Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Yunus 10:9–11
10:9–10Page 209
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ يَهۡدِيهِمۡ رَبُّهُم بِإِيمَٰنِهِمۡۖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمُ ٱلۡأَنۡهَٰرُ فِي جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ ٩
Indeed, those who have believed and done righteous deeds - their Lord will guide them because of their faith. Beneath them rivers will flow in the Gardens of Pleasure.
دَعۡوَىٰهُمۡ فِيهَا سُبۡحَٰنَكَ ٱللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمۡ فِيهَا سَلَٰمٞۚ وَءَاخِرُ دَعۡوَىٰهُمۡ أَنِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٠
Their call therein will be, "Exalted are You, O Allāh," and their greeting therein will be, "Peace." And the last of their call will be, "Praise to Allāh, Lord of the worlds!"
صفحة ١٠١
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ في جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ ﴿دَعْواهم فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾
جاءَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِتَكُونَ أحْوالُ المُؤْمِنِينَ مُسْتَقِلَّةً بِالذِّكْرِ غَيْرَ تابِعَةٍ في اللَّفْظِ لِأحْوالِ الكافِرِينَ، وهَذا مِن طُرُقِ الِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ. ومُناسَبَةُ ذِكْرِها مُقابَلَةُ أحْوالِ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِلِقاءِ اللَّهِ بِأضْدادِها تَنْوِيهًا بِأهْلِها وإغاظَةً لِلْكافِرِينَ.
وتَعْرِيفُ المُسْنَدِ إلَيْهِ بِالمَوْصُولِيَّةِ هُنا دُونَ اللّامِ لِلْإيماءِ بِالمَوْصُولِ إلى عِلَّةِ بِناءِ الخَبَرِ وهي أنَّ إيمانَهم وعَمَلَهم هو سَبَبُ حُصُولِ مَضْمُونِ الخَبَرِ لَهم.
والهِدايَةُ: الإرْشادُ عَلى المَقْصِدِ النّافِعِ والدَّلالَةُ عَلَيْهِ. فَمَعْنى ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ﴾ يُرْشِدُهم إلى ما فِيهِ خَيْرُهم. والمَقْصُودُ الإرْشادُ التَّكْوِينِيُّ، أيْ يَخْلُقُ في نُفُوسِهِمُ المَعْرِفَةَ بِالأعْمالِ النّافِعَةِ وتَسْهِيلَ الإكْثارِ مِنها. وأمّا الإرْشادُ الَّذِي هو الدَّلالَةُ بِالقَوْلِ والتَّعْلِيمِ فاللَّهُ يُخاطِبُ بِهِ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ.
والباءُ في (بِإيمانِهِمْ) لِلسَّبَبِيَّةِ، بِحَيْثُ إنَّ الإيمانَ يَكُونُ سَبَبًا في مَضْمُونِ الخَبَرِ وهو الهِدايَةُ فَتَكُونُ الباءُ لِتَأْكِيدِ السَّبَبِيَّةِ المُسْتَفادَةِ مِنَ التَّعْرِيفِ بِالمَوْصُولِيَّةِ نَظِيرَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ [يونس: ٧] إلى ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يونس: ٨] في تَكْوِينِ هِدايَتِهِمْ إلى الخَيْراتِ بِجَعْلِ اللَّهِ تَعالى، بِأنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْإيمانِ نُورًا يُوضَعُ في عَقْلِ المُؤْمِنِ ولِذَلِكَ النُّورِ أشِعَّةٌ نُورانِيَّةٌ تَتَّصِلُ بَيْنَ نَفْسِ المُؤْمِنِ وبَيْنَ عَوالِمِ القُدْسِ فَتَكُونُ سَبَبًا مِغْناطِيسِيًّا لِانْفِعالِ النَّفْسِ بِالتَّوَجُّهِ إلى الخَيْرِ والكَمالِ لا يَزالُ يَزْدادُ يَوْمًا فَيَوْمًا، ولِذَلِكَ يَقْتَرِبُ مِنَ الإدْراكِ الصَّحِيحِ المَحْفُوظِ مِنَ الضَّلالِ بِمِقْدارِ مَراتِبِ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ. وفي الحَدِيثِ: «قَدْ يَكُونُ في الأُمَمِ مُحَدَّثُونَ فَإنْ يَكُ في أُمَّتِي أحَدٌ فَعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ» . قالَ ابْنُ وهْبٍ: تَفْسِيرُ (مُحَدَّثُونَ) مُلْهَمُونَ
صفحة ١٠٢
الصَّوابَ، وفي الحَدِيثِ: «اتَّقُوا فِراسَةَ المُؤْمِنِ فَإنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ» . ولِأجْلِ هَذا النُّورِ كانَ أصْحابُ النَّبِيءِ ﷺ أكْمَلَ النّاسِ إيمانًا لِأنَّهم لَمّا تَلَقَّوُا الإيمانَ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ كانَتْ أنْوارُهُ السّارِيَةُ في نُفُوسِهِمْ أقْوى وأوْسَعَ.
وفِي العُدُولِ عَنِ اسْمِ الجَلالَةِ العَلَمِ إلى وصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ مُضافًا إلى ضَمِيرِ (الَّذِينَ آمَنُوا) تَنْوِيهٌ بِشَأْنِ المُؤْمِنِينَ وشَأْنِ هِدايَتِهِمْ بِأنَّها جَعْلُ مَوْلًى لِأوْلِيائِهِ فَشَأْنُها أنْ تَكُونَ عَطِيَّةً كامِلَةً مَشُوبَةً بِرَحْمَةٍ وكَرامَةٍ.
والإتْيانُ بِالمُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ هَذِهِ الهِدايَةَ لا تَزالُ مُتَكَرِّرَةً مُتَجَدِّدَةً.
وفِي هَذِهِ الجُمْلَةِ ذِكْرُ تَهَيُّؤِ نُفُوسِهِمْ في الدُّنْيا لِعُرُوجِ مَراتِبِ الكَمالِ.
وجُمْلَةُ ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ في جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ خَبَرٌ ثانٍ لِذِكْرِ ما يَحْصُلُ لَهم مِنَ النَّعِيمِ في الآخِرَةِ بِسَبَبِ هِدايَتِهِمُ الحاصِلَةِ لَهم في الدُّنْيا. وتَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِ (تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ) في سُورَةِ البَقَرَةِ. والمُرادُ مِن تَحْتِ مَنازِلِهِمْ. والجَنّاتُ تَقَدَّمَ. والنَّعِيمُ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿لَهم فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة: ٢١] في سُورَةِ (بَراءَةٌ) .
وجُمْلَةُ ﴿دَعْواهم فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ﴾ وما عُطِفَ عَلَيْها أحْوالٌ مِن ضَمِيرِ (الَّذِينَ آمَنُوا)
والدَّعْوى: هُنا الدُّعاءُ. يُقالُ: دَعْوَةٌ بِالهاءِ، ودَعْوى بِألِفِ التَّأْنِيثِ.
و(سُبْحانَ): مَصْدَرٌ بِمَعْنى التَّسْبِيحِ، أيِ التَّنْزِيهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا﴾ [البقرة: ٣٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
و(اللَّهُمَّ) نِداءٌ لِلَّهِ تَعالى، فَيَكُونُ إطْلاقُ الدُّعاءِ عَلى هَذا التَّسْبِيحِ مِن أجْلِ أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ خِطابُ اللَّهِ لِإنْشاءِ تَنْزِيهِهِ، فالدُّعاءُ فِيهِ بِالمَعْنى اللُّغَوِيِّ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ تَسْمِيَةُ هَذا التَّسْبِيحِ دُعاءً مِن حَيْثُ إنَّهُ ثَناءٌ مَسُوقٌ لِلتَّعَرُّضِ إلى إفاضَةِ الرَّحَماتِ والنَّعِيمِ، كَما قالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ:
صفحة ١٠٣
إذا أثْنى عَلَيْكَ المَرْءُ يَوْمًا كَفاهُ عَنْ تَعَرُّضِهِ الثَّناءُ
واعْلَمْ أنَّ الِاقْتِصارَ عَلى كَوْنِ دَعْواهم فِيها كَلِمَةَ (سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ) يُشْعِرُ بِأنَّهم لا دَعْوى لَهم في الجَنَّةِ غَيْرَ ذَلِكَ القَوْلِ؛ لِأنَّ الِاقْتِصارَ في مَقامِ البَيانِ يُشْعِرُ بِالقَصْرِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ هو مِن طُرُقِ القَصْرِ لَكِنَّهُ يُسْتَفادُ مِنَ المَقامِ، ولَكِنَّ قَوْلَهُ: ﴿وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ يُفِيدُ أنَّ هَذا التَّحْمِيدَ مِن دَعْواهم، فَتَحْصُلُ مِن ذَلِكَ أنَّ لَهم دَعْوى وخاتِمَةَ دَعْوى.
ووَجْهُ ذِكْرِ هَذا في عَدَدِ أحْوالِهِمْ أنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ ما هم فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ هو غاياتُ الرّاغِبِينَ بِحَيْثُ إنْ أرادُوا أنْ يَنْعَمُوا بِمَقامِ دُعاءِ رَبِّهِمُ الَّذِي هو مَقامُ القُرْبِ لَمْ يَجِدُوا أنْفُسَهم مُشْتاقِينَ لِشَيْءٍ يَسْألُونَهُ فاعْتاضُوا عَنِ السُّؤالِ بِالثَّناءِ عَلى رَبِّهِمْ فَأُلْهِمُوا إلى التِزامِ التَّسْبِيحِ لِأنَّهُ أدَلُّ لَفْظٍ عَلى التَّمْجِيدِ والتَّنْزِيهِ، فَهو جامِعٌ لِلْعِبارَةِ عَنِ الكَمالاتِ.
والتَّحِيَّةُ: اسْمُ جِنْسٍ لِما يُفاتَحُ بِهِ عِنْدَ اللِّقاءِ مِن كَلِماتِ التَّكْرِمَةِ. وأصْلُها مُشْتَقَّةٌ مِن مَصْدَرِ (حَيّاهُ) إذا قالَ لَهُ عِنْدَ اللِّقاءِ أحْياكَ اللَّهُ. ثُمَّ غَلَبَتْ في كُلِّ لَفْظٍ يُقالُ عِنْدَ اللِّقاءِ، كَما غَلَبَ لَفْظُ السَّلامِ، فَيَشْمَلُ: نَحْوَ (حَيّاكَ اللَّهُ)، و(عِمْ صَباحًا)، و(عِمْ مَساءً) و(صَبَّحَكَ اللَّهُ بِخَيْرٍ)، و(بِتْ بِخَيْرٍ) . وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها﴾ [النساء: ٨٦] في سُورَةِ النِّساءِ.
ولِهَذا أخْبَرَ عَنْ تَحِيَّتِهِمْ بِأنَّها سَلامٌ، أيْ لَفْظُ سَلامٍ، إخْبارًا عَنِ الجِنْسِ بِفَرْدٍ مِن أفْرادِهِ، أيْ جَعَلَ اللَّهُ لَهم لَفْظَ السَّلامِ تَحِيَّةً لَهم.
والظّاهِرُ أنَّ التَّحِيَّةَ بَيْنَهم هي كَلِمَةُ (سَلامٍ)، وأنَّها مَحْكِيَّةٌ هُنا بِلَفْظِها دُونَ لَفْظِ (السَّلامُ عَلَيْكم) أوْ (سَلامٌ عَلَيْكم)؛ لِأنَّهُ لَوْ أُرِيدَ ذَلِكَ لَقِيلَ وتَحِيَّتُهم فِيها السَّلامُ بِالتَّعْرِيفِ لِيَتَبادَرَ مِنَ التَّعْرِيفِ أنَّهُ السَّلامُ المَعْرُوفُ في الإسْلامِ، وهو كَلِمَةُ (السَّلامُ عَلَيْكم) . وكَذَلِكَ سَلامُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِهَذا اللَّفْظِ قالَ - تَعالى -: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] وأمّا قَوْلُهُ: ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ﴾ [الرعد: ٢٣] فَهو تَلَطُّفٌ مَعَهم بِتَحِيَّتِهِمُ الَّتِي جاءَهم بِها الإسْلامُ.
صفحة ١٠٤
ونُكْتَةُ حَذْفِ كَلِمَةِ (عَلَيْكم) في سَلامِ أهْلِ الجَنَّةِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ أنَّ التَّحِيَّةَ بَيْنَهم مُجَرَّدُ إيناسٍ وتَكْرِمَةٍ فَكانَتْ أشْبَهَ بِالخَيْرِ والشُّكْرِ مِنها بِالدُّعاءِ والتَّأْمِينِ كَأنَّهم يَغْتَبِطُونَ بِالسَّلامَةِ الكامِلَةِ الَّتِي هم فِيها في الجَنَّةِ فَتَنْطَلِقُ ألْسِنَتُهم عِنْدَ اللِّقاءِ مُعَبِّرَةً عَمّا في ضَمائِرِهِمْ، بِخِلافِ تَحِيَّةِ أهْلِ الدُّنْيا فَإنَّها تَقَعُ كَثِيرًا بَيْنَ المُتَلاقِينَ الَّذِينَ لا يَعْرِفُ بَعْضُهم بَعْضًا فَكانَتْ فِيها بَقِيَّةٌ مِنَ المَعْنى الَّذِي أحْدَثَ البَشَرُ لِأجْلِهِ السَّلامَ، وهو مَعْنى تَأْمِينِ المُلاقِي مِنَ الشَّرِّ المُتَوَقَّعِ مِن بَيْنِ كَثِيرٍ مِنَ المُتَناكِرِينَ. ولِذَلِكَ كانَ اللَّفْظُ الشّائِعُ هو لَفْظُ (السَّلامِ) الَّذِي هو الأمانُ، فَكانَ مِنَ المُناسِبِ التَّصْرِيحُ بِأنَّ الأمانَ عَلى المُخاطَبِ تَحْقِيقًا لِمَعْنى تَسْكِينِ رَوْعِهِ، وذَلِكَ شَأْنٌ قَدِيمٌ أنَّ الَّذِي يُضْمِرُ شَرًّا لِمُلاقِيهِ لا يُفاتِحُهُ بِالسَّلامِ، ولِذَلِكَ جُعِلَ السَّلامُ شِعارَ المُسْلِمِينَ عِنْدَ اللِّقاءِ تَعْمِيمًا لِلْأمْنِ بَيْنَ الأُمَّةِ الَّذِي هو مِن آثارِ الأُخُوَّةِ الإسْلامِيَّةِ. وكَذَلِكَ شَأْنُ القِرى في الحَضارَةِ القَدِيمَةِ فَإنَّ الطّارِقَ إذا كانَ طارِقَ شَرٍّ أوْ حَرْبٍ يَمْتَنِعُ عَنْ قَبُولِ القِرى، كَما حَكى اللَّهُ - تَعالى - عَنْ إبْراهِيمَ ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً﴾ [هود: ٧٠]
وفِيهِ تَنْوِيهٌ بِشَأْنِ هَذا اللَّفْظِ الَّذِي هو شِعارُ المُسْلِمِينَ عِنْدَ مُلاقاتِهِمْ لِما فِيهِ مِنَ المَعانِي الجامِعَةِ لِلْإكْرامِ، إذْ هو دُعاءٌ بِالسَّلامَةِ مِن كُلِّ ما يُكَدِّرُ، فَهو أبْلَغُ مِن أحْياكَ اللَّهُ لِأنَّهُ دُعاءٌ بِالحَياةِ وقَدْ لا تَكُونُ طَيِّبَةً، والسَّلامُ يَجْمَعُ الحَياةَ والصَّفاءَ مِنَ الأكْدارِ العارِضَةِ فِيها.
وإضافَةُ التَّحِيَّةِ إلى ضَمِيرِ (هم) مَعْناها التَّحِيَّةُ الَّتِي تَصْدُرُ مِنهم، أيْ مِن بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ.
ووَجْهُ ذِكْرِ تَحِيَّتِهِمْ في هَذِهِ الآيَةِ الإشارَةُ إلى أنَّهم في أُنْسٍ وحُبُورٍ، وذَلِكَ مِن أعْظَمِ لَذّاتِ النَّفْسِ.
وجُمْلَةُ (وآخِرُ دَعْواهم) بَقِيَّةُ الجُمَلِ الحالِيَّةِ. وجُعِلَ حَمْدُ اللَّهِ مِن دُعائِهِمْ كَما اقْتَضَتْهُ (أنِ) التَّفْسِيرِيَّةُ المُفَسَّرَةُ بِهِ ”آخِرُ دَعْواهم“ لِأنَّ في ”دَعْواهم“ مَعْنى القَوْلِ إذْ جُعِلَ آخِرَ أقْوالٍ.
ومَعْنى آخِرُ دَعْواهم أنَّهم يَخْتِمُونَ بِهِ دُعاءَهم فَهم يُكَرِّرُونَ سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ فَإذا أرادُوا الِانْتِقالَ إلى حالَةٍ أُخْرى مِن أحْوالِ النَّعِيمِ نَهَّوْا دُعاءَهم بِجُمْلَةِ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾
صفحة ١٠٥
وسِياقُ الكَلامِ وتَرْتِيبُهُ مُشْعِرٌ بِأنَّهم يَدْعُونَ مُجْتَمِعِينَ، ولِذَلِكَ قُرِنَ ذِكْرُ دُعائِهِمْ بِذِكْرِ تَحِيَّتِهِمْ، فَلَعَلَّهم إذا تَراءَوُا ابْتَدَرُوا إلى الدُّعاءِ بِالتَّسْبِيحِ فَإذا اقْتَرَبَ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ سَلَّمَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ. ثُمَّ إذا رامُوا الِافْتِراقَ خَتَمُوا دُعاءَهم بِالحَمْدِ، فَأنْ تَفْسِيرِيَّةٌ لِآخِرِ دَعْواهم، وهي مُؤْذِنَةٌ بِأنَّ آخِرَ الدُّعاءِ هو نَفْسُ الكَلِمَةِ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]
وقَدْ دَلَّ عَلى فَضْلِ هاتَيْنِ الكَلِمَتَيْنِ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ «كَلِمَتانِ حَبِيبَتانِ إلى الرَّحْمَنِ خَفِيفَتانِ عَلى اللِّسانِ ثَقِيلَتانِ في المِيزانِ: سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ، سُبْحانَ اللَّهِ العَظِيمِ» .
10:11Page 209
۞ وَلَوۡ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ ٱسۡتِعۡجَالَهُم بِٱلۡخَيۡرِ لَقُضِيَ إِلَيۡهِمۡ أَجَلُهُمۡۖ فَنَذَرُ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ ١١
And if Allāh was to hasten for the people the evil [they invoke]1 as He hastens for them the good, their term would have been ended for them.2 But We leave the ones who do not expect the meeting with Us, in their transgression, wandering blindly.
﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ لَقُضِيَ إلَيْهِمُ أجَلُهم فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾
مَجِيءُ حَرْفِ العَطْفِ في صَدْرِ هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي في عِلْمِ البَلاغَةِ خُصُوصِيَّةً لِعَطْفِها عَلى ما قَبْلَها ومَزِيدَ اتِّصالِها بِما قَبْلَها فَتَعَيَّنَ إيضاحُ مُناسَبَةِ مَوْقِعِها. والظّاهِرُ أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا مِن غُرُورِهِمْ يَحْسَبُونَ تَصَرُّفاتِ اللَّهِ كَتَصَرُّفاتِ النّاسِ مِنَ الِانْدِفاعِ إلى الِانْتِقامِ عِنْدَ الغَضَبِ انْدِفاعًا سَرِيعًا، ويَحْسَبُونَ الرُّسُلَ مَبْعُوثِينَ لِإظْهارِ الخَوارِقِ ونِكايَةِ المُعارِضِينَ لَهم، ويُسَوُّونَ بَيْنَهم وبَيْنَ المُشَعْوِذِينَ والمُتَحَدِّينَ بِالبُطُولَةِ والعَجائِبِ، فَكانُوا لَمّا كَذَّبُوا النَّبِيءَ ﷺ ورَكِبُوا رُءُوسَهم ولَمْ تُصِبْهم بِأثَرِ ذَلِكَ مَصائِبُ مِن عَذابٍ شامِلٍ أوْ مُوتانٍ عامٍّ ازْدادُوا غُرُورًا بِباطِلِهِمْ وإحالَةً لِكَوْنِ الرَّسُولِ ﷺ مُرْسَلًا مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى. وقَدْ دَلَّتْ آياتٌ كَثِيرَةٌ مِنَ القُرْآنِ عَلى هَذا كَقَوْلِهِ: ﴿وإذْ قالُوا اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] وقَوْلِهِ: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ [العنكبوت: ٥٤] وقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أصْحابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ [الذاريات: ٥٩] وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ في سُورَةِ الأنْعامِ وفي سُورَةِ الأنْفالِ.
صفحة ١٠٦
وكانَ المُؤْمِنُونَ رُبَّما تَمَنَّوْا نُزُولَ العَذابِ بِالمُشْرِكِينَ واسْتَبْطَئُوا مَجِيءَ النَّصْرِ لِلنَّبِيءِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وأصْحابِهِ كَما جاءَ في الحَدِيثِ: «أنَّ المُسْلِمِينَ قالُوا: ألا تَسْتَنْصِرُ» . ورُبَّما عَجِبَ بَعْضُهم مِن أنْ يَرْزُقَ اللَّهُ المُشْرِكِينَ وهم يَكْفُرُونَ بِهِ. فَلَمّا جاءَتْ آياتُ هَذِهِ السُّورَةِ بِقَوارِعِ التَّهْدِيدِ لِلْمُشْرِكِينَ أُعْقِبَتْ بِما يُزِيلُ شُبُهاتِهِمْ ويُطَمْئِنُ نُفُوسَ المُؤْمِنِينَ بِما يَجْمَعُهُ قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ لَقُضِيَ إلَيْهِمُ أجَلُهُمْ﴾
وهُوَ إجْمالٌ يُنْبِئُ بِأنَّ اللَّهَ جَعَلَ نِظامَ هَذا العالَمِ عَلى الرِّفْقِ بِالمَخْلُوقاتِ واسْتِبْقاءِ الأنْواعِ إلى آجالٍ أرادَها، وجَعَلَ لِهَذا البَقاءِ وسائِلَ الإمْدادِ بِالنِّعَمِ الَّتِي بِها دَوامُ الحَياةِ، فالخَيْراتُ المُفاضَةُ عَلى المَخْلُوقاتِ في هَذا العالَمِ كَثِيرَةٌ، والشُّرُورُ العارِضَةُ نادِرَةٌ ومُعْظَمُها مُسَبَّبٌ عَنْ أسْبابٍ مَجْعُولَةٍ في نِظامِ الكَوْنِ وتَصَرُّفاتِ أهْلِهِ، ومِنها ما يَأْتِي عَلى خِلافِ العادَةِ عِنْدَ مَحَلِّ آجالِهِ الَّتِي قَدَّرَها اللَّهُ - تَعالى - بِقَوْلِهِ: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ﴾ [يونس: ٤٩] وقَوْلِهِ: ﴿لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ﴾ [الرعد: ٣٨]
فَهَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ [يونس: ٧] الآيَةَ، فَحَيْثُ ذُكِرَ عَذابُهُمُ الَّذِي هم آيِلُونَ إلَيْهِ ناسَبَ أنْ يُبَيِّنَ لَهم سَبَبَ تَأْخِيرِ العَذابِ عَنْهم في الدُّنْيا لِتُكْشَفَ شُبْهَةُ غُرُورِهِمْ ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ آمَنُوا حِكْمَةً مِن حِكَمِ تَصَرُّفِ اللَّهِ في هَذا الكَوْنِ. والقَرِينَةُ عَلى اتِّصالِ هَذِهِ الجُمْلَةِ بِجُمْلَةِ ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ [يونس: ٧] قَوْلُهُ في آخِرِ هَذِهِ ﴿فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾
فَبَيَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ أنَّ الرِّفْقَ جَعَلَهُ اللَّهُ مُسْتَمِرًّا عَلى عِبادِهِ غَيْرَ مُنْقَطِعٍ عَنْهم لِأنَّهُ أقامَ عَلَيْهِ نِظامَ العالَمِ إذْ أرادَ ثَباتَ بِنائِهِ، وأنَّهُ لَمْ يُقَدِّرْ تَوازِيَ الشَّرِّ في هَذا العالَمِ بِالخَيْرِ لُطْفًا مِنهُ ورِفْقًا، فاللَّهُ لِطَيْفٌ بِعِبادِهِ، وفي ذَلِكَ مِنَّةٌ عَظِيمَةٌ عَلَيْهِمْ، وأنَّ الَّذِينَ يَسْتَحِقُّونَ الشَّرَّ لَوْ عُجِّلَ لَهم ما اسْتَحَقُّوهُ لَبَطَلَ النِّظامُ الَّذِي وُضِعَ عَلَيْهِ العالَمُ.
والنّاسُ: اسْمٌ عامٌّ لِجَمِيعِ النّاسِ، ولَكِنْ لَمّا كانَ الكَلامُ عَلى إبْطالِ شُبْهَةِ المُشْرِكِينَ وكانُوا المُسْتَحِقِّينَ لِلشَّرِّ كانُوا أوَّلَ مَن يَتَبادَرُ مِن عُمُومِ النّاسِ، كَما زادَهُ تَصْرِيحًا قَوْلُهُ: ﴿فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾
صفحة ١٠٧
وقَدْ جاءَ نَظْمُ الآيَةِ عَلى إيجازٍ مُحْكَمٍ بَدِيعٍ، فَذُكِرَ في جانِبِ الشَّرِّ ﴿يُعَجِّلُ﴾ الدّالُّ عَلى أصْلِ جِنْسِ التَّعْجِيلِ ولَوْ بِأقَلِّ ما يَتَحَقَّقُ فِيهِ مَعْناهُ، وعُبِّرَ عَنْ تَعْجِيلِ اللَّهِ الخَيْرَ لَهم بِلَفْظِ ﴿اسْتِعْجالَهُمْ﴾ الدّالِّ عَلى المُبالَغَةِ في التَّعْجِيلِ بِما تُفِيدُهُ زِيادَةُ السِّينِ والتّاءِ لِغَيْرِ الطَّلَبِ إذْ لا يَظْهَرُ الطَّلَبُ هُنا، وهو نَحْوُ قَوْلِهِمُ: اسْتَأْخَرَ واسْتَقْدَمَ واسْتَجْلَبَ واسْتَقامَ واسْتَبانَ واسْتَجابَ واسْتَمْتَعَ واسْتَكْبَرَ واسْتَخْفى وقَوْلِهِ - تَعالى:﴿واسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ﴾ [نوح: ٧] . ومَعْناهُ: تَعَجُّلَهُمُ الخَيْرَ، كَما حَمَلَهُ عَلَيْهِ في الكَشّافِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ تَعْجِيلَ الخَيْرِ مِن لَدُنْهِ.
فَلَيْسَ الِاسْتِعْجالُ هُنا بِمَعْنى طَلَبِ التَّعْجِيلِ لِأنَّ المُشْرِكِينَ لَمْ يَسْألُوا تَعْجِيلَ الخَيْرِ ولا سَألُوهُ فَحَصَلَ، بَلْ هو بِمَعْنى التَّعَجُّلِ الكَثِيرِ، كَما في قَوْلِ سُلْمِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ:
وإذا العَذارى بِالدُّخانِ تَقَنَّعَتْ واسْتَعْجَلَتْ نَصْبَ القُدُورِ فَمَلَّتِ
(أيْ تَعَجَّلَتْ)، وهو في هَذا الِاسْتِعْمالِ مِثْلُهُ في الِاسْتِعْمالِ الآخَرِ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ، كَما في البَيْتِ وكَما في الحَدِيثِ «فاسْتَعْجَلَ المَوْتَ»
وانْتَصَبَ ﴿اسْتِعْجالَهُمْ﴾ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ المُفِيدَةِ لِلتَّشْبِيهِ، والعامِلُ فِيهِ ”يُعَجِّلُ“، والمَعْنى: ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرِّ كَما يُعَجِّلُ لَهُمُ الخَيْرَ كَثِيرًا، فَقَوْلُهُ: ﴿اسْتِعْجالَهُمْ﴾ مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى مَفْعُولِهِ لا إلى فاعِلِهِ، وفاعِلُ الِاسْتِعْجالِ هو اللَّهُ - تَعالى - كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ﴾
والباءُ في قَوْلِهِ: ﴿بِالخَيْرِ﴾ لِتَأْكِيدِ اللُّصُوقِ، كالَّتِي في قَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] . وأصْلُهُ: اسْتِعْجالَهُمُ الخَيْرَ، فَدَلَّتِ المُبالَغَةُ بِالسِّينِ والتّاءِ وتَأْكِيدُ اللُّصُوقِ عَلى الِامْتِنانِ بِأنَّ الخَيْرَ لَهم كَثِيرٌ ومَكِينٌ. وقَدْ كَثُرَ اقْتِرانُ مَفْعُولِ فِعْلِ الِاسْتِعْجالِ بِهَذِهِ الباءِ ولَمْ يُنَبِّهُوا عَلَيْهِ في مَواقِعِهِ المُتَعَدِّدَةِ. وسَيَجِيءُ في النَّحْلِ.
وقَدْ جُعِلَ جَوابُ لَوْ قَوْلَهُ: ﴿لَقُضِيَ إلَيْهِمُ أجَلُهُمْ﴾، وشَأْنُ جَوابِ لَوْ أنْ يَكُونَ في حَيِّزِ الِامْتِناعِ، أيْ وذَلِكَ مُمْتَنِعٌ لِأنَّ اللَّهَ قَدَّرَ لِآجالِ انْقِراضِهِمْ مِيقاتًا مُعَيَّنًا ﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها وما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ [الحجر: ٥]
صفحة ١٠٨
والقَضاءُ: التَّقْدِيرُ.
والأجَلُ: المُدَّةُ المُعَيَّنَةُ لِبَقاءِ قَوْمٍ. والمَعْنى: لَقُضِيَ إلَيْهِمْ حُلُولُ أجَلِهِمْ. ولَمّا ضُمِّنَ قُضِيَ مَعْنى بَلَغَ ووَصَلَ عُدِّيَ بِـ إلى. فَهَذا وجْهُ تَفْسِيرِ الآيَةِ وسِرُّ نَظْمِها ولا يُلْتَفَتُ إلى غَيْرِهِ في فَهْمِها. وهَذا المَعْنى مِثْلُ مَعْنى ﴿قُلْ لَوْ أنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الأمْرُ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٥٨] في سُورَةِ الأنْعامِ.
وجُمْلَةُ ﴿فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ إلَخْ مُفَرَّعَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ﴾ إلى آخِرِها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لَقُضِيَ﴾ بِالبِناءِ لِلنّائِبِ ورُفِعَ ﴿أجَلُهُمْ﴾ عَلى أنَّهُ نائِبُ الفاعِلِ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ بِفَتْحِ القافِ والضّادِ ونَصْبِ ﴿أجَلُهُمْ﴾ عَلى أنَّ في قَضى ضَمِيرًا عائِدًا إلى اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ﴾ إلَخْ.
وجُمْلَةُ ﴿فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ مُفَرَّعَةٌ عَلى جُمْلَةِ لَوْ وجَوابِها المُفِيدَةِ انْتِفاءَ أنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ بِانْتِفاءِ لازِمِهِ وهو بُلُوغُ أجَلِهِمْ إلَيْهِمْ، أيْ فَإذا انْتَفى التَّعْجِيلُ فَنَحْنُ نَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا يَعْمَهُونَ، أيْ نَتْرُكُهم في مُدَّةِ تَأْخِيرِ العَذابِ عَنْهم مُتَلَبِّسِينَ بِطُغْيانِهِمْ، أيْ فَرْطِ تَكَبُّرِهِمْ وتَعاظُمِهِمْ.
والعَمَهُ: عَدَمُ البَصَرِ.
وإنَّما لَمْ يُنْصَبِ الفِعْلُ بَعْدَ الفاءِ لِأنَّ النَّصْبَ يَكُونُ في جَوابِ النَّفْيِ المَحْضِ، وأمّا النَّفْيُ المُسْتَفادُ مِن لَوْ فَحاصِلٌ بِالتَّضَمُّنِ، ولِأنَّ شَأْنَ جَوابِ النَّفْيِ أنْ يَكُونَ مُسَبَّبًا عَلى المَنفِيِّ لا عَلى النَّفْيِ، والتَّفْرِيعُ هُنا عَلى مُسْتَفادٍ مِنَ النَّفْيِ. وأمّا المَنفِيُّ فَهو تَعْجِيلُ الشَّرِّ فَهو لا يُسَبِّبُ أنْ يَتْرُكَ الكافِرِينَ يَعْمَهُونَ، وبِذَلِكَ تَعْرِفُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَنَذَرُ﴾ لَيْسَ مَعْطُوفًا عَلى كَلامٍ مُقَدَّرٍ وإنَّما التَّقْدِيرُ تَقْدِيرُ مَعْنًى لا تَقْدِيرُ إعْرابٍ، أيْ فَنَتْرُكُ المُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ في ضَلالِهِمُ اسْتِدْراجًا لَهم.
وقَوْلُهُ: ﴿فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿ويَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: ١٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والطُّغْيانُ: الكُفْرُ.
صفحة ١٠٩
والإتْيانُ بِالمَوْصُولِيَّةِ في تَعْرِيفِ الكافِرِينَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الطُّغْيانَ أشَدُّهُ إنْكارُهُمُ البَعْثَ، ولِأنَّهُ صارَ كالعَلّامَةِ عَلَيْهِمْ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences