Ibn 'AshurHud · 11:111–116

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Hud 11:111–116

11:111Page 234

وَإِنَّ كُلّٗا لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمۡ رَبُّكَ أَعۡمَٰلَهُمۡۚ إِنَّهُۥ بِمَا يَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ١١١

And indeed, each [of the believers and disbelievers] - your Lord will fully compensate them for their deeds. Indeed, He is Aware of what they do.

صفحة ١٧٣

﴿وإنْ كُلًّا لَما لِيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ أعْمالَهم إنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾

تَذْيِيلٌ لِلْأخْبارِ السّابِقَةِ. والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ. و(إنْ) مُخَفَّفَةٌ مِن إنَّ الثَّقِيلَةِ في قِراءَةِ نافِعٍ، وابْنِ كَثِيرٍ، وأبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وأُعْمِلَتْ في اسْمِها فانْتَصَبَ بَعْدَها. و(إنْ) المُخَفَّفَةُ إذا وقَعَتْ بَعْدَها جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ يَكْثُرُ إعْمالُها ويَكْثُرُ إهْمالُها قالَهُ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ ونُحاةُ البَصْرَةِ وهو الحَقُّ. وقَرَأ الباقُونَ (إنَّ) مُشَدَّدَةً عَلى الأصْلِ.

وبِتَنْوِينِ (كُلًّا) عِوَضًا عَنِ المُضافِ إلَيْهِ. والتَّقْدِيرُ: وإنَّ كُلَّهم، أيْ كُلَّ المَذْكُورِينَ آنِفًا مِن أهْلِ القُرى، ومِنَ المُشْرِكِينَ المُعَرَّضِ بِهِمْ، ومِنَ المُخْتَلِفِينَ في الكِتابِ مِن أتْباعِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ.

و(لَما) مُخَفَّفَةٌ في قِراءَةِ نافِعٍ، وابْنِ كَثِيرٍ، وأبِي عَمْرٍو، والكِسائِيِّ، فاللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى (ما) لامُ الِابْتِداءِ الَّتِي تَدْخُلُ عَلى خَبَرِ (إنَّ) . واللّامُ الثّانِيَةُ الدّاخِلَةُ عَلى (لَيُوَفِّيَنَّهم) لامُ جَوابِ القَسَمِ. و(ما) مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ. والفَصْلُ بَيْنَ اللّامَيْنِ دَفْعًا لِكَراهَةِ تَوالِي مِثْلَيْنِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وعاصِمٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وخَلَفٌ - بِتَشْدِيدِ المِيمِ - مِن (لَمّا) . فَعِنْدَ مَن قَرَأ (إنْ) مُخَفَّفَةً وشَدَّدَ المِيمَ وهو أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ تَكُونُ (إنْ) مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ، وأمّا مَن شَدَّدَ النُّونَ مِن (إنَّ) وشَدَّدَ المِيمَ مِن (لَمّا) وهُمُ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وخَلَفٌ فَتَوْجِيهُ قِراءَتِهِمْ وقِراءَةُ أبِي بَكْرٍ ما قالَهُ الفَرّاءُ: إنَّها بِمَعْنى (لِمَن ما) فَحُذِفَتْ إحْدى المِيماتِ الثَّلاثِ، يُرِيدُ أنَّ (لَمّا) لَيْسَتْ كَلِمَةً واحِدَةً وإنْ كانَتْ في صُورَتِها كَصُورَةِ حَرْفِ (لَمّا) في رَسْمِ المُصْحَفِ (لِأنَّهُ اتَّبَعَ فِيهِ صُورَةَ النُّطْقِ بِها) وإنَّما هي مُرَكَّبَةٌ مِن لامِ الِابْتِداءِ و(مِنَ) الجارَّةِ الَّتِي تُسْتَعْمَلُ في مَعْنى كَثْرَةِ تَكَرُّرِ الفِعْلِ كالَّتِي في قَوْلِ أبِي حَيَّةَ النَّمِرِيِّ:

صفحة ١٧٤

وإنّا لَمِمّا نَضْرِبُ الكَبْشَ ضَرْبَةً عَلى رَأْسِهِ تُلْقِي اللِّسانَ مِنَ الفَمِ

أيْ: نُكْثِرُ ضَرْبَ الكَبْشِ، أيْ أمِيرِ جَيْشِ العَدُوِّ عَلى رَأْسِهِ. وقَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُلاقِي مِنَ الوَحْيِ شِدَّةً، وكانَ مِمّا يُحَرِّكُ لِسانَهُ حِينَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ القُرْآنُ، فَقالَ اللَّهُ - تَعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] الآيَةَ» . فَأصْلُ هَذِهِ الكَلِماتِ في الآيَةِ عَلى هَذِهِ القِراءاتِ: وإنَّ كُلًّا لَمِن ما لَيُوَفِّيَنَّهم، فَلَمّا قُلِبَتْ نُونُ مِن مِيمًا لِإدْغامِها في مِيمِ (ما) اجْتَمَعَ ثَلاثُ مِيماتٍ فَحُذِفَتِ المِيمُ الأُولى تَخْفِيفًا وهي مِيمُ (مِن) لِوُجُودِ دَلِيلٍ عَلَيْها وهو المِيمُ الثّانِيَةُ لِأنَّ أصْلَ المِيمِ الثّانِيَةِ نُونُ (مِن) فَصارَ (لَمّا) .

ولامُ لَيُوَفِّيَنَّهم لامُ قَسَمٍ.

ومَعْنى الكَثْرَةِ في هَذِهِ الآيَةِ الكِنايَةُ عَنْ عَدَمِ إفْلاتِ فَرِيقٍ مِنَ المُخْتَلِفِينَ في الكِتابِ مِن إلْحاقِ الجَزاءِ عَنْ عَمَلِهِ بِهِ.

والمَعْنى: وإنَّ جَمِيعَهم لَلاقُونَ جَزاءَ أعْمالِهِمْ لا يُفْلِتُ مِنهم أحَدٌ، وإنَّ تَوْفِيَةَ اللَّهِ إيّاهم أعْمالَهم حَقَّقَهُ اللَّهُ ولَمْ يُسامِحْ فِيهِ. فَهَذا التَّخْرِيجُ هو أوْلى الوُجُوهِ الَّتِي خَرَجَتْ عَلَيْها هَذِهِ القِراءَةُ وهو مَرْوِيٌّ عَنِ الفَرّاءِ وتَبِعَهُ المَهْدَوِيُّ ونَصْرُ الشِّيرازِيُّ النَّحْوِيُّ ومَشى عَلَيْهِ البَيْضاوِيُّ. وقَدْ أنْهاها أبُو شامَةَ في شَرْحِ مَنظُومَةِ الشّاطِبِيِّ إلى سِتَّةِ وُجُوهٍ وأنْهاها غَيْرُهُ إلى ثَمانِيَةِ وُجُوهٍ.

وفِي تَفْسِيرِ الفَخْرِ: سَمِعْتُ بَعْضَ الأفاضِلِ قالَ: إنَّ اللَّهَ - تَعالى - لَمّا أخْبَرَ عَنْ تَوْفِيَةِ الأجْزِيَةِ عَلى المُسْتَحِقِّينَ في هَذِهِ الآيَةِ ذَكَرَ فِيها سَبْعَةَ أنْواعٍ مِنَ التَّوْكِيداتِ، أوَّلُها: كَلِمَةُ (إنَّ) وهي لِلتَّأْكِيدِ، وثانِيها (كَلُّ) وهي أيْضًا لِلتَّأْكِيدِ، وثالِثُها اللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى خَبَرِ إنَّ، ورابِعُها حَرْفُ (ما) إذا جَعَلْناهُ مَوْصُولًا عَلى قَوْلِ

صفحة ١٧٥

الفَرّاءِ، وخامِسُها القَسَمُ المُضْمَرُ، وسادِسُها اللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى جَوابِ القَسَمِ، وسابِعُها النُّونُ المُؤَكِّدَةُ في قَوْلِهِ: لَيُوَفِّيَنَّهم.

وتَوْفِيَةُ أعْمالِهِمْ بِمَعْنى تَوْفِيَةِ جَزاءِ الأعْمالِ، أيْ إعْطاءُ الجَزاءِ وافِيًا مِنَ الخَيْرِ عَلى عَمَلِ الخَيْرِ ومِنَ السُّوءِ عَلى عَمَلِ السُّوءِ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ اسْتِئْنافٌ وتَعْلِيلٌ لِلتَّوْفِيَةِ لِأنَّ إحاطَةَ العِلْمِ بِأعْمالِهِمْ مَعَ إرادَةِ جَزائِهِمْ تُوجِبُ أنْ يَكُونَ الجَزاءُ مُطابِقًا لِلْعَمَلِ تَمامَ المُطابَقَةِ. وذَلِكَ مُحَقَّقُ التَّوْفِيَةِ.

11:112Page 234

فَٱسۡتَقِمۡ كَمَآ أُمِرۡتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطۡغَوۡاْۚ إِنَّهُۥ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ١١٢

So remain on a right course as you have been commanded, [you] and those who have turned back with you [to Allāh], and do not transgress. Indeed, He is Seeing of what you do.

﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ومَن تابَ مَعَكَ﴾

تَرَتَّبَ عَنِ التَّسْلِيَةِ الَّتِي تَضَمَّنَها قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ [هود: ١١٠] وعَنِ التَّثْبِيتِ المُفادِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِمّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ﴾ [هود: ١٠٩] الحَضُّ عَلى الدَّوامِ عَلى التَّمَسُّكِ بِالإسْلامِ عَلى وجْهٍ قَوِيمٍ. وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالِاسْتِقامَةِ لِإفادَةِ الدَّوامِ عَلى العَمَلِ بِتَعالِيمِ الإسْلامِ، دَوامًا جِماعُهُ الِاسْتِقامَةُ عَلَيْهِ والحَذَرُ مِن تَغْيِيرِهِ.

ولَمّا كانَ الِاخْتِلافُ في كِتابِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إنَّما جاءَ مِن أهْلِ الكِتابِ عَطَفَ عَلى أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ بِالِاسْتِقامَةِ عَلى كِتابِهِ أمْرَ المُؤْمِنِينَ بِتِلْكَ الِاسْتِقامَةِ أيْضًا؛ لِأنَّ الِاعْوِجاجَ مِن دَواعِي الِاخْتِلافِ في الكِتابِ بِنُهُوضِ فِرَقٍ مِنَ الأُمَّةِ إلى تَبْدِيلِهِ لِمُجاراةِ أهْوائِهِمْ، ولِأنَّ مُخالَفَةَ الأُمَّةِ عَمْدًا إلى أحْكامِ كِتابِها إنْ هو إلّا ضَرْبٌ مِن ضُرُوبِ الِاخْتِلافِ فِيهِ؛ لِأنَّهُ اخْتِلافُها عَلى أحْكامِهِ. وفي الحَدِيثِ: «فَإنَّما أهْلَكَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم كَثْرَةُ مَسائِلِهِمْ واخْتِلافُهم عَلى أنْبِيائِهِمْ»، فَلا جَرَمَ أنْ كانَتِ الِاسْتِقامَةُ حائِلًا دُونَ ذَلِكَ، إذِ الِاسْتِقامَةُ هي العَمَلُ بِكَمالِ الشَّرِيعَةِ بِحَيْثُ لا يَنْحَرِفُ عَنْها قِيدَ شِبْرٍ. ومُتَعَلِّقُها العَمَلُ بِالشَّرِيعَةِ

صفحة ١٧٦

بَعْدَ الإيمانِ لِأنَّ الإيمانَ أصْلٌ فَلا تَتَعَلَّقُ بِهِ الِاسْتِقامَةُ. وقَدْ أشارَ إلى صِحَّةِ هَذا المَعْنى قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لِأبِي عَمْرَةَ الثَّقَفِيِّ لَمّا قالَ لَهُ: «يا رَسُولَ اللَّهِ قُلْ لِي في الإسْلامِ قَوْلًا لا أسْألُ عَنْهُ أحَدًا غَيْرَكَ. قالَ: قُلْ آمَنتُ بِاللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ» فَجَعَلَ الِاسْتِقامَةَ شَيْئًا بَعْدَ الإيمانِ.

ووُجِّهَ الأمْرُ إلى النَّبِيِّ ﷺ تَنْوِيهًا لِيُبْنى عَلَيْهِ قَوْلُهُ: كَما أُمِرْتَ فَيُشِيرُ إلى أنَّهُ المُتَلَقِّي لِلْأوامِرِ الشَّرْعِيَّةِ ابْتِداءً. وهَذا تَنْوِيهٌ لَهُ بِمَقامِ رِسالَتِهِ، ثُمَّ أعْلَمَ بِخِطابِ أُمَّتِهِ بِذَلِكَ بِقَوْلُهُ: ﴿ومَن تابَ مَعَكَ﴾ . وكافُ التَّشْبِيهِ في قَوْلِهِ: كَما أُمِرْتَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الِاسْتِقامَةِ المَأْخُوذَةِ مِنِ اسْتَقِمْ. ومَعْنى تَشْبِيهُ الِاسْتِقامَةِ المَأْمُورِ بِها بِما أُمِرَ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ لِكَوْنِ الِاسْتِقامَةِ مِمْثالَةً لِسائِرِ ما أُمِرَ بِهِ، وهو تَشْبِيهُ المُجْمَلِ بِالمُفَصَّلِ في تَفْصِيلِهِ بِأنْ يَكُونَ طِبْقَهُ. ويُئَوَّلُ هَذا المَعْنى إلى أنْ تَكُونَ الكافُ في مَعْنى (عَلى) كَما يُقالُ: كُنْ كَما أنْتَ. أيْ لا تَتَغَيَّرْ ولْتُشْبِهْ أحْوالُكَ المُسْتَقْبَلَةُ حالَتَكَ هَذِهِ.

(ومَن تابَ) عُطِفَ عَلى الضَّمِيرِ المُتَّصِلِ في (أُمِرْتَ) . ومُصَحِّحُ العَطْفِ مَوْجُودٌ وهو الفَصْلُ بِالجارِّ والمَجْرُورِ.

و(مَن تابَ) هُمُ المُؤْمِنُونَ؛ لِأنَّ الإيمانَ تَوْبَةٌ مِنَ الشِّرْكِ. و(مَعَكَ) حالٌ مِن (تابَ) ولَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِتابَ لِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ لَمْ يَكُنْ مِنَ المُشْرِكِينَ.

وقَدْ جَمَعَ قَوْلُهُ: ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ أُصُولَ الصَّلاحِ الدِّينِيِّ وفُرُوعِهِ لِقَوْلِهِ: كَما أُمِرْتَ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما نَزَلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ آيَةٌ هي أشَدُّ ولا أشَقُّ مِن هَذِهِ الآيَةِ عَلَيْهِ. ولِذَلِكَ قالَ لِأصْحابِهِ حِينَ قالُوا لَهُ: لَقَدْ أسْرَعَ إلَيْكَ الشَّيْبُ «شَيَّبَتْنِي هُودٌ وأخَواتُها» . وسُئِلَ عَمّا في هُودٍ فَقالَ: قَوْلُهُ: ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ .

* * *

صفحة ١٧٧

﴿ولا تَطْغَوْا إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾

الخِطابُ في قَوْلِهِ: ولا تَطْغَوْا مُوَجَّهٌ إلى المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ صَدَقَ عَلَيْهِمْ ﴿ومَن تابَ مَعَكَ﴾ .

والطُّغْيانُ أصْلُهُ التَّعاظُمُ والجَراءَةُ وقِلَّةُ الِاكْتِراثِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ويَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: ١٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والمُرادُ هُنا الجَراءَةُ عَلى مُخالَفَةِ ما أُمِرُوا بِهِ، قالَ - تَعالى: ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم ولا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبِي﴾ [طه: ٨١] . فَنَهى اللَّهُ المُسْلِمِينَ عَنْ مُخالَفَةِ أحْكامِ كِتابِهِ كَما نَهى بَنِي إسْرائِيلَ.

وقَدْ شَمِلَ الطُّغْيانُ أُصُولَ المَفاسِدِ، فَكانَتِ الآيَةُ جامِعَةً لِإقامَةِ المَصالِحِ ودَرْءِ المَفاسِدِ، فَكانَ النَّهْيُ عَنْهُ جامِعًا لِأحْوالِ مَصادِرِ الفَسادِ مِن نَفْسِ المُفْسِدِ وبَقِيَ ما يُخْشى عَلَيْهِ مِن عَدْوى فَسادِ خَلِيطِهِ فَهو المَنهِيُّ عَنْهُ بِقَوْلِهِ بَعْدَ هَذا ﴿ولا تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّارُ﴾ [هود: ١١٣] .

وعَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ: جَعَلَ اللَّهُ الدِّينَ بَيْنَ لاءَيْنِ ﴿ولا تَطْغَوْا﴾ - ﴿ولا تَرْكَنُوا﴾ [هود: ١١٣]

وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ اسْتِئْنافٌ لِتَحْذِيرِ مَن أخْفى الطُّغْيانَ بِأنَّ اللَّهَ مُطَّلِعٌ عَلى كُلِّ عَمَلٍ يَعْمَلُهُ المُسْلِمُونَ، ولِذَلِكَ اخْتِيرَ وصْفُ (بَصِيرٌ) مِن بَيْنِ بَقِيَّةِ الأسْماءِ الحُسْنى لِدَلالَةِ مادَّتِهِ عَلى العِلْمِ البَيِّنِ ودَلالَةِ صِيغَتِهِ عَلى قُوَّتِهِ.

11:113Page 234

وَلَا تَرۡكَنُوٓاْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنۡ أَوۡلِيَآءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ ١١٣

And do not incline toward those who do wrong, lest you be touched by the Fire, and you would not have other than Allāh any protectors; then you would not be helped.

﴿ولا تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّارُ وما لَكَمَ مَن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾

الرُّكُونُ: المَيْلُ والمُوافَقَةُ، وفِعْلُهُ كَعَلِمَ. ولَعَلَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الرُّكْنِ - بِضَمٍّ فَسُكُونٍ - وهو الجَنْبُ؛ لِأنَّ الماثِلَ يُدْنِي جَنْبَهُ إلى الشَّيْءِ المُمالِ إلَيْهِ. وهو هُنا مُسْتَعارٌ

صفحة ١٧٨

لِلْمُوافِقِ، فَبَعْدَ أنْ نَهاهم عَنِ الطُّغْيانِ نَهاهم عَنِ التَّقارُبِ مِنَ المُشْرِكِينَ لِئَلّا يُضِلُّوهم ويُزِلُّوهم عَنِ الإسْلامِ.

و(الَّذِينَ ظَلَمُوا) هُمُ المُشْرِكُونَ. وهَذِهِ الآيَةُ أصْلٌ في سَدِّ ذَرائِعِ الفَسادِ المُحَقَّقَةِ أوِ المَظْنُونَةِ.والمَسُّ: مُسْتَعْمَلٌ في الإصابَةِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ﴾ [الأعراف: ٢٠١] في آخِرِ الأعْرافِ، والمُرادُ: نارُ العَذابِ في جَهَنَّمَ.

وجُمْلَةُ ﴿وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ﴾ حالٌ، أيْ لا تَجِدُونَ مَن يَسْعى لِما يَنْفَعُكم.

و(ثُمَّ) لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ، أيْ ولا تَجِدُونَ مَن يَنْصُرُكم، أيْ مِن يُخَفِّفُ عَنْكم مَسَّ عَذابِ النّارِ أوْ يُخْرِجُكم مِنها.

و(مِن دُونِ اللَّهِ) مُتَعَلِّقٌ بِأوْلِياءَ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى الحُماةِ والحائِلِينَ.

وقَدْ جَمَعَ قَوْلُهُ: (ولا تَطْغَوْا) وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أصْلَيِ الدِّينِ، وهُما: الإيمانُ والعَمَلُ الصّالِحُ، وتَقَدَّمَ آنِفًا قَوْلُ الحَسَنِ: جَعَلَ اللَّهُ الدِّينَ بَيْنَ لاءَيْنِ: ﴿ولا تَطْغَوْا﴾ [هود: ١١٢]، ﴿ولا تَرْكَنُوا﴾ .

11:114Page 234

وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفٗا مِّنَ ٱلَّيۡلِۚ إِنَّ ٱلۡحَسَنَٰتِ يُذۡهِبۡنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِۚ ذَٰلِكَ ذِكۡرَىٰ لِلذَّٰكِرِينَ ١١٤

And establish prayer at the two ends of the day and at the approach of the night. Indeed, good deeds do away with misdeeds. That is a reminder for those who remember.

﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذَلِكَ ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ﴾

انْتَقَلَ مِن خِطابِ المُؤْمِنِينَ إلى خِطابِ النَّبِيِّ ﷺ وهَذا الخِطابُ يَتَناوَلُ جَمِيعَ الأُمَّةِ بِقَرِينَةِ أنَّ المَأْمُورَ بِهِ مِنَ الواجِباتِ عَلى جَمِيعِ

صفحة ١٧٩

المُسْلِمِينَ، لا سِيَّما وقَدْ ذُكِرَ مَعَهُ ما يُناسِبُ الأوْقاتَ المُعَيَّنَةَ لِلصَّلَواتِ الخَمْسِ، وذَلِكَ ما اقْتَضاهُ حَدِيثُ أبِي اليُسْرِ الآتِي.

وطَرَفُ الشَّيْءِ: مُنْتَهاهُ مِن أوَّلِهِ أوْ مِن آخِرِهِ، فالتَّثْنِيَةُ صَرِيحَةٌ في أنَّ المُرادَ أوَّلُ النَّهارِ وآخِرُهُ.

والنَّهارُ: ما بَيْنَ الفَجْرِ إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ، سُمِّيَ نَهارًا لِأنَّ الضِّياءَ يَنْهَرُ فِيهِ، أيْ يَبْرُزُ كَما يَبْرُزُ النَّهْرُ.

والأمْرُ بِالإقامَةِ يُؤْذِنُ بِأنَّهُ عَمَلٌ واجِبٌ لِأنَّ الإقامَةَ إيقاعُ العَمَلِ عَلى ما يَسْتَحِقُّهُ، فَتَقْتَضِي أنَّ المُرادَ بِالصَّلاةِ هُنا الصَّلاةُ المَفْرُوضَةُ، فالطَّرَفانِ ظَرْفانِ لِإقامَةِ الصَّلاةِ المَفْرُوضَةِ، فَعُلِمَ أنَّ المَأْمُورَ إيقاعُ صَلاةٍ في أوَّلِ النَّهارِ وهي الصُّبْحُ وصَلاةٍ في آخِرِهِ وهي العَصْرُ وقِيلَ المَغْرِبُ.

والزُّلَفُ: جَمْعُ زُلْفَةٍ مِثْلَ غُرْفَةٍ وغُرَفٍ، وهي السّاعَةُ القَرِيبَةُ مِن أُخْتِها، فَعُلِمَ أنَّ المَأْمُورَ إيقاعُ الصَّلاةِ في زُلَفٍ مِنَ اللَّيْلِ، ولَمّا لَمْ تُعَيَّنِ الصَّلَواتُ المَأْمُورُ بِإقامَتِها في هَذِهِ المُدَّةِ مِنَ الزَّمانِ كانَ ذَلِكَ مُجْمَلًا فَبَيَّنَتْهُ السُّنَّةُ والعَمَلُ المُتَواتِرُ بِخَمْسِ صَلَواتٍ هي الصُّبْحُ والظُّهْرُ والعَصْرُ والمَغْرِبُ والعِشاءُ، وكانَ ذَلِكَ بَيانًا لِآياتٍ كَثِيرَةٍ في القُرْآنِ كانَتْ مُجْمَلَةً في تَعْيِينِ أوْقاتِ الصَّلَواتِ مِثْلَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ وقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] .

والمَقْصُودُ أنْ تَكُونَ الصَّلاةُ أوَّلَ أعْمالِ المُسْلِمِ إذا أصْبَحَ وهي صَلاةُ الصُّبْحِ وآخِرَ أعْمالِهِ إذا أمْسى وهي صَلاةُ العِشاءِ لِتَكُونَ السَّيِّئاتُ الحاصِلَةُ فِيما بَيْنَ ذَلِكَ مَمْحُوَّةً بِالحَسَناتِ الحافَّةِ بِها. وهَذا مُشِيرٌ إلى حِكْمَةِ كَراهَةِ الحَدِيثِ بَعْدَ صَلاةِ العِشاءِ لِلْحَثِّ عَلى الصَّلاةِ وخاصَّةً ما كانَ مِنها في أوْقاتِ تَعَرُّضِ الغَفْلَةِ عَنْها. وقَدْ ثَبَتَ وُجُوبُهُما بِأدِلَّةٍ أُخَرَ ولَيْسَ في هَذِهِ الآيَةِ ما يَقْتَضِي حَصْرَ الوُجُوبِ في المَذْكُورِ فِيها.

صفحة ١٨٠

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ مَسُوقَةٌ مَساقَ التَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ بِإقامَةِ الصَّلَواتِ، وتَأْكِيدِ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ إنَّ لِلِاهْتِمامِ وتَحْقِيقِ الخَبَرِ. و(إنَّ) فِيهِ مُفِيدَةٌ مَعْنى التَّعْلِيلِ والتَّفْرِيعِ، وهَذا التَّعْلِيلُ مُؤْذِنٌ بِأنَّ اللَّهَ جَعَلَ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ، والتَّعْلِيلُ مُشْعِرٌ بِعُمُومِ أصْحابِ الحَسَناتِ لِأنَّ الشَّأْنَ أنْ تَكُونَ العِلَّةُ أعَمَّ مِنَ المَعْلُولِ مَعَ ما يَقْتَضِيهِ تَعْرِيفُ الجَمْعِ بِاللّامِ مِنَ العُمُومِ.

وإذْهابُ السَّيِّئاتِ يَشْمَلُ إذْهابَ وُقُوعِها بِأنْ يَصِيرَ انْسِياقُ النَّفْسِ إلى تَرْكِ السَّيِّئاتِ سَهْلًا وهَيِّنًا كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] ويَكُونُ هَذا مِن خَصائِصِ الحَسَناتِ كُلِّها. ويَشْمَلُ أيْضًا مَحْوَ إثْمِها إذا وقَعَتْ، ويَكُونُ هَذا مِن خَصائِصِ الحَسَناتِ كُلِّها فَضْلًا مِنَ اللَّهِ عَلى عِبادِهِ الصّالِحِينَ.

ومَحْمَلُ السَّيِّئاتِ هُنا عَلى السَّيِّئاتِ الصَّغائِرِ الَّتِي هي مِنَ اللَّمَمِ حَمْلًا لِمُطْلَقِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى مُقَيَّدِ آيَةِ ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ إلّا اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣٢] وقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١]، فَيَحْصُلُ مِن مَجْمُوعِ الآياتِ أنَّ اجْتِنابَ الفَواحِشِ جَعَلَهُ اللَّهُ سَبَبًا لِغُفْرانِ الصَّغائِرِ أوْ أنَّ الإتْيانَ بِالحَسَناتِ يُذْهِبُ أثَرَ السَّيِّئاتِ الصَّغائِرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] في سُورَةِ النِّساءِ.

رَوى البُخارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أنَّ رَجُلًا أصابَ مِنِ امْرَأةٍ قُبْلَةَ حَرامٍ فَأتى النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ فَأُنْزِلَتْ عَلَيْهِ ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ . فَقالَ الرَّجُلُ: ألِي هَذِهِ ؟ قالَ: لِمَن عَمِلَ بِها مِن أُمَّتِي» .

ورَوى التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: إنِّي عالَجْتُ امْرَأةً في أقْصى المَدِينَةِ، وإنِّي أصَبْتُ مِنها ما دُونُ أنْ أمَسَّها وها أنا ذا فاقْضِ فِيَّ ما شِئْتَ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ

صفحة ١٨١

ﷺ شَيْئًا، فانْطَلَقَ الرَّجُلُ فَأتْبَعَهُ رَجُلًا فَدَعاهُ فَتَلا عَلَيْهِ ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، فَقالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: هَذا لَهُ خاصَّةً ؟ قالَ: لا، بَلْ لِلنّاسِ كافَّةً» . قالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثَيْنِ آخَرَيْنِ: أحَدُهُما عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ، والآخَرُ عَنْ أبِي اليُسْرِ وهو صاحِبُ القِصَّةِ وضَعَّفَهُما.

والظّاهِرُ أنَّ المَرْوِيَّ في هَذِهِ الآيَةِ هو الَّذِي حَمَلَ ابْنَ عَبّاسٍ وقَتادَةَ عَلى القَوْلِ بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ دُونَ بَقِيَّةِ هَذِهِ السُّورَةِ لِأنَّهُ وقَعَ عِنْدَ البُخارِيِّ والتِّرْمِذِيِّ قَوْلُهُ: فَأُنْزِلَتْ عَلَيْهِ فَإنْ كانَ كَذَلِكَ كَما ذَكَرَهُ الرّاوِي فَهَذِهِ الآيَةُ أُلْحِقَتْ بِهَذِهِ السُّورَةِ في هَذا المَكانِ لِمُناسَبَةِ وُقُوعِ قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢] قَبْلَها وقَوْلِهِ: ﴿واصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ [هود: ١١٥] بَعْدَها.

وأمّا الَّذِينَ رَجَّحُوا أنَّ السُّورَةَ كُلَّها مَكِّيَّةٌ فَقالُوا: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في الأمْرِ بِإقامَةِ الصَّلَواتِ وإنَّ النَّبِيَّ ﷺ أخْبَرَ بِها الَّذِي سَألَهُ عَنِ القُبْلَةِ الحَرامِ وقَدْ جاءَ تائِبًا لِيُعْلِمَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾، فَيُئَوَّلُ قَوْلُ الرّاوِي: فَأُنْزِلَتْ عَلَيْهِ، أنَّهُ أُنْزِلَ عَلَيْهِ شُمُولُ عُمُومِ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ لِقَضِيَّةِ السّائِلِ ولِجَمِيعِ ما يُماثِلُها مِن إصابَةِ الذُّنُوبِ غَيْرِ الفَواحِشِ.

ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما في رِوايَةِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ عَلْقَمَةَ والأسْوَدِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَوْلَهُ: فَتَلا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأقِمِ الصَّلاةَ، ولَمْ يَقُولا: فَأُنْزِلَ عَلَيْهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ﴾ أيْ تَذْكِرَةٌ لِلَّذِي شَأْنُهُ أنْ يَذَّكَّرَ ولَمْ يَكُنْ شَأْنُهُ الإعْراضَ عَنْ طَلَبِ الرُّشْدِ والخَيْرِ، وهَذا أفادَ العُمُومَ نَصًّا. وقَوْلُهُ: ذَلِكَ الإشارَةُ إلى المَذْكُورِ قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢]

11:115Page 234

وَٱصۡبِرۡ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١١٥

And be patient, for indeed, Allāh does not allow to be lost the reward of those who do good.

صفحة ١٨٢

﴿واصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِمّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ﴾ [هود: ١٠٩] الآياتِ؛ لِأنَّها سِيقَتْ مَساقَ التَّثْبِيتِ مِن جَرّاءِ تَأْخِيرِ عِقابِ الَّذِينَ كَذَّبُوا.

ومُناسَبَةُ وُقُوعِ الأمْرِ بِالصَّبْرِ عَقِبَ الأمْرِ بِالِاسْتِقامَةِ والنَّهْيِ عَنِ الرُّكُونِ إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا، أنَّ المَأْمُوراتِ لا تَخْلُو عَنْ مَشَقَّةٍ عَظِيمَةٍ ومُخالِفَةٍ لِهَوى كَثِيرٍ مِنَ النُّفُوسِ، فَناسَبَ أنْ يَكُونَ الأمْرُ بِالصَّبْرِ بَعْدَ ذَلِكَ لِيَكُونَ الصَّبْرُ عَلى الجَمِيعِ كُلٌّ بِما يُناسِبُهُ.

وتَوْجِيهُ الخِطابِ إلى النَّبِيِّ ﷺ تَنْوِيهٌ بِهِ. والمَقْصُودُ هو وأُمَّتُهُ بِقَرِينَةِ التَّعْلِيلِ بِقَوْلِهِ: فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ لِما فِيهِ مِنَ العُمُومِ والتَّفْرِيعِ المُقْتَضِي جَمْعَهُما أنَّ الصَّبْرَ مِن حَسَناتِ المُحْسِنِينَ وإلّا لَمّا كانَ لِلتَّفْرِيعِ مَوْقِعٌ. وحَرْفُ التَّأْكِيدِ مَجْلُوبٌ لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ.

وسُمِّيَ الثَّوابُ أجْرًا لِوُقُوعِهِ جَزاءً عَلى الأعْمالِ ومَوْعُودًا بِهِ فَأشْبَهَ الأجْرَ.

11:116Page 234

فَلَوۡلَا كَانَ مِنَ ٱلۡقُرُونِ مِن قَبۡلِكُمۡ أُوْلُواْ بَقِيَّةٖ يَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡفَسَادِ فِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا قَلِيلٗا مِّمَّنۡ أَنجَيۡنَا مِنۡهُمۡۗ وَٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَآ أُتۡرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجۡرِمِينَ ١١٦

So why were there not1 among the generations before you those of enduring discrimination forbidding corruption on earth - except a few of those We saved from among them? But those who wronged pursued what luxury they were given therein, and they were criminals.

﴿فَلَوْلا كانَ مِنَ القُرُونِ مِن قَبْلِكم أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ إلّا قَلِيلًا مِمَّنْ أنْجَيْنا مِنهم واتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وكانُوا مُجْرِمِينَ﴾

هَذا قَوِيُّ الِاتِّصالِ بِقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ﴾ [هود: ١٠٢] فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَفْرِيعًا عَلَيْهِ ويَكُونُ ما بَيْنَهُما اعْتِراضًا دَعا إلَيْهِ الِانْتِقالُ الِاسْتِطْرادِيُّ في مَعانٍ مُتَماسِكَةٍ. والمَعْنى فَهَلّا كانَ في تِلْكَ الأُمَمِ أصْحابُ بَقِيَّةٍ مِن خَيْرٍ فَنَهَوْا قَوْمَهم عَنِ الفَسادِ لَمّا حَلَّ بِهِمْ ما حَلَّ. وذَلِكَ إرْشادٌ إلى وُجُوبِ النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ. ويَجُوزُ أنْ

صفحة ١٨٣

يَكُونَ تَفْرِيعًا عَلى قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢] والآيَةُ تَفْرِيعٌ عَلى الأمْرِ بِالِاسْتِقامَةِ والنَّهْيِ عَنِ الطُّغْيانِ وعَنِ الرُّكُونِ إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا، إذِ المَعْنى: ولا تَكُونُوا كالأُمَمِ مِن قَبِلِكم إذْ عَدِمُوا مَن يَنْهاهم عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ ويَنْهاهم عَنْ تَكْذِيبِ الرُّسُلِ فَأسْرَفُوا في غَلْوائِهِمْ حَتّى حَلَّ عَلَيْهِمْ غَضَبُ اللَّهِ إلّا قَلِيلًا مِنهم، فَإنْ تَرَكْتُمْ ما أُمِرْتُمْ بِهِ كانَ حالُكم كَحالِهِمْ، ولِأجْلِ هَذا المَعْنى أُتِيَ بِفاءِ التَّفْرِيعِ لِأنَّهُ في مَوْقِعِ التَّفْصِيلِ والتَّعْلِيلِ لِجُمْلَةِ ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢] وما عُطِفَ عَلَيْها؛ كَأنَّهُ قِيلَ: وإنَّ كُلًّا لَمّا لَيُوَفِّينَهم رَبُّكَ أعْمالَهم فَلَوْلا كانَ مِنهم بَقِيَّةٌ يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ إلى آخِرِهِ، أيْ فاحْذَرُوا أنْ تَكُونُوا كَما كانُوا فَيُصِيبُكم ما أصابَهم، وكُونُوا مُسْتَقِيمِينَ ولا تَطْغَوْا ولا تَرْكَنُوا إلى الظّالِمِينَ وأقِيمُوا الصَّلاةَ، فَغَيَّرَ نَظْمَ الكَلامِ إلى هَذا الأُسْلُوبِ الَّذِي في الآيَةِ لِتَفَنُّنِ فَوائِدِهِ ودَقائِقِهِ واسْتِقْلالِ أغْراضِهِ مَعَ كَوْنِها آيِلَةً إلى غَرَضٍ يُعَمِّمُها. وهَذا مِن أبْدَعِ أسالِيبِ الإعْجازِ الَّذِي هو كَرَدِّ العَجْزِ عَلى الصَّدْرِ مِن غَيْرِ تَكَلُّفٍ ولا ظُهُورِ قَصْدٍ.

ويَقْرُبُ مِن هَذا المَعْنى قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ «ما نَهَيْتُكم عَنْهُ فاجْتَنِبُوهُ وما أمَرْتُكم بِهِ فَأتُوا مِنهُ ما اسْتَطَعْتُمْ فَإنَّما أهْلَكَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم كَثْرَةُ مَسائِلِهِمْ واخْتِلافُهم عَلى أنْبِيائِهِمْ» .

ولَوْلا حَرْفُ تَحْضِيضٍ بِمَعْنى هَلّا. وتَحْضِيضُ الفائِتِ لا يُقْصَدُ مِنهُ إلّا تَحْذِيرُ غَيْرِهِ مِن أنْ يَقَعَ فِيما وقَعُوا فِيهِ والعِبْرَةُ بِما أصابَهم.

والقُرُونُ: الأُمَمُ. وتَقَدَّمَ في أوَّلِ الأنْعامِ.

والبَقِيَّةُ: الفَضْلُ والخَيْرُ. وأُطْلِقَ عَلى الفَضْلِ البَقِيَّةُ كِنايَةً غَلَبَتْ فَسارَتْ مَسْرى الأمْثالِ لِأنَّ شَأْنَ الشَّيْءِ النَّفِيسِ أنَّ صاحِبَهُ لا يُفَرِّطُ فِيهِ.

وبَقِيَّةُ النّاسِ: سادَتُهم وأهْلُ الفَضْلِ مِنهم، قالَ رُوَيْشِدُ بْنُ كَثِيرٍ الطّائِيُّ:

إنْ تُذْنِبُوا ثُمَّ تَأْتِينِي بَقِيَّتُكُـمْ فَما عَلَيَّ بِذَنْبٍ مِنكم فَوْتُ

صفحة ١٨٤

ومِن أمْثالِهِمْ ”في الزَّوايا خَبايا وفي الرِّجالِ بَقايا“ . فَمِن هُنالِكَ أُطْلِقَتْ عَلى الفَضْلِ والخَيْرِ في صِفاتِ النّاسِ فَيُقالُ: في فُلانٍ بَقِيَّةٌ، والمَعْنى هُنا: أُولُو فَضْلٍ ودِينٍ وعِلْمٍ بِالشَّرِيعَةِ، فَلَيْسَ المُرادُ الرُّسُلَ ولَكِنْ أُرِيدَ أتْباعُ الرُّسُلِ وحَمَلَةُ الشَّرائِعِ يَنْهَوْنَ قَوْمَهم عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ.

والفَسادُ: المَعاصِي واخْتِلالُ الأحْوالِ، فَنَهْيُهم يَرْدَعُهم عَنِ الِاسْتِهْتارِ في المَعاصِي فَتَصْلُحُ أحْوالُهم فَلا يَحِقُّ عَلَيْهِمُ الوَهْنُ والِانْحِلالُ كَما حَلَّ بِبَنِي إسْرائِيلَ حِينَ عَدِمُوا مَن يَنْهاهم. وفي هَذا تَنْوِيهٌ بِأصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ فَإنَّهم أُولُو بَقِيَّةٍ مِن قُرَيْشٍ يَدْعُونَهم إلى إيمانٍ حَتّى آمَنَ كُلُّهم، وأُولُو بَقِيَّةٍ بَيْنَ غَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ الَّذِينَ اخْتَلَطُوا بِهِمْ يَدْعُونَهم إلى الإيمانِ والِاسْتِقامَةِ بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهِ ويُعَلِّمُونَ الدِّينَ، كَما قالَ - تَعالى - فِيهِمْ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠] .

وفِي قَوْلِهِ: ﴿مِنَ القُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى البِشارَةِ بِأنَّ المُسْلِمِينَ لا يَكُونُونَ كَذَلِكَ مِمّا يُومِئُ إلَيْهِ قَوْلُهُ - تَعالى: مِن قَبْلِكم.

وقَرَأ ابْنُ جَمّازٍ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ بِقْيَةٍ بِكَسْرِ الباءِ المُوَحَّدَةِ وسُكُونِ القافِ وتَخْفِيفِ التَّحْتِيَّةِ فَهي لُغَةٌ ولَمْ يَذْكُرْها أصْحابُ كُتُبِ اللُّغَةِ ولَعَلَّها أُجْرِيَتْ مَجْرى الهَيْئَةِ لِما فِيها مِن تَخَيُّلِ السَّمْتِ والوَقارِ.

وإلّا قَلِيلًا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ مِن أُولُوا بَقِيَّةٍ وهو يَسْتَتْبِعُ الِاسْتِثْناءَ مِنَ القُرُونِ إذِ القُرُونُ الَّذِينَ فِيهِمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ لَيْسُوا داخِلِينَ في حُكْمِ القُرُونِ المَذْكُورَةِ مِن قَبْلُ، وهو في مَعْنى الِاسْتِدْراكِ لِأنَّ مَعْنى التَّحْضِيضِ مُتَوَجِّهٌ إلى القُرُونِ الَّذِينَ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أُولُو بَقِيَّةٍ فَهْمِ الَّذِينَ يَنْعى عَلَيْهِمْ فُقْدانُ ذَلِكَ الصِّنْفِ مِنهم. وهَؤُلاءِ القُرُونُ لَيْسَ مِنهم مَن يُسْتَثْنى إذْ كُلُّهم غَيْرُ ناجِينَ مِن عَواقِبِ الفَسادِ، ولَكِنْ لَمّا كانَ مَعْنى التَّحْضِيضِ قَدْ يُوهِمُ أنَّ جَمِيعَ القُرُونِ الَّتِي كانَتْ قَبْلَ المُسْلِمِينَ قَدْ عَدِمُوا أُولِي بَقِيَّةٍ مَعَ أنَّ بَعْضَ القُرُونِ فِيهِمْ أُولُو بَقِيَّةٍ كانَ المُوَقَّعُ لِلِاسْتِدْراكِ

صفحة ١٨٥

لِرَفْعِ هَذا الإيهامِ، فَصارَ المُسْتَثْنى غَيْرَ داخِلٍ في المَذْكُورِ مِن قَبْلُ، فَلِذَلِكَ كانَ مُنْقَطِعًا، وعَلامَةُ انْقِطاعِهِ انْتِصابُهُ لِأنَّ نَصْبَ المُسْتَثْنى بَعْدَ النَّفْيِ إذا كانَ المُسْتَثْنى مِنهُ غَيْرَ مَنصُوبٍ أمارَةً عَلى اعْتِبارِ الِانْقِطاعِ إذْ هو الأفْصَحُ. وهَلْ يَجِيءُ أفْصَحُ كَلامٍ إلّا عَلى أفْصَحِ إعْرابٍ، ولَوْ كانَ مُعْتَبَرًا اتِّصالُهُ لَجاءَ مَرْفُوعًا عَلى البَدَلِيَّةِ مِنَ المَذْكُورِ قَبْلَهُ.

ومِن في قَوْلِهِ: ﴿مِمَّنْ أنْجَيْنا﴾ بَيانِيَّةٌ، بَيانٌ لِلْقَلِيلِ لِأنَّ الَّذِينَ أنْجاهُمُ اللَّهُ مِنَ القُرُونِ هُمُ القَلِيلُ الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسادِ، وهم أتْباعُ الرُّسُلِ.

وفِي البَيانِ إشارَةٌ إلى أنَّ نَهْيَهم عَنِ الفَسادِ هو سَبَبُ إنْجاءِ تِلْكَ القُرُونِ لِأنَّ النَّهْيَ سَبَبُ السَّبَبِ إذِ النَّهْيُ يُسَبِّبُ الإقْلاعَ عَنِ المَعاصِي الَّذِي هو سَبَبُ النَّجاةِ.

ودَلَّ قَوْلُهُ: ﴿مِمَّنْ أنْجَيْنا مِنهُمْ﴾ عَلى أنَّ في الكَلامِ إيجازَ حَذْفٍ تَقْدِيرُهُ: فَكانُوا يَتُوبُونَ ويُقْلِعُونَ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ فَيَنْجُونَ مِن مَسِّ النّارِ الَّذِي لا دافِعَ لَهُ عَنْهم.

وجُمْلَةُ ﴿واتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما أفادَهُ الِاسْتِثْناءُ مِن وُجُودِ قَلِيلٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسادِ، فَهو تَصْرِيحٌ بِمَفْهُومِ الِاسْتِثْناءِ وتَبْيِينٌ لِإجْمالِهِ. والمَعْنى: وأكْثَرُهم لَمْ يَنْهَوْا عَنِ الفَسادِ ولَمْ يَنْتَهُوا هم ولا قَوْمُهم واتَّبَعُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ أبى واسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤] تَفْصِيلًا لِمَفْهُومِ الِاسْتِثْناءِ.

وفِي الآيَةِ عِبْرَةٌ ومَوْعِظَةٌ لِلْعُصاةِ مِنَ المُسْلِمِينَ لِأنَّهم لا يَخْلُونَ مِن ظُلْمِ أنْفُسِهِمْ.

واتِّباعُ ما أُتْرِفُوا فِيهِ هو الِانْقِطاعُ لَهُ والإقْبالُ عَلَيْهِ إقْبالَ المُتَّبِعِ عَلى مَتْبُوعِهِ.

وأُتْرِفُوا: أُعْطُوا التَّرَفَ، وهو السَّعَةُ والنَّعِيمُ الَّذِي سَهَّلَهُ اللَّهُ لَهم فاللَّهُ هو الَّذِي أتْرَفَهم فَلَمْ يَشْكُرُوهُ.

صفحة ١٨٦

وكانُوا مُجْرِمِينَ أيْ في اتِّباعِ التَّرَفِ فَلَمْ يَكُونُوا شاكِرِينَ، وذَلِكَ يُحَقِّقُ مَعْنى الِاتِّباعَ لِأنَّ الأخْذَ بِالتَّرَفِ مَعَ الشُّكْرِ لا يُطْلَقُ عَلَيْهِ أنَّهُ اتِّباعٌ بَلْ هو تَمَحُّضٌ وانْقِطاعٌ دُونَ شَوْبِهِ بِغَيْرِهِ. وفي الكَلامِ إيجازُ حَذْفٍ آخَرَ، والتَّقْدِيرُ: فَحَقَّ عَلَيْهِمْ هَلاكُ المُجْرِمِينَ، وبِذَلِكَ تَهَيَّأ المَقامُ لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿وما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ﴾ [هود: ١١٧]

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском