Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Yunus 10:74–78
10:74Page 217
ثُمَّ بَعَثۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِۦ رُسُلًا إِلَىٰ قَوۡمِهِمۡ فَجَآءُوهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤۡمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِۦ مِن قَبۡلُۚ كَذَٰلِكَ نَطۡبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلۡمُعۡتَدِينَ ٧٤
Then We sent after him messengers to their peoples, and they came to them with clear proofs. But they were not to believe in that which they had denied before.1 Thus We seal over the hearts of the transgressors.
﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِ رُسُلًا إلى قَوْمِهِمْ فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ المُعْتَدِينَ﴾
ثُمَّ لِلتَّراخِي الرُّتَبِيِّ؛ لِأنَّ بَعْثَةَ رُسُلٍ كَثِيرِينَ إلى أُمَمٍ تَلَقَّوْهم بِمِثْلِ ما تَلَقّى بِهِ نُوحًا قَوْمُهُ أعْجَبُ مِن شَأْنِ قَوْمِ نُوحٍ حَيْثُ تَمالَأتْ تِلْكَ الأُمَمُ عَلى طَرِيقَةٍ واحِدَةٍ مِنَ الكُفْرِ. ولَيْسَتْ ثُمَّ لِإفادَةِ التَّراخِي في الزَّمَنِ لِلِاسْتِغْناءِ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: مِن بَعْدِهِمْ
وقَدْ أبْهَمَ الرُّسُلَ في هَذِهِ الآيَةِ. ووَقَعَ في آياتٍ أُخْرى التَّصْرِيحُ بِأنَّهم: هُودٌ وصالِحٌ، وإبْراهِيمُ، ولُوطٌ، وشُعَيْبٌ. وقَدْ يَكُونُ هُنالِكَ رُسُلٌ آخَرُونَ كَما قالَ - تَعالى: ﴿ورُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهم عَلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٤]، ويَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ هُنا مَن كانُوا قَبْلَ مُوسى لِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى﴾ [يونس: ٧٥]
وفِي الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ نُوحًا أوَّلُ الرُّسُلِ.والبَيِّناتُ: هي الحُجَجُ الواضِحَةُ الدَّلالَةِ عَلى الصِّدْقِ. والفاءُ لِلتَّعْقِيبِ، أيْ أظْهَرُوا لَهُمُ المُعْجِزاتِ بِإثْرِ إرْسالِهِمْ. والباءُ لِلْمُلابَسَةِ، أيْ جاءُوا قَوْمَهم مُبَلِّغِينَ الرِّسالَةَ مُلابِسِينَ البَيِّناتِ.
صفحة ٢٤٥
وقَدْ قُوبِلَ جَمْعُ الرُّسُلِ بِجَمْعِ البَيِّناتِ فَكانَ صادِقًا بِبَيِّناتٍ كَثِيرَةٍ مُوَزَّعَةٍ عَلى رُسُلٍ كَثِيرِينَ، فَقَدْ يَكُونُ لِكُلِّ نَبِيءٍ مِنَ الأنْبِياءِ آياتٌ كَثِيرَةٌ، وقَدْ يَكُونُ لِبَعْضِ الأنْبِياءِ آيَةٌ واحِدَةٌ مِثْلَ آيَةِ صالِحٍ وهي النّاقَةُ.
والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ لِلتَّفْرِيعِ، أيْ فَتَرَتَّبَ عَلى ذَلِكَ أنَّهم لَمْ يُؤْمِنُوا.
وصِيَغَ النَّفْيُ بِصِيغَةِ لامِ الجُحُودِ مُبالِغَةً في انْتِفاءِ الإيمانِ عَنْهم بِأقْصى أحْوالِ الِانْتِفاءِ. حَتّى كَأنَّهم لَمْ يُوجَدُوا لِأنْ يُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ، أيْ لَمْ يَتَزَحْزَحُوا عَنْهُ. ودَلَّتْ صِيغَةُ الجُحُودِ عَلى أنَّ الرُّسُلَ حاوَلُوا إيمانَهم مُحاوَلَةً مُتَكَرِّرَةً.
ودَلَّ قَوْلُهُ: ﴿بِما كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلُ﴾ أنَّ هُنالِكَ تَكْذِيبًا بادَرُوا بِهِ لِرُسُلِهِمْ، وأنَّهم لَمْ يُقْلِعُوا عَنْ تَكْذِيبِهِمُ الَّذِي قابَلُوا بِهِ الرُّسُلَ؛ لِأنَّ التَّكْذِيبَ إنَّما يَكُونُ لِخَبَرِ مُخْبَرٍ فَقَوْلُهُ: ﴿فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ﴾ مُؤْذِنٌ بِحُصُولِ التَّكْذِيبِ فَلَمّا كَذَّبُوهم جاءُوهم بِالبَيِّناتِ عَلى صِدْقِهِمْ فاسْتَمَرُّوا عَلى التَّكْذِيبِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلُ. وهَذا مِن إيجازِ الحَذْفِ لِجُمَلٍ كَثِيرَةٍ. وهَذا يَقْتَضِي تَكَرُّرَ الدَّعْوَةِ وتَكَرُّرَ البَيِّناتِ وإلّا لَما كانَ لِقَوْلِهِ: ﴿فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلُ﴾ وقْعٌ لِأنَّ التَّكْذِيبَ الَّذِي حَصَلَ أوَّلَ مَرَّةٍ إذا لَمْ يَطْرَأْ عَلَيْهِ ما مِن شَأْنِهِ أنْ يُقْلِعَهُ كانَ تَكْذِيبًا واحِدًا مَنسِيًّا.
وهَذا مِن بَلاغَةِ مَعانِي القُرْآنِ.
وبِذَلِكَ يَظْهَرُ وقْعُ قَوْلِهِ عَقِبَهُ ﴿كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ المُعْتَدِينَ﴾ فَإنَّ الطَّبْعَ مُؤْذِنٌ بِأنَّ قُلُوبَهم قَدْ ورَدَ عَلَيْها ما لَوْ خَلَتْ عِنْدَ وُرُودِهِ عَنِ الطَّبْعِ عَلَيْها لَكانَ شَأْنُهُ أنْ يَصِلَ بِهِمْ إلى الإيمانِ، ولَكِنَّ الطَّبْعَ عَلى قُلُوبِهِمْ حالَ دُونَ تَأْثِيرِ البَيِّناتِ في قُلُوبِهِمْ.
وقَدْ جُعِلَ الطَّبْعُ الَّذِي وقَعَ عَلى قُلُوبِ هَؤُلاءِ مَثَلًا لِكَيْفِيّاتِ الطَّبْعِ عَلى قُلُوبِ المُعْتَدِينَ فَقَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ المُعْتَدِينَ﴾، أيْ مِثْلَ هَذا الطَّبْعِ العَجِيبِ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ المُعْتَدِينَ فَتَأمَّلُوهُ واعْتَبِرُوا بِهِ.
صفحة ٢٤٦
والطَّبْعُ: الخَتْمُ. وهو اسْتِعارَةٌ لِعَدَمِ دُخُولِ الإيمانِ قُلُوبَهم. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والِاعْتِداءُ: افْتِعالٌ مِن عَدا عَلَيْهِ، إذا ظَلَمَهُ، فالمُعْتَدِينَ مُرادِفُ الظّالِمِينَ، والمُرادُ بِهِ المُشْرِكُونَ لِأنَّ الشِّرْكَ اعْتِداءٌ، فَإنَّهم كَذَّبُوا الرُّسُلَ فاعْتَدَوْا عَلى الصّادِقِينَ بِلَمْزِهِمْ بِالكَذِبِ وقَدْ جاءَ في نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ مِن سُورَةِ الأعْرافِ ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الكافِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٠١] فَهَذا التَّحالُفُ لِلتَّفَنُّنِ في حِكايَةِ هَذِهِ العِبْرَةِ في المَوْضِعَيْنِ.
10:75Page 217
ثُمَّ بَعَثۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِم مُّوسَىٰ وَهَٰرُونَ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِۦ بِـَٔايَٰتِنَا فَٱسۡتَكۡبَرُواْ وَكَانُواْ قَوۡمٗا مُّجۡرِمِينَ ٧٥
Then We sent after them Moses and Aaron to Pharaoh and his establishment with Our signs, but they behaved arrogantly and were a criminal people.
﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى وهارُونَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ بِآياتِنا فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾
ثُمَّ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ لِأنَّ بَعْثَةَ مُوسى وهارُونَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - كانَتْ أعْظَمَ مِن بِعْثَةِ مَن سَبَقَهُما مِنَ الرُّسُلِ، وخُصَّتْ بِعْثَةُ مُوسى وهارُونَ بِالذِّكْرِ لِأنَّها كانَتِ انْقِلابًا عَظِيمًا وتَطَوُّرًا جَدِيدًا في تارِيخِ الشَّرائِعِ وفي نِظامِ الحَضارَةِ العَقْلِيَّةِ والتَّشْرِيعِيَّةِ فَإنَّ الرُّسُلَ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَ مُوسى إنَّما بُعِثُوا في أُمَمٍ مُسْتَقِلَّةٍ، وكانَتْ أدْيانُهم مُقْتَصِرَةً عَلى الدَّعْوَةِ إلى إصْلاحِ العَقِيدَةِ، وتَهْذِيبِ النُّفُوسِ، وإبْطالِ ما عَظُمَ مِن مَفاسِدَ في المُعامَلاتِ، ولَمْ تَكُنْ شَرائِعَ شامِلَةً لِجَمِيعِ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ مِن نَظْمِ الأُمَّةِ وتَقْرِيرِ حاضِرِها ومُسْتَقْبَلِها.
فَأمّا بِعْثَةُ مُوسى فَقَدْ أتَتْ بِتَكْوِينِ أُمَّةٍ، وتَحْرِيرِها مِنِ اسْتِعْبادِ أُمَّةٍ أُخْرى إيّاها، وتَكْوِينِ وطَنٍ مُسْتَقِلٍّ لَها، وتَأْسِيسِ قَواعِدِ اسْتِقْلالِها، وتَأْسِيسِ جامِعَةٍ كامِلَةٍ لَها، ووَضْعِ نِظامِ سِياسَةِ الأُمَّةِ، ووَضْعِ سِياسَةٍ يُدَبِّرُونَ شُئُونَها، ونِظامِ دِفاعٍ يَدْفَعُ المُعْتَدِينَ عَلَيْها مِنَ الأُمَمِ، ويُمَكِّنُها مِنِ اقْتِحامِ أوْطانِ أُمَمٍ أُخْرى، وإعْطاءِ كِتابٍ يَشْتَمِلُ عَلى قَوانِينِ حَياتِها الِاجْتِماعِيَّةِ مِن كَثِيرِ نَواحِيها، فَبَعْثَةُ مُوسى كانَتْ أوَّلَ مَظْهَرٍ عامٍّ مِن مَظاهِرِ الشَّرائِعِ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ نَظِيرٌ في تارِيخِ الشَّرائِعِ ولا في تارِيخِ نِظامِ الأُمَمِ،
صفحة ٢٤٧
وهُوَ مَعَ تَفَوُّقِهِ عَلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَهُ مِنَ الشَّرائِعِ قَدِ امْتازَ بِكَوْنِهِ تَلْقِينًا مِنَ اللَّهِ المُطَّلِعِ عَلى حَقائِقِ الأُمُورِ، المُرِيدِ إقْرارَ الصّالِحِ وإزالَةَ الفاسِدِ.
وجَعَلَ مُوسى وهارُونَ مَبْعُوثَيْنِ كِلَيْهِما مِن حَيْثُ إنَّ اللَّهَ اسْتَجابَ طَلَبَ مُوسى أنْ يَجْعَلَ مَعَهُ أخاهُ هارُونَ مُؤَيِّدًا ومُعْرِبًا عَنْ مَقاصِدَ مُوسى فَكانَ بِذَلِكَ مَأْمُورًا مِنَ اللَّهِ بِالمُشارَكَةِ في أعْمالِ الرِّسالَةِ، وقَدْ بَيَّنَتْهُ سُورَةُ القَصَصِ، فالمَبْعُوثُ أصالَةً هو مُوسى وأمّا هارُونُ فَبُعِثَ مُعِينًا لَهُ وناصِرًا؛ لِأنَّ تِلْكَ الرِّسالَةَ كانَتْ أوَّلُ رِسالَةٍ يَصْحَبُها تَكْوِينُ أُمَّةٍ.
وفِرْعَوْنُ مَلِكُ مِصْرَ، وقَدْ مَضى الكَلامُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى وهارُونَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ في سُورَةِ الأعْرافِ، وعَلى صِفَةِ إرْسالِ مُوسى إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ، وفِرْعَوْنُ هَذا هو مِنِفْطاحُ الثّانِي أحَدُ فَراعِنَةِ العائِلَةِ التّاسِعَةَ عَشَرَةَ مِنَ الأُسَرِ الَّتِي مَلَكَتْ بِلادَ القِبْطِ.
والمُرادُ بِالمَلَأِ خاصَةُ النّاسِ وسادَتُهم وذَلِكَ أنَّ مُوسى بُعِثَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ وبُعِثَ إلى فِرْعَوْنَ وأهْلِ دَوْلتِهِ لِيُطْلِقُوا بَنِي إسْرائِيلَ.
والسَّينُ والتّاءُ في اسْتَكْبَرُوا لِلْمُبالَغَةِ في التَّكَبُّرِ، والمُرادُ أنَّهم تَكَبَّرُوا عَنْ تَلَقِّي الدَّعْوَةِ مِن مُوسى؛ لِأنَّهم احْتَقَرُوهُ وأحالُوا أنْ يَكُونَ رَسُولًا مِن اللهِ وهو مِن قَوْمٍ مُسْتَعْبَدِينَ اسْتَعْبَدَهم فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ، وهَذا وجْهُ اخْتِيارِ التَّعْبِيرِ عَنْ إعْراَضِهِمْ عَنْ دَعْوَتِهِ بِالِاسْتِكْبارِ كَما حَكى اللهُ عَنْهم فَقالُوا ﴿أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٧]
وتَفْرِيعُ اسْتَكْبَرُوا عَلى جُمْلَةِ بَعَثْنا يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ إعْراضٍ مِنهم وإنْكارٍ في مُدَّةِ الدَّعْوَةِ والبَعْثَةِ هو اسْتِكْبارٌ.
وجُمْلَةُ ﴿وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ وقَدْ كانَ الإجْرامُ دَأْبَهم وخُلُقَهم فَكانَ اسْتِكْبارُهم عَلى مُوسى مِن جُمْلَةِ إجْرامِهِمْ.
صفحة ٢٤٨
والإجْرامُ: فِعْلُ الجُرْمِ، وهو الجِنايَةُ والذَّنْبُ العَظِيمُ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي المُجْرِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٠] في سُورَةِ الأعْرافِ.
وقَدْ كانَ الفَراعِنَةُ طُغاةً جَبابِرَةً فَكانُوا يَعْتَبِرُونَ أنْفُسَهم آلِهَةً لِلْقِبْطِ وكانُوا قَدْ وضَعُوا شَرائِعَ لا تَخْلُو عَنْ جَوْرٍ، وكانُوا يَسْتَعْبِدُونَ الغُرَباءَ، وقَدِ اسْتَعْبَدُوا بَنِي إسْرائِيلَ وأذَلُّوهم قُرُونًا فَإذا سَألُوا حَقَّهُمُ اسْتَأْصَلُوهم ومَثَّلُوا بِهِمْ وقَتَلُوهم، كَما حَكى اللَّهُ عَنْهم ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ وجَعَلَ أهْلَها شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنهم يُذَبِّحُ أبْناءَهم ويَسْتَحْيِي نِساءَهم إنَّهُ كانَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٤]، وكانَ القِبْطُ يَعْتَقِدُونَ أوْهامًا ضالَّةً وخُرافاتٍ، فَلِذَلِكَ قالَ اللَّهُ - تَعالى: ﴿وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾، أيْ فَلا يُسْتَغْرَبُ اسْتِكْبارُهم عَنِ الحَقِّ والرَّشادِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ في مُوسى وهارُونَ ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أنْ يُخْرِجاكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِما ويَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ المُثْلى﴾ [طه: ٦٣] فَأغْراهُمُ الغَرُورُ عَلى أنَّ سَمَّوْا ضَلالَهم وخَوَرَهم طَرِيقَةً مُثْلى.
وعَبَّرَ بِـ قَوْمًا مُجْرِمِينَ دُونَ كانُوا مُجْرِمِينَ لِلْوَجْهِ الَّذِي تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ وفي مَواضِعَ مِن هَذِهِ السُّورَةِ.
10:76–77Page 217
فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلۡحَقُّ مِنۡ عِندِنَا قَالُوٓاْ إِنَّ هَٰذَا لَسِحۡرٞ مُّبِينٞ ٧٦
So when there came to them the truth from Us, they said, "Indeed, this is obvious magic."
قَالَ مُوسَىٰٓ أَتَقُولُونَ لِلۡحَقِّ لَمَّا جَآءَكُمۡۖ أَسِحۡرٌ هَٰذَا وَلَا يُفۡلِحُ ٱلسَّٰحِرُونَ ٧٧
Moses said, "Do you say [thus] about the truth when it has come to you? Is this magic? But magicians will not succeed."
﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا قالُوا إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿قالَ مُوسى أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم أسِحْرٌ هَذا ولا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ﴾
أيْ لَمّا رَأوْا المُعْجِزاتِ الَّتِي هي حَقٌ ثابِتٌ ولَيْسَتْ بِتَخَيُّلاتٍ وتَمْوِيهاتٍ، وعَلِمُوا أنَّ مُوسى صادِقٌ فِيما ادَّعاهُ، تَدَرَّجُوا مِن مُجَرَّدِ الإباءِ المُنْبَعِثِ عَنِ الِاسْتِكْبارِ إلى البُهْتانِ المُنْبَعِثِ عَنِ الشُّعُورِ بِالمَغْلُوبِيَّةِ.
والحَقُّ: يُطْلَقُ اسْمًا عَلى ما قابَلَ الباطِلَ وهو العَدْلُ الصالِحُ، ويُطْلَقُ وصْفًا عَلى الثّابِتِ الَّذِي لا رِيبَةَ فِيهِ، كَما يُقالُ: أنْتَ الصَّدِيقُ الحَقُّ. ويُلازِمُ الإفِرْادَ لِأنَّهُ
صفحة ٢٤٩
مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ. والَّذِي أثْبَتَ لَهُ المَجِيءَ هُنا هو الآياتُ الَّتِي أظْهَرَها مُوسى إعْجازًا لَهم لِقَوْلِهِ قَبْلَهُ ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا﴾ [الأعراف: ١٠٣] فَكانَ جَعْلُ الحَقِّ جائِيًا بِتِلْكَ الآياتِ صالِحًا لِمَعْنَيَيِ الحَقِّ؛ لِأنَّ تِلْكَ الآياتِ لَمّا كانَتْ ثابِتَةً لا رِيبَةَ فِيها كانَتْ في ذاتِها حَقًّا فَمَجِيئُها حُصُولُها وظُهُورُها المَقْصُودُ مِنهُ إثْباتُ صِدْقِ مُوسى في رِسالَتِهِ فَكانَ الحَقُّ جائِيًا مَعَها، فَمَجِيئُهُ ثُبُوتُهُ كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وقُلْ جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ﴾ [الإسراء: ٨١] وبِهَذا يَظْهَرُ أنَّ لِكَلِمَةِ الحَقِّ هُنا مِنَ الوَقْعِ في الدَّلالَةِ عَلى تَمامِ المَعْنى المُرادِ، ولِكَلِمَةِ مِن عِنْدِنا ما لَيْسَ لِغَيْرِها في الإيجازِ، وهَذا مِن حَدِّ الإعْجازِ.
وبِهَذا تَبَيَّنَ أنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّ آياتِ الصِّدْقِ ظَهَرَتْ وأنَّ المَحْجُوجِينَ أيْقَنُوا بِصِدْقِ مُوسى وأنَّهُ جاءَ بِالحَقِّ.
واعْتِذارُهم عَنْ ظُهُورِ الآياتِ بِأنَّها سِحْرٌ هو اعْتِذارُ المَغْلُوبِ العَدِيمِ الحُجَّةِ الَّذِي قَهَرَتْهُ الحُجَّةُ وبَهَرَهُ سُلْطانُ الحَقِّ، فَلَمْ يَبْقَ لَهُ مُنْتَشَبٌ مِنَ المُعارَضَةِ المَقْبُولَةِ فَهو يُهْرَعُ إلى انْتِحالِ مُعارَضاتٍ بِمَعاذِيرَ لا تَدْخُلُ تَحْتَ التَّمْحِيصِ ولا تَثْبُتُ في مَحَكِّ النَّقْدِ.
ولا بُدَّ لِلْمَغْلُوبِ مِن بارِدِ العُذْرِ
وإذْ قَدِ اشْتُهِرَ بَيْنَ الدَّهْماءِ مِن ذَوِي الأوْهامِ أنَّ السِّحْرَ يُظْهِرُ الشَّيْءَ في صُورَةِ ضِدِّهِ، ادَّعى هَؤُلاءِ أنَّ ما ظَهَرَ مِن دَلائِلِ صِدْقِ مُوسى هو سِحْرٌ ظَهَرَ بِهِ الباطِلُ في صُورَةِ الحَقِّ بِتَخْيِيلِ السِّحْرِ.
ومَعْنى ادِّعاءِ الحَقِّ سِحْرًا أنَّ دَلائِلَهُ مِن قَبِيلِ التَّخَيُّلاتِ والتَّمْوِيهاتِ، فَكَذَلِكَ مَدْلُولُهُ هو مَدْلُولُ السِّحْرِ وهو إنْشاءُ تَخَيُّلٍ باطِلٍ في نُفُوسِ المَسْحُورِينَ، وقَدْ حَمَلَهُمُ اسْتِشْعارُهم وهَنَ مَعْذِرَتِهِمْ عَلى أنْ أبْرَزُوا دَعْواهم في صُورَةِ الكَلامِ المُتَثَبِّتِ صاحِبُهُ فَأكَّدُوا الكَلامَ بِما دَلَّ عَلَيْهِ حَرْفُ التَّوْكِيدِ ولامُ الِابْتِداءِ إنَّ هَذا لَسِحْرٌ، وزادُوا ذَلِكَ تَرْوِيجًا بِأنْ وصَفُوا السِّحْرَ بِكَوْنِهِ مُبِينًا، أيْ شَدِيدَ الوُضُوحِ. والمُبِينُ اسْمُ فاعِلٍ مِن أبانَ القاصِرِ، مُرادِفُ بانَ: ظَهَرَ.
صفحة ٢٥٠
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: (إنَّ هَذا) إلى ما هو مُشاهَدٌ بَيْنَهم حِينَ إظْهارِ المُعْجِزَةِ مِثْلُ انْقِلابِ العَصا حَيَّةً، وخُرُوجِ اليَدِ بَيْضاءَ، أيْ أنَّ هَذا العَمَلَ الَّذِي تُشاهِدُونَهُ سِحْرٌ مُبِينٌ.
وجُمْلَةُ قالَ مُوسى مُجاوِبَةٌ مِنهُ عَنْ كَلامِهِمْ فَفُصِلَتْ مِنَ العَطْفِ عَلى الطَّرِيقَةِ الَّتِي اسْتَخْرَجْناها في حِكايَةِ الأقْوالِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠]، ونَظائِرِهِ الكَثِيرَةِ. تَوَلّى مُوسى وحْدَهُ دُونَ هارُونَ مُجادَلَتَهم لِأنَّهُ المُباشِرُ لِلدَّعْوَةِ أصالَةً، ولِأنَّ المُعْجِزاتِ ظَهَرَتْ عَلى يَدَيْهِ.
واسْتِفْهامُ أتَقُولُونَ إنْكارِيٌّ.
واللّامُ في لِلْحَقِّ لامُ التَّعْلِيلِ. وبَعْضُهم يُسَمِّيها لامَ البَيانِ. وبَعْضُهم يُسَمِّيها لامَ المُجاوَزَةِ بِمَعْنى عَنْ
وجُمْلَةُ أسِحْرٌ هَذا مُسْتَأْنَفَةٌ لِلتَّوْبِيخِ والإنْكارِ، أنْكَرَ مُوسى عَلَيْهِمْ وصْفَهُمُ الآياتِ الحَقَّ بِأنَّها سِحْرٌ. والإشارَةُ تُفِيدُ التَّعْرِيضَ بِجَهْلِهِمْ وفَسادِ قَوْلِهِمْ، بِأنَّ الإشارَةَ إلى تِلْكَ الآياتِ كافِيَةٌ في ظُهُورِ حَقِيقَتِها وأنَّها لَيْسَتْ مِنَ السِّحْرِ في شَيْءٍ. ولِذَلِكَ كانَ مَفْعُولُ أتَقُولُونَ مَحْذُوفًا لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ وهو ﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ فالتَّقْدِيرُ: أتَقُولُونَ هَذا القَوْلَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم. وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿قُلْ قَدْ جاءَكم رُسُلٌ مِن قَبْلِي بِالبَيِّناتِ وبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٣] وقَوْلُهُ: ﴿بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنهم غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ [النساء: ٨١]
ولَمّا نَفى مُوسى عَنْ آياتِ اللَّهِ أنْ تَكُونَ سِحْرًا ارْتَقى فَأبانَ لَهم فَسادَ السِّحْرِ وسُوءَ عاقِبَةِ مُعالِجِيهِ تَحْقِيرًا لَهم؛ لِأنَّهم كانُوا يُنَوِّهُونَ بِشَأْنِ السِّحْرِ. فَجُمْلَةُ ﴿ولا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ أسِحْرٌ هَذا
فالمَعْنى: هَذا لَيْسَ بِسِحْرٍ وإنَّما أعْلَمُ أنَّ السّاحِرَ لا يُفْلِحُ، أيْ لَوْ كانَ ساحِرًا لَمّا شَنَّعَ حالَ السّاحِرِينَ، إذْ صاحَبُ الصِّناعَةِ لا يُحَقِّرُ صِناعَتَهُ لِأنَّهُ لَوْ رَآها مُحَقَّرَةً لَما التَزَمَها.
10:78Page 217
قَالُوٓاْ أَجِئۡتَنَا لِتَلۡفِتَنَا عَمَّا وَجَدۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا ٱلۡكِبۡرِيَآءُ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا نَحۡنُ لَكُمَا بِمُؤۡمِنِينَ ٧٨
They said, "Have you come to us to turn us away from that upon which we found our fathers and so that you two may have grandeur in the land? And we are not believers in you."
صفحة ٢٥١
﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمّا وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ وما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ﴾
الكَلامُ عَلى جُمْلَةِ قالُوا أجِئْتَنا مِثْلُ الكَلامِ عَلى جُمْلَةِ قالَ مُوسى أتَقُولُونَ والِاسْتِفْهامُ في أجِئْتَنا بَنَوْا إنْكارَهم عَلى تَخْطِئَةِ مُوسى فِيما جاءَ بِهِ، وعَلى سُوءِ ظَنِّهِمْ بِهِ وبِهارُونَ في الغايَةِ الَّتِي يَتَطَلَّبانِها مِمّا جاءَ بِهِ مُوسى. وإنَّما واجَهُوا مُوسى بِالخِطابِ لِما تَقَدَّمَ مِن أنَّهُ الَّذِي باشَرَ الدَّعْوَةَ وأظْهَرَ المُعْجِزَةَ، ثُمَّ أشْرَكاهُ مَعَ أخِيهِ هارُونَ في سُوءِ ظَنِّهِمْ بِهِما في الغايَةِ مِن عَمَلِهِما.
وتَلْفِتَنا مُضارِعُ لَفَتَ مِن بابِ ضَرَبَ مُتَعَدِّيًا: إذا صَرَفَ وجْهَهُ عَنِ النَّظَرِ إلى شَيْءٍ مُقابِلٍ لِوَجْهِهِ. والفِعْلُ القاصِرُ مِنهُ لَيْسَ إلّا لِلْمُطاوَعَةِ. يُقالُ: التَفَتَ. وهو هُنا مُسْتَعْمَلٌ مَجازًا في التَّحْوِيلِ عَنِ العَمَلِ أوِ الِاعْتِقادِ إلى غَيْرِهِ تَحْوِيلًا لا يَبْقى بَعْدَهُ نَظَرٌ إلى ما كانَ يَنْظُرُهُ، فَأصْلُهُ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ ثُمَّ غَلَبَتْ حَتّى صارَتْ مُساوِيَةَ الحَقِيقَةِ.
وقَدْ جَمَعَتْ صِلَةُ ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا كُلَّ الأحْوالِ الَّتِي كانَ آباؤُهم مُتَلَبِّسِينَ بِها.
واخْتِيرَ التَّعْبِيرُ بِـ وجَدْنا لِما فِيهِ مِنَ الإشارَةِ إلى أنَّهم نَشَئُوا عَلَيْها وعَقَلُوها، وذَلِكَ مِمّا يُكْسِبُهم تَعَلُّقًا بِها، وأنَّها كانَتْ أحْوالَ آبائِهِمْ وذَلِكَ مِمّا يَزِيدُهم تَعَلُّقًا بِها تَبَعًا لِمَحَبَّةِ آبائِهِمْ لِأنَّ مَحَبَّةَ الشَّيْءِ تَقْتَضِي مَحَبَّةَ أحْوالِهِ ومُلابَساتِهِ.
وفِي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّها عِنْدَهم صَوابٌ وحَقٌّ لِأنَّهم قَدِ اقْتَدَوْا بِآبائِهِمْ كَما قالَ - تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلّا قالَ مُتْرَفُوها إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣] . وقالَ عَنْ قَوْمِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿قالُوا وجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٥٣] ﴿قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أنْتُمْ وآباؤُكم في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنبياء: ٥٤]، وقَدْ
صفحة ٢٥٢
جاءَهم مُوسى لِقَصْدِ لَفْتِهِمْ عَمّا وجَدُوا عَلَيْهِ آباءَهم فَكانَ ذَلِكَ مَحَلَّ الإنْكارِ عِنْدَهم لِأنَّ تَغْيِيرَ ذَلِكَ يَحْسَبُونَهُ إفْسادًا ﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ [الأعراف: ١٢٧]
والإتْيانُ بِحَرْفِ عَلى لِلدَّلالَةِ عَلى تَمَكُّنِ آبائِهِمْ مِن تِلْكَ الأحْوالِ ومُلازَمَتِهِمْ لَها.
وعَطْفُ ﴿وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ﴾ عَلى الفِعْلِ المُعَلَّلِ بِهِ، والمَعْطُوفُ هو العِلَّةُ في المَعْنى لِأنَّهم أرادُوا أنَّهم تَفَطَّنُوا لِغَرَضِ مُوسى وهارُونَ في مَجِيئِهِما إلَيْهِمْ بِما جاءُوا بِهِ، أيْ أنَّهُما يُحاوِلانِ نَفْعًا لِأنْفُسِهِما لا صَلاحًا لِلْمَدْعُوِّينَ، وذَلِكَ النَّفْعُ هو الِاسْتِحْواذُ عَلى سِيادَةِ مِصْرَ بِالحِيلَةِ.
والكِبْرِياءُ: العَظَمَةُ وإظْهارُ التَّفَوُّقِ عَلى النّاسِ.
والأرْضُ: هي المَعْهُودَةُ بَيْنَهم، وهي أرْضُ مِصْرَ، كَقَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكُمْ﴾ [الأعراف: ١١٠] . ولَمّا كانُوا ظَنُّوا تَطَلُّبَهُما لِلسِّيادَةِ أتَوْا في خِطابِ مُوسى بِضَمِيرِ المُثَنّى المُخاطَبِ لِأنَّ هارُونَ كانَ حاضِرًا فالتَفَتُوا عَنْ خِطابِ الواحِدِ إلى خِطابِ الِاثْنَيْنِ. وإنَّما شَرَّكُوا هارُونَ في هَذا الظَّنِّ مِن حَيْثُ إنَّهُ جاءَ مَعَ مُوسى ولَمْ يُباشِرِ الدَّعْوَةَ فَظَنُّوا أنَّهُ جاءَ مَعَهُ لِيَنالَ مِن سِيادَةِ أخِيهِ حَظًّا لِنَفْسِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿وما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ أجِئْتَنا. وهي في قُوَّةِ النَّتِيجَةِ لِتِلْكَ الجُمْلَةِ بِما مَعَها مِنَ العِلَّةِ، أيْ لَمّا تَبَيَّنَ مَقْصِدُكُما فَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ.
وتَقْدِيمُ لَكُما عَلى مُتَعَلِّقِهِ لِأنَّ المُخاطَبَيْنِ هُما الأهَمُّ مِن جُمْلَةِ النَّفْيِ لِأنَّ انْتِفاءَ إيمانِهِمْ في زَعْمِهِمْ كانَ لِأجَلِ مُوسى وهارُونَ إذْ تَوَهَّمُوهُما مُتَطَلِّبَيْ نَفْعٍ لِأنْفُسِهِما.
فالمُرادُ مِن ضَمِيرِ التَّثْنِيَةِ ذاتاهُما بِاعْتِبارِ ما انْطَوَيا عَلَيْهِ مِن قَصْدِ إبْطالِ دِينِ آباءِ القِبْطِ والِاسْتِيلاءِ عَلى سِيادَةِ بِلادِهِمْ.
وصِيغَتْ جُمْلَةُ ﴿وما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ﴾ اسْمِيَّةً دُونَ أنْ يَقُولُوا وما نُؤْمِنُ لَكُما لِإفادَةِ الثَّباتِ والدَّوامِ وأنَّ انْتِفاءَ إيمانُهم بِهِما مُتَقَرِّرٌ مُتَمَكِّنٌ لا طَماعِيَةَ لِأحَدٍ في ضِدِّهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences