Ibn 'AshurYunus · 10:87–90

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Yunus 10:87–90

10:87Page 218

وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوۡمِكُمَا بِمِصۡرَ بُيُوتٗا وَٱجۡعَلُواْ بُيُوتَكُمۡ قِبۡلَةٗ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٨٧

And We inspired to Moses and his brother, "Settle your people in Egypt in houses and make your houses [facing the] qiblah1 and establish prayer and give good tidings to the believers."

﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى وأخِيهِ أنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بِيُوتًا واجْعَلُوا بِيُوتَكم قِبْلَةً وأقِيمُوا الصَّلاةَ وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾

يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿وقالَ مُوسى يا قَوْمِ﴾ [يونس: ٨٤]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفَ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ، أيْ عَلى مَجْمُوعِ الكَلامِ السّابِقِ؛ لِأنَّ مَجْمُوعَ قَصَصَهِ هي حِكايَةُ أطْوارٍ لِقِصَّةِ مُوسى وقَوْمِهِ.

ووَقَعَ الوَحْيُ بِهَذا الأمْرِ إلى مُوسى وهارُونَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - لِأنَّهُ مِنَ الأعْمالِ الرّاجِعَةِ إلى تَدْبِيرِ أمْرِ الأُمَّةِ، فَيُمْكِنُ الِاشْتِراكُ فِيها بَيْنَ الرَّسُولِ ومُؤازِرِهِ.

والتَّبَوُّءُ: اتِّخاذُ مَكانٍ يَسْكُنُهُ، وهو تَفَعُّلٌ مِنَ البَوْءِ، أيِ الرُّجُوعِ، كَأنَّ صاحِبَ المَسْكَنِ يُكَلِّفُ نَفْسَهُ الرُّجُوعَ إلى مَحَلِّ سَكَنِهِ ولَوْ كانَ تَباعَدَ عَنْهُ في شُئُونِ اكْتِسابِهِ بِالسَّيْرِ إلى السُّوقِ أوِ الصَّيْدِ أوِ الِاحْتِطابِ أوْ قَطْفِ الثِّمارِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وتَقَدَّمَ

صفحة ٢٦٥

عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿تُبَوِّئُ المُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ﴾ [آل عمران: ١٢١] في آلِ عِمْرانَ. فَمَعْنى ﴿تَبَوَّآ لِقَوْمِكُما﴾ اجْعَلا قَوْمَكُما مُتَبَوِّئِينَ بُيُوتًا.

وفاعِلُ هَذا الفِعْلِ في الأصْلِ هو السّاكِنُ بِالمَباءَةِ، وإنَّما أُسْنِدَ هُنا إلى ضَمِيرِ مُوسى وهارُونَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ العَقْلِيِّ، إذْ كانا سَبَبَ تَبَوُّءِ قَوْمِهِما لِلْبُيُوتِ. والقَرِينَةُ قَوْلُهُ: ﴿لِقَوْمِكُما﴾ إذْ جَعَلَ التَّبَوُّؤَ لِأجْلِ القَوْمِ.

ومَعْنى تَبَوُّءِ البُيُوتِ لِقَوْمِهِما أنْ يَأْمُرا قَوْمَهُما بِاتِّخاذِ البُيُوتِ عَلى الوَصْفِ الَّذِي يَأْمُرانِهِمْ بِهِ. وإذْ قَدْ كانَلِبَنِي إسْرائِيلَ دِيارٌ في مِصْرَ مِن قَبْلُ، إذْ لا يَكُونُونَ قاطِنِينَ مِصْرَ بِدُونِ مَساكِنَ، وقَدْ كانُوا ساكِنِينَ أرْضَ (جاسانَ) قُرْبَ مَدِينَةِ (مَنفِيسَ) قاعِدَةِ المَمْلَكَةِ يَوْمَئِذٍ في جَنُوبِ البِلادِ المِصْرِيَّةِ، كَما بَيَّنّاهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ، لا جَرَمَ أنْ تَكُونَ البُيُوتُ المَأْمُورُ بِتَبَوُّئِها غَيْرَ البُيُوتِ الَّتِي كانُوا ساكِنِيها.

واضْطَرَبَ المُفَسِّرُونَ في المُرادِ مِن هَذِهِ البُيُوتِ وذَكَرُوا رِواياتٍ غَيْرَ مُلائِمَةٍ لِحالَةِ القَوْمِ يَوْمَئِذٍ. فَقِيلَ: أُرِيدَ بِالبُيُوتِ بُيُوتُ العِبادَةِ أيْ مَساجِدُ يُصَلُّونَ فِيها، ورُبَّما حَمَلَ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ مَن تَأوَّلَهُ وُقُوعُ قَوْلِهِ: ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ عَقِبَهُ، وهَذا بِعِيدٌ لِأنَّ اللَّهَ عَلِمَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ مُفارِقُونَ مِصْرَ قَرِيبًا بِإذْنِهِ. وقِيلَ: البُيُوتُ بُيُوتُ السُّكْنى وأمْسَكُوا عَنِ المَقْصُودِ مِن هَذِهِ البُيُوتِ. وهَذا القَوْلُ هو المُناسِبُ لِلتَّبَوُّءِ لِأنَّ التَّبَوُّءَ السُّكْنى، والمُناسِبُ أيْضًا لِإطْلاقِ البُيُوتِ، وكَوْنِها بِمِصْرَ.

فالَّذِي يَظْهَرُ بِناءً عَلَيْهِ أنَّ هَذِهِ البُيُوتَ خِيامٌ أوْ أخْصاصٌ أمَرَهُمُ اللَّهُ بِاتِّخاذِها تَهْيِئَةً لِلِارْتِحالِ وهي غَيْرُ دِيارِهِمُ الَّتِي كانُوا يَسْكُنُونَها في (جاسانَ) قُرْبَ مَدِينَةِ فِرْعَوْنَ وقَدْ جاءَ في التَّوْراةِ ما يَشْهَدُ بِهَذا التَّأْوِيلِ في الفَصْلِ الرّابِعِ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ: إنَّ اللَّهَ أمَرَ مُوسى أنْ يَخْرُجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ إلى البادِيَةِ لِيَعْمَلُوا عِيدَ الفِصْحِ ثَلاثَةَ أيّامٍ وأنَّ ذَلِكَ أوَّلُ ما سَألَهُ مُوسى مِن فِرْعَوْنَ، وأنَّ فِرْعَوْنَ مَنَعَهم مِن ذَلِكَ، وأنَّ مُوسى كَرَّرَ طَلَبَ ذَلِكَ مِن فِرْعَوْنَ كُلُّ ذَلِكَ يَمْنَعُهُ كَما في الفَصْلِ السّابِعِ والفَصْلِ الثّامِنِ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ، وقَدْ صارَ لَهم ذَلِكَ عِيدًا بَعْدَ خُرُوجِهِمْ.

صفحة ٢٦٦

وقَوْلُهُ: ﴿واجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً﴾ أيْ هَذِهِ الخِيامَ أوِ الأخْصاصَ الَّتِي تَتَّخِذُونَها تَجْعَلُونَها مَفْتُوحَةً إلى القِبْلَةِ. قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والقِبْلَةُ: اسْمٌ في العَرَبِيَّةِ لِجِهَةِ الكَعْبَةِ. وتِلْكَ الجِهَةُ هي ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لِأنَّ قِبْلَةَ بِلادِ مِصْرَ كَقِبْلَةِ المَدِينَةِ ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ وهي الجَنُوبُ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّعْبِيرُ عَنْ تِلْكَ الجِهَةِ بِالقِبْلَةِ في الآيَةِ حِكايَةً لِتَعْبِيرِ مُوسى عَنْها بِما يَدُلُّ عَلى مَعْنى التَّوَجُّهِ إلى الجِهَةِ الَّتِي يُصَلُّونَ إلَيْها، وهي قِبْلَةُ إبْراهِيمَ، فَيَكُونُ أمْرُ بَنِي إسْرائِيلَ يَوْمَئِذٍ جارِيًا عَلى المِلَّةِ الحَنِيفِيَّةِ قَبْلَ أنْ يُنْسَخَ بِالِاسْتِقْبالِ إلى صَخْرَةِ القُدْسِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُوسى قَدْ عَبَّرَ بِما يُفِيدُ مَعْنى الجَنُوبِ فَحُكِيَتْ عِبارَتُهُ في القُرْآنِ بِاللَّفْظِ المُرادِفِ لَهُ الشّائِعِ في التَّعْبِيرِ عَنِ الجَنُوبِ عِنْدَ العَرَبِ وهو كَلِمَةُ قِبْلَةٍ.

والحِكْمَةُ في جَعْلِ البُيُوتِ إلى القِبْلَةِ أنَّ الشَّمْسَ تَدْخُلُها مِن أبْوابِها في غالِبِ أوْقاتِ النَّهارِ في جَمِيعِ الفُصُولِ وفي ذَلِكَ مَنافِعُ كَثِيرَةٌ.

والَّذِينَ فَسَّرُوا البُيُوتَ بِأنَّها بُيُوتُ السُّكْنى فَسَّرُوا قِبْلَةً: إمّا بِمَعْنى مُتَقابِلَةً، وإمّا بِمَعْنى اجْعَلُوا بُيُوتَكم مَحَلَّ صَلاتِكم، وكِلا التَّفْسِيرَيْنِ بَعِيدٌ عَنِ الِاسْتِعْمالِ.

وأمّا الَّذِينَ تَأوَّلُوا البُيُوتَ بِالمَساجِدِ فَقَدْ فَسَّرُوا القِبْلَةَ بِأنَّها قِبْلَةُ الصَّلاةِ، أيْ جِهَةُ الكَعْبَةِ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كانَتِ الكَعْبَةُ قِبْلَةَ مُوسى.

وعَنِ الحَسَنِ: كانَتِ الكَعْبَةُ قِبْلَةَ كُلِّ الأنْبِياءِ. وهَذا التَّفْسِيرُ يُلائِمُ تَرْكِيبَ ﴿واجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً﴾ لِأنَّ التَّرْكِيبَ اقْتَضى أنَّ المَجْعُولَ قِبْلَةً هو البُيُوتُ أنْفُسُها لا أنْ تُجْعَلَ الصَّلاةُ فِيها إلى جِهَةِ القِبْلَةِ فَإذا افْتَقَدْنا التَّأْوِيلاتِ كُلَّها لا نَجِدُها إلّا مُفَكَّكَةً مُتَعَسِّفَةً خَلا التَّفْسِيرِ الَّذِي عَوَّلْنا عَلَيْهِ، وقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ فَهَدانا اللَّهُ إلَيْهِ.

وأُسْنِدَ فِعْلُ اجْعَلُوا إلى ضَمِيرِ الجَماعَةِ لِأنَّ ذَلِكَ الجَعْلَ مِن عَمَلِ مُوسى وأخِيهِ وقَوْمِهِما إذْ كُلُّ أحَدٍ مُكَلَّفٌ بِأنْ يَجْعَلَ بَيْتَهُ قِبْلَةً.

صفحة ٢٦٧

وأمَرَهم بِإقامَةِ الصَّلاةِ، أيِ الَّتِي فَرَضَها اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَلى لِسانِ مُوسى، والَّتِي كانُوا يُصَلُّونَها مِن قَبْلِ مَجِيءِ مُوسى اتِّباعًا لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأبْنائِهِ. والظّاهِرُ أنَّ الدّاعِيَ إلى أمْرِهِمْ بِإقامَةِ الصَّلاةِ أنَّ اتِّخاذَ البُيُوتِ كانَ في حالَةِ رَحِيلٍ فَكانَتْ حالَتُهم مَظِنَّةَ الشُّغُلِ عَنْ إقامَةِ الصَّلَواتِ فَلِذَلِكَ أُمِرُوا بِالمُحافَظَةِ عَلى إقامَةِ الصَّلاةِ في مُدَّةِ رِحْلَتِهِمْ.

وعَطْفُ جُمْلَةِ ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ عَلى ما قَبْلَها يُؤْذِنُ بِأنَّ ما أُمِرُوا بِهِ مِنِ اتِّخاذِ البُيُوتِ أمْرٌ بِحالَةٍ مُشْعِرَةٍ بِتَرَقُّبِ أخْطارٍ وتَخَوُّفٍ فَإنَّهم قالُوا ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً﴾ [يونس: ٨٥] فَأمَرَ مُوسى أنْ يُبَشِّرَهم بِحُسْنِ العاقِبَةِ، وأنَّهم مَنصُورُونَ عَلى عَدُوِّهِمْ وناجُونَ مِنهُ، والمُؤْمِنُونَ هم قَوْمُ مُوسى الَّذِينَ ذُكِرُوا في قَوْلِهِ: ﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إلّا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ﴾ [يونس: ٨٣] وفي قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٨٤] ﴿فَقالُوا عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا﴾ [يونس: ٨٥]

10:88Page 218

وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَآ إِنَّكَ ءَاتَيۡتَ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَأَهُۥ زِينَةٗ وَأَمۡوَٰلٗا فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَۖ رَبَّنَا ٱطۡمِسۡ عَلَىٰٓ أَمۡوَٰلِهِمۡ وَٱشۡدُدۡ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَلَا يُؤۡمِنُواْ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلۡعَذَابَ ٱلۡأَلِيمَ ٨٨

And Moses said, "Our Lord, indeed You have given Pharaoh and his establishment splendor and wealth in the worldly life, our Lord, that they may lead [men] astray from Your way. Our Lord, obliterate their wealth and harden their hearts so that they will not believe until they see the painful punishment."

﴿وقالَ مُوسى رَبَّنا إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ زِينَةً وأمْوالًا في الحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيَضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ واشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾

عَطَفَ بَقِيَّةَ ما جَرى في القِصَّةِ مِمّا فِيهِ عِبْرَةٌ ومَوْعِظَةٌ. وهَذا مُقَدِّمَةٌ لِخَبَرِ خُرُوجِ مُوسى ومَن مَعَهُ مِن أرْضِ مِصْرَ. فَهَذِهِ المُقَدِّمَةُ لِتَعْرِيفِ كَرامَةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى رَبِّهِ بِأنِ اسْتَجابَ لَهُ دُعاءَهُ، وأنْفَذَ بِرِسالَتِهِ مُرادَهُ - تَعالى - مِن إنْقاذِ بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الِاسْتِعْبادِ.ومَهَّدَ مُوسى لِدُعائِهِ تَمْهِيدًا يَدُلُّ عَلى أنَّ ما سَألَهُ مِنَ اللَّهِ لِزَجْرِ فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ إنَّما هو لِمَصْلَحَةِ الدِّينِ لا لِلِانْتِقامِ مِنهُ لِقَوْمِهِ ولِنَفْسِهِ، فَسَألَ اللَّهَ سَلْبَ النِّعْمَةِ عَنْ

صفحة ٢٦٨

فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ وحُلُولَ العَذابِ بِهِمْ لِخَضْدِ شَوْكَتِهِمْ وتَذْلِيلِ تَجَبُّرِهِمْ لِيَرْجِعُوا عَنْ ضَلالِهِمْ ويَسْهُلَ قَبُولُهُمُ الإيمانَ. .

ولَمّا كانَتِ النِّعْمَةُ مُغْرِيَةً بِالطُّغْيانِ لِأهْلِ الجَهالَةِ والخَباثَةِ جَعَلَ مُوسى إمْدادَ فِرْعَوْنَ بِالنِّعْمَةِ مُغْرِيًا لِفِرْعَوْنَ بِالِاسْتِرْسالِ عَلى الإعْراضِ عَنِ الدِّينِ فَكانَ دُعاءُ مُوسى عَلَيْهِمُ اسْتِصْلاحًا لَهم وتَطَلُّبًا لِإيمانِهِمْ بِوَسائِلِ التَّشْدِيدِ عَلَيْهِمْ، ولَكِنَّ اللَّهَ عَلِمَ مِن قُلُوبِهِمْ ما لَمْ يَعْلَمْهُ مُوسى وقَضى عَلَيْهِمْ بِالِاسْتِئْصالِ.

وافْتُتِحَ الدُّعاءُ بِالنِّداءِ لِمُناسَبَتِهِ لِمَقامِ الدُّعاءِ. ونُودِيَ اللَّهُ بِوَصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ تَذَلُّلًا لِإظْهارِ العُبُودِيَّةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ زِينَةً وأمْوالًا﴾ تَوْطِئَةٌ لِلدُّعاءِ عَلَيْهِمْ؛ فَلَيْسَ المَقْصُودُ بِهِ حَقِيقَةَ الإخْبارِ ضَرُورَةَ أنَّ مُوسى يُوقِنُ بِأنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ذَلِكَ فَتَعَيَّنَ أنَّ الخَبَرَ مُسْتَعْمَلٌ في التَّمْهِيدِ لِطَلَبِ سَلْبِ النِّعْمَةِ عَنْهم في قَوْلِهِ: ﴿لِيَضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ . ثُمَّ الِانْتِقالِ إلى الدُّعاءِ بِسَلْبِ ما أُوتُوهُ.

فاقْتِرانُ الخَبَرِ بِحَرْفِ إنَّ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ﴾ إلَخْ مَقْصُودٌ بِهِ الِاهْتِمامُ بِهَذا المَعْنى الَّذِي اسْتُعْمِلَ فِيهِ الخَبَرُ إذْ لَيْسَ المَقامُ مَقامَ دَفْعِ تَرَدُّدٍ أوْ دَفْعِ إنْكارٍ.

وقَدْ تَرَدَّدَ المُفَسِّرُونَ في مَحَلِّ اللّامِ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ . والَّذِي سَلَكَهُ أهْلُ التَّدْقِيقِ مِنهم أنَّ اللّامَ لامُ العاقِبَةِ. ونُقِلَ ذَلِكَ عَنْ نُحاةِ البَصْرَةِ: الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ، والأخْفَشِ، وأصْحابِهِما، عَلى نَحْوِ اللّامِ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] فاللّامُ المَوْضُوعَةُ لِلتَّعْلِيلِ مُسْتَعارَةٌ لِمَعْنى التَّرَتُّبِ والتَّعْقِيبِ المَوْضُوعِ لَهُ فاءُ التَّعْقِيبِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ في مُتَعَلِّقِ مَعْنى الحَرْفِ فَشَبَّهَ تَرَتُّبَ الشَّيْءِ عَلى شَيْءٍ آخَرَ لَيْسَ عِلَّةً فِيهِ بِتَرَتُّبِ المَعْلُولِ عَلى العِلَّةِ لِلْمُبالَغَةِ في قُوَّةِ التَّرَتُّبِ حَتّى صارَ كَأنَّهُ مَقْصُودٌ لِمَن ظَهَرَ عِنْدَهُ أثَرُهُ، فالمَعْنى: إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ زِينَةً وأمْوالًا فَضَّلُوا بِذَلِكَ وأضَلُّوا.

ولِلْمُفَسِّرِينَ وُجُوهٌ خَمْسَةٌ أُخْرى:

صفحة ٢٦٩

أحَدُها: أنْ يَكُونَ لِلتَّعْلِيلِ، وأنَّ المَعْنى: إنَّكَ فَعَلْتَ ذَلِكَ اسْتِدْراجًا لَهم، ونُسِبَ إلى الفَرّاءِ، وفَسَّرَ بِهِ الطَّبَرَيُّ.

الثّانِي: أنَّ الكَلامَ عَلى حَذْفِ حَرْفٍ، والتَّقْدِيرُ: لِئَلّا يَضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ أيْ فَضَلُّوا. حَكاهُ الفَخْرُ.

الثّالِثُ: أنَّ اللّامَ لامُ الدُّعاءِ. رُوِيَ هَذا عَنِ الحَسَنِ. واقْتُصِرَ عَلَيْهِ في الكَشّافِ. وقالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. وهو أبْعَدُ الوُجُوهِ وأثْقَلُها.

الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ عَلى حَذْفِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ. والتَّقْدِيرُ: ألِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ آتَيْناهم زِينَةً وأمْوالًا تَقْرِيرًا لِلشُّنْعَةِ عَلَيْهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. ويَكُونُ الِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلًا في التَّعَجُّبِ، قالَهُ الفَخْرُ.

الخامِسُ: تَأْوِيلُ مَعْنى الضَّلالِ بِأنَّهُ الهَلاكُ، قالَهُ الفَخْرُ. وهي وُجُوهٌ ضَعِيفَةٌ مُتَفاوِتَةُ الضَّعْفِ فَلا نُطِيلُ بِتَقْرِيرِها.

والزِّينَةُ: ما يَتَزَيَّنُ بِهِ النّاسُ، وما يَحْسُنُ في أنْظارِهِمْ مِن طَرائِفِ الدُّنْيا، كالحُلِيِّ والجَواهِرِ والمَبانِي الضَّخْمَةِ. قالَ تَعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ﴾ [آل عمران: ١٤] وقالَ ﴿المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الكهف: ٤٦] وقالَ ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: ٦]

والأمْوالُ: ما بِهِ قِوامُ المَعاشِ، فالزِّينَةُ تُلْهِيهِمْ عَنِ اتِّباعِ المَواعِظِ، وتُعَظِّمُ شَأْنَهم في أنْظارِ قَوْمِهِمْ، والأمْوالُ يُسَخِّرُونَ بِها الرَّعِيَّةَ لِطاعَتِهِمْ، وقَدْ كانَ لِلْفَراعِنَةِ مِن سَعَةِ الرِّزْقِ ورَفاهِيَةِ العَيْشِ ما سارَ ذِكْرُهُ في الآفاقِ. وظَهَرَتْ مُثُلٌ مِنهُ في أهْرامِهِمْ ونَواوِيسِهِمْ.

وأُعِيدَ النِّداءُ بَيْنَ الجُمْلَةِ المُعَلَّلَةِ والجُمْلَةِ المُعَلِّلَةِ لِتَأْكِيدِ التَّذَلُّلِ والتَّعَرُّضِ لِلْإجابَةِ ولِإظْهارِ التَّبَرُّؤِ مِن قَصْدِ الِاعْتِراضِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبُ لِيَضِلُّوا بِفَتْحِ الياءِ. وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِضَمِّ الياءِ عَلى مَعْنى سَعْيِهِمْ في تَضْلِيلِ النّاسِ.

صفحة ٢٧٠

والمَعْنى الحاصِلُ مِنَ القِراءَتَيْنِ مُتَّحِدٌ لِأنَّهم إذا ضَلُّوا في أنْفُسِهِمْ وهم قادَةُ قَوْمِهِمْ كانَ ضَلالُهم تَضْلِيلًا لِغَيْرِهِمْ، وكَذَلِكَ إذا أضَلُّوا النّاسَ فَإنَّهم ما أضَلُّوهم إلّا وهم ضالُّونَ مِثْلُهم. وقَدْ عَلِمْتَ آنِفًا أنَّ الزِّينَةَ سَبَبُ ضَلالِهِمْ والأمْوالَ سَبَبُ إضْلالِ النّاسِ.

وأُعِيدَ النِّداءُ ثالِثَ مَرَّةٍ لِزِيادَةِ تَأْكِيدِ التَّوَجُّهِ والتَّضَرُّعِ.

وجُمْلَةُ ﴿اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ﴾ هي المَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ، والنِّداءُ يَقُومُ مَقامَ وصْلِ الجُمْلَةِ بِما قَبْلَها بِمَنزِلَةِ حَرْفِ العَطْفِ.

والطَّمْسُ: المَحْوُ والإزالَةُ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ [النساء: ٤٧] في سُورَةِ النِّساءِ. وفِعْلُهُ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ كَما في آيَةِ سُورَةِ النِّساءِ، ويُعَدّى بِحَرْفِ عَلى كَما هُنا. وقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أعْيُنِهِمْ﴾ [يس: ٦٦] في سُورَةِ يس.

ولَعَلَّ تَعْدِيَتَهُ بِـ عَلى لِإرادَةِ تَمَكُّنِ الفِعْلِ مِنَ المَفْعُولِ، أوْ لِتَضْمِينِ الطَّمْسِ مَعْنى الِاعْتِلاءِ بِآلَةِ المَحْوِ والإزالَةِ، فَطَمْسُ الأمْوالِ إتْلافُها وإهْلاكُها.

وأمّا قَوْلُهُ: واشْدُدْ فَأحْسَبُ أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الشَّدِّ، وهو العُسْرُ. ومِنهُ الشِّدَّةُ لِلْمُصِيبَةِ والتَّحَرُّجِ، ولَوْ أُرِيدَ غَيْرُ ذَلِكَ لَقِيلَ: واطْبَعْ، أوْ واخْتِمْ، أوْ نَحْوُهُما، فَيَكُونُ شَدَّ بِمَعْنى أدْخَلَ الشَّدَّ، أوِ اسْتَعْمَلَهُ مِثْلَ جَدَّ في كَلامِهِ، أيِ اسْتَعْمَلَ الجَدَّ.

وحَرْفُ عَلى مُسْتَعارٌ لِمَعْنى الظَّرْفِيَّةِ اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً لِإفادَةِ تَمَكُّنِ الشِّدَّةِ.

والمَعْنى: أدْخَلَ الشِّدَّةَ في قُلُوبِهِمْ.

والقُلُوبُ: النُّفُوسُ والعُقُولُ.

والمَعْنى: أنَّهُ يَدْعُو عَلَيْهِمْ بِالأنْكادِ والأحْزانِ الَّتِي تَجْعَلُ قُلُوبَهم في ضِيقٍ وحَرَجٍ أيِ اجْعَلْهم في عَناءٍ وبَلْبَلَةِ بالٍ ما دامُوا في الكُفْرِ. وهَذا حِرْصٌ مِنهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى وسائِلِ هِدايَتِهِمْ رَجاءَ أنَّهم إذا زالَتْ عَنْهُمُ النِّعَمُ وضاقَتْ صُدُورُهم بِكُرُوبِ

صفحة ٢٧١

الحَياةِ تُفَكَّرُوا في سَبَبِ ذَلِكَ، فَعَجَّلُوا بِالنَّوْبَةِ إلى اللَّهِ كَما هو مُعْتادُ النُّفُوسِ الغافِلَةِ قالَ - تَعالى: ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إلَيْهِ﴾ [الزمر: ٨]

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اشْدُدْ مِنَ الشَّدِّ، وهو الهُجُومُ. يُقالُ: شَدَّ عَلَيْهِ، إذا هَجَمَ، وذَلِكَ أنَّ قُلُوبَهم في حالَةِ النِّعْمَةِ والدَّعَةِ آمِنَةٌ ساكِنَةٌ فَدَعا اللَّهَ أنْ يَشُدَّ عَلَيْهِمْ بِعَذابِهِ، تَمْثِيلًا لِحالِ إصابَةِ نُفُوسِهِمْ بِالأكْدارِ والأحْزانِ بِحالِ مَن يَشُدُّ عَلى عَدْوِهِ لِيَقْتُلَهُ وهو مَعْنى قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وأجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤] أيْ طَوِّعْهم لِحُكْمِكَ وسَخِّرْهم.

وبِهَذا يَظْهَرُ أنَّ مَوْقِعَ الفاءِ في قَوْلِهِ ”﴿فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾“ أنْ تَكُونَ فاءَ السَّبَبِيَّةِ في جَوابِ الدُّعاءِ، أيِ افْعَلْ بِهِمْ ذَلِكَ لِيُؤْمِنُوا. والفِعْلُ مَنصُوبٌ بِأنْ مُضْمَرَةٍ إضْمارًا واجِبًا بَعْدَ فاءِ السَّبَبِيَّةِ.

فَقَوْلُهُ: ﴿فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا العَذابَ﴾ في قُوَّةِ أنْ يُقالَ: فَيُؤْمِنُوا حِينَ يَرَوْنَ العَذابَ لا قَبْلَ ذَلِكَ.

وإنَّما عُدِلَ عَنْ إيقاعِ جَوابِ الدُّعاءِ بِصِيغَةِ إثْباتِ الإيمانِ، إلى إيرادِهِ بِصِيغَةِ نَفْيٍ مُغَيًّا بِغايَةٍ هي رُؤْيَةُ العَذابِ سُلُوكًا لِأُسْلُوبٍ بَدِيعٍ في نَظْمِ الكَلامِ لِأنَّهُ أرادَ أنْ يَجْمَعَ بَيْنَ تَرْتِيبِ الجَوابِ عَلى الدُّعاءِ وبَيْنَ ما اسْتَبانَ لَهُ مِن طَبْعِ نُفُوسِهِمْ بِطَبْعِ أنَّهم لا تَنْفَعُ فِيهِمُ الحُجَجُ وأنَّ قَساوَةَ قُلُوبِهِمْ وشَراسَةَ نُفُوسِهِمْ لا تُذَلِّلُها إلّا الآلامُ الجَسَدِيَّةُ والنَّفْسانِيَّةُ، وكُلُّ ذَلِكَ عِلاجٌ بِما هو مَظِنَّةُ إيصالِهِمْ مِن طُرُقِ الضَّغْطِ والشِّدَّةِ حَيْثُ لَمْ تُجْدِ فِيهِمْ وسائِلُ الحُجَّةِ، فَقالَ ﴿فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ أيْ أنَّ شَأْنَهم ذَلِكَ، وهَذا إيجازٌ بَدِيعُ إذْ جَمَعَ في هَذا التَّرْكِيبِ جَوابَ الدُّعاءِ وبَيانَ عِلَّةِ الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ. وأصْلُ الكَلامِ: فَيُؤْمِنُوا فَإنَّهم لا يُؤْمِنُونَ إلّا إذا رَأوُا العَذابَ الألِيمَ.

والمَقْصُودُ مِن جَوابِ فِعْلِ الدُّعاءِ هو غايَةُ الجَوابِ الَّتِي بَعْدَ حَتّى، فَتِلْكَ هي مَصَبُّ الجَوابِ. وهَذا الوَجْهُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ وجْهٌ لا تُرْهِقُهُ غَبَرَةُ الإشْكالِ، ولا يَعْسُرُ

صفحة ٢٧٢

مَعَهُ المَنالُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿فَلا يُؤْمِنُوا﴾ إلَخْ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿لِيَضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ وجُمْلَةُ الدُّعاءِ بَيْنَهُما مُعْتَرِضَةٌ.

والمَعْنى: لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ فَيَسْتَمِرُّ ضَلالُهم حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ. وهَذا تَأْوِيلُ المُبَرِّدِ والزَّجّاجِ.

والمُرادُ بِالعَذابِ الألِيمِ عَذابُ الفَقْرِ والجُوعِ وعَذابُ النَّكَدِ في النَّفْسِ.

والرُّؤْيَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ في الإحْساسِ عَلى وجْهِ المَجازِ المُرْسَلِ، أوْ مُسْتَعْمَلَةٌ كِنايَةً عَنْ حُلُولِ العَذابِ بِهِمْ لِأنَّ المُشاهَدَةَ مُلازِمَةٌ لِحُلُولِ الشَّيْءِ المُشاهَدِ.

10:89Page 219

قَالَ قَدۡ أُجِيبَت دَّعۡوَتُكُمَا فَٱسۡتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ ٨٩

[Allāh] said, "Your supplication has been answered."1 So remain on a right course and follow not the way of those who do not know."

﴿قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فاسْتَقِيما ولا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾

جَوابٌ مِنَ اللَّهِ لِكَلامِ مُوسى جَرى عَلى طَرِيقَةِ حِكايَةِ المُحاوَراتِ أنْ لا تُعْطَفَ جُمَلُها كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ.

وافْتِتاحُ الجُمْلَةِ بِـ قَدْ والفِعْلِ الماضِي يُفِيدُ تَحْقِيقَ الحُصُولِ في المُسْتَقْبَلِ، فَشُبِّهَ بِالمُضِيِّ.

وأُضِيفَتِ الدَّعْوَةُ إلى ضَمِيرٍ التَّثْنِيَةِ المُخاطَبِ بِهِ مُوسى وهارُونُ وإنْ كانَتِ الدَّعْوَةُ إنَّما حُكِيَتْ عَنْ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وحْدَهُ لِأنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - دَعا لَمّا كانَ هارُونُ مُواطِئًا لَهُ وقائِلًا بِمِثْلِهِ لِأنَّ دَعْوَتَهُما واحِدَةٌ. وقِيلَ: كانَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَدْعُو وهارُونُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يُؤَمِّنُ.

ومَعْنى إجابَةِ الدَّعْوَةِ إعْطاءُ ما سَألَهُ مُوسى رَبَّهُ أنْ يَسْلِبَ عَنْ فِرْعَوْنَ ومَلَإهِ النِّعَمَ، ويُوالِيَ عَلَيْهِمُ المَصائِبَ حَتّى يَسْأمُوا مُقاوَمَةَ دَعْوَةِ مُوسى وتَنْحَطُّ غَلْواؤُهم،

صفحة ٢٧٣

قالَ - تَعالى: ﴿ولَقَدْ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ ونَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٠] وقالَ ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ والجَرادَ والقُمَّلَ والضَّفادِعَ والدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ﴾ [الأعراف: ١٣٣]

وفَرَّعَ عَلى إجابَةِ دَعْوَتِهِما أمَرَهُما بِالِاسْتِقامَةِ، فَعُلِمَ أنَّ الِاسْتِقامَةَ شُكْرٌ عَلى الكَرامَةِ فَإنَّ إجابَةَ اللَّهِ دَعْوَةَ عَبْدِهِ إحْسانٌ لِلْعَبْدِ وإكْرامٌ، وتِلْكَ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ تَسْتَحِقُّ الشُّكْرَ عَلَيْها وأعْظَمُ الشُّكْرِ طاعَةُ المُنَعِّمِ.

وإذْ قَدْ كانَ مُوسى وهارُونُ مُسْتَقِيمِينِ، وناهِيكَ بِاسْتِقامَةِ النُّبُوَّةِ كانَ أمْرُهُما بِالِاسْتِقامَةِ مُسْتَعْمَلًا في الأمْرِ بِالدَّوامِ عَلَيْها. وأعْقَبَ حَثَّهُما عَلى الِاسْتِقامَةِ بِالنَّهْيِ عَنِ اتِّباعِ طَرِيقِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ وإنْ كانَ ذَلِكَ مَشْمُولًا لِلِاسْتِقامَةِ تَنْبِيهًا عَلى تَوَخِّي السَّلامَةِ مِنَ العُدُولِ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ اهْتِمامًا بِالتَّحْذِيرِ مِنَ الفَسادِ.

والِاسْتِقامَةُ: حَقِيقَتُها الِاعْتِدالُ، وهي ضِدُّ الِاعْوِجاجِ، وهي مُسْتَعْمَلَةٌ كَثِيرًا في مَعْنى مُلازِمَةِ الحَقِّ والرُّشْدِ؛ لِأنَّهُ شاعَ تَشْبِيهُ الضَّلالِ والفَسادِ بِالِاعْوِجاجِ والِالتِواءِ. وقِيلَ لِلْحَقِّ: طَرِيقٌ مُسْتَقِيمٌ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦]، فَكانَ أمْرُهُما بِالِاسْتِقامَةِ جامِعًا لِجَمِيعِ خِصالِ الخَيْرِ والصَّلاحِ.

وفِي حَدِيثِ أبِي عَمْرَةَ الثَّقَفِيِّ قالَ: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ قُلْ لِي في الإسْلامِ قَوْلًا لا أسْألُ عَنْهُ أحَدًا غَيْرَكَ. قالَ: قُلْ: آمَنَتُ بِاللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ» .

ومِنَ الِاسْتِقامَةِ أنْ يَسْتَمِرّا عَلى الدَّعْوَةِ إلى الدِّينِ ولا يَضْجَرا.

والسَّبِيلُ: الطَّرِيقُ، وهو هُنا مُسْتَعْمِلٌ لِلسِّيرَةِ والعَمَلِ الغالِبِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَتَّبِعانِّ﴾ قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِتَشْدِيدِ النُّونِ مَكْسُورَةً. وهُما نُونانِ: إحْداهُما نُونُ المُثَنّى والأُخْرى نُونُ التَّوْكِيدِ. وقَرَأ ابْنُ ذَكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ ولا تَتَّبِعانِ بِنُونٍ خَفِيفَةٍ مَكْسُورَةٍ. وهي نُونُ رَفْعِ المُثَنّى لا نُونُ التَّوْكِيدِ، فَتَعَيَّنَ أنْ تَكُونَ لا عَلى هاتِهِ القِراءَةِ نافِيَةً غَيْرَ ناهِيَةٍ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ والواوُ واوُ الحالِ؛ لِأنَّ جُمْلَةَ الحالِ المُضارِعَةِ المُفْتَتَحَةِ بِحَرْفِ نَفْيٍ يَجُوزُ اقْتِرانُها بِالواوِ وعَدَمِهِ.

10:90Page 219

۞ وَجَٰوَزۡنَا بِبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱلۡبَحۡرَ فَأَتۡبَعَهُمۡ فِرۡعَوۡنُ وَجُنُودُهُۥ بَغۡيٗا وَعَدۡوًاۖ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَدۡرَكَهُ ٱلۡغَرَقُ قَالَ ءَامَنتُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱلَّذِيٓ ءَامَنَتۡ بِهِۦ بَنُوٓاْ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَأَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ ٩٠

And We took the Children of Israel across the sea, and Pharaoh and his soldiers pursued them in tyranny and enmity until, when drowning overtook him, he said, "I believe that there is no deity except that in whom the Children of Israel believe, and I am of the Muslims."

صفحة ٢٧٤

﴿وجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ بَغْيًا وعَدْوًا حَتّى إذا أدْرَكَهُ الغَرَقُ قالَ آمَنتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ وأنا مِنَ المُسْلِمِينَ﴾

مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى وأخِيهِ أنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾ [يونس: ٨٧] عَطَفَ الغَرَضَ عَلى التَّمْهِيدِ، أيْ، أمَرْناهُما بِاتِّخاذِ تِلْكَ البُيُوتِ تَهْيِئَةً لِلسَّفَرِ ومُجاوَزَةِ البَحْرِ.

وجاوَزْنا، أيْ قَطَعْنا بِهِمُ البَحْرَ، والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ، أيْ أقْطَعْناهُمُ البَحْرَ بِمَعْنى جَعَلْناهم قاطِعِينَ البَحْرَ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في سُورَةِ الأعْرافِ. ومُجاوَزَتُهُمُ البَحْر تَقْتَضِي خَوْضَهم فِيهِ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ جَعَلَ لَهم طَرائِقَ في البَحْرِ يَمُرُّونَ مِنها.

وأتْبَعَهم بِمَعْنى لَحِقَهم. يُقالُ: تَبِعَهُ فَأتْبَعُهُ إذا سارَ خَلْفَهُ فَأدْرَكَهُ. ومِنهُ ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠] . وقِيلَ: أتْبَعَ مُرادِفُ تَبِعَ.

والبَغْيُ: الظُّلْمُ، مَصْدَرُ بَغى. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿والإثْمَ والبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ [الأعراف: ٣٣] في الأعْرافِ.

والعَدْوُ: مَصْدَرُ عَدا. وهو تَجاوُزُ الحَدِّ في الظُّلْمِ، وهو مَسُوقٌ لِتَأْكِيدِ البَغْيِ. وإنَّما عُطِفَ لِما فِيهِ مِن زِيادَةِ المَعْنى في الظُّلْمِ بِاعْتِبارِ اشْتِقاقِ فِعْلِ عَدا.

والمَعْنى: أنَّ فِرْعَوْنَ دَخَلَ البَحْرَ يَتَقَصّى آثارَهم فَسارَ في تِلْكَ الطَّرائِقِ يُرِيدُ الإحاطَةَ بِهِمْ ومَنعَهم مِنَ السَّفَرِ، وإنَّما كانَ اتِّباعُهُ إيّاهم ظُلْمًا وعُدْوانًا إذْ لَيْسَ لَهُ فِيهِ شائِبَةُ حَقٍّ؛ لِأنَّ بَنِي إسْرائِيلَ أرادُوا مُفارَقَةَ بِلادِ فِرْعَوْنَ ولَيْسَتْ مُفارَقَةُ أحَدٍ بَلَدَهُ مَحْظُورَةً إنْ لَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ عَلَيْهِ حَقٌّ في البَقاءِ، فَإنَّ لِذِي الوَطَنِ حَقًّا في الإقامَةِ في وطَنِهِ فَإذا رامَ مُغادَرَةَ وطَنِهِ فَقَدْ تَخَلّى عَنْ حَقٍّ لَهُ، ولِلْإنْسانِ أنْ يَتَخَلّى عَنْ حَقِّهِ،

صفحة ٢٧٥

فَلِذَلِكَ كانَ الخَلْعُ في الجاهِلِيَّةِ عِقابًا، وكانَ النَّفْيُ والتَّغْرِيبُ في الإسْلامِ عُقُوبَةً لا تَقَعُ إلّا بِمُوجِبٍ شَرْعِيٍّ، وكانَ الإمْساكُ بِالمَكانِ عِقابًا، ومِنهُ السِّجْنُ، فَلَيْسَ الخُرُوجُ مِنَ الوَطَنِ طَوْعًا بِعُدْوانٍ. فَلَمّا رامَ فِرْعَوْنَ مَنعَ بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الخُرُوجِ وشَدَّ لِلِّحاقِ بِهِمْ لَرَدِّهِمْ كَرْهًا كانَ في ذَلِكَ ظالِمًا مُعْتَدِيًا؛ لِأنَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ إكْراهَهم عَلى البَقاءِ ولِأنَّ غَرَضَهُ مِن ذَلِكَ تَسْخِيرُهم.

وحَتّى ابْتِدائِيَّةٌ لِوُقُوعِ إذا الفُجائِيَّةِ بَعْدَها. وهي غايَةٌ لِلِاتِّباعِ، أيِ اسْتَمَرَّ اِتِّباعُهُ إيّاهم إلى وقْتِ إدْراكِ الغَرَقِ إيّاهُ، كُلُّ ذَلِكَ لا يَفْتَأُ يَجِدُّ في إدْراكِهِمْ إلى أنْ أنْجى اللَّهُ بَنِي إسْرائِيلَ فاخْتَرَقُوا البَحْرَ، ورَدَّ اللَّهُ غَمْرَةَ الماءِ عَلى فِرْعَوْنَ وجُنُودِهِ، فَغَرِقُوا وهَلَكَ فِرْعَوْنُ غَرِيقًا، فَمُنْتَهى الغايَةِ هو الزَّمانُ المُسْتَفادُ مِن إذا، والجُمْلَةُ المُضافَةُ هي إلَيْها وفي ذَلِكَ إيجازُ حَذْفٍ. والتَّقْدِيرُ: حَتّى أدْرَكَهُ الغَرَقُ فَإذا أدْرَكَهُ الغَرَقُ قالَ آمَنَتُ؛ لِأنَّ الكَلامَ مَسُوقٌ لِكَوْنِ الغايَةِ وهي إدْراكُ الغَرَقِ إيّاهُ فَعِنْدَ ذَلِكَ انْتَهى الِاتِّباعُ، ولَيْسَتِ الغايَةُ هي قَوْلُهُ: آمَنَتُ وإنْ كانَ الأمْرانِ مُتَقارِنَيْنِ.

والإدْراكُ: اللِّحاقُ وانْتِهاءُ السَّيْرِ. وهو يُؤْذِنُ بِأنَّ الغَرَقَ دَنا مِنهُ تَدْرِيجِيًّا بِهَوْلِ البَحْرِ ومُصارَعَتِهِ المَوْجَ، وهو يَأْمَلُ النَّجاةَ مِنهُ، وأنَّهُ لَمْ يُظْهِرِ الإيمانَ حَتّى أيِسَ مِنَ النَّجاةِ وأيْقَنَ بِالمَوْتِ، وذَلِكَ لِتَصَلُّبِهِ في الكُفْرِ.

وتَرْكِيبُ الجُمْلَةِ إيجازٌ؛ لِأنَّها قامَتْ مَقامَ خَمْسَ جُمَلٍ:

جُمْلَةٌ: تُفِيدُ أنَّ فِرْعَوْنَ حاوَلَ اللِّحاقَ بِبَنِي إسْرائِيلَ إلى أقْصى أحْوالِ الإمْكانِ والطَّمَعِ في اللِّحاقِ.

وجُمْلَةٌ: تُفِيدُ أنَّهُ لَمْ يَلْحَقْهم.

وهاتانِ مُسْتَفادَتانِ مِن حَتّى، وهاتانِ مِنَّةٌ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ.

وجُمْلَةٌ: تُفِيدُ أنَّهُ غَمَرَهُ الماءُ فَغَرِقَ، وهَذِهِ مُسْتَفادَةٌ مِن قَوْلِهِ: أدْرَكَهُ الغَرَقُ وهي عُقُوبَةٌ لَهُ وكَرامَةٌ لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ.

صفحة ٢٧٦

وجُمْلَةٌ: تُفِيدُ أنَّهُ لَمْ يَسَعْهُ إلّا الإيمانُ بِاللَّهِ لِأنَّهُ قَهَرَتْهُ أدِلَّةُ الإيمانِ. وهَذِهِ مُسْتَفادَةٌ مِن رَبْطِ جُمْلَةِ إيمانِهِ بِالظَّرْفِ في قَوْلِهِ: ﴿إذا أدْرَكَهُ الغَرَقُ﴾ . وهَذِهِ مَنقَبَةٌ لِلْإيمانِ وأنَّ الحَقَّ يَغْلِبُ الباطِلَ في النِّهايَةِ.

وجُمْلَةٌ: تُفِيدُ أنَّهُ ما آمَنَ حَتّى أيْسَ مِنَ النَّجاةِ لِتَصَلُّبِهِ في الكُفْرِ ومَعَ ذَلِكَ غَلَبَهُ اللَّهُ. وهَذِهِ مَوْعِظَةٌ لِلْكافِرِينَ وعِزَّةٌ لِلَّهِ تَعالى.

وقَدْ بُنِيَ نَظْمُ الكَلامِ عَلى جُمْلَةِ ﴿إذا أدْرَكَهُ الغَرَقُ﴾، وجُعِلَ ما مَعَها كالوَسِيلَةِ إلَيْها، فَجُعِلَتْ حَتّى لِبَيانِ غايَةِ الِاتِّباعِ وجُعِلَتِ الغايَةُ أنْ قالَ آمَنتُ لِأنَّ اتِّباعَهُبَنِي إسْرائِيلَ كانَ مُنْدَفِعًا إلَيْهِ بِدافِعِ حَنَقِهِ عَلَيْهِمْ لِأجْلِ الدِّينِ الَّذِي جاءَ بِهِ رَسُولُهم لِيُخْرِجَهم مِن أرْضِهِ، فَكانَتْ غايَتُهُ إيمانُهُ بِحَقِّهِمْ. ولِذَلِكَ قالَ ﴿الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ﴾ لِيُفِيدَ مَعَ اعْتِرافِهِ بِاللَّهِ تَصْوِيبَهُ لِبَنِي إسْرائِيلَ فِيما هُدُوا إلَيْهِ، فَجَعَلَ الصِّلَةَ طَرِيقًا لِمَعْرِفَتِهِ بِاللَّهِ، ولِعَدَمِ عِلْمِهِ بِالصِّفاتِ المُخْتَصَّةِ بِاللَّهِ إلّا ما تَضَمَّنَتْهُ الصِّلَةُ إذْ لَمْ يَتَبَصَّرْ في دَعْوَةِ مُوسى تَمامَ التَّبَصُّرِ، ولِذَلِكَ احْتاجَ أنْ يَزِيدَ ﴿وأنا مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ لِأنَّهُ كانَ يَسْمَعُ مِن مُوسى دَعَوْتَهُ لِأنْ يَكُونَ مُسْلِمًا فَنَطَقَ بِما كانَ يَسْمَعُهُ وجَعَلَ نَفْسَهُ مِن زُمْرَةِ الَّذِينَ يَحِقُّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ الوَصْفُ، ولِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: أسْلَمْتُ، بَلْ قالَ أنا مِنَ المُسْلِمِينَ، أيْ يَلْزَمُنِي ما التَزَمُوهُ. جاءَ بِإيمانِهِ مُجْمَلًا لِضِيقِ الوَقْتِ عَنِ التَّفْصِيلِ ولِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِ تَفْصِيلَهُ.

وسَيَأْتِي قَرِيبًا في تَفْسِيرِ الآيَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ تَحْقِيقُ صِفَةِ غَرَقِ فِرْعَوْنَ، وما كانَ في بَقاءِ بَدَنِهِ بَعْدَ غَرَقِهِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ آمَنتُ أنَّهُ بِفَتْحِ هَمْزَةِ أنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ باءِ الجَرِّ مَحْذُوفَةً. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ - بِكَسْرِ الهَمْزَةِ - عَلى اعْتِبارِ إنَّ واقِعَةً في أوَّلِ جُمْلَةٍ، وأنَّ جُمْلَتَها بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ آمَنتُ بِحَذْفِ مُتَعَلِّقِ فِعْلِ آمَنتُ لِأنَّ جُمْلَةَ البَدَلِ تَدُلُّ عَلَيْهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском