Ibn 'AshurHud · 11:45–49

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Hud 11:45–49

11:45–47Page 226

وَنَادَىٰ نُوحٞ رَّبَّهُۥ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ٱبۡنِي مِنۡ أَهۡلِي وَإِنَّ وَعۡدَكَ ٱلۡحَقُّ وَأَنتَ أَحۡكَمُ ٱلۡحَٰكِمِينَ ٤٥

And Noah called to his Lord and said, "My Lord, indeed my son is of my family; and indeed, Your promise is true; and You are the most just of judges!"

قَالَ يَٰنُوحُ إِنَّهُۥ لَيۡسَ مِنۡ أَهۡلِكَۖ إِنَّهُۥ عَمَلٌ غَيۡرُ صَٰلِحٖۖ فَلَا تَسۡـَٔلۡنِ مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۖ إِنِّيٓ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ ٤٦

He said, "O Noah, indeed he is not of your family; indeed, he is [one whose] work was other than righteous, so ask Me not for that about which you have no knowledge. Indeed, I advise you, lest you be among the ignorant."

قَالَ رَبِّ إِنِّيٓ أَعُوذُ بِكَ أَنۡ أَسۡـَٔلَكَ مَا لَيۡسَ لِي بِهِۦ عِلۡمٞۖ وَإِلَّا تَغۡفِرۡ لِي وَتَرۡحَمۡنِيٓ أَكُن مِّنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٤٧

[Noah] said, "My Lord, I seek refuge in You from asking that of which I have no knowledge. And unless You forgive me and have mercy upon me, I will be among the losers."

﴿ونادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي وإنَّ وعْدَكَ الحَقُّ وأنْتَ أحْكَمُ الحاكِمِينَ﴾ ﴿قالَ يا نُوحُ إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلَنِّ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنِّيَ أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ إنِّيَ أعُوذُ بِكَ أنْ أسْألَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وإلّا تَغْفِرْ لِي وتَرْحَمْنِي أكُنْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾

مَوْقِعُ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ نِداءَ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هَذا كانَ بَعْدَ اسْتِواءِ السَّفِينَةِ عَلى الجُودِيِّ نِداءً دَعاهُ إلَيْهِ داعِيَ الشَّفَقَةِ فَأرادَ بِهِ نَفْعَ ابْنِهِ في الآخِرَةِ بَعْدَ اليَأْسِ مِن نَجاتِهِ في الدُّنْيا؛ لِأنَّ اللَّهَ أعْلَمَهُ أنَّهُ لا نَجاةَ إلّا لِلَّذِينَ يَرْكَبُونَ السَّفِينَةَ، ولِأنَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا دَعا ابْنَهُ إلى رُكُوبِ السَّفِينَةِ فَأبى وجَرَتِ السَّفِينَةُ قَدْ عَلِمَ أنَّهُ لا وسِيلَةَ إلى نَجاتِهِ فَكَيْفَ يَسْألُها مِنَ اللَّهِ فَتَعَيَّنَ أنَّهُ سَألَ لَهُ المَغْفِرَةَ ويَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ كَما سَيَأْتِي.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ دُعاءُ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هَذا وقَعَ قَبْلَ غَرَقِ النّاسِ، أيْ نادى رَبَّهُ أنْ يُنَجِّيَ ابْنَهُ مِنَ الغَرَقِ.

صفحة ٨٤

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَعْدَ غَرَقِ مَن غَرِقُوا، أيْ نادى رَبَّهُ أنْ يَغْفِرَ لِابْنِهِ وأنْ لا يُعامِلَهُ مُعامَلَةَ الكافِرِينَ في الآخِرَةِ.

والنِّداءُ هَنا نِداءُ دُعاءٍ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ودَعا نُوحٌ رَبَّهُ؛ لِأنَّ الدُّعاءَ يَصْدُرُ بِالنِّداءِ غالِبًا، والتَّعْبِيرُ عَنِ الجَلالَةِ بِوَصْفِ الرَّبِّ مُضافًا إلى نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَشْرِيفٌ لِنُوحٍ وإيماءٌ إلى رَأْفَةِ اللَّهِ بِهِ وأنَّ نَهْيَهُ الوارِدَ بَعْدَهُ نَهْيُ عِتابٍ.

وجُمْلَةُ ﴿فَقالَ رَبِّ إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي﴾ بَيانٌ لِلنِّداءِ، ومُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ لا تُعْطَفَ بِفاءِ التَّفْرِيعِ كَما لَمْ يُعْطَفِ البَيانُ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ [مريم: ٣] ﴿قالَ رَبِّ إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي﴾ [مريم: ٤]، وخُولِفَ ذَلِكَ هُنا. ووَجَّهَ في الكَشّافِ اقْتِرانَهُ بِالفاءِ بِأنَّ فِعْلَ (نادى) مُسْتَعْمَلٌ في إرادَةِ النِّداءِ، أيْ مِثْلَ فِعْلِ (قُمْتُمْ) في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] الآيَةَ، يُرِيدُ أنَّ ذَلِكَ إخْراجٌ لِلْكَلامِ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ فَإنَّ وُجُودَ الفاءِ في الجُمْلَةِ الَّتِي هي بَيانٌ لِلنِّداءِ قَرِينَةٌ عَلى أنَّ فِعْلَ نادى مُسْتَعارٌ لِمَعْنى إرادَةِ النِّداءِ، أيْ أرادَ نِداءَ رَبِّهِ فَأعْقَبَ إرادَتَهُ بِإصْدارِ النِّداءِ، وهَذا إشارَةٌ إلى أنَّهُ أرادَ النِّداءَ فَتَرَدَّدَ في الإقْدامِ عَلَيْهِ لِما عَلِمَ مِن قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهُمْ﴾ [المؤمنون: ٢٧] فَلَمْ يَطُلْ تَرَدُّدُهُ لَمّا غَلَبَتْهُ الشَّفَقَةُ عَلى ابْنِهِ فَأقْدَمَ عَلى نِداءِ رَبِّهِ، ولِذَلِكَ قَدَّمَ الِاعْتِذارَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي﴾ . فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي﴾ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في الِاعْتِذارِ والتَّمْهِيدِ لِأنَّهُ يُرِيدُ أنْ يَسْألَ سُؤالًا لا يَدْرِي قَبُولَهُ ولَكِنَّهُ اقْتَحَمَهُ لِأنَّ المَسْئُولَ لَهُ مِن أهْلِهِ فَلَهُ عُذْرُ الشَّفَقَةِ عَلَيْهِ. وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـ إنَّ لِلِاهْتِمامِ بِهِ.

وكَذَلِكَ جُمْلَةُ ﴿وإنَّ وعْدَكَ الحَقُّ﴾ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِ الفائِدَةِ. وهو أنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ.

والمُرادُ بِالوَعْدِ ما في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهم ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٧] إذْ أفادَ ذَلِكَ أنَّ بَعْضَ أهْلِهِ قَدْ سَبَقَ

صفحة ٨٥

مِنَ اللَّهِ تَقْدِيرٌ بِأنَّهُ لا يَرْكَبُ السَّفِينَةَ. وهَذا المَوْصُولُ مُتَعَيِّنٌ لِكَوْنِهِ صادِقًا عَلى ابْنِهِ إذْ لَيْسَ غَيْرُهُ مِن أهْلِهِ طَلَبَ مِنهُ رُكُوبَ السَّفِينَةِ وأبى، وأنَّ مَن سَبَقَ عِلْمُ اللَّهِ بِأنَّهُ لا يَرْكَبُ السَّفِينَةَ مِنَ النّاسِ فَهو ظالِمٌ، أيْ كافِرٌ، وأنَّهُ مُغْرَقٌ، فَكانَ عَدَمُ رُكُوبِهِ السَّفِينَةَ وغَرَقُهُ أمارَةً أنَّهُ كافِرٌ. فالمَعْنى: أنَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - لا يَجْهَلُ أنَّ ابْنَهُ كافِرٌ، ولِذَلِكَ فَسُؤالُ المَغْفِرَةِ لَهُ عَنْ عِلْمٍ بِأنَّهُ كافِرٌ، ولَكِنَّهُ يَطْمَعُ لَعَلَّ اللَّهَ أنْ يَعْفُوَ عَنْهُ لِأجْلِ قَرابَتِهِ بِهِ، فَسُؤالُهُ لَهُ المَغْفِرَةُ بِمَنزِلَةِ الشَّفاعَةِ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ أخْذٌ بِأقْصى دَواعِي الشَّفَقَةِ والرَّحْمَةِ بِابْنِهِ.

وقَرِينَةُ ذَلِكَ كُلِّهِ قَوْلُهُ: ﴿وأنْتَ أحْكَمُ الحاكِمِينَ﴾ المُفِيدُ أنَّهُ لا رادَّ لِما حَكَمَ بِهِ وقَضاهُ، وأنَّهُ لا دالَّةَ عَلَيْهِ لِأحَدٍ مِن خَلْقِهِ، ولَكِنَّهُ مَقامُ تَضَرُّعٍ وسُؤالِ ما لَيْسَ بِمُحالٍ.

وقَدْ كانَ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - غَيْرَ مَنهِيٍّ عَنْ ذَلِكَ، ولَمْ يَكُنْ تَقَرَّرَ في شَرْعِهِ العِلْمُ بِعَدَمِ المَغْفِرَةِ لِلْكافِرِينَ، فَكانَ حالُ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَحالِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ قالَ لِأبِي طالِبٍ «لَأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ما لَمْ أُنْهَ عَنْكَ» قَبْلَ أنْ يَنْزِلَ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣] الآيَةَ.

والِاقْتِصارُ عَلى هَذِهِ الجُمَلِ الثَّلاثِ في مَقامِ الدُّعاءِ تَعْرِيضٌ بِالمَطْلُوبِ لِأنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ، وذَلِكَ ضَرْبٌ مِن ضُرُوبِ التَّأدُّبِ والتَّرَدُّدِ في الإقْدامِ عَلى المَسْئُولِ اسْتِغْناءً بِعِلْمِ المَسْئُولِ كَأنَّهُ يَقُولُ: أسْألُكَ أمْ أتْرُكُ، كَقَوْلِ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ:

أأذْكُرُ حاجَتِي أمْ قَدْ كَفانِي حَياؤُكَ أنَّ شِيمَتَكَ الحَياءُ

ومَعْنى ﴿أحْكَمُ الحاكِمِينَ﴾ أشَدُّهم حُكْمًا. واسْمُ التَّفْضِيلِ يَتَعَلَّقُ بِماهِيَّةِ الفِعْلِ، فَيُفِيدُ أنَّ حُكْمَهُ لا يَجُورُ وأنَّهُ لا يُبْطِلُهُ أحَدٌ.

ومَعْنى قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ﴾ نَفْيُ أنْ يَكُونَ مِن أهْلِ دِينِهِ واعْتِقادِهِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ إبْطالًا لِقَوْلِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي﴾ ولَكِنَّهُ إعْلامٌ بِأنَّ قَرابَةَ الدِّينِ بِالنِّسْبَةِ لِأهْلِ الإيمانِ هي القَرابَةُ، وهَذا المَعْنى شائِعٌ في الِاسْتِعْمالِ.

صفحة ٨٦

قالَ النّابِغَةُ يُخاطِبُ عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ:

إذا حاوَلْتَ في أسَدٍ فُجُـورًا ∗∗∗ فَإنِّي لَسْتُ مِنكَ ولَسْتَ مِنِّي

وقالَ - تَعالى: ﴿ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكم وما هم مِنكم ولَكِنَّهم قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ [التوبة: ٥٦]

وتَأْكِيدُ الخَبَرِ لِتَحْقِيقِهِ لِغَرابَتِهِ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ﴾ فَـ إنَّ فِيهِ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ.

و(عَمَلٌ) في قِراءَةِ الجُمْهُورِ - بِفَتْحِ المِيمِ وتَنْوِينِ اللّامِ - مَصْدَرٌ أخْبَرَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ وبِرَفْعِ (غَيْرُ) عَلى أنَّهُ صِفَةُ (عَمَلٌ) . وقَرَأهُ الكِسائِيُّ، ويَعْقُوبُ (عَمِلَ) بِكَسْرِ المِيمِ بِصِيغَةِ الماضِي وبِنَصْبِ (غَيْرَ) عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِفِعْلِ (عَمِلَ) . ومَعْنى العَمَلِ غَيْرِ الصّالِحِ الكُفْرُ، وأُطْلِقَ عَلى الكُفْرِ عَمَلٌ لِأنَّهُ عَمَلُ القَلْبِ، ولِأنَّهُ يَظْهَرُ أثَرُهُ في عَمَلِ صاحِبِهِ كامْتِناعِ ابْنِ نُوحٍ مِنَ الرُّكُوبِ الدّالِّ عَلى تَكْذِيبِهِ بِوَعِيدِ الطُّوفانِ.

وتَفَرَّعَ عَلى ذَلِكَ نَهْيُهُ أنْ يَسْألَ ما لَيْسَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ نَهْيَ عِتابٍ؛ لِأنَّهُ لَمّا قِيلَ لَهُ ﴿إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ﴾ بِسَبَبِ تَعْلِيلِهِ بِأنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ، سَقَطَ ما مَهَّدَ بِهِ لِإجابَةِ سُؤالِهِ، فَكانَ حَقِيقًا بِأنْ لا يَسْألَهُ وأنْ يَتَدَبَّرَ ما أرادَ أنْ يَسْألَهُ مِنَ اللَّهِ.

وقَرَأهُ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ فَلا تَسْألَنِّي - بِتَشْدِيدِ النُّونِ - وهي نُونُ التَّوْكِيدِ الخَفِيفَةُ ونُونُ الوِقايَةِ أُدْغِمَتا. وأثْبَتَ ياءَ المُتَكَلِّمِ مَن عَدا ابْنَ كَثِيرٍ مِن هَؤُلاءِ. أمّا ابْنُ كَثِيرٍ فَقَرَأ (فَلا تَسْألَنَّ) - بِنُونٍ مُشَدَّدَةٍ مَفْتُوحَةٍ - .

وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ويَعْقُوبُ، وخَلَفٌ

صفحة ٨٧

(فَلا تَسْألْنِ) بِسُكُونِ اللّامِ وكَسْرِ النُّونِ مُخَفَّفَةً عَلى أنَّهُ غَيْرُ مُؤَكَّدٍ بِنُونِ التَّوْكِيدِ ومُعَدّى إلى ياءِ المُتَكَلِّمِ.

وأكْثَرُهم حَذَفَ الياءَ في حالَةِ الوَصْلِ. وأثْبَتَها في الوَصْلِ ورْشٌ عَنْ نافِعٍ وأبُو عَمْرٍو.

ثُمَّ إنْ كانَ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يَسْبِقْ لَهُ وحْيٌ مِنَ اللَّهِ بِأنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ لِلْمُشْرِكِينَ في الآخِرَةِ كانَ نَهْيُهُ عَنْ أنْ يَسْألَ ما لَيْسَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ، نَهْيَ تَنْزِيهٍ لِأمْثالِهِ لِأنَّ دَرَجَةَ النُّبُوَّةِ تَقْتَضِي أنْ لا يُقْدِمَ عَلى سُؤالِ رَبِّهِ سُؤْلًا لا يَعْلَمُ إجابَتَهُ. وهَذا كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إلّا لِمَن أذِنَ لَهُ﴾ [سبإ: ٢٣] وقَوْلِهِ: ﴿لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وقالَ صَوابًا﴾ [النبإ: ٣٨]، وإنْ كانَ قَدْ أُوحِيَ إلَيْهِ بِذَلِكَ مِن قَبْلُ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ وعْدَكَ الحَقُّ﴾ . وكانَ سُؤالُهُ المَغْفِرَةَ لِابْنِهِ طَلَبًا تَخْصِيصَهُ مِنَ العُمُومِ. وكانَ نَهْيُهُ نَهْيَ لَوْمٍ وعِتابٍ حَيْثُ لَمْ يَتَبَيَّنْ مِن رَبِّهِ جَوازَ ذَلِكَ.

وكانَ قَوْلُهُ: ﴿ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ مُحْتَمِلًا لِظاهِرِهِ، ومُحْتَمِلًا لِأنْ يَكُونَ كِنايَةً عَنِ العِلْمِ بِضِدِّهِ، أيْ فَلا تَسْألْنِي ما عَلِمْتَ أنَّهُ لا يَقَعُ.

ثُمَّ إنْ كانَ قَوْلُ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي﴾ إلى آخِرِهِ تَعْرِيضًا بِالمَسْئُولِ كانَ النَّهْيُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ نَهْيًا عَنِ الإلْحاحِ أوِ العَوْدِ إلى سُؤالِهِ؛ وإنْ كانَ قَوْلُ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُجَرَّدَ تَمْهِيدٍ لِلسُّؤالِ لِاخْتِبارِ حالِ إقْبالِ اللَّهِ عَلى سُؤالِهِ كانَ قَوْلُهُ - تَعالى: فَلا تَسْألْنِي نَهْيًا عَنِ الإفْضاءِ بِالسُّؤالِ الَّذِي مَهَّدَ لَهُ بِكَلامِهِ. والمَقْصُودُ مِنَ النَّهْيِ تَنْزِيهُهُ عَنْ تَعْرِيضِ سُؤالِهِ لِلرَّدِّ.

وعَلى كُلِّ الوُجُوهِ فَقَوْلُهُ: ﴿إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ مَوْعِظَةٌ عَلى تَرْكِ التَّثَبُّتِ قَبْلَ الإقْدامِ.

والجَهْلُ فِيهِ ضِدُّ العِلْمِ، وهو المُناسِبُ لِمُقابَلَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾

صفحة ٨٨

فَأجابَ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَلامَ رَبِّهِ بِما يَدُلُّ عَلى التَّنَصُّلِ مِمّا سَألَ فاسْتَعاذَ أنْ يَسْألَ ما لَيْسَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ، فَإنْ كانَ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أرادَ بِكَلامِهِ الأوَّلِ التَّعْرِيضَ بِالسُّؤالِ فَهو أمْرٌ قَدْ وقَعَ فالِاسْتِعاذَةُ تَتَعَلَّقُ بِتَبِعَةِ ذَلِكَ أوْ بِالعَوْدِ إلى مِثْلِهِ في المُسْتَقْبَلِ؛ وإنْ كانَ إنَّما أرادَ التَّمْهِيدَ لِلسُّؤالِ فالِاسْتِعاذَةُ ظاهِرَةٌ، أيِ الِانْكِفافُ عَنِ الإفْضاءِ بِالسُّؤالِ.

وقَوْلُهُ: ﴿وإلّا تَغْفِرْ لِي وتَرْحَمْنِي أكُنْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ طَلَبُ المَغْفِرَةِ ابْتِداءٌ لِأنَّ التَّخْلِيَةَ مُقَدَّمَةٌ عَلى التَّحْلِيَةِ ثُمَّ أعْقَبَها بِطَلَبِ الرَّحْمَةِ لِأنَّهُ إذا كانَ بِمَحَلِّ الرِّضى مِنَ اللَّهِ كانَ أهْلًا لِلرَّحْمَةِ.

وقَدْ سَلَكَ المُفَسِّرُونَ في تَفْسِيرِهِمْ هَذِهِ الآياتِ مَسْلَكَ كَوْنِ سُؤالِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - سُؤالًا لِإنْجاءِ ابْنِهِ مِنَ الغَرَقِ فاعْتَرَضَتْهم سُبُلٌ وعْرَةٌ مُتَنائِيَةٌ، ولَقُوا عَناءً في الِاتِّصالِ بَيْنَها، والآيَةُ بِمَعْزِلٍ عَنْها، ولَعَلَّنا سَلَكْنا الجادَّةَ في تَفْسِيرِها.

11:48Page 227

قِيلَ يَٰنُوحُ ٱهۡبِطۡ بِسَلَٰمٖ مِّنَّا وَبَرَكَٰتٍ عَلَيۡكَ وَعَلَىٰٓ أُمَمٖ مِّمَّن مَّعَكَۚ وَأُمَمٞ سَنُمَتِّعُهُمۡ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٞ ٤٨

It was said, "O Noah, disembark in security from Us and blessings upon you and upon nations [descending] from those with you. But other nations [of them] We will grant enjoyment; then there will touch them from Us a painful punishment."

﴿قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنّا وبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهم ثُمَّ يَمَسُّهم مِنّا عَذابٌ ألِيمٌ﴾

فُصِلَتِ الجُمْلَةُ ولَمْ تُعْطَفْ لِوُقُوعِها في سِياقِ المُحاوَرَةِ بَيْنَ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ورَبِّهُ، فَإنَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا أجابَ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ أسْألَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود: ٤٧] إلى آخِرِهِ خاطَبَهُ رَبُّهُ إتْمامًا لِلْمُحاوَرَةِ بِما يُسَكِّنُ جَأْشَهُ.

وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يَقُولَ: قالَ يا نُوحُ اهْبِطْ، ولَكِنَّهُ عَدَلَ عَنْهُ إلى بِناءِ الفِعْلِ لِلنّائِبِ لِيَجِيءَ عَلى وتِيرَةِ حِكايَةِ أجْزاءِ القِصَّةِ المُتَقَدِّمَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿وقِيلَ يا أرْضُ ابْلَعِي﴾ [هود: ٤٤] . . . ﴿وقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [هود: ٤٤] فَحَصَلَ بِذَلِكَ البِناءِ قَضاءُ حَقِّ الإشارَةِ إلى جُزْءِ القِصَّةِ، كَما حَصَلَ بِالفَصْلِ قَضاءُ حَقِّ الإشارَةِ إلى أنَّ ذَلِكَ القَوْلَ جُزْءُ المُحاوَرَةِ.

صفحة ٨٩

ونِداءُ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِلتَّنْوِيهِ بِهِ بَيْنَ المَلَأِ.

والهُبُوطُ: النُّزُولُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ [البقرة: ٦١] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والمُرادُ: النُّزُولُ مِنَ السَّفِينَةِ لِأنَّها كانَتْ أعْلى مِنَ الأرْضِ.

والسَّلامُ: التَّحِيَّةُ، وهو مِمّا يُخاطَبُ بِها عِنْدَ الوَداعِ أيْضًا، يَقُولُونَ: اذْهَبْ بِسَلامٍ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيَدٍ:

إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمِ السَّلامِ عَلَيْكُما

وخِطابُهُ بِالسَّلامِ حِينَئِذٍ إيماءٌ إلى أنَّهُ كانَ في ضِيافَةِ اللَّهِ - تَعالى - لِأنَّهُ كانَ كافِلًا لَهُ النَّجاةَ، كَما قالَ - تَعالى: ﴿وحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ [القمر: ١٣] ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا﴾ [القمر: ١٤]

وأصْلُ السَّلامِ السَّلامَةُ، فاسْتُعْمِلَ عِنْدَ اللِّقاءِ إيذانًا بِتَأْمِينِ المَرْءِ مُلاقِيَهُ وأنَّهُ لا يُضْمِرُ لَهُ سُوءًا، ثُمَّ شاعَ فَصارَ قَوْلًا عِنْدَ اللِّقاءِ لِلْإكْرامِ. وبِذَلِكَ نَهى النَّبِيُّ ﷺ الَّذِينَ قالُوا: السَّلامُ عَلى اللَّهِ، فَقَوْلُهُ هُنا ﴿اهْبِطْ بِسَلامٍ﴾ نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٤٦] فَإنَّ السَّلامَ ظاهِرٌ في التَّحِيَّةِ لِتَقْيِيدِهِ بِـ (آمِنِينَ) . ولَوْ كانَ السَّلامُ مُرادًا بِهِ السَّلامَةُ لَكانَ التَّقْيِيدُ بِـ (آمَنِينَ) تَوْكِيدًا وهو خِلافُ الأصْلِ.

و(مِنّا) تَأْكِيدٌ لِتَوْجِيهِ السَّلامِ إلَيْهِ لِأنَّ (مِنِ) ابْتِدائِيَّةٌ، فالمَعْنى: بِسَلامٍ ناشِئٍ مِن عِنْدِنا، كَقَوْلِهِ: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] . وذَلِكَ كَثِيرٌ في كَلامِهِمْ. وهَذا التَّأْكِيدُ يُرادُ بِهِ زِيادَةُ الصِّلَةِ والإكْرامِ فَهو أشَدُّ مُبالَغَةً مِنَ الَّذِي لا تُذْكَرُ مَعَهُ (مِن) .

والباءُ لِلْمُصاحَبَةِ، أيِ اهْبِطْ مَصْحُوبًا بِسَلامٍ مِنّا. ومُصاحَبَةُ السَّلامِ الَّذِي هو التَّحِيَّةُ مُصاحِبَةٌ مَجازِيَّةٌ.

صفحة ٩٠

والبَرَكاتُ: الخَيْراتُ النّامِيَةُ، واحِدَتُها بَرَكَةٌ، وهي مِن كَلِماتِ التَّحِيَّةِ مُسْتَعْمَلَةٌ في الدُّعاءِ.

ولَمّا كانَ الدّاعُونَ بِلَفْظِ التَّحِيَّةِ إنَّما يَسْألُونَ اللَّهَ بِدُعاءِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ فَصُدُورُ هَذا الدُّعاءِ مِن لَدُنْهِ قائِمٌ مَقامَ إجابَةِ الدُّعاءِ فَهو إفاضَةُ بَرَكاتٍ عَلى نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَن مَعَهُ، فَحَصَلَ بِذَلِكَ تَكْرِيمُهم وتَأْمِينُهم والإنْعامُ عَلَيْهِمْ.

و(عَلَيْكَ) يَتَعَلَّقُ (بِسَلامٍ) و(بَرَكاتٍ) وكَذَلِكَ ﴿وعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾

والأُمَمُ: جَمْعُ أُمَّةٍ. والأُمَّةُ: الجَماعَةُ الكَثِيرَةُ مِنَ النّاسِ الَّتِي يَجْمَعُها نَسَبٌ إلى جَدٍّ واحِدٍ. يُقالُ: أُمَّةُ العَرَبِ، أوْ لُغَةٌ مِثْلَ أُمَّةِ التُّرْكِ، أوْ مَوْطِنٌ مِثْلَ أُمَّةِ أمْرِيكا، أوْ دِينٌ مِثْلَ الأُمَّةِ الإسْلامِيَّةِ، فَـ (أُمَمٌ) دالٌّ عَلى عَدَدٍ كَثِيرٍ مِنَ الأُمَمِ يَكُونُ بَعْدَ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . ولَيْسَ الَّذِينَ رَكِبُوا في السَّفِينَةِ أُمَمًا لِقِلَّةِ عَدَدِهِمْ لِقَوْلِهِ: ﴿وما آمَنَ مَعَهُ إلّا قَلِيلٌ﴾ [هود: ٤٠] . وتَنْكِيرُ (أُمَمٍ) لِأنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ التَّعْمِيمَ تَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ: ﴿وأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ﴾

و(مِن) في ﴿مِمَّنْ مَعَكَ﴾ ابْتِدائِيَّةٌ، و(مَن) المَوْصُولَةُ صادِقَةٌ عَلى الَّذِينَ رَكِبُوا مَعَ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في السَّفِينَةِ. ومِنهم أبْناؤُهُ الثَّلاثَةُ. فالكَلامُ بِشارَةٌ لِنُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَن مَعَهُ بِأنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ مِنهم أُمَمًا كَثِيرَةً يَكُونُونَ مَحَلَّ كَرامَتِهِ وبَرَكاتِهِ. وفِيهِ إيذانٌ بِأنْ يَجْعَلَ مِنهم أُمَمًا بِخِلافِ ذَلِكَ، ولِذَلِكَ عَطَفَ عَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ قَوْلَهُ: ﴿وأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهم ثُمَّ يَمَسُّهم مِنّا عَذابٌ ألِيمٌ﴾

وهَذا النَّظْمُ يَقْتَضِي أنَّ اللَّهَ بَدَأ نُوحًا بِالسَّلامِ والبَرَكاتِ وشَرَكَ مَعَهُ فِيهِما أُمَمًا ناشِئِينَ مِمَّنْ هم مَعَهُ، وفِيهِمُ النّاشِئُونَ مِن نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأنَّ في جُمْلَةِ مَن مَعَهُ أبْناءَهُ الثَّلاثَةَ الَّذِينَ انْحَصَرَ فِيهِمْ نَسْلُهُ مِن بَعْدِهِ. فَتَعَيَّنَ أنَّ الَّذِينَ مَعَهُ يَشْمَلُهُمُ السَّلامُ والبَرَكاتُ بادِئَ بَدِيءٍ قَبْلَ نَسْلِهِمْ إذْ عُنْوِنَ عَنْهم بِوَصْفِ مَعِيَّةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَنْبِيهًا عَلى سَبَبِ كَرامَتِهِمْ. وإذْ كانَ التَّنْوِيهُ بِالنّاشِئِينَ

صفحة ٩١

عَنْهم إيماءً إلى أنَّ اخْتِصاصَهم بِالكَرامَةِ لِأجْلِ كَوْنِهِمْ ناشِئِينَ عَنْ فِئَةٍ مُكَرَّمَةٍ بِمُصاحَبَةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَحَصَلَ تَنْوِيهُ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وصُحْبَتِهِ ونَسْلِهِمْ بِطَرِيقِ إيجازٍ بَدِيعٍ.

وجُمْلَةُ ﴿وأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ إلَخْ، عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنّا﴾ إلى آخِرِها، وهي اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِأنَّها تَبْيِينٌ لِما أفادَهُ التَّنْكِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿وعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾ مِنَ الِاحْتِرازِ عَنْ أُمَمٍ آخَرِينَ. وهَذِهِ الواوُ تُسَمّى اسْتِئْنافِيَّةً وأصْلُها الواوُ العاطِفَةُ وبَعْضُهم يُرْجِعُها إلى الواوِ الزّائِدَةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلتَّقْسِيمِ، والمَقْصُودُ: تَحْذِيرُ قَوْمِ نُوحٍ مِنَ اتِّباعِ سَبِيلِ الَّذِينَ أُغْرِقُوا، والمَقْصُودُ مِن حِكايَةِ ذَلِكَ في القُرْآنِ التَّعْرِيضُ بِالمُشْرِكِينَ مِنَ العَرَبِ فَإنَّهم مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ ولَمْ يَتَّبِعُوا سَبِيلَ جَدِّهِمْ، فَأُشْعِرُوا بِأنَّهم مِنَ الأُمَمِ الَّتِي أنْبَأ اللَّهُ نُوحًا بِأنَّهُ سَيُمَتِّعُهم ثُمَّ يَمَسُّهم عَذابٌ ألِيمٌ. ونَظِيرُ هَذا قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: ٣] أيْ وكانَ المُتَحَدَّثُ عَنْهم غَيْرَ شاكِرِينَ لِلنِّعْمَةِ.

وإطْلاقُ المَسِّ عَلى الإصابَةِ القَوِيَّةِ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هُوَ﴾ [الأنعام: ١٧] في الأنْعامِ.

وذِكْرُ (مِنّا) مَعَ يَمَسُّهم لِمُقابَلَةِ قَوْلِهِ في ضِدِّهِ ﴿بِسَلامٍ مِنّا﴾ لِيَعْلَمُوا أنَّ ما يُصِيبُ الأُمَّةَ مِنَ الأحْوالِ الزّائِدَةِ عَلى المُعْتادِ في الخَيْرِ والشَّرِّ هو إعْلامٌ مِنَ اللَّهِ بِالرِّضى أوِ الغَضَبِ لِئَلّا يَحْسَبُوا ذَلِكَ مِن سُنَّةِ تُرَتَّبِ المُسَبَّباتِ العادِيَّةِ عَلى أسْبابِها، إذْ مِن حَقِّ النّاسِ أنْ يَتَبَصَّرُوا في الحَوادِثِ ويَتَوَسَّمُوا في جَرَيانِ أحْوالِهِمْ عَلى مُرادِ اللَّهِ - تَعالى - مِنهم ويَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يُخاطِبُهم بِدَلالَةِ الكائِناتِ عِنْدَ انْقِطاعِ خِطابِهِ إيّاهم عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ، فَإنَّ الرُّسُلَ يُبَيِّنُونَ لَهم طُرُقَ الدَّلالَةِ ويَكِلُونَ إلَيْهِمُ النَّظَرَ في وضْعِ المَدْلُولاتِ عِنْدَ دَلالاتِها. ومِثالُهُ ما هُنا فَقَدْ بَيَّنَ لَهم عَلى لِسانِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ يُمَتِّعُ أُمَمًا ثُمَّ يَمَسُّهم عَذابٌ ألِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ.

11:49Page 227

تِلۡكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡغَيۡبِ نُوحِيهَآ إِلَيۡكَۖ مَا كُنتَ تَعۡلَمُهَآ أَنتَ وَلَا قَوۡمُكَ مِن قَبۡلِ هَٰذَاۖ فَٱصۡبِرۡۖ إِنَّ ٱلۡعَٰقِبَةَ لِلۡمُتَّقِينَ ٤٩

That is from the news of the unseen which We reveal to you, [O Muḥammad]. You knew it not, neither you nor your people, before this. So be patient; indeed, the [best] outcome is for the righteous.

صفحة ٩٢

﴿تِلْكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيها إلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أنْتَ ولا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذا فاصْبِرْ إنَّ العاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ أُرِيدَ مِنهُ الِامْتِنانُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ والمَوْعِظَةُ والتَّسْلِيَةُ.

فالِامْتِنانُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ما كُنْتَ تَعْلَمُها﴾

والمَوْعِظَةُ مِن قَوْلِهِ: فاصْبِرْ إلَخْ.

والتَّسْلِيَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ العاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾

والإشارَةُ بِـ (تِلْكَ) إلى ما تَقَدَّمَ مِن خَبَرِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وتَأْنِيثُ اسْمِ الإشارَةِ بِتَأْوِيلِ أنَّ المُشارَ إلَيْهِ القِصَّةُ.

والأنْباءُ: جَمْعُ نَبَأٍ، وهو الخَبَرُ. وأنْباءُ الغَيْبِ الأخْبارُ المُغَيَّبَةُ عَنِ النّاسِ أوْ عَنْ فَرِيقٍ مِنهم. فَهَذِهِ الأنْباءُ مُغَيَّبَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى العَرَبِ كُلِّهِمْ لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ بِأكْثَرَ مِن مُجْمَلاتِها، وهي أنَّهُ قَدْ كانَ في الزَّمَنِ الغابِرِ نَبِيٌّ يُقالُ لَهُ: نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أصابَ قَوْمَهُ طُوفانٌ، وما عَدا ذَلِكَ فَهو غَيْبٌ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ما كُنْتَ تَعْلَمُها أنْتَ ولا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذا﴾، فَإنَّهم لَمْ يُنْكِرُوا ذَلِكَ ولَمْ يَدَّعُوا عِلْمَهُ. عَلى أنَّ فِيها ما هو غَيْبٌ بِالنِّسْبَةِ إلى جَمِيعِ الأُمَمِ مِثْلَ قِصَّةِ ابْنِ نُوحٍ الرّابِعِ وعِصْيانِهِ أباهُ وإصابَتِهِ بِالغَرَقِ، ومِثْلَ كَلامِ الرَّبِّ مَعَ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عِنْدَ هُبُوطِهِ مِنَ السَّفِينَةِ، ومِثْلَ سُخْرِيَةِ قَوْمِهِ بِهِ وهو يَصْنَعُ الفُلْكَ، وما دارَ بَيْنَ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقَوْمِهِ مِنَ المُحاوَرَةِ، فَإنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِمّا لَمْ يُذْكَرْ في كُتُبِ أهْلِ الكِتابِ.

وجُمَلُ ﴿مِن أنْباءِ الغَيْبِ﴾ ونُوحِيها و﴿ما كُنْتَ تَعْلَمُها﴾ أخْبارٌ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ، أوْ بَعْضُها خَبَرٌ وبَعْضُها حالٌ. وضَمِيرُ أنْتَ تَصْرِيحٌ بِالضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في قَوْلِهِ: تَعْلَمُها لِتَصْحِيحِ العَطْفِ عَلَيْهِ.

صفحة ٩٣

وعَطْفُ ﴿ولا قَوْمُكَ﴾ مِنَ التَّرَقِّي؛ لِأنَّ في قَوْمِهِ مَن خالَطَ أهْلَ الكِتابِ ومَن كانَ يَقْرَأُ ويَكْتُبُ ولا يَعْلَمُ أحَدٌ مِنهم كَثِيرًا مِمّا أُوحِيَ إلَيْهِ مِن هَذِهِ القِصَّةِ.

والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن قَبْلِ هَذا﴾ إمّا إلى القُرْآنِ، وإمّا إلى الوَقْتِ بِاعْتِبارِ ما في هَذِهِ القِصَّةِ مِنَ الزِّيادَةِ عَلى ما ذُكِرَ في أمْثالِها مِمّا تَقَدَّمَ نُزُولُهُ عَلَيْها، وإمّا إلى تِلْكَ بِتَأْوِيلِ النَّبَأِ، فَيَكُونُ التَّذْكِيرُ بَعْدَ التَّأْنِيثِ شَبِيهًا بِالِالتِفاتِ.

ووَجْهُ تَفْرِيعِ أمْرِ الرَّسُولِ بِالصَّبْرِ عَلى هَذِهِ القِصَّةِ أنَّ فِيها قِياسَ حالِهِ مَعَ قَوْمِهِ عَلى حالِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ قَوْمِهِ، فَكَما صَبَرَ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَكانَتِ العاقِبَةُ لَهُ كَذَلِكَ تَكُونُ العاقِبَةُ لَكَ عَلى قَوْمِكَ. وخَبَرُ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُسْتَفادٌ مِمّا حُكِيَ مِن مُقاوَمَةِ قَوْمِهِ ومِن ثَباتِهِ عَلى دَعْوَتِهِمْ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الثَّباتَ مَعَ تِلْكَ المُقاوَمَةِ مِن مُسَمّى الصَّبْرِ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ العاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ عِلَّةٌ لِلصَّبْرِ المَأْمُورِ بِهِ، أيِ اصْبِرْ لِأنَّ داعِيَ الصَّبْرِ قائِمٌ وهو أنَّ العاقِبَةَ الحَسَنَةَ تَكُونُ لِلْمُتَّقِينَ، فَسَتَكُونُ لَكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ مَعَكَ.

والعاقِبَةُ: الحالَةُ الَّتِي تَعْقُبُ حالَةً أُخْرى. وقَدْ شاعَتْ عِنْدَ الإطْلاقِ في حالَةِ الخَيْرِ كَقَوْلِهِ: ﴿والعاقِبَةُ لِلتَّقْوى﴾ [طه: ١٣٢]

والتَّعْرِيفُ في العاقِبَةِ لِلْجِنْسِ.

واللّامُ في لِلْمُتَّقِينَ لِلِاخْتِصاصِ والمِلْكِ، فَيَقْتَضِي مِلْكَ المُتَّقِينَ لِجِنْسِ العاقِبَةِ الحَسَنَةِ، فَهي ثابِتَةٌ لَهم لا تَفُوتُهم وهي مُنْتَفِيَةٌ عَنْ أضْدادِهِمْ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском