأنَّهُ يُعْلَمُ حاصِلُهُ مِن مُقابَلَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أنَّ لَهم قَدَمَ صِدْقٍ﴾، وفِعْلُ التَّبْشِيرِ يَتَعَدّى بِالباءِ، فالتَّقْدِيرُ: وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا بِأنَّ لَهم قَدَمَ صِدْقٍ، فَحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ مَعَ (أنَّ) جَرْيًا عَلى الغالِبِ.
والقَدَمُ: اسْمٌ لِما تَقَدَّمَ وسَلَفَ، فَيَكُونُ في الخَيْرِ والفَضْلِ وفي ضِدِّهِ. قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
لَكم قَدَمٌ لا يُنْـكِـرُ الـنَّـاسُ أنَّهَـا مَعَ الحَسَبِ العادِيِّ طَمَّتْ عَلى البَحْرِ
وذَكَرَ المازِرِيُّ في المُعَلِّمِ عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ: أنَّ القَدَمَ لا يُعَبَّرُ بِهِ إلّا عَنْ مَعْنى المُقَدَّمِ لَكِنْ في الشَّرَفِ والجَلالَةِ. وهو فَعَلَ بِمَعْنى فاعَلَ مِثْلَ سَلَفَ وثَقَلَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومِن هَذِهِ اللَّفْظَةِ «قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ في صِفَةِ جَهَنَّمَ حَتّى يَضَعَ رَبُّ العِزَّةِ فِيها قَدَمَهُ فَتَقُولُ قَطْ قَطْ» يُشِيرُ إلى حَدِيثِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ نَبِيءُ اللَّهِ ﷺ: «ما تَزالُ جَهَنَّمُ تَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ حَتّى يَضَعَ رَبُّ العِزَّةِ (وفي رِوايَةٍ الجَبّارُ) فِيها قَدَمَهُ فَتَقُولُ قَط قَطْ، وعِزَّتِكَ. ويُزْوى بَعْضُها إلى بَعْضٍ» . وهَذا أحَدُ تَأْوِيلَيْنِ لِمَعْنى ”قَدَمَهُ“ . وأصْلُ ذَلِكَ في المُعَلِّمِ عَلى صَحِيحِ مُسْلِمٍ لِلْمازِرِيِّ وعَزاهُ إلى النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ.
والمُرادُ بِـ (﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾) في الآيَةِ قَدَمُ خَيْرٍ، وإضافَةُ (قَدَمَ) إلى (صِدْقٍ) مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ. وأصْلُهُ قَدَمٌ صِدْقٌ، أيْ صادِقٌ وهو وصْفٌ بِالمَصْدَرِ: فَعَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ يَكُونُ وصْفُ (صِدْقٍ) لِـ (قَدَمَ) وصْفًا مُقَيَّدًا. وعَلى قَوْلِ ابْنِ الأعْرابِيِّ يَكُونُ وصْفًا كاشِفًا.
والصِّدْقُ: مُوافَقَةُ الشَّيْءِ لِاعْتِقادِ المُعْتَقِدِ، واشْتُهِرَ في مُطابَقَةِ الخَبَرِ. ويُضافُ شَيْءٌ إلى (صِدْقٍ) بِمَعْنى مُصادَفَتِهِ لِلْمَأْمُولِ مِنهُ المَرَضِيِّ وأنَّهُ لا يَخِيبُ ظَنُّ آمِلٍ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إسْرائِيلَ مُبَوَّأ صِدْقٍ﴾ [يونس: ٩٣] وقَوْلِهِ: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥]
وقَوْلُهُ: ﴿أنْ أنْذِرِ النّاسَ﴾ تَفْسِيرٌ لِفِعْلِ (أوْحَيْنا) . وإنَّما اقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ هَذا المُوحى بِهِ لِأنَّ ذَلِكَ هو الَّذِي حَمَلَهم عَلى التَّكْذِيبِ إذْ صادَفَ صَرْفَهم عَنْ ضَلالِهِ دِينَهم وسَمِعُوا مِنهُ تَفْضِيلَ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ. وأيْضًا في ذِكْرِ المُفَسِّرِ إدْماجٌ لِبِشارَةِ المُؤْمِنِينَ بِهَذِهِ المَزِيَّةِ.
* * *
صفحة ٨٦
﴿قالَ الكافِرُونَ إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾
هَذِهِ الجُمْلَةُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ (﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا﴾) إلَخْ. ووَجْهُ هَذا الإبْدالِ أنَّ قَوْلَهم هَذا يُنْبِئُ عَنْ بُلُوغِ التَّعَجُّبِ مِن دَعْوى الوَحْيِ والرِّسالَةِ مِن نُفُوسِهِمْ مَزِيدَ الإحالَةِ والتَّكْذِيبِ حَتّى صارُوا إلى القَوْلِ ﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس: ٧٦] أوْ ﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ فاسْمُ الإشارَةِ راجِعٌ إلى ما تَضَمَّنَتْهُ جُمْلَةُ ﴿أنْ أنْذِرِ النّاسَ وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾
وقَرَأهُ الجُمْهُورُ (لَسِحْرٌ) بِكَسْرِ السِّينِ وسُكُونُ الحاءِ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ الحاصِلُ بِالمَصْدَرِ، أيْ أنَّ هَذا الكَلامَ كَلامُ السِّحْرٍ، أيْ أنَّهُ كَلامٌ يُسْحَرُ بِهِ. فَقَدْ كانَ مِن طُرُقِ السِّحْرِ في أوْهامِهِمْ أنْ يَقُولَ السّاحِرُ كَلامًا غَيْرَ مَفْهُومٍ لِلنّاسِ يُوهِمُهم أنَّ فِيهِ خَصائِصَ وأسْماءَ غَيْرَ مَعْرُوفَةٍ لِغَيْرِ السَّحَرَةِ، فالإشارَةُ إلى الوَحْيِ.
وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ (لَساحِرٌ) فالإشارَةُ إلى رَجُلٍ مِن قَوْلِهِ: إلى رَجُلٍ مِنهم وهو النَّبِيءُ ﷺ وإنَّ وصْفَهم إيّاهُ بِالسِّحْرِ يُنْبِئُ بِأنَّهم كَذَّبُوا بِكَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ ولَمْ يَسْتَطِيعُوا أنْ يَدَّعُوهُ هَذَيانًا وباطِلًا فَهَرِعُوا إلى ادِّعائِهِ سِحْرًا، وقَدْ كانَ مِن عَقائِدِهِمُ الضّالَّةِ أنَّ مِن طَرائِقِ السِّحْرِ أنْ يَقُولَ السّاحِرُ أقْوالًا تَسْتَنْزِلُ عُقُولَ المَسْحُورِينَ. وهَذا مِن عَجْزِهِمْ عَنِ الطَّعْنِ في القُرْآنِ بِمَطاعِنَ في لَفْظِهِ ومَعانِيهِ.
والسِّحْرُ: تَخْيِيلُ ما لَيْسَ بِكائِنٍ كائِنًا. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والمُبِينُ: اسْمُ فاعِلٍ مِن أبانَ الَّذِي هو بِمَعْنى بانَ، أيْ ظَهَرَ، أيْ سِحْرٌ واضِحٌ ظاهِرٌ. وهَذا الوَصْفُ تَلْفِيقٌ مِنهم وبُهْتانٌ لِأنَّهُ لَيْسَ بِواضِحٍ في ذَلِكَ بَلْ هو الحَقُّ المُبِينُ.
10:3Page 208
إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَۖ مَا مِن شَفِيعٍ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ إِذۡنِهِۦۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُوهُۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ٣
Indeed, your Lord is Allāh, who created the heavens and the earth in six days and then established Himself above the Throne,1 arranging the matter [of His creation]. There is no intercessor except after His permission. That is Allāh, your Lord, so worship Him. Then will you not remember?
صفحة ٨٧
﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يُدَبِّرُ الأمْرَ ما مِن شَفِيعٍ إلّا مِن بَعْدِ إذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم فاعْبُدُوهُ أفَلا تَذَّكَّرُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِلِاسْتِدْلالِ عَلى تَفَرُّدِ اللَّهِ - تَعالى - بِالإلَهِيَّةِ. وإنَّما أُوقِعَ هُنا لِأنَّ أقْوى شَيْءٍ بَعَثَ المُشْرِكِينَ عَلى ادِّعاءِ أنَّ ما جاءَ بِهِ النَّبِيءُ سِحْرٌ هو أنَّهُ أبْطَلَ الشُّرَكاءَ لِلَّهِ في الإلَهِيَّةِ ونَفاها عَنْ آلِهَتِهِمُ الَّتِي أشْرَكُوا بِها فَقالُوا ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص: ٥] فَلا جَرَمَ أنْ أُعْقِبَ إنْكارُ إحالَتِهِمْ ذَلِكَ بِإقامَةِ الدَّلِيلِ عَلى ثُبُوتِهِ.
والخِطابُ لِلْمُشْرِكِينَ، ولِذَلِكَ أُكِّدَ الخَبَرُ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ، وأُوقِعَ عَقِبَهُ (أفَلا تَذَّكَّرُونَ)، فَهو التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا﴾ [يونس: ٢] وقَوْلِهِ: قالَ الكافِرُونَ. وقَدْ مَضى القَوْلُ في نَظِيرِ صَدْرِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الأعْرافِ إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾
وقَوْلُهُ: (اللَّهُ) خَبَرُ (إنَّ)، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم فاعْبُدُوهُ﴾
وجُمْلَةُ يُدَبِّرُ الأمْرَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنِ اسْمِ الجَلالَةِ، أوْ خَبَرٌ ثانٍ عَنْ (رَبِّكم)
والتَّدْبِيرُ: النَّظَرُ في عَواقِبِ المُقَدَّراتِ وعَوائِقِها لِقَصْدِ إيقاعِها تامَّةً فِيما تُقْصَدُ لَهُ مَحْمُودَةَ العاقِبَةِ.
والغايَةُ مِنَ التَّدْبِيرِ الإيجادُ والعَمَلُ عَلى وفْقِ ما دُبِّرَ. وتَدْبِيرُ اللَّهِ الأُمُورَ عِبارَةٌ عَنْ تَمامِ العِلْمِ بِما يَخْلُقُها عَلَيْهِ؛ لِأنَّ لَفْظَ التَّدْبِيرِ هو أوْفى الألْفاظِ اللُّغَوِيَّةِ بِتَقْرِيبِ إتْقانِ الخَلْقِ.
والأمْرُ: جِنْسٌ يَعُمُّ جَمِيعَ الشُّئُونِ والأحْوالِ في العالَمِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿وقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ﴾ [التوبة: ٤٨] في سُورَةِ (بَراءَةٌ) .
وفِي إجْراءِ هَذِهِ الصِّفاتِ عَلى اللَّهِ - تَعالى - تَعْرِيضٌ بِالرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ إذْ جَعَلُوا لِأنْفُسِهِمْ آلِهَةً لا تَخْلُقُ ولا تَعْلَمُ؛ كَما قالَ - تَعالى: ﴿لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ [النحل: ٢٠]
صفحة ٨٨
ولِذَلِكَ حَسُنَ وقْعُ جُمْلَةِ ﴿ما مِن شَفِيعٍ إلّا مِن بَعْدِ إذْنِهِ﴾ عَقِبَ جُمْلَةِ (الَّذِي خَلَقَ) بِتَمامِها؛ لِأنَّ المُشْرِكِينَ جَعَلُوا آلِهَتَهم شُفَعاءَ فَإذا أُنْذِرُوا بِغَضَبِ اللَّهِ يَقُولُونَ ﴿هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨]، أيْ حُماتُنا مِن غَضَبِهِ. فَبَعْدَ أنْ وُصِفَ الإلَهُ الحَقُّ بِما هو مُنْتَفٍ عَنْ آلِهَتِهِمْ نُفِيَ عَنْ آلِهَتِهِمْ وصْفُ الشَّفاعَةِ عِنْدَ اللَّهِ وحِمايَةِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ مِنهُ.
وأُكِّدَ النَّفْيُ بِـ (مِنَ) الَّتِي تَقَعُ بَعْدَ حَرْفِ النَّفْيِ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ وانْتِفاءِ الوَصْفِ عَنْ جَمِيعِ أفْرادِ الجِنْسِ الَّذِي دَخَلَتْ مِن عَلى اسْمِهِ بِحَيْثُ لَمْ تَبْقَ لِآلِهَتِهِمْ خُصُوصِيَّةٌ.
وزِيادَةُ ﴿إلّا مِن بَعْدِ إذْنِهِ﴾ احْتِراسٌ لِإثْباتِ شَفاعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِإذْنِ اللَّهِ، قالَ - تَعالى -: ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ [الأنبياء: ٢٨] . والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ نَفْيُ الشَّفاعَةِ لِآلِهَتِهِمْ مِن حَيْثُ إنَّهم شُرَكاءُ لِلَّهِ في الإلَهِيَّةِ، فَشَفاعَتُهم عِنْدَهُ نافِذَةٌ كَشَفاعَةِ النِّدِّ عِنْدَ نِدِّهِ. والشَّفاعَةُ تَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿ولا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ﴾ [البقرة: ٤٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وكَذَلِكَ الشَّفِيعُ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ لَنا مِن شُفَعاءَ﴾ [الأعراف: ٥٣] في سُورَةِ الأعْرافِ.
ومَوْقِعُ جُمْلَةِ (ما مِن شَفِيعٍ) مِثْلُ مَوْقِعِ جُمْلَةِ يُدَبِّرُ الأمْرَ
وجُمْلَةُ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ ابْتِدائِيَّةٌ فَذْلَكَةٌ لِلْجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها ونَتِيجَةٌ لَها، وهي مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ تِلْكَ الجُمَلِ وبَيْنَ الجُمْلَةِ المُفَرَّعَةِ عَلَيْها، وهي جُمْلَةُ (فاعْبُدُوهُ)، وتَأْكِيدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ الأصْلِيَّةِ وهي جُمْلَةُ (إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ)
والإتْيانُ في صَدْرِها بِاسْمِ الإشارَةِ لِتَمْيِيزِهِ أكْمَلَ تَمْيِيزٍ؛ لِأنَّهُمُ امْتَرَوْا في صِفَةِ الإلَهِيَّةِ وضَلُّوا فِيها ضَلالًا مُبِينًا، فَكانُوا أحْرِياءَ بِالإيقاظِ بِطَرِيقِ اسْمِ الإشارَةِ، ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المُشارَ إلَيْهِ حَقِيقٌ بِما سَيُذْكَرُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِن حَيْثُ إنَّهُ اتَّصَفَ بِتِلْكَ الأوْصافِ الَّتِي أُشِيرَ إلَيْهِ مِن أجْلِها، فَإنَّ خالِقَ العَوالِمِ بِغايَةِ الإتْقانِ والمَقْدِرَةِ ومالِكَ أمْرِها ومُدَبِّرَ شُئُونِها والمُتَصَرِّفَ المُطْلَقَ مُسْتَحِقٌّ
صفحة ٨٩
لِلْعِبادَةِ نَظِيرَ الإشارَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] إلى قَوْلِهِ: (﴿هم يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ٤])
وفُرِّعَ عَلى كَوْنِهِ رَبَّهم أنْ أُمِرُوا بِعِبادَتِهِ، والمُفَرَّعُ هو المَقْصُودُ مِنَ الجُمْلَةِ وما قَبْلَهُ مُؤَكِّدٌ لِجُمْلَةِ (إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ) تَأْكِيدًا بِفَذْلَكَةٍ وتَحْصِيلٍ. والتَّقْدِيرُ: إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ إلى قَوْلِهِ: فاعْبُدُوهُ، كَقَوْلِهِ: (﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨]) إذْ وقَعَ قَوْلُهُ: (فَبِذَلِكَ) تَأْكِيدًا لِجُمْلَةِ (بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ) . وأُوقِعُ بَعْدَهُ الفَرْعُ وهو (فَلْيَفْرَحُوا) . والتَّقْدِيرُ: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَلْيَفْرَحُوا بِذَلِكَ.
والمَقْصُودُ مِنَ العِبادَةِ العِبادَةُ الحَقُّ الَّتِي لا يُشْرَكُ مَعَهُ فِيها غَيْرُهُ، بِقَرِينَةِ تَفْرِيعِ الأمْرِ بِها عَلى الصِّفاتِ المُنْفَرِدِ بِها اللَّهُ دُونَ مَعْبُوداتِهِمْ.
وجُمْلَةُ ﴿أفَلا تَذَّكَّرُونَ﴾ ابْتِدائِيَّةٌ لِلتَّقْرِيعِ. وهو غَرَضٌ جَدِيدٌ، فَلِذَلِكَ لَمْ تُعْطَفْ، فالِاسْتِفْهامُ إنْكارٌ لِانْتِفاءِ تَذَكُّرِهِمْ إذْ أشْرَكُوا مَعَهُ غَيْرَهُ ولَمْ يَتَذَكَّرُوا في أنَّهُ المُنْفَرِدُ بِخَلْقِ العَوالِمِ وبِمُلْكِها وبِتَدْبِيرِ أحْوالِها.
والتَّذَكُّرُ: التَّأمُّلُ. وهو بِهَذِهِ الصِّيغَةِ لا يُطْلَقُ إلّا عَلى ذِكْرِ العَقْلِ لِمَعْقُولاتِهِ، أيْ حَرَكَتِهِ في مَعْلُوماتِهِ، فَهو قَرِيبٌ مِنَ التَّفَكُّرِ؛ إلّا أنَّ التَّذَكُّرَ لَمّا كانَ مُشْتَقًّا مِن مادَّةِ الذِّكْرِ الَّتِي هي في الأصْلِ جَرَيانُ اللَّفْظِ عَلى اللِّسانِ، والَّتِي يُعَبَّرُ بِها أيْضًا عَنْ خُطُورِ المَعْلُومِ في الذِّهْنِ بَعْدَ سَهْوِهِ وغَيْبَتِهِ عَنْهُ كانَ مُشْعِرًا بِأنَّهُ حَرَكَةُ الذِّهْنِ في مَعْلُوماتٍ مُتَقَرِّرَةٍ فِيهِ مِن قَبْلُ.
فَلِذَلِكَ أُوثِرَ هُنا دُونَ لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الِاسْتِدْلالَ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ - تَعالى - قَدْ تَقَرَّرَ في النُّفُوسِ بِالفِطْرَةِ، وبِما تَقَدَّمَ لَهم مِنَ الدَّعْوَةِ والأدِلَّةِ فَيَكْفِي في الِاسْتِدْلالِ مُجَرَّدُ إخْطارِ هَذِهِ الأدِلَّةِ في البالِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences