Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Hud 11:28–33
11:28Page 224
قَالَ يَٰقَوۡمِ أَرَءَيۡتُمۡ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّي وَءَاتَىٰنِي رَحۡمَةٗ مِّنۡ عِندِهِۦ فَعُمِّيَتۡ عَلَيۡكُمۡ أَنُلۡزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمۡ لَهَا كَٰرِهُونَ ٢٨
He said, "O my people, have you considered: if I should be upon clear evidence from my Lord while He has given me mercy from Himself but it has been made unapparent to you, should we force it upon you while you are averse to it?
صفحة ٥٠
﴿قالَ يا قَوْمِ أراَيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وآتانِي رَحْمَةً مِن عِنْدِهِ فَعَمِيَتْ عَلَيْكم أنُلْزِمُكُمُوها وأنْتُمْ لَها كارِهُونَ﴾
فُصِلَتْ جُمْلَةُ قالَ يا قَوْمِ عَنِ الَّتِي قَبْلَها عَلى طَرِيقَةِ حِكايَةِ الأقْوالِ في المُحاوَراتِ كَما قَدَّمْناهُ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ، فَهَذِهِ لَمّا وقَعَتْ مُقابِلًا لِكَلامٍ مَحْكِيٍّ يُقالُ فُصِلَتِ الجُمْلَةُ ولَمْ تُعْطَفْ بِخِلافِ ما تَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ: ﴿فَقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ﴾ [هود: ٢٧]
وافْتِتاحُ مُراجَعَتِهِ بِالنِّداءِ لِطَلَبِ إقْبالِ أذْهانِهِمْ لِوَعْيِ كَلامِهِ، كَما تَقَدَّمَ في نَظِيرِها في سُورَةِ الأعْرافِ، واخْتِيارِ اسْتِحْضارِهِمْ بِعُنْوانِ قَوْمِهِ لِاسْتِنْزالِ طائِرِ نُفُورِهِمْ تَذْكِيرًا لَهم بِأنَّهُ مِنهم فَلا يُرِيدُ لَهم إلّا خَيْرًا.
وإذْ قَدْ كانَ طَعْنُهم في رِسالَتِهِ مُدَلِّلًا بِأنَّهم ما رَأوْا لَهُ مَزِيَّةً وفَضْلًا، وما رَأوْا أتْباعَهُ إلّا ضُعَفاءَ قَوْمِهِمْ وإنَّ ذَلِكَ عَلامَةُ كَذِبِهِ وضَلالِ أتْباعِهِ، سَلَكَ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في مُجادَلَتِهِمْ مَسْلَكَ إجْمالٍ لِإبْطالِ شُبْهَتِهِمْ ثُمَّ مَسْلَكَ تَفْصِيلٍ لِرَدِّ أقْوالِهِمْ، فَأمّا مَسْلَكُ الإجْمالِ فَسَلَكَ فِيهِ مَسْلَكَ القَلْبِ بِأنَّهم إنْ لَمْ يَرَوْا فِيهِ وفي أتْباعِهِ ما يَحْمِلُ عَلى التَّصْدِيقِ بِرِسالَتِهِ، فَكَذَلِكَ هو لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَحْمِلَهم عَلى رُؤْيَةِ المَعانِي الدّالَّةِ عَلى صِدْقِهِ ولا يَسْتَطِيعُ مَنعَ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ مِن مُتابَعَتِهِ والِاهْتِداءِ بِالهَدْيِ الَّذِي جاءَ بِهِ.
فَقَوْلُهُ: ﴿أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾ إلى آخِرِهِ. مَعْناهُ إنْ كُنْتَ ذا بُرْهانٍ واضِحٍ، ومُتَّصِفًا بِرَحْمَةِ اللَّهِ بِالرِّسالَةِ بِالهُدى فَلَمْ تَظْهَرْ لَكُمُ الحُجَّةُ ولا دَلائِلُ الهُدى، فَهَلْ أُلْزِمُكم أنا وأتْباعِي بِها، أيْ بِالإذْعانِ إلَيْها والتَّصْدِيقِ
صفحة ٥١
بِها إنْ أنْتُمْ تَكْرَهُونَ قَبُولَها. وهَذا تَعْرِيضٌ بِأنَّهم لَوْ تَأمَّلُوا تَأمُّلًا بَرِيئًا مِنَ الكَراهِيَةِ والعَداوَةِ لَعَلِمُوا صِدْقَ دَعْوَتِهِ.
وأرَأيْتُمْ، اسْتِفْهامٌ عَنِ الرُّؤْيَةِ بِمَعْنى الِاعْتِقادِ. وهو اسْتِفْهامٌ تَقْرِيرِيٌّ إذا كانَ فِعْلُ الرُّؤْيَةِ غَيْرَ عامِلٍ في مُفْرَدٍ فَهو تَقْرِيرٌ عَلى مَضْمُونِ الجُمْلَةِ السّادَّةِ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ رَأيْتُمْ، ولِذَلِكَ كانَ مَعْناهُ آيِلًا إلى مَعْنى أخْبِرُونِي، ولَكِنَّهُ لا يُسْتَعْمَلُ إلّا في طَلَبِ مَن حالُهُ حالُ مَن يَجْحَدُ الخَبَرَ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْناهُ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أوْ جَهْرَةً﴾ [الأنعام: ٤٧] في سُورَةِ الأنْعامِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾ إلى قَوْلِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكم مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ فِعْلِ أرَأيْتُمْ وما سَدَّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْهِ.
والِاسْتِفْهامُ في ﴿أنُلْزِمُكُمُوها﴾ إنْكارِيٌّ، أيْ لا نُكْرِهُكم عَلى قَبُولِها، فَعُلِّقَ الإلْزامُ بِضَمِيرِ البَيِّنَةِ أوِ الرَّحْمَةِ. والمُرادُ تَعْلِيقُهُ بِقَبُولِها بِدَلالَةِ القَرِينَةِ.
والبَيِّنَةُ: الحُجَّةُ الواضِحَةُ، وتُطْلَقُ عَلى المُعْجِزَةِ، فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُعْجِزَتُهُ الطُّوفانَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لَهُ مُعْجِزاتٌ أُخْرى لَمْ تُذْكَرْ، فَإنَّ بِعْثَةَ الرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - لا تَخْلُو مِن مُعْجِزاتٍ.
والمُرادُ بِالرَّحْمَةِ نِعْمَةُ النُّبُوءَةِ والتَّفْضِيلِ عَلَيْهِمُ الَّذِي أنْكَرُوهُ، مَعَ ما صَحِبَها مِنَ البَيِّنَةِ لِأنَّها مِن تَمامِها، فَعَطْفُ الرَّحْمَةِ عَلى البَيِّنَةِ يَقْتَضِي المُغايَرَةَ بَيْنَهُما، وهي مُغايِرَةٌ بِالعُمُومِ والخُصُوصِ لِأنَّ الرَّحْمَةَ أعَمُّ مِنَ البَيِّنَةِ إذِ البَيِّنَةُ عَلى صِدْقِهِ مِن جُمْلَةِ الرَّحْمَةِ بِهِ، ولِذَلِكَ لَمّا أُعِيدَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: فَعُمِّيَتْ أُعِيدَ عَلى الرَّحْمَةِ لِأنَّها أعَمُّ.
وعَلَيْكم مُتَعَلِّقَةٌ بِـ عُمِّيَتْ وهو حَرْفٌ تَتَعَدّى بِهِ الأفْعالُ الدّالَّةُ عَلى مَعْنى الَخَفاءِ، مِثْلُ: خَفِيَ عَلَيْكَ. ولَمّا كانَ عُمِّيَ في مَعْنى خَفِيَ عُدِّيَ بِـ (عَلى)، وهو لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ أيِ التَّمَكُّنِ، أيْ قُوَّةِ مُلازَمَةِ البَيِّنَةِ والرَّحْمَةِ لَهُ.
صفحة ٥٢
واخْتِيارُ وصْفِ الرَّبِّ دُونَ اسْمِ الجَلالَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ إعْطاءَهُ البَيِّنَةَ والرَّحْمَةَ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ أرادَ بِهِ إظْهارَ رِفْقِهِ وعِنايَتِهِ بِهِ.
ومَعْنى فَعُمِّيَتْ فَخَفِيَتْ، وهو اسْتِعارَةٌ، إذْ شُبِّهَتِ الحُجَّةُ الَّتِي لَمْ يُدْرِكْها المُخاطَبُونَ كالعَمْياءِ في أنَّها لَمْ تَصِلْ إلى عُقُولِهِمْ كَما أنَّ الأعْمى لا يَهْتَدِي لِلْوُصُولِ إلى مَقْصِدِهِ فَلا يَصِلُ إلَيْهِ. ولَمّا ضُمِّنَ مَعْنى: الخَفاءِ عُدِّيَ فِعْلُ فَعُمِّيَتْ بِحَرْفِ عَلى تَجْرِيدًا لِلِاسْتِعارَةِ. وفي ضِدِّ هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ جاءَ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿وآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ٥٩]، أيْ آتَيْناهم آيَةً واضِحَةً لا يُسْتَطاعُ جَحْدُها لِأنَّها آيَةٌ مَحْسُوسَةٌ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ جَحْدُهم إيّاها ظُلْمًا فَقالَ فَظَلَمُوا بِها
ومِن بَدِيعِ هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ هُنا أنَّ فِيها طِباقًا لِمُقابَلَةِ قَوْلِهِمْ في مُجادَلَتِهِمْ ﴿ما نَراكَ إلّا بَشَرًا﴾ [هود: ٢٧] - وما نَراكَ اتَّبَعَكَ - ﴿وما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ﴾ [هود: ٢٧] . فَقابَلَ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَلامَهم مُقابَلَةً بِالمَعْنى واللَّفْظِ إذْ جَعَلَ عَدَمَ رُؤْيَتِهِمْ مِن قَبِيلِ العَمى.
وعَطْفُ عُمِّيَتْ بِفاءِ التَّعْقِيبِ إيماءً إلى عَدَمِ الفَتْرَةِ بَيْنَ إيتائِهِ البَيِّنَةَ والرَّحْمَةَ وبَيْنَ خَفائِها عَلَيْهِمْ. وهو تَعْرِيضٌ لَهم بِأنَّهم بادَرُوا بِالإنْكارِ قَبْلَ التَّأمُّلِ.
وجُمْلَةُ ﴿أنُلْزِمُكُمُوها﴾ سادَّةُ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ أرَأيْتُمْ لِأنَّ الفِعْلَ عُلِّقَ عَنِ العَمَلِ بِدُخُولِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ.
وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ فَعْلُ أرَأيْتُمْ وما سَدَّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْهِ. وتَقْدِيرُ الكَلامِ: يا قَوْمِ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي إلى آخِرِهِ أتَرَوْنَ أنُلْزِمُكم قَبُولَ البَيِّنَةِ وأنْتُمْ لَها كارِهُونَ.
وجِيءَ بِضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ المُشارِكِ هُنا لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الإلْزامَ لَوْ فُرِضَ وُقُوعُهُ لَكانَ لَهُ أعْوانٌ عَلَيْهِ وهم أتْباعُهُ فَأرادَ أنْ لا يُهْمِلَ ذِكْرَ أتْباعِهِ وأنَّهم أنْصارٌ لَهُ لَوْ شاءَ أنْ يَهِيبَ بِهِمْ. والقَصْدُ مِن ذَلِكَ التَّنْوِيهُ بِشَأْنِهِمْ في مُقابَلَةِ تَحْقِيرِ الآخَرِينَ إيّاهم.
صفحة ٥٣
والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ، أيْ ما كانَ لَنا ذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْهُ بِإكْراهِهِمْ إعْراضًا عَنِ العِنايَةِ بِهِمْ فَتَرَكَ أمْرَهم إلى اللَّهِ، وذَلِكَ أشَدُّ في تَوَقُّعِ العِقابِ العَظِيمِ.
والكارِهُ: المُبْغِضُ لِشَيْءٍ. وعُدِّيَ بِاللّامِ إلى مَفْعُولِهِ لِزِيادَةِ تَقْوِيَةِ تَعَلُّقِ الكَراهِيَةِ بِالرَّحْمَةِ أوِ البَيِّنَةِ، أيْ وأنْتُمْ مُبْغِضُونَ قَبُولَها لِأجْلِ إعْراضِكم عَنِ التَّدَبُّرِ فِيها.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى كارِهُونَ لِرِعايَةِ الفاصِلَةِ مَعَ الِاهْتِمامِ بِشَأْنِها. والمَقْصُودُ مِن كَلامِهِ بَعَثُهم عَلى إعادَةِ التَّأمُّلِ في الآياتِ، وتَخْفِيضُ نُفُوسِهِمْ، واسْتِنْزالُهم إلى الإنْصافِ. ولَيْسَ المَقْصُودُ مَعْذِرَتَهم بِما صَنَعُوا ولا العُدُولَ عَنْ تَكْرِيرِ دَعْوَتِهِمْ.
11:29Page 225
وَيَٰقَوۡمِ لَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ مَالًاۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِۚ وَمَآ أَنَا۠ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْۚ إِنَّهُم مُّلَٰقُواْ رَبِّهِمۡ وَلَٰكِنِّيٓ أَرَىٰكُمۡ قَوۡمٗا تَجۡهَلُونَ ٢٩
And O my people, I ask not of you for it any wealth. My reward is not but from Allāh. And I am not one to drive away those who have believed. Indeed, they will meet their Lord, but I see that you are a people behaving ignorantly.
﴿ويا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ مالًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ وما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾
إعادَةُ الخِطابِ بِـ يا قَوْمِ تَأْكِيدٌ لِما في الخِطابِ بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ مِنَ المَعانِي الَّتِي ذَكَرْناها، وأمّا عَطْفُ النِّداءِ بِالواوِ مَعَ أنَّ المُخاطَبَ بِهِ واحِدٌ وشَأْنُ عَطْفِ النِّداءِ أنْ يَكُونَ عِنْدَ اخْتِلافِ المُنادى كَقَوْلِ المَعَرِّيِّ:
يا ساهِرَ البَرْقِ أيْقِظْ راقِدَ السَّمُرِ لَعَلَّ بِالجِزْعِ أعْوانًا عَلى السَّهَـرِ
ثُمَّ قالَ:
ويا أسِيرَةَ حِجْلَيْها أرى سَفَـهًـا ∗∗∗ حَمْلَ الحُلِيِّ بِمَن أعْيا عَنِ النَّظَرِ
فَأمّا إذا اتَّحَدَ المُنادى فالشَّأْنُ عَدَمُ العَطْفِ كَما في قِصَّةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في سُورَةِ مَرْيَمَ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ يا أبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ﴾ [مريم: ٤٢] إلى قَوْلِهِ: ولِيًّا فَقَدْ تَكَرَّرَ النِّداءُ أرْبَعَ مَرّاتٍ.
صفحة ٥٤
فَتَعَيَّنَ هُنا أنْ يَكُونَ العَطْفُ مِن مَقُولِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لا مِن حِكايَةِ اللَّهِ عَنْهُ. ثُمَّ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَنْبِيهًا عَلى اتِّصالِ النِّداءاتِ بَعْضِها بِبَعْضٍ، وأنَّ أحَدَها لا يُغْنِي عَنِ الآخَرِ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ مِن قَبِيلِ الوَصْلِ لِأنَّ النِّداءَ افْتِتاحُ كَلامٍ فَجُمْلَتُهُ ابْتِدائِيَّةٌ وعَطْفُها إذا عُطِفَتْ مُجَرَّدُ عَطْفٍ لَفْظِيٍّ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَفَنُّنًا عَرَبِيًّا في الكَلامِ عِنْدَ تَكَرُّرِ النِّداءِ اسْتِحْسانًا لِلْمُخالَفَةِ بَيْنَ التَّأْكِيدِ والمُؤَكَّدِ. وسَيَجِيءُ نَظِيرُ هَذا قَرِيبًا في قِصَّةِ هُودٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقِصَّةِ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ.
ومِنهُ ما وقَعَ في سُورَةِ المُؤْمِنِ في قَوْلِهِ: ﴿وقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم مِثْلَ يَوْمِ الأحْزابِ﴾ [غافر: ٣٠] ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ﴾ [غافر: ٣١] ﴿ويا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم يَوْمَ التَّنادِ﴾ [غافر: ٣٢] ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ﴾ [غافر: ٣٣] ثُمَّ قالَ ﴿وقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أهْدِكم سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ [غافر: ٣٨] ﴿يا قَوْمِ إنَّما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وإنَّ الآخِرَةَ هي دارُ القَرارِ﴾ [غافر: ٣٩] ﴿مَن عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها ومَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [غافر: ٤٠] ﴿ويا قَوْمِ ما لِي أدْعُوكم إلى النَّجاةِ وتَدْعُونَنِي إلى النّارِ﴾ [غافر: ٤١] . فَعَطَفَ ويا قَوْمِ تارَةً وتَرَكَ العَطْفَ أُخْرى.
وأمّا مَعَ اخْتِلافِ الوَصْفِ المُنادى بِهِ فَقَدْ جاءَ العَطْفُ وهو أظْهَرُ لِما في اخْتِلافِ وصْفِ المُنادى مِن شِبْهِ التَّغايُرِ كَقَوْلِ قَيْسٍ بْنِ عاصِمٍ، وقِيلَ حاتِمٍ الطّائِيِّ:
أيا ابْنَةَ عَبْدِ اللَّـهِ وابْـنَةَ مَـالِـكٍ ∗∗∗ ويا ابْنَةَ ذِي البُرْدَيْنِ والفَرَسِ الوَرْدِ
فَقَوْلُهُ: ”ويا بْنَةَ ذِي البُرْدَيْنِ“ عَطْفُ نِداءٍ عَلى نِداءٍ والمُنادى بِهِما واحِدٌ.
لَمّا أظْهَرَ لَهم نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ يُجْبِرُهم عَلى إيمانٍ يَكْرَهُونَهُ انْتَقَلَ إلى تَقْرِيبِهِمْ مِنَ النَّظَرِ في نَزاهَةِ ما جاءَهم بِهِ، وأنَّهُ لا يُرِيدُ نَفْعًا دُنْيَوِيًّا بِأنَّهُ لا يَسْألُهم عَلى ما جاءَ بِهِ ما لا يُعْطُونَهُ إيّاهُ فَماذا يَتَّهِمُونَهُ حَتّى يَقْطَعُونَ بِكَذِبِهِ.
صفحة ٥٥
والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: عَلَيْهِ عائِدٌ إلى المَذْكُورِ بِمَنزِلَةِ اسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ: ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَإنَّ الضَّمِيرَ يُعامَلُ مُعامَلَةَ اسْمِ الإشارَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ﴾ احْتِراسٌ لِأنَّهُ لَمّا نَفى أنْ يَسْألَهم مالًا، والمالُ أجْرٌ، نَشَأ تَوَهُّمُ أنَّهُ لا يَسْألُ جَزاءً عَلى الدَّعْوَةِ فَجاءَ بِجُمْلَةِ ﴿إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ﴾ احْتِراسًا. والمُخالَفَةُ بَيْنَ العِبارَتَيْنِ في قَوْلِهِ: مالًا وأجْرِيَ تُفِيدُ أنَّهُ لا يَسْألُ مِنَ اللَّهِ مالًا ولَكِنَّهُ يَسْألُ ثَوابًا. والأجْرُ: العِوَضُ عَلى عَمَلٍ. ويُسَمّى ثَوابُ اللَّهِ أجْرًا لِأنَّهُ جَزاءٌ عَلى العَمَلِ الصّالِحِ.
وعَطَفَ جُمْلَةَ ﴿وما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ عَلى جُمْلَةٍ ﴿لا أسْألُكم عَلَيْهِ مالًا﴾ لِأنَّ مَضْمُونَها كالنَّتِيجَةِ لِمَضْمُونِ المَعْطُوفِ عَلَيْها لِأنَّ نَفْيَ طَمَعِهِ في المُخاطَبِينَ يَقْتَضِي أنَّهُ لا يُؤْذِي أتْباعَهُ لِأجْلِ إرْضاءِ هَؤُلاءِ. ولِذَلِكَ عَبَّرَ عَنْ أتْباعِهِ بِطَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ بِقَوْلِهِ: الَّذِينَ آمَنُوا لِما يُؤْذِنُ بِهِ المَوْصُولُ مِن تَغْلِيطِ قَوْمِهِ في تَعْرِيضِهِمْ لَهُ بِأنْ يَطْرُدَهم بِما أنَّهم لا يُجالِسُونَ أمْثالَهم إيذانًا بِأنَّ إيمانَهم يُوجِبُ تَفْضِيلَهم عَلى غَيْرِهِمُ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ والرَّغْبَةَ فِيهِمْ فَكَيْفَ يَطْرُدُهم. وهَذا إبْطالٌ لِما اقْتَضاهُ قَوْلُهم ﴿وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾ [هود: ٢٧] مِنَ التَّعْرِيضِ بِأنَّهم لا يُماثِلُونَهم في مُتابَعَتِهِ.
والطَّرْدُ: الأمْرُ بِالبُعْدِ عَنْ مَكانِ الحُضُورِ تَحْقِيرًا أوْ زَجْرًا. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ [الأنعام: ٥٢] في سُورَةِ الأنْعامِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِنَفِيَ أنْ يَطْرُدَهم بِأنَّهم صائِرُونَ إلى اللَّهِ في الآخِرَةِ فَمُحاسِبٌ مَن يَطْرُدُهم، هَذا إذا كانَتِ المُلاقاةُ عَلى الحَقِيقَةِ، أوْ أرادَ أنَّهم يَدْعُونَ رَبَّهم في صَلاتِهِمْ فَيَنْتَصِرُ اللَّهُ لَهم إذا كانَتِ المُلاقاةُ مَجازِيَّةً، أوْ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ حِينَ يَحْضُرُونَ مَجْلِسَ دَعْوَتِي لِأنِّي أدْعُو إلى اللَّهِ لا إلى شَيْءٍ يَخُصُّنِي فَهم عِنْدَ مُلاقاتِي كَمَن يُلاقُونَ رَبَّهم لِأنَّهم يَتَلَقَّوْنَ ما أوْحى اللَّهُ إلَيَّ. وهَذا كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ في قِصَّةِ النَّفَرِ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ
صفحة ٥٦
حَضَرُوا مَجْلِسَ النَّبِيءِ ﷺ فَجَلَسَ أحَدُهم، واسْتَحْيا أحَدُهم، وأعْرَضَ الثّالِثُ «”أمّا الأوَّلُ فَآوى إلى اللَّهِ فَآواهُ اللَّهُ، وأمّا الثّانِي فاسْتَحْيا فاسْتَحْيا اللَّهُ مِنهُ، وأمّا الثّالِثُ فَأعْرَضَ فَأعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ“» .
وتَأْكِيدُ الَخَبَرِ بِـ إنَّ إنْ كانَ اللِّقاءُ حَقِيقَةً لِرَدِّ إنْكارِ قَوْمِهِ البَعْثَ، وإنْ كانَ اللِّقاءُ مَجازًا فالتَّأْكِيدُ لِلِاهْتِمامِ بِذَلِكَ اللِّقاءِ. وقَدْ زِيدَ هَذا التَّأْكِيدُ تَأْكِيدًا بِجُمْلَةِ (ولَكِنِّيَ أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ)
ومَوْقِعُ الِاسْتِدْراكِ هو أنَّ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ ضِدُّ مَضْمُونِ الَّتِي قَبْلَها وهي جُمْلَةُ ﴿إنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ أيْ لا رَيْبَ في ذَلِكَ ولَكِنَّكم تَجْهَلُونَ فَتَحْسَبُونَهم لا حَضْرَةَ لَهم وأنْ لا تَبِعَةَ في طَرْدِهِمْ.
وحَذْفُ مَفْعُولِ تَجْهَلُونَ لِلْعِلْمِ بِهِ، أيْ تَجْهَلُونَ ذَلِكَ.
وزِيادَةُ قَوْلِهِ: (قَوْمًا) يَدُلُّ عَلى أنَّ جَهْلَهم صِفَةٌ لازِمَةٌ لَهم كَأنَّها مِن مُقَوِّماتِ قَوْمِيَّتِهِمْ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
11:30Page 225
وَيَٰقَوۡمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ ٱللَّهِ إِن طَرَدتُّهُمۡۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ٣٠
And O my people, who would protect me from Allāh if I drove them away? Then will you not be reminded?
﴿ويا قَوْمِ مَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ طَرَدْتُهم أفَلا تَذَّكَّرُونَ﴾ .
إعادَةُ ويا قَوْمِ مِثْلُ إعادَتِهِ في الآيَةِ قَبْلَها.
والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ. والنَّصْرُ: إعانَةُ المُقاوِمِ لِضِدٍّ أوْ عَدُوٍّ، وضُمِّنَ مَعْنى الإنْجاءِ فَعُدِّيَ بِـ مِن أيْ مَن يُخَلِّصُنِي، أيْ يُنْجِينِي مِنَ اللَّهِ، أيْ مِن عِقابِهِ؛ لِأنَّ طَرْدَهم إهانَةٌ تُؤْذِيهِمْ بِلا مُوجِبٍ مُعْتَبَرٍ عِنْدَ اللَّهِ، واللَّهُ لا يُحِبُّ إهانَةَ أوْلِيائِهِ.
وفَرَّعَ عَلى ذَلِكَ إنْكارًا عَلى قَوْمِهِ في إهْمالِهِمُ التَّذَكُّرِ، أيِ التَّأمُّلِ في الدَّلائِلِ ومَدْلُولاتِها، والأسْبابِ ومُسَبِّباتِها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ تَذَّكِّرُونَ - بِتَشْدِيدِ الذّالِ - .
صفحة ٥٧
وأصْلُ تَذَّكَّرُونَ، تَتَذَكَّرُونَ فَأُبْدِلَتِ التّاءُ ذالًا وأُدْغِمَتْ في الذّالِ. وقَرَأهُ حَفْصٌ تَذَكَّرُونَ بِتَخْفِيفِ الذّالِ وبِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ. والتَّذَكُّرُ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا﴾ [الأعراف: ٢٠١] في آخِرِ سُورَةِ الأعْرافِ.
11:31Page 225
وَلَآ أَقُولُ لَكُمۡ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ وَلَآ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٞ وَلَآ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزۡدَرِيٓ أَعۡيُنُكُمۡ لَن يُؤۡتِيَهُمُ ٱللَّهُ خَيۡرًاۖ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا فِيٓ أَنفُسِهِمۡ إِنِّيٓ إِذٗا لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٣١
And I do not tell you that I have the depositories [containing the provision] of Allāh or that I know the unseen, nor do I tell you that I am an angel, nor do I say of those upon whom your eyes look down that Allāh will never grant them any good. Allāh is most knowing of what is within their souls. Indeed, I would then be among the wrongdoers [i.e., the unjust]."
﴿ولا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ ولا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ ولا أقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أعْيُنُكم لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أعْلَمُ بِما في أنْفُسِهِمْ إنِّيَ إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾
هَذا تَفْصِيلٌ لِما رَدَّ بِهِ مَقالَةَ قَوْمِهِ إجْمالًا، فَهُمُ اسْتَدَلُّوا عَلى نَفْيِ نُبُوَّتِهِ بِأنَّهم لَمْ يَرَوْا لَهُ فَضْلًا عَلَيْهِمْ، فَجاءَ هو في جَوابِهِمْ بِالقَوْلِ بِالمُوجِبِ أنَّهُ لَمْ يَدَعْ فَضْلًا غَيْرِ الوَحْيِ إلَيْهِ كَما حَكى اللَّهُ عَنْ أنْبِيائِهِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - في قَوْلِهِ: ﴿قالَتْ لَهم رُسُلُهم إنْ نَحْنُ إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم ولَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [إبراهيم: ١١]، ولِذَلِكَ نَفى أنْ يَكُونَ قَدْ ادَّعى غَيْرَ ذَلِكَ. واقْتَصَرَ عَلى بَعْضِ ما يَتَوَهَّمُونَهُ مِن لَوازِمِ النُّبُوَّةِ وهو أنْ يَكُونَ أغْنى مِنهم، أوْ أنْ يَعْلَمَ الأُمُورَ الغائِبَةَ. والقَوْلُ بِمَعْنى الدَّعْوى، وإنَّما نَفى ذَلِكَ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ مُنْتَفٍ عَنْهُ ذَلِكَ في الحالِ، فَأمّا انْتِفاؤُهُ في الماضِي فَمَعْلُومٌ لَدَيْهِمْ حَيْثُ لَمْ يَقُلْهُ، أيْ لا تَظُنُّوا أنِّي مُضْمِرٌ ادِّعاءَ ذَلِكَ وإنْ لَمْ أقُلْهُ.
والخَزائِنُ: جَمْعُ خِزانَةٍ - بِكَسْرِ الخاءِ - وهي بَيْتٌ أوْ مِشْكاةٌ كَبِيرَةٌ يُجْعَلُ لَها بابٌ، وذَلِكَ لِخَزْنِ المالِ أوِ الطَّعامِ، أيْ حِفْظِهِ مِنَ الضَّياعِ. وذِكْرُ الخَزائِنِ هُنا اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ؛ شُبِّهَتِ النِّعَمُ والأشْياءُ النّافِعَةُ بِالأمْوالِ النَّفِيسَةِ الَّتِي تُدَّخَرُ في الخَزائِنِ، ورَمَزَ إلى ذَلِكَ بِذِكْرِ ما هو مِن رَوادِفِ المُشَبَّهِ بِهِ وهو الخَزائِنُ. وإضافَةُ خَزائِنُ إلى اللَّهِ لِاخْتِصاصِ اللَّهِ بِها.
صفحة ٥٨
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ولا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ﴾ فَنَفْيٌ لِشُبْهَةِ قَوْلِهِمْ ﴿ما نَراكَ إلّا بَشَرًا مِثْلَنا﴾ [هود: ٢٧] ولِذَلِكَ أعادَ مَعَهُ فِعْلَ القَوْلِ؛ لِأنَّهُ إبْطالُ دَعْوى أُخْرى ألْصَقُوها بِهِ، وتَأْكِيدُهُ بِـ إنَّ لِأنَّهُ قَوْلٌ لا يَقُولُهُ قائِلُهُ إلّا مُؤَكَّدًا لِشِدَّةِ إنْكارِهِ لَوِ ادَّعاهُ مُدَّعٍ، فَلَمّا نَفاهُ نَفى صِيغَةَ إثْباتِهِ. ولَمّا أرادَ إبْطالَ قَوْلِهِمْ ﴿وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾ [هود: ٢٧] أبْطَلَهُ بِطَرِيقَةِ التَّغْلِيطِ لِأنَّهم جَعَلُوا ضَعْفَهم وفَقْرَهم سَبَبًا لِانْتِفاءِ فَضْلِهِمْ، فَأبْطَلَهُ بِأنَّ ضَعْفَهم لَيْسَ بِحائِلٍ بَيْنَهم وبَيْنَ الخَيْرِ مِنَ اللَّهِ إذْ لا ارْتِباطَ بَيْنَ الضَّعْفِ في الأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ مِن فَقْرٍ وقِلَّةٍ وبَيْنَ الحِرْمانِ مَن نَوالِ الكِمالاتِ النَّفْسانِيَّةِ والدِّينِيَّةِ، وأعادَ مَعَهُ فِعْلَ القَوْلِ لِأنَّهُ أرادَ مِنَ القَوْلِ مَعْنًى غَيْرَ المُرادِ مِنهُ فِيما قِيلَ، فالقَوْلُ هُنا كِنايَةٌ عَنِ الِاعْتِقادِ لِأنَّ المَرْءَ إنَّما يَقُولُ ما يَعْتَقِدُ، وهي تَعْرِيضِيَّةٌ بِالمُخاطَبِينَ لِأنَّهم يُضْمِرُونَ ذَلِكَ ويُقَدِّرُونَهُ.
والِازْدِراءُ: افْتِعالٌ مِنَ الزَّرْيِ وهو الِاحْتِقارُ وإلْصاقُ العَيْبِ، فَأصْلُهُ: ازْتِراءٌ، قُلِبَتْ تاءُ الِافْتِعالِ دالًا بَعْدَ الزّايِ كَما قُلِبَتْ في الِازْدِيادِ.
وإسْنادُ الِازْدِراءِ إلى الأعْيُنِ وإنَّما هو مِن أفْعالِ النَّفْسِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ لِأنَّ الأعْيُنَ سَبَبُ الِازْدِراءِ غالِبًا؛ لِأنَّ الِازْدِراءَ يَنْشَأُ عَنْ مُشاهَدَةِ الصِّفاتِ الحَقِيرَةِ عِنْدَ النّاظِرِ. ونَظِيرُهُ إسْنادُ الفَرَقِ إلى الأعْيُنِ في قَوْلِ الأعْشى:
كَذَلِكَ فافْعَلْ ما حَيِيتَ إذا شَتَوْا وأقْدِمْ إذا ما أعْيُنُ النّاسِ تَفْرَقُ
ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ﴾ [الأعراف: ١١٦] وإنَّما سَحَرُوا عُقُولَهم ولَكِنَّ الأعْيُنَ تَرى حَرَكاتِ السَّحَرَةِ فَتُؤْثِرُ رُؤْيَتُها عَلى عُقُولِ المُبْصِرِينَ.
وجِيءَ في النَّفْيِ بِحَرْفِ لَنِ الدّالَّةِ عَلى تَأْكِيدِ نَفْيِ الفِعْلِ في المُسْتَقْبَلِ تَعْرِيضًا بِقَوْمِهِ لِأنَّهم جَعَلُوا ضَعْفَ أتْباعِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وفَقْرِهِمْ دَلِيلًا عَلى انْتِفاءِ الخَيْر عَنْهم فاقْتَضى دَوامُ ذَلِكَ ما دامُوا ضُعَفاءَ فُقَراءَ، فَلِسانُ حالِهِمْ يَقُولُ: لَنْ يَنالُوا خَيْرًا، فَكانَ رَدُّهُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهُ لا يَقُولُ ﴿لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا﴾ .
صفحة ٥٩
وجُمْلَةُ ﴿اللَّهُ أعْلَمُ بِما في أنْفُسِهِمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِنَفْيِ أنْ يَقُولَ ﴿لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا﴾ . ولِذَلِكَ فُصِلَتِ الجُمْلَةُ ولَمْ تُعْطَفْ، ومَعْنى ﴿اللَّهُ أعْلَمُ بِما في أنْفُسِهِمْ﴾ أنَّ أمْرَهم مَوْكُولٌ إلى رَبِّهِمُ الَّذِي عَلِمَ ما أوْدَعَهُ في نُفُوسِهِمْ مِنَ الخَيْرِ والَّذِي وفَّقَهم إلى الإيمانِ، أيْ فَهو يُعامِلُهم بِما يَعْلَمُ مِنهم. وتَعْلِيقُهُ بِالنُّفُوسِ تَنْبِيهٌ لِقَوْمِهِ عَلى غَلَطِهِمْ في قَوْلِهِمْ ﴿وما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ﴾ [هود: ٢٧] بِأنَّهم نَظَرُوا إلى الجانِبِ الجُثْمانِيِّ الدُّنْيَوِيِّ وجَهِلُوا الفَضائِلَ والكِمالاتِ النَّفْسانِيَّةَ والعَطايا اللَّدُنِّيَّةَ الَّتِي اللَّهُ أعْلَمُ بِها.
واسْمُ التَّفْضِيلِ هُنا مَسْلُوبُ المُفاضَلَةِ مَقْصُودٌ مِنهُ شِدَّةُ العِلْمِ.
وجُمْلَةُ (﴿إنِّي إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾) تَعْلِيلٌ ثانٍ لِنَفْيِ أنْ يَقُولَ (﴿لَنْ يُوتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا﴾) . وإذَنْ حَرْفُ جَوابٍ وجَزاءٍ مُجازاةً لِلْقَوْلِ، أيْ لَوْ قُلْتَ ذَلِكَ لَكُنْتَ مِنَ الظّالِمِينَ، وذَلِكَ أنَّهُ يَظْلِمُهم بِالقَضاءِ عَلَيْهِمْ بِما لا يَعْلَمُ مِن حَقِيقَتِهِمْ، ويَظْلِمُ نَفْسَهُ بِاقْتِحامِ القَوْلِ بِما لا يُصَدَّقُ.
وقَوْلُهُ: مِنَ الظّالِمِينَ أبْلَغُ في إثْباتِ الظُّلْمِ مِن: إنِّي ظالِمٌ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قالَ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وأكَّدَهُ بِثَلاثِ مُؤَكِّداتٍ: إنَّ ولامِ الِابْتِداءِ وحَرْفِ الجَزاءِ، تَحْقِيقًا لِظُلْمِ الَّذِينَ رَمَوُا المُؤْمِنِينَ بِالرَّذالَةِ وسَلَبُوا الفَضْلَ عَنْهم؛ لِأنَّهُ أرادَ التَّعْرِيضَ بِقَوْمِهِ في ذَلِكَ. وسَيَجِيءُ في سُورَةِ الشُّعَراءِ ذِكْرُ مَوْقِفٍ آخَرَ لِنُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ قَوْمِهِ في شَأْنِ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ.
11:32–33Page 225
قَالُواْ يَٰنُوحُ قَدۡ جَٰدَلۡتَنَا فَأَكۡثَرۡتَ جِدَٰلَنَا فَأۡتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٣٢
They said, "O Noah, you have disputed [i.e., opposed] us and been frequent in dispute of us. So bring us what you threaten us, if you should be of the truthful."
قَالَ إِنَّمَا يَأۡتِيكُم بِهِ ٱللَّهُ إِن شَآءَ وَمَآ أَنتُم بِمُعۡجِزِينَ ٣٣
He said, "Allāh will only bring it to you if He wills, and you will not cause [Him] failure.
صفحة ٦٠
﴿قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّما يَأْتِيكم بِهِ اللَّهُ إنْ شاءَ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾
فُصِلَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ فَصْلًا عَلى طَرِيقَةِ حِكايَةِ الأقْوالِ في المُحاوَراتِ كَما تَقَدَّمَ في قِصَّةِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن سُورَةِ البَقَرَةِ.
والمُجادَلَةُ: المُخاصَمَةُ بِالقَوْلِ وإيرادُ الحُجَّةِ عَلَيْهِ، فَتَكُونُ في الخَيْرِ كَقَوْلِهِ: ﴿يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٤]، ويَكُونُ في الشَّرِّ كَقَوْلِهِ: ﴿ولا جِدالَ في الحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] . وإنَّما أرادُوا أنَّهُ جادَلَهم فِيما هو شَرٌّ فَعَبَّرَ عَنْ مُرادِهِمْ بِلَفْظِ الجِدالِ المُوَجَّهِ، وقَدْ مَضى عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٧] في سُورَةِ النِّساءِ.
وهَذا قَوْلٌ وقَعَ عَقِبَ مُجادَلَتِهِ المَحْكِيَّةِ في الآيَةِ قَبْلَ هَذِهِ، فَتَعَيَّنَ أنَّ تِلْكَ المُجادَلَةَ كانَتْ آخِرَ مُجادَلَةٍ جادَلَها قَوْمَهُ، وأنَّ ضَجَرَهم وسَآمَتَهم مِن تَكْرارِ مُجادَلَتِهِ حَصَلَ ساعَتَئِذٍ فَقالُوا قَوْلَهم هَذا، فَكانَتْ كُلُّها مُجادَلاتٍ مَضَتْ. وكانَتِ المُجادَلَةُ الأخِيرَةُ هي الَّتِي اسْتَفَزَّتِ امْتِعاضِهِمْ مِن قَوارِعِ جَدَلِهِ حَتّى سَئِمُوا مِن تَزْيِيفِ مُعارَضَتِهِمْ وآرائِهِمْ شَأْنَ المُبْطِلِ إذا دَمَغَتْهُ الحُجَّةُ، ولِذَلِكَ أرادُوا طَيَّ بِساطِ الجِدالِ، وأرادُوا إفْحامَهُ بِأنْ طَلَبُوا تَعْجِيلَ ما تَوَعَّدَهم مِن عَذابٍ يَنْزِلُ بِهِمْ كَقَوْلِهِ آنِفًا ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ [هود: ٢٦]
وقَوْلُهم ﴿فَأكْثَرْتَ جِدالَنا﴾ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّذَمُّرِ والتَّضْجِيرِ والتَّأْيِيسِ مِن الِاقْتِناعِ أجابَهم بِالمُبادَرَةِ لِبَيانِ العَذابِ لِأنَّ ذَلِكَ أدْخَلُ في المَوْعِظَةِ فَبادَرَ بِهِ ثُمَّ عادَ إلى بَيانِ مُجادَلَتِهِ.
والإتْيانُ بِالشَّيْءِ: إحْضارُهُ. وأرادُوا بِهِ تَعْجِيلَهُ وعَدَمَ إنْظارِهِ.
صفحة ٦١
) ما تَعِدُنا ) مِصْداقُهُ عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ
والقَصْرُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما يَأْتِيكم بِهِ اللَّهُ إنْ شاءَ﴾ قَصْرُ قَلْبٍ بِناءً عَلى ظاهِرِ طَلَبِهِمْ، حَمَلا لِكَلامِهِمْ عَلى ظاهِرِهِ عَلى طَرِيقَةِ مُجاراةِ الَخَصْمِ في المُناظَرَةِ، وإلّا فَإنَّهم جازِمُونَ بِتَعَذُّرِ أنْ يَأْتِيَهم بِما وعَدَهم لِأنَّهم يَحْسَبُونَهُ كاذِبًا وهم جازِمُونَ بِأنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَوَعَّدْهم، ولَعَلَّهم كانُوا لا يُؤْمِنُونَ بِوُجُودِ اللَّهِ. وقَوْلُهُ: إنْ شاءَ احْتِراسٌ راجِعٌ إلى حَمْلِ العَذابِ عَلى عَذابِ الدُّنْيا.
ومَعْنى ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ ما أنْتُمْ بِناجِينَ وفالِتِينَ مِنَ الوَعِيدِ، يُرِيدُ أنَّ العَذابَ واقِعٌ لا مَحالَةَ. ولَعَلَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يَكُنْ لَهُ وحْيٌ مِنَ اللَّهِ بِأنْ يَحُلَّ بِهِمْ عَذابُ الدُّنْيا، فَلِذَلِكَ فَوَّضَهُ إلى المَشِيئَةِ؛ أوْ لَعَلَّهُ كانَ يُوقِنُ بِنُزُولِهِ بِهِمْ فَيَكُونُ التَّعْلِيقُ بِـ إنْ شاءَ مَنظُورًا فِيهِ إلى كَوْنِ العَذابِ مُعَجَّلًا أوْ مُؤَخَّرًا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences