Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Hud 11:17–20
11:17Page 223
أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّهِۦ وَيَتۡلُوهُ شَاهِدٞ مِّنۡهُ وَمِن قَبۡلِهِۦ كِتَٰبُ مُوسَىٰٓ إِمَامٗا وَرَحۡمَةًۚ أُوْلَٰٓئِكَ يُؤۡمِنُونَ بِهِۦۚ وَمَن يَكۡفُرۡ بِهِۦ مِنَ ٱلۡأَحۡزَابِ فَٱلنَّارُ مَوۡعِدُهُۥۚ فَلَا تَكُ فِي مِرۡيَةٖ مِّنۡهُۚ إِنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤۡمِنُونَ ١٧
So is one who [stands] upon a clear evidence from his Lord [like the aforementioned]? And a witness1 from Him follows it,2 and before it was the Scripture of Moses to lead and as mercy. Those [believers in the former revelations] believe in it [i.e., the Qur’ān]. But whoever disbelieves in it from the [various] factions - the Fire is his promised destination. So be not in doubt about it. Indeed, it is the truth from your Lord, but most of the people do not believe.
﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إمامًا ورَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ومَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزابِ فالنّارُ مَوْعِدُهُ﴾
أُغْلِقَتْ مَعانِي هَذِهِ الآيَةِ لِكَثْرَةِ الِاحْتِمالاتِ الَّتِي تَعْتَوِرُها مِن جِهَةِ مَعادِ الضَّمائِرِ واسْمِ الإشارَةِ، ومِن جِهَةِ إجْمالِ المُرادِ مِنَ المَوْصُولِ، ومَوْقِعِ الِاسْتِفْهامِ،
صفحة ٢٦
ومَوْقِعِ فاءِ التَّفْرِيعِ. وقَدْ حَكى ابْنُ عَطِيَّةَ وُجُوهًا كَثِيرَةً في تَفْسِيرِهِ بِما لَمْ يُلَخِّصْهُ أحَدٌ مِثْلُهُ وتَبِعَهُ القُرْطُبِيُّ في حِكايَةِ بَعْضِها. والِاخْتِلافُ في ماصَدَقَ مَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ. وفي المُرادِ مِن (﴿بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ﴾)، وفي المَعْنِيِّ بِـ يَتْلُوهُ. وفي المُرادِ مِن (شاهِدٌ) . وفي مَعادِ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في قَوْلِهِ: يَتْلُوهُ. وفي مَعْنى مِن مِن قَوْلِهِ: مِنهُ، وفي مَعادِ الضَّمِير المَجْرُورِ بِـ مِن. وفي مَوْقِعِ قَوْلِهِ: مِن قَبْلِهِ مِن قَوْلِهِ: كِتابُ مُوسى. وفي مَرْجِعِ اسْمِ الإشارَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ . وفي مَعادِ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ بِالباءِ مِن قَوْلِهِ: ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ ومَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزابِ﴾ إلَخْ فَهَذِهِ مَفاتِيحُ تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ.
والَّذِي تَخَلَّصَ لِي مِن ذَلِكَ ومِمّا فَتَحَ اللَّهُ بِهِ مِمّا هو أوْضَحُ وجْهًا وأقْرَبُ بِالمَعْنى المَقْصُودِ شَبَهًا: أنَّ الفاءَ لِلتَّفْرِيعِ عَلى جُمْلَةِ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ [هود: ٣٥] إلى قَوْلِهِ ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [هود: ١٤] وأنَّ ما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ لِتَقْرِيرِ تَوَغُّلِهِمْ في المُكابَرَةِ وابْتِعادِهِمْ عَنِ الإيمانِ، وهَذا التَّفْرِيعُ تَفْرِيعُ الضِّدِ عَلى ضِدِّهِ في إثْباتِ ضِدِّ حُكْمِهِ لَهُ، أيْ إنْ كانَ حالُ أُولَئِكَ المُكَذِّبِينَ كَما وُصِفَ فَثَمَّ قَوْمٌ هم بِعَكْسِ حالِهِمْ قَدْ نَفَعَتْهُمُ البَيِّناتُ والشَّواهِدُ، فَهم يُؤْمِنُونَ بِالقُرْآنِ وهُمُ المُسْلِمُونَ وذَلِكَ مُقْتَضى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [هود: ١٤]، أيْ كَما أسْلَمَ مَن كانُوا عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِمْ مِنكم ومِن أهْلِ الكِتابِ.
والهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ، أيْ إنْ كَفَرَ بِهِ هَؤُلاءِ أفَيُؤْمِنُ بِهِ مَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ، وهَذا عَلى نَحْوِ نَظْمِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ [الزمر: ١٩] أيْ أنْتَ تُنْقِذُ مِنَ النّارِ الَّذِي حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ.
ومَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ لا يُرادُ بِها شَخْصٌ مُعَيَّنٌ. فَكَلِمَةُ (مَن) هُنا تَكُونُ كالمُعَرَّفِ بِلامِ العَهْدِ الذِّهْنِيِّ صادِقَةً عَلى مَن تَحَقَّقَتْ لَهُ الصِّلَةُ، أعْنِي أنَّهُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ. وبِدُونِ ذَلِكَ لا تَسْتَقِيمُ الإشارَةُ. وإفْرادُ ضَمائِرِ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ مُراعاةً لِلَّفْظِ مَنِ المَوْصُولَةِ وذَلِكَ أحَدُ اسْتِعْمالَيْنِ. والجَمْعُ في قَوْلِهِ: أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ مُراعاةً لِمَعْنى مَنِ المَوْصُولَةِ وذَلِكَ اسْتِعْمالٌ آخَرُ. والتَّقْدِيرُ:
صفحة ٢٧
أفَمَن كانُوا عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِمْ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ﴾ [محمد: ١٤] في سُورَةِ القِتالِ.
والَّذِينَ هم عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِمْ يَجُوزُ أنْ يَكُونُوا النَّصارى فَقَطْ فَإنَّهم كانُوا مُنْتَشِرِينَ في العَرَبِ ويَعْرِفُ أهْلُ مَكَّةَ كَثِيرًا مِنهم، وهُمُ الَّذِينَ عَرَفُوا أحَقِّيَّةَ الإسْلامِ مِثْلُ ورَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ ودِحْيَةَ الكَلْبِيِّ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ النَّصارى واليَهُودُ مِثْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ مِمَّنْ آمَنُ بَعْدَ الهِجْرَةِ فَدَلُّوا عَلى تَمَكُّنِهِمْ مِن مَعْرِفَةِ البَيِّنَةِ لِصِحَّةِ أفْهامِهِمْ ولِوُضُوحِ دَلالَةِ البَيِّنَةِ، فَأصْحابُها مُؤْمِنُونَ بِها.
والمُرادُ بِالبَيِّنَةِ حُجَّةُ مَجِيءِ الرَّسُولِ ﷺ المُبَشَّرِ بِهِ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ. فَكَوْنُ النَّصارى عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِمْ قَبْلَ مَجِيءِ الإسْلامِ ظاهِرٌ لِأنَّهم لَمْ يُكَذِّبُوا رَسُولًا صادِقًا. وكَوْنُ اليَهُودِ عَلى بَيِّنَةٍ إنَّما هو بِالنِّسْبَةِ لِانْتِظارِهِمْ رَسُولًا مُبَشَّرًا بِهِ في كِتابِهِمْ وإنْ كانُوا في كُفْرِهِمْ بِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَيْسُوا عَلى بَيِّنَةٍ. فالمُرادُ عَلى بَيِّنَةٍ خاصَّةٍ يَدُلُّ عَلَيْها سِياقُ الكَلامِ السّابِقِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فاعْلَمُوا أنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ [هود: ١٤]، ويُعَيِّنُها اللّاحِقُ مِن قَوْلِهِ: (﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾) أيْ بِالقُرْآنِ.
و) مِن (في قَوْلِهِ: ( مِن رَبِّهِ) ابْتِدائِيَّةٌ ابْتِداءً مَجازِيًّا. ومَعْنى كَوْنِها مِن رَبِّهِ أنَّها مِن وحْيِ اللَّهِ ووِصايَتِهِ الَّتِي أشارَ إلَيْها قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١] وقَوْلُهُ: (﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧]) . وذَكَرَ كِتابَ مُوسى وأنَّهُ مِن قَبْلِهِ يُشِيرُ إلى أنَّ البَيِّنَةَ المَذْكُورَةَ هُنا مِنَ الإنْجِيلِ، ويُقَوِّي أنَّ المُرادَ بِـ (مَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ) النَّصارى.
وفِعْلُ يَتْلُوهُ مُضارِعُ التَّلْوِ وهو الِاتِّباعُ ولَيْسَ مِنَ التِّلاوَةِ، أيْ يَتْبَعُهُ. والِاتِّباعُ مُسْتَعارٌ لِلتَّأْيِيدِ والِاقْتِداءِ فَإنَّ الشّاهِدَ بِالحَقِّ يَحْضُرُ وراءَ المَشْهُودِ لَهُ. وضَمِيرُ الغائِبِ المَنصُوبُ في قَوْلِهِ: يَتْلُوهُ عائِدٌ إلى مَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ
صفحة ٢٨
والمُرادُ بِـ شاهِدٌ مِنهُ شاهِدٌ مِن رَبِّهِ، أيْ شاهِدٌ مِنَ اللَّهِ وهو القُرْآنُ لِأنَّهُ لِإعْجازِهِ المُعانِدِينَ عَنِ الإتْيانِ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ كانَ حُجَّةً عَلى أنَّهُ آتٍ مِن جانِبِ اللَّهِ.
ومِنِ ابْتِدائِيَّةٌ. وضَمِيرُ مِنهُ عائِدٌ إلى رَبِّهِ. ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى شاهِدٌ. أيْ شاهِدٌ عَلى صِدْقِهِ كائِنٌ في ذاتِهِ وهو إعْجازُهُ إيّاهم عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ.
ومِن قَبْلِهِ حالٌ مِن كِتابِ مُوسى. وكِتابُ مُوسى عَطْفٌ عَلى شاهِدٌ مِنهُ والمُرادُ تَلْوُهُ في الِاسْتِدْلالِ بِطَرِيقِ الِارْتِقاءِ فَإنَّ النَّصارى يَهْتَدُونَ بِالإنْجِيلِ ثُمَّ يَسْتَظْهِرُونَ عَلى ما في الإنْجِيلِ بِالتَّوْراةِ لِأنَّها أصْلُهُ وفِيها بَيانُهُ، ولِذَلِكَ لَمّا عُطِفَ كِتابُ مُوسى عَلى شاهِدٌ الَّذِي هو مَعْمُولُ يَتْلُوهُ قُيِّدَ كِتابُ مُوسى بِأنَّهُ مِن قَبْلِهِ، أيْ ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ. ويَتْلُوهُ كِتابُ مُوسى حالَةَ كَوْنِهِ مِن قِبَلِ الشّاهِدِ أيْ سابِقًا عَلَيْهِ في النُّزُولِ. وإذا كانَ المُرادُ بِـ مَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ النَّصارى خاصَّةً كانَ لِذِكْرِ كِتابِ مُوسى إيماءً إلى أنَّ كِتابَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - شاهِدٌ عَلى صِدْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ ولَمْ يَذْكُرْ أهْلَ ذَلِكَ الكِتابِ وهُمُ اليَهُودُ لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِمْ كامِلَةٍ مِن جِهَةِ عَدَمِ تَصْدِيقِهِمْ بِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ.
وإمامًا ورَحْمَةً حالانِ ثَناءٌ عَلى التَّوْراةِ بِما فِيها مِن تَفْصِيلِ الشَّرِيعَةِ فَهو إمامٌ يُهْتَدى بِهِ ورَحْمَةٌ لِلنّاسِ يَعْمَلُونَ بِأحْكامِها فَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ في الدُّنْيا بِإقامَةِ العَدْلِ وفي الآخِرَةِ بِجَزاءِ الِاسْتِقامَةِ إذِ الإمامُ ما يُؤْتَمُّ بِهِ ويُعْمَلُ عَلى مِثالِهِ.
والإشارَةُ بِـ أُولَئِكَ إلى مَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ، أيْ أُولَئِكَ الَّذِينَ كانُوا عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ بِالقُرْآنِ ولَيْسُوا مِثْلَكم يا مَعْشَرَ المُشْرِكِينَ، وذَلِكَ في مَعْنى قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ فَقَدْ وكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ [الأنعام: ٨٩]
وإقْحامُ أُولَئِكَ هُنا يُشْبِهُ إقْحامَ ضَمِيرِ الفَصْلِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ما بَعْدَهُ مِنَ الخَبَرِ مُسَبَّبٌ عَلى ما قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ مِنَ الأوْصافِ وهي كَوْنُهم عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِمْ مُعَضَّدَةٍ بِشَواهِدَ مِنَ الإنْجِيلِ والتَّوْراةِ.
صفحة ٢٩
وجُمْلَةُ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ خَبَرُ مَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ
وضَمِيرُ بِهِ عائِدٌ إلى القُرْآنِ المَعْلُومِ مِنَ المَقامِ أوْ مِن تَقَدُّمِ ضَمِيرِهِ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ [هود: ١٣]
وبِهِ يَنْتَظِمُ الكَلامُ مَعَ قَوْلِهِ: أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ إلى قَوْلِهِ: ﴿فاعْلَمُوا أنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ [هود: ١٤] أيْ يُؤْمِنُونَ بِكَوْنِ القُرْآنِ مِن عِنْدِ اللَّهِ.
والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ لا لِلسَّبَبِيَّةِ، فَتَعْدِيَةُ فِعْلِ يُؤْمِنُونَ إلى ضَمِيرِ القُرْآنِ مِن بابِ إضافَةِ الحُكْمِ إلى الأعْيانِ وإرادَةِ أوْصافِها مِثْلُ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، أيْ يُؤْمِنُونَ بِما وُصِفَ بِهِ القُرْآنُ مِن أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ.
وحاصِلُ مَعْنى الآيَةِ وارْتِباطِها بِما قَبْلَها ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [هود: ١٤] فَإنَّ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِهِ هُمُ الَّذِينَ كانُوا عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِمْ مُؤَيَّدَةٍ بِشاهِدٍ مِن رَبِّهِمْ ومَعْضُودَةٍ بِكِتابِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن قَبْلِ بَيِّنَتِهِمْ.
وقَرِيبٌ مِن مَعْنى الآيَةِ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ﴾ [الأحقاف: ١٠] فاسْتَقامَ تَفْسِيرُ الآيَةِ تَمامُ الِاسْتِقامَةِ، وأنْتَ لا يَعُوزُكَ تَرْكِيبُ الوُجُوهِ الَّتِي تَأوَّلَ بِها المُفَسِّرُونَ مِمّا يُخالِفُ ما ذَكَرْناهُ كُلًّا أوْ بَعْضًا فَبَصَرُكَ فِيها حَدِيدٌ، وبِيَدِكَ لِفَتْحِ مَغالِقِها مَقالِيدٌ.
وجُمْلَةُ ﴿ومَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزابِ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ﴾ لِأنَّهُ لَمّا حَرَّضَ أهْلَ مَكَّةَ عَلى الإسْلامِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [هود: ١٤]، وأراهُمُ القُدْوَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾، عادَ فَحَذَّرَ مِنَ الكُفْرِ بِالقُرْآنِ فَقالَ ﴿ومَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزابِ﴾، وأعْرَضَ عَمّا تَبَيَّنَ لَهُ مِن بَيِّنَةِ رَبِّهِ وشَواهِدِ رُسُلِهِ فالنّارُ مَوْعِدُهُ.
والأحْزابُ: هم جَماعاتُ الأُمَمِ الَّذِينَ يَجْمَعُهم أمْرٌ يَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ، فالمُشْرِكُونَ حِزْبٌ، واليَهُودُ حِزْبٌ، والنَّصارى حِزْبٌ، قالَ - تَعالى:
صفحة ٣٠
﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الأوْتادِ﴾ [ص: ١٢] ﴿وثَمُودُ وقَوْمُ لُوطٍ وأصْحابُ الأيْكَةِ أُولَئِكَ الأحْزابُ﴾ [ص: ١٣]
والباءُ في يَكْفُرُ بِهِ كالباءِ في يُؤْمِنُونَ بِهِ
والمَوْعِدُ: ظَرْفٌ لِلْوَعْدِ مِن مَكانٍ أوْ زَمانٍ. وأُطْلِقَ هُنا عَلى المَصِيرِ الصّائِرِ إلَيْهِ لِأنَّ شَأْنَ المَكانِ المُعَيَّنِ لِعَمَلٍ أنْ يُعَيَّنَ بِهِ بِوَعْدٍ سابِقٍ.
* * *
﴿فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِنهُ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾
تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ومَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزابِ فالنّارُ مَوْعِدُهُ﴾ والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ
والنَّهْيُ مُسْتَعْمَلٌ كِنايَةً تَعْرِيضِيَّةً بِالكافِرِينَ بِالقُرْآنِ لِأنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي فَسادَ المَنهِيِّ عَنْهُ ونَقْصَهُ، فَمِن لَوازِمِهِ ذَمُّ المُتَلَبِّسِ بِالمَنهِيِّ عَنْهُ. ولَمّا كانَ المُخاطَبُ غَيْرَ مَظِنَّةٍ لِلتَّلَبُّسِ بِالمَنهِيِّ عَنْهُ فَيُطْلَبُ مِنهُ تَرْكُهُ ويَكُونُ النَّهْيُ طَلَبُ تَحْصِيلِ الحاصِلِ، تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ النَّهْيُ غَيْرَ مُرادٍ بِهِ الكَفُّ والإقْلاعُ عَنِ المَنهِيِّ عَنْهُ فَيَكُونُ مُسْتَعْمَلًا في لازِمِ ذَلِكَ بِقَرِينَةِ المَقامِ، ومِمّا يَزِيدُ ذَلِكَ وُضُوحًا قَوْلُهُ - تَعالى - في سُورَةِ الم السَّجْدَةِ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِن لِقائِهِ﴾ [السجدة: ٢٣] فَإنَّهُ لَوْ كانَ المَقْصُودُ تَحْذِيرَ النَّبِيءِ ﷺ مِنَ الِامْتِراءِ في اللَّوْحِ لَما كانَ لِتَفْرِيعِ ذَلِكَ عَلى إيتاءِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - الكِتابَ مُلازَمَةٌ، ولَكِنْ لَمّا كانَ المُرادُ التَّعْرِيضَ بِالَّذِينِ أنْكَرُوا الوَحْيَ قَدَّمَ إلَيْهِمُ احْتِجاجَ سَبْقِ الوَحْيِ لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ.
وفِي لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ المُسْتَعْمَلَةِ في تَمَكُّنِ التَّلَبُّسِ نَظَرًا لِحالِ الَّذِينَ اسْتُعْمِلَ النَّهْيُ كِنايَةً عَنْ ذَمِّهِمْ فَإنَّهم مُتَلَبِّسُونَ بِمَزِيَّةٍ شَدِيدَةٍ في شَأْنِ القُرْآنِ.
صفحة ٣١
وضَمِيرا الغَيْبَةِ عائِدانِ إلى القُرْآنِ الَّذِي عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ افْتَراهُ
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ تَأْكِيدٌ لِما دَلَّتْ عَلَيْهِ جُمْلَةُ ﴿فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِنهُ﴾ مِن أنَّهُ لِوُضُوحِ حَقِّيَّتِهِ لا يَنْبَغِي أنْ يُمْتَرى في صِدْقِهِ. وحَرْفُ التَّأْكِيدِ يَقُومُ مَقامَ الأمْرِ بِاعْتِقادِ حَقِّيَّتِهِ لِما يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّأْكِيدُ مِنَ الِاهْتِمامِ.
والمِرْيَةُ: الشَّكُّ. وهي مُرادِفَةُ الِامْتِراءِ المُتَقَدِّمِ في أوَّلِ الأنْعامِ. واخْتِيرَ النَّهْيُ عَلى المِرْيَةِ دُونَ النَّهْيِ عَنِ اعْتِقادِ أنَّهُ كَذِبٌ كَما هو حالُ المُشْرِكِينَ؛ لِأنَّ النَّهْيَ عَنِ الِامْتِراءِ فِيهِ يَقْتَضِي النَّهْيَ عَنِ الجَزْمِ بِالكَذِبِ بِالأوْلى، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ ما فِيهِ المُشْرِكُونَ مِنَ اليَقِينِ بِكَذِبِ القُرْآنِ أشَدُّ ذَمًّا وشَناعَةً.
ومِن ابْتِدائِيَّةٌ، أيْ في شَكٍّ ناشِئٍ عَنِ القُرْآنِ، وإنَّما يَنْشَأُ الشَّكُّ عَنْهُ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ شَكًّا في ذاتِهِ وحَقِيقَتِهِ لِأنَّ حَقِيقَةَ القُرْآنِ أنَّهُ كِتابٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فالشَّكُّ النّاشِئُ عَلى نُزُولِهِ شَكٌّ في مَجْمُوعِ حَقِيقَتِهِ، وهَذا مِثْلُ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: يُؤْمِنُونَ بِهِ مِن غَيْرِ احْتِياجٍ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ يُئَوَّلُ بِهِ إلى إضافَةِ الحُكْمِ إلى الأعْيانِ المُرادِ أوْصافُها.
وتَعْرِيفُ الحَقِّ لِإفادَةِ قَصْرِ جِنْسِ الحَقِّ عَلى القُرْآنِ. وهو قَصْرُ مُبالِغَةٍ لِكَمالِ جِنْسِ الحَقِّ فِيهِ حَتّى كَأنَّهُ لا يُوجَدُ حَقٌّ غَيْرُهُ مِثْلُ قَوْلِكَ: حاتِمٌ الجَوادُ.
والِاسْتِدْراكُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ناشِئٌ عَلى حُكْمِ الحَصْرِ، فَإنَّ الحَصْرَ يَقْتَضِي أنْ يُؤْمِنَ بِهِ كُلُّ مَن بَلَغَهُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ.
والإيمانُ هو التَّصْدِيقُ بِما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ مِنَ الدِّينِ.
وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ يُؤْمِنُونَ لِأنَّ المُرادَ انْتِفاءُ حَقِيقَةِ الإيمانِ عَنْهم في كُلِّ ما طُلِبَ الإيمانُ بِهِ مِنَ الحَقِّ، أيْ أنَّ في طِباعِ أكْثَرِ النّاسِ تَغْلِيبُ الهَوى عَلى الحَقِّ فَإذا جاءَ ما يُخالِفُ هَواهم لَمْ يُؤْمِنُوا.
11:18–19Page 223
وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ يُعۡرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمۡ وَيَقُولُ ٱلۡأَشۡهَٰدُ هَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمۡۚ أَلَا لَعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ ١٨
And who is more unjust than he who invents a lie about Allāh? Those will be presented before their Lord, and the witnesses will say, "These are the ones who lied against their Lord." Unquestionably, the curse of Allāh is upon the wrongdoers
ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبۡغُونَهَا عِوَجٗا وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ كَٰفِرُونَ ١٩
Who averted [people] from the way of Allāh and sought to make it [seem] deviant while they, concerning the Hereafter, were disbelievers.
صفحة ٣٢
﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ ويَقُولُ الأشْهادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾
لَمّا انْقَضى الكَلامُ مِن إبْطالِ زَعْمِهِمْ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ افْتَرى القُرْآنَ، ونَسَبَهُ إلى اللَّهِ. وتَعْجِيزُهم عَنْ بُرْهانٍ لِما زَعَمُوهُ، كَرَّ عَلَيْهِمْ أنْ قَدْ وضَّحَ أنَّهُمُ المُفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ عِدَّةَ أكاذِيبَ، مِنها نَفْيُهم أنْ يَكُونَ القُرْآنُ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِهِ.
فَعُطِفَتْ جُمْلَةُ ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى﴾ عَلى جُمْلَةِ ﴿ومَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزابِ فالنّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧] لِبَيانِ اسْتِحْقاقِهِمْ النّارَ عَلى كُفْرِهِمْ بِالقُرْآنِ لِأنَّهم كَفَرُوا بِهِ افْتِراءً عَلى اللَّهِ إذْ نَسَبُوا القُرْآنَ إلى غَيْرِ مَن أنْزَلَهُ، وزَعَمُوا أنَّ الرَّسُولَ ﷺ افْتَراهُ، فَكانُوا بالِغِينَ غايَةَ الظُّلْمِ حَتّى لَقَدْ يُسْألُ عَنْ وُجُودِ فَرِيقٍ أظْلَمَ مِنهم سُؤالَ إنْكارٍ يَئُولُ إلى مَعْنى النَّفْيِ، أيْ لا أحَدٌ أظْلَمُ. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ - تَعالى:﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وفي سُورَةِ الأعْرافِ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ﴾ [الأعراف: ٣٧]
وافْتِراؤُهم عَلى اللَّهِ هو ما وضَعُوهُ مِن دِينِ الشِّرْكِ، كَقَوْلِهِمْ: إنَّ الأصْنامَ شُفَعاؤُهم عِنْدَ اللَّهِ، وقَوْلُهم في كَثِيرٍ مِن أُمُورِ دِينِهِمْ ﴿واللَّهُ أمَرَنا بِها﴾ [الأعراف: ٢٨] . وقالَ - تَعالى: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ ولا سائِبَةٍ ولا وصِيلَةٍ ولا حامٍ ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ [المائدة: ١٠٣] أيْ إذْ يَقُولُونَ: أمَرَنا اللَّهُ بِذَلِكَ.
وجُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ﴾ اسْتِئْنافٌ. وتَصْدِيرُها بِاسْمِ الإشارَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم أحْرِياءُ بِما سَيَرِدُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِنَ الخَبَرِ بِسَبَبِ ما قَبْلَ اسْمِ
صفحة ٣٣
الإشارَةِ مِنَ الوَصْفِ، وهَذا أشَدُّ الظُّلْمِ كَما تَقَدَّمَ في ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
ولِما يُؤْذِنُ بِهِ اسْمُ الإشارَةِ مِن مَعْنى تَعْلِيلِ ما قَبْلَهُ فِيما بَعْدَهُ. عُلِمَ أنَّ عَرْضَهم عَلى رَبِّهِمْ عَرْضُ زَجْرٍ وانْتِقامٍ.
والعَرْضُ إذا عُدِّيَ بِحَرْفِ عَلى أفادَ مَعْنى الإحْضارِ بِإرادَةٍ.
واخْتِيارُ وصْفِ السَّبَبِ لِلْإيماءِ إلى القُدْرَةِ عَلَيْهِمْ.
وعَطْفُ فِعْلِ يَقُولُ عَلى فِعْلِ يُعْرَضُونَ الَّذِي هو خَبَرٌ، فَهو عَطْفٌ عَلى جُزْءِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ وهو هُنا ابْتِداءُ عَطْفِ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ فَكِلا الفِعْلَيْنِ مَقْصُودٌ بِالإخْبارِ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ.
والمَعْنى أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى اللَّهِ لِلْعِقابِ ويُعْلَنُ الأشْهادُ بِأنَّهم كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ فَضْحًا لَهم.
والأشْهادُ: جَمْعُ شاهِدٍ بِمَعْنى حاضِرٍ، أوْ جَمْعُ شَهِيدٍ بِمَعْنى المُخْبِرِ بِما عَلَيْهِمْ مِنَ الحَقِّ. وهَؤُلاءِ الأشْهادُ مِنَ المَلائِكَةِ.
واسْتِحْضارُهم بِطَرِيقِ اسْمِ الإشارَةِ لِتَمْيِيزِهِمْ لِلنّاسِ كُلِّهِمْ حَتّى يَشْتَهِرَ ما سَيُخْبِرُ بِهِ عَنْ حالِهِمْ، والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ شُهْرَتُهم بِالسُّوءِ وافْتِضاحُهم.
والإتْيانُ بِالمَوْصُولِ في الخَبَرِ عَنْهم إيماءً إلى سَبَبِيَّةِ ذَلِكَ الوَصْفِ الَّذِي في الصِّلَةِ فِيما يَرِدُ عَلَيْهِمْ مِنَ الحُكْمِ وهو ﴿ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾، عَلى أنَّ المَقْصُودَ تَشْهِيرُهم دُونَ الشَّهادَةِ. والمَقْصُودُ مِن إعْلانِ هَذِهِ الصِّفَةِ التَّشْهِيرُ والخِزْيُ لا إثْباتُ كَذِبِهِمْ لِأنَّ إثْباتَ ذَلِكَ حاصِلٌ في صُحُفِ أعْمالِهِمْ ولِذَلِكَ لَمْ يُسْنَدْ العَرْضُ إلى أعْمالِهِمْ وأُسْنِدَ إلى ذَواتِهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ﴾
وجُمْلَةُ ﴿ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ مِن بَقِيَّةِ قَوْلِ الأشْهادِ. وافْتِتاحُها بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ يُناسِبُ مَقامَ التَّشْهِيرِ. والخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في الدُّعاءِ خِزْيًا وتَحْقِيرًا
صفحة ٣٤
لَهم، ومِمّا يُؤَيِّدُ أنَّهُ مِن قَوْلِ الأشْهادِ وُقُوعُ نَظِيرِهِ في سُورَةِ الأعْرافِ مُصَرَّحًا فِيهِ بِذَلِكَ ﴿فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهم أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٤] الآيَةَ.
وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في سُورَةِ الأعْرافِ.
وضَمِيرُ المُؤَنَّثِ في قَوْلِهِ: يَبْغُونَها عائِدٌ إلى سَبِيلِ اللَّهِ لِأنَّ سَبِيلَ يَجُوزُ اعْتِبارُهُ مُؤَنَّثًا.
والمَعْنى: أنَّهم يَبْغُونَ أنْ تَصِيرَ سَبِيلُ اللَّهِ عَوْجاءَ، فَعُلِمَ أنَّ سَبِيلَ اللَّهِ مُسْتَقِيمَةٌ وأنَّهم يُحاوِلُونَ أنْ يُصَيِّرُوها عَوْجاءَ لِأنَّهم يُرِيدُونَ أنْ يَتْبَعَ النَّبِيءُ ﷺ دِينَهم ويَغْضَبُونَ مِن مُخالَفَتِهِ إيّاهُ. وهُنا انْتَهى كَلامُ الأشْهادِ لِأنَّ نَظِيرَهُ الَّذِي في سُورَةِ الأعْرافِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهم أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٤] الآيَةَ انْتَهى بِما يُماثِلُ آخِرِ هَذِهِ الآيَةِ.
واخْتُصَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى نَظِيرِها في الأعْرافِ بِزِيادَةِ هم في قَوْلِهِ: هم كافِرُونَ وهو تَوْكِيدٌ يُفِيدُ تَقَوِّي الحُكْمَ لِأنَّ المَقامَ هُنا مَقامُ تَسْجِيلِ إنْكارِهِمْ البَعْثَ وتَقْرِيرِهِ إشْعارًا بِما يَتَرَقَّبُهم مِنَ العِقابِ المُناسِبِ فَحُكِيَ بِهِ مِن كَلامِ الأشْهادِ ما يُناسِبُ هَذا، وما في سُورَةِ الأعْرافِ حِكايَةٌ لِما قِيلَ في شَأْنِ قَوْمٍ أُدْخِلُوا النّارَ وظَهَرَ عِقابُهم فَلا غَرَضَ لِحِكايَةِ ما فِيهِ تَأْكِيدٌ مِن كَلامِ الأشْهادِ، وكِلا المَقالَتَيْنِ واقِعٌ وإنَّما يَحْكِي البَلِيغُ فِيما يَحْكِيهِ ما لَهُ مُناسِبَةٌ لِمَقامِ الحِكايَةِ.
11:20Page 224
أُوْلَٰٓئِكَ لَمۡ يَكُونُواْ مُعۡجِزِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنۡ أَوۡلِيَآءَۘ يُضَٰعَفُ لَهُمُ ٱلۡعَذَابُۚ مَا كَانُواْ يَسۡتَطِيعُونَ ٱلسَّمۡعَ وَمَا كَانُواْ يُبۡصِرُونَ ٢٠
Those were not causing failure [to Allāh] on earth, nor did they have besides Allāh any protectors. For them the punishment will be multiplied. They were not able to hear, nor did they see.1
﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ الِاقْتِصارِ في تَهْدِيدِهِمْ عَلى وصْفِ بَعْضِ عِقابِهِمْ في الآخِرَةِ فَإنَّ ذَلِكَ يُثِيرُ في نَفْسِ السّامِعِ أنْ يَسْألَ: هَلْ هم سالِمُونَ مِن عَذابِ الدُّنْيا. فَأُجِيبَ بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ في الدُّنْيا، أيْ لا يَخْرُجُونَ عَنْ مَقْدِرَةِ اللَّهِ عَلى تَعْذِيبِهِمْ في الدُّنْيا إذا اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ تَعْجِيلَ عَذابِهِمْ.
صفحة ٣٥
وإعادَةُ الإشارَةِ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ بَعْدَ أنْ أُشِيرَ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ﴾ [هود: ١٨] لِتَقْرِيرِ فائِدَةِ اسْمِ الإشارَةِ السّابِقِ. والمَعْنى: أنَّهم يَصِيرُونَ إلى حُكْمِ رَبِّهِمْ في الآخِرَةِ ولَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِيهِ أنْ يُعَذِّبَهم في الدُّنْيا مَتى شاءَ تَعْذِيبَهم ولَكِنَّهُ أرادَ إمْهالَهم.
والمُعْجِزُ هُنا الَّذِي أفْلَتَ مِمَّنْ يَرُومُ إضْرارَهُ. وتَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٤] في سُورَةِ الأنْعامِ.
والأرْضُ: الدُّنْيا. وفائِدَةُ ذِكْرِهِ أنَّهم لا مَلْجَأ لَهم مِنَ اللَّهِ لَوْ أرادَ الِانْتِقامَ مِنهم فَلا يَجِدُونَ مَوْضِعًا مِنَ الأرْضِ يَسْتَعْصِمُونَ بِهِ. فَهَذا نَفْيٌ لِلْمَلاجِئِ والمَعاقِلِ الَّتِي يَسْتَعْصِمُ فِيها الهارِبُ. وعِنْدِي أنَّ مُقارَنَةَ ”في الأرْضِ“ بِـ مُعْجِزِينَ جَرى مَجْرى المَثَلِ في القُرْآنِ كَما في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ومَن لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ﴾ [الأحقاف: ٣٢] ولَعَلَّهُ مِمّا جَرى كَذَلِكَ في كَلامِ العَرَبِ كَما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُ إياسِ ابْنِ قُبَيْصَةَ الطّائِيِّ مِن شُعَراءِ الجاهِلِيَّةِ:
ألَمْ تَرَ أنَّ الأرْضَ رَحْبٌ فَسِيحَةٌ فَهَلْ تُعْجِزَنِّي بُقْعَةٌ مِن بِقاعِها
* * *
﴿وما كانَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ﴾يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالأوَّلِ الأنْصارُ، أيْ ما لَهم ناصِرٌ يَنْصُرُهم مِن دُونِ اللَّهِ. فَجَمَعَ لَهم نَفْيَ سَبَبَيْ النَّجاةِ مِن عَذابِ القادِرِ وهُما المَكانُ الَّذِي لا يَصِلُ إلَيْهِ القادِرُ أوْ مُعارَضَةُ قادِرٍ آخَرَ إيّاهُ يَمْنَعُهُ مِن تَسْلِيطِ عِقابِهِ. ومِن دُونِ اللَّهِ مُتَعَلِّقٌ بِـ أوْلِياءَ لِما في الوَلِيِّ هُنا مِن مَعانِي الحائِلِ والمُباعِدِ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ ولِيًّا مِن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرانًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١١٩]
ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالأوْلِياءِ الأصْنامُ الَّتِي تَوَلَّوْها، أيْ أخْلَصُوا لَها المَحَبَّةَ والعِبادَةَ.
صفحة ٣٦
ومَعْنى نَفْيِ الأوْلِياءِ عَنْهم بِهَذا المَعْنى نَفْيُ أثَرِ هَذا الوَصْفِ، أيْ لَمْ تَنْفَعْهم أصْنامُهم وآلِهَتُهم.
ومِن دُونِ اللَّهِ عَلى هَذا الوَجْهِ بِمَعْنى مِن غَيْرِ اللَّهِ، فَـ دُونِ اسْمٌ غَيْرُ ظَرْفٍ، ومِنَ الجارَّةُ لِـ دُونِ زائِدَةٌ تُزادُ في الظُّرُوفِ غَيْرِ المُتَصَرِّفَةِ، ومِنَ الجارَّةُ لِـ أوْلِياءَ زائِدَةٌ لِاسْتِغْراقِ الجِنْسِ المَنفِيِّ، أيْ ما كانَ لَهم فَرْدٌ مِن أفْرادِ جِنْسِ الأوْلِياءِ.
والعَذابُ المُضاعَفُ هو عَذابُ الآخِرَةِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ المُشْعِرِ بِتَأْخِيرِ العَذابِ عَنْهم في الدُّنْيا لا عَنْ عَجْزٍ.
* * *
﴿يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ﴾
خَبَرٌ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ خَبَرًا أوَّلَ وجُمْلَةُ يُضاعَفُ خَبَرًا ثانِيًا. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ﴾ حالًا وجُمْلَةُ يُضاعَفُ خَبَرًا أوَّلَ.
* * *
﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾
يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا خَبَرًا عَنِ اسْمِ الإشارَةِ أوْ حالًا مِنهُ فَتَكُونُ اسْتِطاعَةُ السَّمْعِ المَنفِيَّةُ عَنْهم مُسْتَعارَةٌ لِكَراهِيَتِهِمْ سَماعَ القُرْآنِ وأقْوالَ النَّبِيءِ ﷺ كَما نُفِيَتْ الإطاقَةُ في قَوْلِ الأعْشى:
وهَلْ تُطِيقُ وداعًا أيُّها الرَّجُلُ
أرادَ بِنَفْيِ إطاقَةِ الوَداعَ عَنْ نَفْسِهِ أنَّهُ يَحْزَنُ لِذَلِكَ الحُزْنِ مِنَ الوَداعِ فَأشْبَهَ الشَّيْءَ غَيْرَ المُطاقِ وعَبَّرَ هُنا بِالِاسْتِطاعَةِ لِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ كانَ
صفحة ٣٧
يَدْعُوهم إلى اسْتِماعِ القُرْآنِ فَيُعْرِضُونَ لِأنَّهم يَكْرَهُونَ أنْ يَسْمَعُوهُ. قالَ - تَعالى: ﴿ويْلٌ لِكُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ [الجاثية: ٧] ﴿يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها﴾ [الجاثية: ٨] وقالَ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ لَعَلَّكم تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦] لِأنَّهم لَوْ سَمِعُوا ووَعَوْا لاهْتَدَوْا لَأنَّ الكَلامَ المَسْمُوعَ مُشْتَمِلٌ عَلى تَرْكِيبِ الأدِلَّةِ ونَتائِجِها فَسَماعُهُ كافٍ في حُصُولِ الِاهْتِداءِ.
والإبْصارُ المَنفَيُّ هو النَّظَرُ في المَصْنُوعاتِ الدّالَّةِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ، أيْ ما كانُوا يُوَجِّهُونَ أنْظارَهم إلى المَصْنُوعاتِ تَوْجِيهَ تَأمُّلٍ واعْتِبارٍ بَلْ يَنْظُرُونَ إلَيْها نَظَرَ الغافِلِ عَمّا فِيها مِنَ الدَّقائِقِ، ولِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ هُنا: وما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يُبْصِرُوا؛ لِأنَّهم كانُوا يُبْصِرُونَها ولَكِنَّ مُجَرَّدَ الإبْصارِ غَيْرُ كافٍ في حُصُولِ الِاسْتِدْلالِ حَتّى يُضَمَّ إلَيْهِ عَمَلُ الفِكْرِ بِخِلافِ السَّمْعِ في قَوْلِهِ: ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ حالًا لِـ أوْلِياءَ، وسَوَّغَ كَوْنَها حالًا مِنَ النَّكِرَةِ أنَّ النَّكِرَةَ وقَعَتْ في سِياقِ النَّفْيِ. والمَعْنى: أنَّهم جَعَلُوها آلِهَةً لَهم في حالِ أنَّها لا تَسْتَطِيعُ السَّمْعَ ولا الإبْصارَ.
وإعادَةُ ضَمِيرِ جَمْعِ العُقَلاءِ عَلى الأصْنامِ عَلى هَذا الوَجْهِ مَنظُورٌ فِيهِ إلى أنَّ المُشْرِكِينَ اعْتَقَدُوها تَعْقِلُ، فَفي هَذا الإضْمارِ مَعَ نَفْيِ السَّمْعِ والبَصَرِ عَنْها ضَرْبٌ مِنَ التَّهَكُّمِ بِهِمْ.
والإتْيانُ بِأفْعالِ الكَوْنِ في هَذِهِ الجُمَلِ أرْبَعَ مَرّاتٍ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ لِإفادَةِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ فِعْلُ الكَوْنِ مِن تَمَكُّنِ الحَدَثِ المُخْبَرِ بِهِ فَقَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ﴾ آكُدُ مِن: لا يُعْجِزُونَ وكَذَلِكَ أخَواتُهُ.
والِاخْتِلافُ بَيْنَ صِيَغِ أفْعالِ الكَوْنِ إذْ جاءَ أوَّلُها بِصِيغَةِ المُضارِعِ والثَّلاثَةُ بَعْدَهُ بِصِيغَةِ الماضِي لِأنَّ المُضارِعَ المَجْزُومَ بِحَرْفِ (لَمْ) لَهُ مَعْنى المُضِيِّ فَلَيْسَ المُخالَفَةُ مِنها إلّا تَفَنُّنًا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences