Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Yunus 10:98–103
10:98Page 220
فَلَوۡلَا كَانَتۡ قَرۡيَةٌ ءَامَنَتۡ فَنَفَعَهَآ إِيمَٰنُهَآ إِلَّا قَوۡمَ يُونُسَ لَمَّآ ءَامَنُواْ كَشَفۡنَا عَنۡهُمۡ عَذَابَ ٱلۡخِزۡيِ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَمَتَّعۡنَٰهُمۡ إِلَىٰ حِينٖ ٩٨
Then has there not been a [single] city that believed so its faith benefited it except the people of Jonah? When they believed, We removed from them the punishment of disgrace in worldly life and gave them enjoyment [i.e., provision] for a time.
﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إيمانُها إلّا قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا ومَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾
الفاءُ لِتَفْرِيعِ التَّغْلِيطِ عَلى امْتِناعِ أهْلِ القُرى مِنَ الإيمانِ بِالرُّسُلِ قَبْلَ أنْ يَنْزِلَ بِهِمُ العَذابُ عَلى الإخْبارِ بِأنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ اللَّهِ أنْ لا يُؤْمِنُوا لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يَرَوُا العَذابَ فَإنَّ أهْلَ القُرى مِن جُمْلَةِ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمُ الكَلِمَةُ بِأنْ لا يُؤْمِنُوا. والغَرَضُ مَن ذِكْرِ أهْلِ القُرى التَّعْرِيضُ بِالمَقْصُودِ، وهم أهْلُ مَكَّةَ فَإنَّهم أهْلُ قَرْيَةٍ فَكانَ ذَلِكَ كالتَّخَلُّصِ بِالتَّعْرِيضِ إلى المَخْصُوصِينَ بِهِ، ولِلْإفْضاءِ بِهِ إلى ذِكْرِ قَوْمِ يُونُسَ فَإنَّهم أهْلُ قَرْيَةٍ.
ولَوْلا حَرْفٌ يَرِدُ لَمَعانٍ مِنها التَّوْبِيخُ، وهو هُنا مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِ التَّوْبِيخِ كِنايَةً عَنِ التَّغْلِيطِ؛ لِأنَّ أهْلَ القُرى قَدِ انْقَضَوْا، وذَلِكَ أنَّ أصْلَ مَعْنى لَوْلا التَّحْضِيضُ، وهو طَلَبُ الفِعْلِ بِحَثٍّ، فَإذا دَخَلَتْ عَلى فِعْلٍ قَدْ فاتَ وُقُوعُهُ كانَتْ مُسْتَعْمَلَةً في التَّغْلِيطِ والتَّنْدِيمِ والتَّوْبِيخِ عَلى تَفْوِيتِهِ، ويَكُونُ ما بَعْدَها في هَذا الِاسْتِعْمالِ فِعْلَ مُضِيٍّ مِثْلَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذا﴾ [النور: ١٦] . وإذا تَوَجَّهَ الكَلامُ الَّذِي فِيهِ (لَوْلا) إلى غَيْرِ صاحِبِ الفِعْلِ الَّذِي دَخَلَتْ عَلَيْهِ كانَتْ مُسْتَعْمَلَةً في التَّعْجِيبِ مِن حالِ المُتَحَدَّثِ عَنْهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿لَوْلا جاءُوا عَلَيْهِ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ [النور: ١٣]
صفحة ٢٨٩
وقَوْلُهُ: ﴿فَلَوْلا إذْ جاءَهم بَأْسُنا تَضَرَّعُوا﴾ [الأنعام: ٤٣] وهَذِهِ الآيَةُ أصْرَحُ في ذَلِكَ لِوُجُودِ كانَ الدّالَّةِ عَلى المُضِيِّ والِانْقِضاءِ. والمَقْصُودُ: التَّعْرِيضُ بِأنَّ مُشْرِكِي أهْلِ مَكَّةَ يُوشِكُ أنْ يَكُونُوا عَلى سُنَنِ أهْلِ القُرى. قالَ - تَعالى: ﴿ما آمَنَتْ قَبْلَهم مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أفَهم يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: ٦]، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ اسْتِعْمالًا ومَعْنًى قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿فَلَوْلا كانَ مِنَ القُرُونِ مِن قَبْلِكم أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ إلّا قَلِيلًا مِمَّنْ أنْجَيْنا مِنهُمْ﴾ [هود: ١١٦]، وذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِتَحْرِيضِ أهْلِ مَكَّةَ عَلى الإيمانِ قَبْلَ نُزُولِ العَذابِ.
والمُسْتَخْلَصُ مِنَ الرِّواياتِ الوارِدَةِ في قَوْمِ يُونُسَ أنَّهم بادَرُوا إلى الإيمانِ بَعْدَ أنْ فارَقَهم يُونُسُ، تَوَقُّعًا لِنُزُولِ العَذابِ، وقَبْلَ أنْ يَنْزِلَ بِهِمُ العَذابُ، وذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مُعامَلَةَ اللَّهِ إيّاهم لَيْسَتْ مُخالَفَةً لِما عامَلَ بِهِ غَيْرَهم مِن أهْلِ القُرى، وأنْ لَيْسَتْ لِقَوْمِ يُونُسَ خُصُوصِيَّةً، وبِذَلِكَ لا يَكُونُ اسْتِثْناؤُهِمُ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا.
وإذْ كانَ الكَلامُ تَغْلِيطًا لِأهْلِ القُرى المُعْرِضِينَ عَنْ دَعْوَةِ الرُّسُلِ، وتَعْرِيضًا بِالتَّحْذِيرِ مِمّا وقَعُوا فِيهِ. كانَ الكَلامُ إثْباتًا صَرِيحًا، ووُقُوعُ ”قَرْيَةٌ“ وهو نَكِرَةٌ في مَساقِ الإثْباتِ أفادَ العُمُومَ بِقَرِينَةِ السِّياقِ مِثْلَ قَوْلِ الحَرِيرِيِّ ”يا أهْلَ ذا المَغْنى وُقِيتُمْ ضُرًّا“ أيْ كُلَّ ضُرٍّ لا ضُرًّا مُعَيَّنًا، وبِقَرِينَةِ الِاسْتِثْناءِ فَإنَّهُ مِعْيارُ العُمُومِ، وهَذا الِاسْتِثْناءُ مِن كَلامٍ مُوجَبٍ فَلِذَلِكَ انْتَصَبَ قَوْلُهُ: ﴿إلّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ فَهَذا وجْهُ تَفْسِيرِ الآيَةِ. وجَرى عَلَيْهِ كَلامُ العُكْبَرِيِّ في إعْرابِ القُرْآنِ، والكَواشِيِّ في التَّخْلِيصِ وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ جَعَلُوا جُمْلَةَ ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ﴾ في قُوَّةِ المَنفِيَّةِ، وجَعَلُوا الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعًا مَنصُوبًا ولا داعِيَ إلى ذَلِكَ.
وجُمْلَةُ لَمّا آمَنُوا مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَفْصِيلِ مُجْمَلِ مَعْنى الِاسْتِثْناءِ. وفي الآيَةِ إيماءٌ إلى أنَّ أهْلَ مَكَّةَ يُعامِلُهُمُ اللَّهُ مُعامَلَةَ قَوْمِ يُونُسَ إذْ آمَنُوا عِنْدَ رُؤْيَةِ العَذابِ. وذَلِكَ حالُهم عِنْدَما تَسامَعُوا بِقُدُومِ جَيْشِ غَزْوَةِ الفَتْحِ الَّذِي لا قِبَلَ لَهم بِهِ عِدَّةً وعُدَّةً، فَيَكادُ يَحِلُّ بِهِمْ عَذابُ اسْتِئْصالٍ لَوْلا أنَّهم عَجَّلُوا بِالإيمانِ يَوْمَ الفَتْحِ. فَقالَ لَهُمُ النَّبِيءُ ﷺ: أنْتُمُ الطُّلَقاءُ.
صفحة ٢٩٠
وقَوْمُ يُونُسَ هم أهْلُ قَرْيَةِ نَيْنَوى مِن بِلادِ العِراقِ. وهم خَلِيطٌ مِنَ الآشُورِيِّينَ واليَهُودِ الَّذِينَ كانُوا في أُسَرِ مُلُوكِ بابِلَ بَعْدَ بُخْتُنَصَّرَ. وكانَتْ بِعْثَةُ يُونُسَ إلَيْهِمْ في أوَّلِ القَرْنِ الثّامِنِ قَبْلَ المَسِيحِ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ يُونُسَ وتَرْجَمَتُهُ في سُورَةِ الأنْعامِ.
ولَمّا كَذَّبَهُ أهْلُ نَيْنَوى تَوَعَّدَهم بِخَسْفِ مَدِينَتِهِمْ بَعْدَ أرْبَعِينَ يَوْمًا، وخَرَجَ مِنَ المَدِينَةِ غاضِبًا عَلَيْهِمْ، فَلَمّا خَرَجَ خافُوا نُزُولَ العَذابِ بِهِمْ فَتابُوا وآمَنُوا بِاللَّهِ فَقَبِلَ اللَّهُ إيمانَهم ولَمْ يُعَذِّبْهم. والمَذْكُورُ أنَّهم رَأوْا غَيْمًا أسْوَدَ بَعْدَ مُضِيِّ خَمْسَةٍ وثَلاثِينَ يَوْمًا مِن حِينِ تَوَعَّدَهم يُونُسُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِحُلُولِ العَذابِ فَعَلِمُوا أنَّهُ مُقَدِّمَةُ العَذابِ فَآمَنُوا وخَضَعُوا لِلَّهِ - تَعالى - فَأمْسَكَ عَنْهُمُ العَذابَ. وسَيَجِيءُ ذِكْرُ ما حَلَّ بِيُونُسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في خُرُوجِهِ ذَلِكَ مِنِ ابْتِلاعِ الحُوتِ إيّاهُ في سُورَةِ الأنْبِياءِ.
والكَشْفُ: إزالَةُ ما هو ساتِرٌ لِشَيْءٍ، وهو هُنا مَجازٌ في الرَّفْعِ. والمُرادُ: تَقْدِيرُ الرَّفْعِ وإبْطالُ العَذابِ قَبْلَ وُقُوعِهِ فَعُبِّرَ عَنْهُ بِالكَشْفِ تَنْزِيلًا لِمُقارَبَةِ الوُقُوعِ مَنزِلَةَ الوُقُوعِ.
والخِزْيُ: الإهانَةُ والذُّلُّ. وإضافَةُ العَذابِ إلى الخِزْيِ يَجُوزُ كَوْنُها بَيانِيَّةً لِأنَّ العَذابَ كُلَّهُ خِزْيٌ، إذْ هو حالَةٌ مِنَ الهَلاكِ غَيْرُ مُعْتادَةٍ فَإذا قَدَّرَها اللَّهُ لِقَوْمٍ فَقَدْ أرادَ إذْلالَهم، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإضافَةُ حَقِيقِيَّةً لِلتَّخْصِيصِ، ويَكُونُ المُرادُ مِنَ الخِزْيِ الحالَةُ المُتَصَوَّرَةُ مِن حُلُولِهِ. وهي شَناعَةُ الحالَةِ لِمَن يُشاهِدُهم مِثْلُ الخَسْفِ والحَرْقِ والغَرَقِ، وأشْنَعُ الخِزْيِ ما كانَ بِأيْدِي أُناسٍ مِثْلِهِمْ، وهو عَذابُ السَّيْفِ الَّذِي حَلَّ بِصَنادِيدِ قُرَيْشٍ يَوْمَ بَدْرٍ، والَّذِي كادَ أنْ يَحِلَّ بِجَمِيعِ قُرَيْشٍ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ فَنَجّاهُمُ اللَّهُ مِنهُ كَما نَجّى قَوْمَ يُونُسَ.
صفحة ٢٩١
و﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ صِفَةٌ لـِ ﴿عَذابَ الخِزْيِ﴾ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ العَذابَ الَّذِي يَحِلُّ بِالأُمَمِ الكافِرَةِ هو عُقابٌ في الدُّنْيا وبَعْدَهُ عِقابٌ في الآخِرَةِ، وأنَّ الأُمَمَ الَّتِي لَمْ تُعَذَّبْ في الدُّنْيا قَدِ ادُّخِرَ لَها عَذابُ الآخِرَةِ.
والتَّمْتِيعُ: الإمْهالُ.
وإبْهامُ حِينَ لِأنَّهُ مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلافِ آجالِ آحادِهِمْ، والمُرادُ بِهِ التَّمْتِيعُ بِالحَياةِ لا بِكَشْفِ العَذابِ؛ لِأنَّهم بَعْدَ مَوْتِهِمْ ناجُونَ مِنَ العَذابِ إذْ كانُوا قَدْ آمَنُوا وأخْلَصُوا.
ولَعَلَّ الحِكْمَةَ في نَجاةِ قَوْمِ يُونُسَ تَتَمَثَّلُ في أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ عَلِمَ أنَّ تَكْذِيبَهم يُونُسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في ابْتِداءِ دَعْوَتِهِ لَمْ يَكُنْ ناشِئًا عَنْ تَصْمِيمٍ عَلى الكُفْرِ واسْتِخْفافٍ بِعَظَمَةِ اللَّهِ، ولَكِنَّهُ كانَ شَكًّا في صِدْقِ يُونُسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ. ولَعَلَّ ذَلِكَ أنَّهم كانُوا عَلى بَقِيَّةٍ مِن شَرِيعَةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وإنَّما حَرَّفُوا وحادُوا عَنْ طَرِيقِ الإيمانِ مِمّا يَعْلَمُهُ اللَّهُ، فَإنَّ في نَيْنَوى كَثِيرًا مِن أسْرى بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ كانُوا في أسْرِ الآشُورِيِّينَ كَما عَلِمْتَ آنِفًا، فَلَمّا أوْعَدَهم يُونُسُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالعَذابِ بَعْدَ أرْبَعِينَ يَوْمًا ورَأوْا أماراتِهِ بَعْدَ خَمْسَةٍ وثَلاثِينَ يَوْمًا اهْتَدَوْا وآمَنُوا إيمانًا خالِصًا.
وثانِيهُما: أنَّ يُونُسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا صَدَرَتْ مِنهُ فَلْتَةُ المُغاضَبَةِ كانَ قَدْ خَلَطَ في دَعْوَتِهِ شَيْئًا مِن حَظِّ النَّفْسِ وإنْ كانَ لِفائِدَةِ الدِّينِ، فَقَدَّرَ اللَّهُ إيمانَ قَوْمِهِ لِعِلْمِهِ كَمالَ الإيمانِ والصَّبْرِ والتَّسْلِيمِ لِلَّهِ، وهَذا عَتّابٌ وتَأْدِيبٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ رَبِّهِ، ولِذَلِكَ حَذَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الأُمَّةَ مِن تَوَهُّمِ أنَّ ما جَرى لِيُونُسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ المُغاضَبَةِ والمُعاقَبَةِ يُنْقِصُ مِن قَدْرِهِ فَقالَ ﷺ: «لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَقُولَ أنا خَيْرٌ مِن يُونُسَ بْنِ مَتّى» يَعْنِي في صِحَّةِ الرِّسالَةِ لا في التَّفاضُلِ فِيها.
وقَدْ كانَ حالُ أهْلِ مَكَّةَ كَحالِ قَوْمِ يُونُسَ إذْ بادَرُوا إلى الإيمانِ بِمُجَرَّدِ دُخُولِ جَيْشِ الفَتْحِ مَكَّةَ وقَبْلَ أنْ يَقَعُوا في قَبْضَةِ الأسْرِ، ولِذَلِكَ لَمْ يَنْجُ مِنهم
صفحة ٢٩٢
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَطَلٍ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَأْتِ مُؤْمِنًا قَبْل أنْ يَتَمَكَّنَ مِنهُ المُسْلِمُونَ ولَمْ يَنْفَعْهُ التَّعَلُّقُ بِأسْتارِ الكَعْبَةِ لِأنَّ ذَلِكَ التَّعَلُّقَ لَيْسَ بِإيمانٍ وإنَّما هو مِن شِعارِ العَوَذِ في الجاهِلِيَّةِ بِما أبْطَلَهُ الإسْلامُ إذْ قالَ النَّبِيءُ ﷺ: «إنَّ الحَرَمَ لا يُعِيذُ عاصِيًا» . وقَدْ بَيَّنّا في آخِرِ سُورَةِ غافِرٍ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَلَمّا رَأوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا بِاللَّهِ وحْدَهُ﴾ [غافر: ٨٤] إلى آخَرِ السُّورَةِ فانْظُرْهُ.
10:99Page 220
وَلَوۡ شَآءَ رَبُّكَ لَأٓمَنَ مَن فِي ٱلۡأَرۡضِ كُلُّهُمۡ جَمِيعًاۚ أَفَأَنتَ تُكۡرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤۡمِنِينَ ٩٩
And had your Lord willed, those on earth would have believed - all of them entirely. Then, [O Muḥammad], would you compel the people in order that they become believers?
﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعًا أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٩٦] لِتَسْلِيَةِ النَّبِيءِ ﷺ عَلى ما لَقِيَهُ مِن قَوْمِهِ. وهَذا تَذْيِيلٌ لِما تَقَدَّمَ مِن مُشابَهَةِ حالِ قُرَيْشٍ مَعَ النَّبِيءِ ﷺ بِحالٍ قَوْمِ نُوحٍ وقَوْمِ مُوسى وقَوْمِ يُونُسَ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ كالمُقَدِّمَةِ الكُلِّيَّةِ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي بَعْدَها، وهي جُمْلَةُ أفَأنْتَ تُكْرِهُ المُفَرَّعَةُ عَلى الجُمْلَةِ الأُولى، وهي المَقْصُودُ مِنَ التَّسْلِيَةِ.
والنّاسُ: العَرَبُ، أوْ أهْلُ مَكَّةَ مِنهم، وذَلِكَ إيماءٌ إلى أنَّهُمُ المَقْصُودُ مَن سَوْقِ القَصَصِ الماضِيَةِ كَما بَيَّناهُ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ نُوحٍ﴾ [يونس: ٧١]
والتَّأْكِيدُ بِـ كُلُّهم لِلتَّنْصِيصِ عَلى العُمُومِ المُسْتَفادِ مِن مَنِ المَوْصُولَةِ فَإنَّها لِلْعُمُومِ، والتَّأْكِيدُ بِـ جَمِيعًا لِزِيادَةِ رَفْعِ احْتِمالِ العُمُومِ العُرْفِيِّ دُونَ الحَقِيقِيِّ.
والمَعْنى: لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَ مَدارِكَ النّاسِ مُتَساوِيَةً مُنْساقَةً إلى الخَيْرِ، فَكانُوا سَواءً في قَبُولِ الهُدى والنَّظَرِ الصَّحِيحِ.
صفحة ٢٩٣
ولَوْ تَقْتَضِي انْتِفاءَ جَوابِها لِانْتِفاءِ شَرْطِها. فالمَعْنى: لَكِنَّهُ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ، فاقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ أنْ خَلَقَ عُقُولَ النّاسِ مُتَأثِّرَةً ومُنْفَعِلَةً بِمُؤَثِّراتِ التَّفاوُتِ في إدْراكِ الحَقائِقِ فَلَمْ يَتَواطَئُوا عَلى الإيمانِ، وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تُؤْمِنَ إلّا إذا اسْتَكْمَلَتْ خِلْقَةُ عَقْلِها ما يُهَيِّئُها لِلنَّظَرِ الصَّحِيحِ وحُسْنِ الوَعْيِ لِدَعْوَةِ الخَيْرِ ومُغالَبَةِ الهُدى في الِاعْتِرافِ بِالحَقِّ.
وجُمْلَةُ ﴿أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ﴾ إلَخْ مُفَرَّعَةٌ عَلى الَّتِي قَبْلَها؛ لِأنَّهُ لَمّا تَقَرَّرَ أنَّ اللَّهَ لَمْ تَتَعَلَّقْ مَشِيئَتُهُ بِاتِّفاقِ النّاسِ عَلى الإيمانِ بِاللَّهِ؛ تَفَرَّعَ عَلى ذَلِكَ إنْكارُ ما هو كالمُحاوَلَةِ لِتَحْصِيلِ إيمانِهِمْ جَمِيعًا.
والِاسْتِفْهامُ في ﴿أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ﴾ إنْكارِيٌّ، فَنَزَّلَ النَّبِيءَ ﷺ لِحِرْصِهِ عَلى إيمانِ أهْلِ مَكَّةَ وحَثِيثِ سَعْيِهِ لِذَلِكَ بِكُلِّ وسِيلَةٍ صالِحَةٍ مَنزِلَةَ مَن يُحاوِلُ إكْراهَهم عَلى الإيمانِ حَتّى تَرَتَّبَ عَلى ذَلِكَ التَّنْزِيلِ إنْكارَهُ عَلَيْهِ.
ولِأجْلِ كَوْنِ هَذا الحِرْصِ الشَّدِيدِ هو مَحَلُّ التَّنْزِيلِ ومَصَبُّ الإنْكارِ وقَعَ تَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ، فَقِيلَ ﴿أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ﴾ دُونَ أنْ يُقالَ: أفَتُكْرِهُ النّاسَ، أوْ أفَأنْتَ مُكْرِهُ النّاسِ؛ لِأنَّ تَقْدِيمَ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى مِثْلِ هَذا المُسْنَدِ يُفِيدُ تَقَوِّيَ الحُكْمِ فَيُفِيدُ تَقْوِيَةَ صُدُورِ الإكْراهِ مِنَ النَّبِيءِ ﷺ لِتَكُونَ تِلْكَ التَّقْوِيَةُ مَحَلَّ الإنْكارِ. وهَذا تَعْرِيضٌ بِالثَّناءِ عَلى النَّبِيءِ ومَعْذِرَةٌ لَهُ عَلى عَدَمِ اسْتِجابَتِهِمْ إيّاهُ، ومَن بَلَغَ المَجْهُودَ حَقَّ لَهُ العُذْرُ.
ولَيْسَ تَقْدِيُمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ هُنا مُفِيدًا لِلتَّخْصِيصِ، أيِ القَصْرِ؛ لِأنَّ المَقامَ غَيْرُ صالِحٍ لِاعْتِبارِ القَصْرِ، إذْ مُجَرَّدُ تَنْزِيلِ النَّبِيءِ ﷺ مَنزِلَةَ مَن يَسْتَطِيعُ إكْراهَ النّاسِ عَلى الإيمانِ كافٍ في الإشارَةِ إلى تَشْبِيهِ حِرْصِهِ عَلى إيمانِهِمْ بِحِرْصِ مَن يَسْتَطِيعُ إكْراهَهم عَلَيْهِ. فَما وقَعَ في الكَشّافِ مِنَ الإشارَةِ إلى مَعْنى الِاخْتِصاصِ غَيْرُ وجِيهٍ؛ لِأنَّ قَرِينَةَ التَّقَوِّي واضِحَةٌ كَما أشارَ إلَيْهِ السَّكّاكِيُّ.
والإكْراهُ: الإلْجاءُ والقَسْرُ.
10:100Page 220
وَمَا كَانَ لِنَفۡسٍ أَن تُؤۡمِنَ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَيَجۡعَلُ ٱلرِّجۡسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يَعۡقِلُونَ ١٠٠
And it is not for a soul [i.e., anyone] to believe except by permission of Allāh, and He will place defilement1 upon those who will not use reason.
صفحة ٢٩٤
﴿وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تُؤْمِنَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ ويَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾
عَطَفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ﴾ [يونس: ٩٩] لِتَقْرِيرِ مَضْمُونِها لِأنَّ مَضْمُونَها إنْكارُ أنْ يَقْدِرَ النَّبِيءُ ﷺ عَلى إلْجاءِ النّاسِ إلى الإيمانِ لِأنَّ اللَّهَ هو الَّذِي يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلْحالِ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِ، أيْ كَيْفَ يُمْكِنُكَ أنْ تُكْرِهَ النّاسَ عَلى الإيمانِ والحالُ أنَّهُ لا تَسْتَطِيعُ نَفْسٌ أنْ تُؤْمِنَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ لَها بِالإيمانِ.
والإذْنُ: هُنا إذَنُ تَكْوِينٍ وتَقْدِيرٍ. فَهو، خَلَقَ النَّفْسَ مُسْتَعِدَّةً لِقَبُولِ الحَقِّ مُمَيِّزَةً بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، والصَّلاحِ والفَسادِ، مُتَوَصِّلَةً بِالنَّظَرِ الصَّحِيحِ إلى مَعْرِفَةِ ما يَنْبَغِي أنْ يُتَّبَعَ وما لا يَنْبَغِي، مُتَمَكِّنَةً بِصِحَّةِ الإرادَةِ مِن زَجْرِ داعِيَةِ الهَوى والأعْراضِ العاجِلَةِ ومِنِ اتِّباعِ داعِيَةِ الحَقِّ والعاقِبَةِ الدّائِمَةِ حَتّى إذا وُجِّهَ إلَيْها الإرْشادُ حَصَلَ فِيها الهُدى.
ويُومِئُ إلى هَذا المَعْنى مِنَ الإذْنِ قَوْلُهُ في مُقابِلِهِ ﴿ويَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ فَقابَلَ هَذِهِ الحالَةَ بِحالَةِ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ فَعَلِمَ أنَّ حالَةَ الإيمانِ حالَةُ مَن يَعْقِلُونَ، فَبَيَّنَتْ آيَةُ ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن في الأرْضِ﴾ [يونس: ٩٩] أنَّ إيمانَ مَن لَمْ يُؤْمِن هو لِعَدَمِ مَشِيئَةِ اللَّهِ إيمانَهُ. وبَيَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ أنَّ إيمانَ مَن آمَنَ هو بِمَشِيئَةِ اللَّهِ إيمانَهُ، وكِلاهُما راجِعٌ إلى تَقْدِيرِ التَّكْوِينِ في النُّفُوسِ والعُقُولِ.
والرِّجْسُ: حَقِيقَتُهُ الخُبْثُ والفَسادُ. وأُطْلِقَ هُنا عَلى الكُفْرِ؛ لِأنَّهُ خُبْثٌ نَفْسانِيٌّ، والقَرِينَةُ مُقابَلَتُهُ بِالإيمانِ كالمُقابِلَةِ الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهم إيمانًا﴾ [التوبة: ١٢٤] إلى قَوْلِهِ ﴿فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥] . والمَعْنى: ويُوقِعُ
صفحة ٢٩٥
الكُفْرَ عَلى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ. والمُرادُ نَفْيُ العَقْلِ المُسْتَقِيمِ، أيِ الَّذِينَ لا تَهْتَدِي عُقُولُهم إلى إدْراكِ الحَقِّ ولا يَسْتَعْمِلُونَ عُقُولَهم بِالنَّظَرِ في الأدِلَّةِ.
وعَلى لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ المُسْتَعْمَلِ في التَّمَكُّنِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ويَجْعَلُ الرِّجْسَ﴾ بِياءِ الغَيْبَةِ، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى اسْمِ الجَلالَةِ الَّذِي قَبْلَهُ. وقَرَأهُ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ونَجْعَلُ بِنُونِ العَظَمَةِ.
10:101Page 220
قُلِ ٱنظُرُواْ مَاذَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَمَا تُغۡنِي ٱلۡأٓيَٰتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوۡمٖ لَّا يُؤۡمِنُونَ ١٠١
Say, "Observe what is in the heavens and the earth." But of no avail will be signs or warners to a people who do not believe.
﴿قُلُ انْظُرُوا ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ وما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾
اسْتِئْنافٌ ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعًا أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ﴾ [يونس: ٩٩] إلَخْ. قَسَّمَ النّاسَ إلى قِسْمَيْنِ: مُؤْمِنِينَ وكافِرِينَ، أيْ فادْعُهم إلى النَّظَرِ في دَلائِلَ الوَحْدانِيَّةِ والإرْشادِ إلى تَحْصِيلِ أسْبابِ الإيمانِ ودَفْعِ غِشاواتِ الكُفْرِ، وذَلِكَ بِالإرْشادِ إلى النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ بِما هو حَوْلَ الإنْسانِ مِن أحْوالِ المَوْجُوداتِ وتَصارِيفِها الدّالَّةِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ، مِثْلِ أجْرامِ الكَواكِبِ، وتَقادِيرِ مَسِيرِها، وأحْوالِ النُّورِ والظُّلْمَةِ والرِّياحِ والسَّحابِ والمَطَرِ، وكَذَلِكَ البِحارُ والجِبالُ.
وافْتُتِحَتِ الجُمْلَةُ بِـ قُلْ لِلِاهْتِمامِ بِمَضْمُونِها.
وقَدْ عَمَّمَ ما في السَّماواتِ والأرْضِ لِتَتَوَجَّهَ كُلُّ نَفْسٍ إلى ما هو أقْرَبُ إلَيْها وأيْسَرُ اسْتِدْلالًا عَلَيْهِ لَدَيْها.
والنَّظَرُ: هُنا مُسْتَعْمَلٌ فِيما يَصْلُحُ لِلنَّظَرِ القَلْبِيِّ والنَّظَرِ البَصَرِيِّ، ولِذَلِكَ عُدِلَ عَنْ إعْمالِهِ عَمَلَ أحَدِ الفِعْلَيْنِ لِكَيْلا يَتَمَحَّضَ لَهُ، فَجِيءَ بَعْدَهُ بِالِاسْتِفْهامِ المُعَلِّقِ لِكِلا الفِعْلَيْنِ بِحَيْثُ أصْبَحَ حَمْلُ النَّظَرِ عَلى كِلَيْهِما عَلى حَدِّ السَّواءِ فَصارَ صالِحًا لِلْمَعْنَيَيْنِ الحَقِيقِيِّ والمَجازِيِّ، وذَلِكَ مِن مَقاصِدِ القُرْآنِ.
صفحة ٢٩٦
وماذا بِمَعْنى ما الَّذِي، وما اسْتِفْهامٌ، وذا أصْلُهُ اسْمُ إشارَةٍ، وهو إذا وقَعَ بَعْدَ ما قامَ مَقامَ اسْمٍ مَوْصُولٍ. و﴿فِي السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قائِمٌ مَقامَ صِلَةِ المَوْصُولِ. وأصْلُ وضْعِ التَّرْكِيبِ: ما هَذا في السَّماواتِ والأرْضِ، أيْ ما المُشارُ إلَيْهِ حالَ كَوْنِهِ في السَّماواتِ والأرْضِ، فَكَثُرَ اسْتِعْمالُهُ حَتّى صارَ في مَعْنى: ما الَّذِي. والمَقْصُودُ: انْظُرُوا ما يَدُلُّكم عَلى جَوابِ هَذا الِاسْتِفْهامِ، فَكُلُّ شَيْءٍ لَهُ حالَةٌ فَهو مُرادٌ بِالنَّظَرِ العَقْلِيِّ بِتَرْكِيبِهِ في صُورَةِ مَفْعُولَيْنِ، نَحْوَ: انْظُرُوا الشَّمْسَ طالِعَةً، وانْظُرُوا السَّحابَ مُمْطِرًا، وهَكَذا، وكُلُّ شَيْءٍ هو في ذاتِهِ آيَةٌ فَهو مُرادٌ بِالنَّظَرِ البَصَرِيِّ نَحْوَ: انْظُرُوا إنْباتَ الأرْضِ بَعْدَ جَدْبِها فَهو آيَةٌ عَلى وُقُوعِ البَعْثِ. فَـ ذا لَمّا قامَ مَقامَ اسْمِ المَوْصُولِ صارَ مِن صِيَغِ العُمُومِ تَشْمَلُ جَمِيعَ الأجْرامِ وأعْراضِها الدّالَّةِ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ، وأخَصُّ ذَلِكَ التَّأمُّلُ في خُلُقِ النَّبِيءِ ﷺ ونَشْأةِ دَعْوَتِهِ، والنَّظَرِ فِيما جاءَ بِهِ. فَكُلُّ ذَلِكَ دَلائِلُ عَلى كَمالِهِ وصِدْقِهِ.
وقَدْ طُوِيَ في الكَلامِ جَوابُ الأمْرِ لِوُقُوعِ الأمْرِ عَقِبَ أسْبابِ الإيمانِ، فالتَّقْدِيرُ: انْظُرُوا تَرَوْا آياتٍ مُوصِلَةٍ إلى الإيمانِ.
وجُمْلَةُ ﴿وما تُغْنِي الآياتُ﴾ مُعْتَرِضَةٌ ذُيِّلَتْ بِها جُمْلَةُ ﴿انْظُرُوا ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُتَمِّمَةً لِمَقُولِ القَوْلِ مِمّا أمَرَ النَّبِيءُ ﷺ أنْ يَقُولَهُ لَهم ويَجُوزَ أنْ تَكُونَ اسْتِئْنافَ كَلامٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى. والمَعْنى أبْلِغْهم ما أُمِرْتَ بِتَبْلِيغِهِ إلَيْهِمْ ولَيْسَتْ تُغْنِي الآياتُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ، أيِ الَّذِينَ جَعَلَ اللَّهُ نُفُوسَهم لا تُؤْمِنُ، ولَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿انْظُرُوا ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مُفِيدًا أنَّ ذَلِكَ آياتٌ كَما تَقَدَّمَ حَسُنَ وقْعُ التَّعْبِيرِ عَنْها بِالآياتِ هُنا، فَمَعْنى ﴿وما تُغْنِي الآياتُ﴾: وما يُغْنِي ما في السَّماواتِ والأرْضِ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ، فَكانَ التَّعْبِيرُ بِالآياتِ كالإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ. وزِيدَتِ النُّذُرُ فَعُطِفَتْ عَلى الآياتِ لِزِيادَةِ التَّعْمِيمِ في هَذِهِ الجُمْلَةِ حَتّى تَكُونَ أوْسَعَ دَلالَةٍ مِنَ الَّتِي قَبْلَها لِتَكُونَ كالتَّذْيِيلِ لَها، وذَلِكَ أنَّ
صفحة ٢٩٧
القُرْآنَ جاءَ لِلنّاسِ بِالِاسْتِدْلالِ وبِالتَّخْوِيفِ ثُمَّ سَجَّلَ عَلى هَذا الفَرِيقِ بِأنَّهُ لا تَنْجَعُ فِيهِ الآياتُ والأدِلَّةُ ولا النُّذُرُ والمُخَوِّفاتُ.
ولَفْظُ ﴿قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ يُفِيدُ أنَّ انْتِفاءَ الإيمانِ عَنْهم وصْفٌ عُرِفُوا بِهِ وأنَّهُ مُسْتَقِرٌّ مِن نُفُوسِهِمْ؛ لِأنَّ اجْتِلابَ لَفْظِ قَوْمٍ هُنا مَعَ صِحَّةِ حُلُولِ غَيْرِهِ مَحَلَّهُ يُشِيرُ إلى أنَّ الوَصْفَ المَذْكُورَ بَعْدَهُ مِن مُقَوِّماتِ قَوْمِيَّتِهِمْ لِأنَّهُ صارَ مِن خَصائِصِهِمْ، بِخِلافِ ما لَوْ قِيلَ: عَمَّنْ لا يُؤْمِنُونَ. ألا تَرى إلى قَوْلِ العَنْبَرِيِّ:
قَوْمٌ إذا الشَّرُّ أبْدى ناجِذِيهِ لَهم طارُوا إلَيْهِ زَرافاتٍ ووُحْدانا
أيْ: قَوْمٌ هَذِهِ سَجِيَّتُهم. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [البقرة: ١٦٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وتَقَدَّمَ في هَذِهِ السُّورَةِ غَيْرَ مَرَّةٍ آنِفًا. وهو هُنا أبْدَعُ لِأنَّهُ عُدِلَ بِهِ عَنِ الإضْمارِ. وهَذا مِن بَدائِعِ الإعْجازِ هُنا.
10:102–103Page 220
فَهَلۡ يَنتَظِرُونَ إِلَّا مِثۡلَ أَيَّامِ ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلِهِمۡۚ قُلۡ فَٱنتَظِرُوٓاْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ ٱلۡمُنتَظِرِينَ ١٠٢
So do they wait except for like [what occurred in] the days of those who passed on before them? Say, "Then wait; indeed, I am with you among those who wait."
ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۚ كَذَٰلِكَ حَقًّا عَلَيۡنَا نُنجِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٠٣
Then We will save Our messengers and those who have believed. Thus, it is an obligation upon Us that We save the believers.1
﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إلّا مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ قُلْ فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنَجِّ المُومِنِينَ﴾
تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ﴾ [يونس: ١٠١] بِاعْتِبارِ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِن ذِكْرِ النُّذُرِ. فَهي خِطابٌ مِنَ اللَّهِ - تَعالى - لِرَسُولِهِ ﷺ أيْ يَتَفَرَّعُ عَلى انْتِفاءِ انْتِفاعِهِمْ بِالآياتِ والنُّذُرِ وعَلى إصْرارِهِمْ أنْ يَسْألَ عَنْهم: ماذا يُنْتَظَرُونَ، ويُجابُ بِأنَّهم ما يَنْتَظِرُونَ إلّا مِثْلَ ما حَلَّ بِمَن قَبْلَهم مِمَّنْ سِيقَتْ قَصَصُهم في الآياتِ الماضِيَةِ، ووَقَعَ الِاسْتِفْهامُ بِـ هَلْ لِإفادَتِها تَحْقِيقَ السُّؤالِ وهو بِاعْتِبارِ تَحْقِيقِ المَسْؤُولِ عَنْهُ وأنَّهُ جَدِيرٌ بِالجَوابِ بِالتَّحْقِيقِ.
صفحة ٢٩٨
والِاسْتِفْهامُ مَجازٌ تَهَكُّمِيٌّ إنْكارِيٌّ، نُزِّلُوا مَنزِلَةَ مَن يَنْتَظِرُونَ شَيْئًا يَأْتِيهِمْ لِيُؤْمِنُوا، ولَيْسَ ثَمَّةُ شَيْءٍ يَصْلُحُ لِأنْ يَنْتَظِرُوهُ إلّا أنْ يَنْتَظِرُوا حُلُولَ مِثْلِ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مَن قَبْلِهِمُ الَّتِي هَلَكُوا فِيها.
وضُمِّنَ الِاسْتِفْهامُ مَعْنى النَّفْيِ بِقَرِينَةِ الِاسْتِثْناءِ المُفَرَّغِ. والتَّقْدِيرُ: فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ شَيْئًا، ما يَنْتَظِرُونَ إلّا مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ.
وأُطْلِقَتِ الأيّامُ عَلى ما يَقَعُ فِيها مِنَ الأحْداثِ العَظِيمَةِ. ومِن هَذا إطْلاقُ (أيّامِ العَرَبِ) عَلى الوَقائِعِ وجُمْلَةُ ﴿قُلْ فانْتَظِرُوا﴾ مُفَرَّعَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ﴾ . وفُصِلَ بَيْنَ المُفَرَّعِ والمُفَرَّعِ عَلَيْهِ بِـ قُلْ لِزِيادَةِ الِاهْتِمامِ. ولِيَنْتَقِلَ مِن مُخاطَبَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﷺ إلى مُخاطَبَةِ الرَّسُولِ ﷺ قَوْمَهُ وبِذَلِكَ يَصِيرُ التَّفْرِيعُ بَيْنَ كَلامَيْنِ مُخْتَلِفَيِ القائِلِ شَبِيهًا بِعَطْفِ التَّلْقِينِ الَّذِي في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤] . عَلى أنَّ الِاخْتِلافَ بَيْنَ كَلامِ اللَّهِ وكَلامِ الرَّسُولِ ﷺ في مَقامِ الوَحْيِ والتَّبْلِيغِ اخْتِلافٌ ضَعِيفٌ لِأنَّهُما آئِلان إلى كَلامٍ واحِدٍ. وهَذا مَوْقِعٌ غَرِيبٌ لِفاءِ التَّفْرِيعِ.
وبِهَذا النَّسْجِ حَصَلَ إيجازٌ بَدِيعٌ لِأنَّهُ بِالتَّفْرِيعِ اعْتُبِرَ ناشِئًا عَنْ كَلامِ اللَّهِ - تَعالى - فَكَأنَّ اللَّهَ بَلَّغَهُ النَّبِيءَ ﷺ ثُمَّ أمَرَ النَّبِيءَ - صَلّى اٌللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِأنْ يُبَلِّغَهُ قَوْمَهُ فَلَيْسَ لَهُ إلّا التَّبْلِيغُ، وهو يَتَضَمَّنُ وعْدَ اللَّهِ نَبِيَهُ بِأنَّهُ يَرى ما يَنْتَظِرُهم مِنَ العَذابِ، فَهو وعِيدٌ وهو يَتَضَمَّنُ النَّصْرَ عَلَيْهِمْ. وسَيُصَرِّحُ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا﴾
وجُمْلَةُ ﴿إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ جُمْلَةِ انْتَظَرُوا لِأنَّها تُثِيرُ سُؤالَ سائِلٍ يَقُولُ: ها نَحْنُ أُولاءِ نَنْتَظِرُ وأنْتَ ماذا تَفْعَلُ. وهَذا مُسْتَعْمَلٌ كِنايَةً عَنْ تَرَقُّبِهِ النَّصْرَ إذْ لا يُظَنُّ بِهِ أنَّهُ يَنْتَظِرُ سُوءًا فَتَعَيَّنَ أنَّهُ
صفحة ٢٩٩
يَنْتَظِرُ مِن ذَلِكَ ضِدَّ ما يَحْصُلُ لَهم، فالمَعِيَّةُ في أصْلِ الِانْتِظارِ لا في الحاصِلِ بِالِانْتِظارِ.
ومَعَ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ. ومِنَ المُنْتَظَرِينَ خَبَرُ إنَّ ومُفادُهُ مُفادُ مَعَ إذْ ماصَدَقَ، المُنْتَظِرِينَ: هُمُ المُخاطَبُونَ المُنْتَظِرُونَ.
و﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إلّا مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا﴾ لِأنَّ مِثْلَ تِلْكَ الأيّامِ يَوْمُ عَذابٍ. ولَمّا كانُوا مُهَدَّدِينَ بِعَذابٍ يَحُلُّ بِمَوْضِعٍ فِيهِ الرَّسُولُ ﷺ والمُؤْمِنُونَ عَجَّلَ اللَّهُ البِشارَةَ لِلرَّسُولِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ بِأنَّهُ يُنَجِّيهِمْ مِن ذَلِكَ العَذابِ بِقُدْرَتِهِ كَما أنْجى الرُّسُلَ مِن قَبْلِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنَجِّ المُومِنِينَ﴾ تَذْيِيلٌ. والإشارَةُ بِـ كَذَلِكَ إلى الإنْجاءِ المُسْتَفادِ مِن ثُمَّ نُنَجِّي
وحَقًّا عَلَيْنا: جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ لِأنَّ المَصْدَرَ بُدِّلَ مِنَ الفِعْلِ، أيْ حَقَّ ذَلِكَ عَلَيْنا حَقًّا.
وجَعَلَهُ اللَّهُ حَقًّا عَلَيْهِ تَحْقِيقًا لِلتَّفَضُّلِ بِهِ والكَرامَةِ حَتّى صارَ كالحَقِّ عَلَيْهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ نُنَجِّي المُؤْمِنِينَ بِفَتْحِ النُّونِ الثّانِيَةِ وتَشْدِيدِ الجِيمِ عَلى وِزانِ نُنَجِّي رُسُلَنا. وقَرَأ الكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ نُنْجِي المُؤْمِنِينَ بِسُكُونِ النُّونِ الثّانِيَةِ وتَخْفِيفِ الجِيمِ مِنَ الإنْجاءِ. فالمُخالَفَةُ بَيْنَهُ وبَيْنَ نَظِيرِهِ الَّذِي قَبْلَهُ تَفَنُّنٌ، والمَعْنى واحِدٌ.
وكُتِبَ في المُصْحَفِ نُنَجِّ المُؤْمِنِينَ بِدُونِ ياءٍ بَعْدَ الجِيمِ عَلى صُورَةِ النُّطْقِ بِها لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences