Ibn 'AshurHud · 11:59–68

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Hud 11:59–68

11:59–60Page 228

وَتِلۡكَ عَادٞۖ جَحَدُواْ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ وَعَصَوۡاْ رُسُلَهُۥ وَٱتَّبَعُوٓاْ أَمۡرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٖ ٥٩

And that was ʿAad, who rejected the signs of their Lord and disobeyed His messengers and followed the order of every obstinate tyrant.

وَأُتۡبِعُواْ فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا لَعۡنَةٗ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ أَلَآ إِنَّ عَادٗا كَفَرُواْ رَبَّهُمۡۗ أَلَا بُعۡدٗا لِّعَادٖ قَوۡمِ هُودٖ ٦٠

And they were [therefore] followed in this world with a curse and [as well] on the Day of Resurrection. Unquestionably, ʿAad denied their Lord; then away with ʿAad, the people of Hūd.

﴿وتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وعَصَوْا رُسُلَهُ واتَّبَعُوا أمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ ﴿وأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ ألا إنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾

الإشارَةُ بِـ (تِلْكَ) إلى حاضِرٍ في الذِّهْنِ بِسَبَبِ ما أُجْرِيَ عَلَيْهِ مِنَ الحَدِيثِ حَتّى صارَ كَأنَّهُ حاضِرٌ في الحِسِّ والمُشاهَدَةِ. كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿تِلْكَ القُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْبائِها﴾ [الأعراف: ١٠١]

صفحة ١٠٥

وكَقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥]، وهو أيْضًا مِثْلُهُ في أنَّ الإتْيانَ بِهِ عَقِبَ الأخْبارِ الماضِيَةِ عَنِ المُشارِ إلَيْهِمْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم جَدِيرُونَ بِما يَأْتِي بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِنَ الخَبَرِ لِأجْلِ تِلْكَ الأوْصافِ المُتَقَدِّمَةِ.

وتَأْنِيثُ اسْمِ الإشارَةِ بِتَأْوِيلِ الأُمَّةِ.

و(عادٌ) بَيانٌ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ.

وجُمْلَةُ جَحَدُوا خَبَرٌ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ. وهو وما بَعْدَهُ تَمْهِيدٌ لِلْمَعْطُوفِ وهو ﴿وأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً﴾ لِزِيادَةِ تَسْجِيلِ التَّمْهِيدِ بِالأجْرامِ السّابِقَةِ، وهو الَّذِي اقْتَضاهُ اسْمُ الإشارَةِ كَما تَقَدَّمَ؛ لِأنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ مِن أسْبابِ جَمْعِ العَذابَيْنِ لَهم.

والجَحْدُ: الإنْكارُ الشَّدِيدُ، مِثْلَ إنْكارِ الواقِعاتِ والمُشاهَداتِ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ هُودًا أتاهم بِآياتٍ فَأنْكَرُوا دَلالَتَها. وعُدِّيَ جَحَدُوا بِالباءِ مَعَ أنَّهُ مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ لِتَأْكِيدِ التَّعْدِيَةِ، أوْ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى كَفَرُوا فَيَكُونُ بِمَنزِلَةِ ما لَوْ قِيلَ: جَحَدُوا آياتِ رَبِّهِمْ وكَفَرُوا بِها، كَقَوْلِهِ: ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤]

وجَمَعَ الرُّسُلَ في قَوْلِهِ: ﴿وعَصَوْا رُسُلَهُ﴾ وإنَّما عَصَوْا رَسُولًا واحِدًا، وهو هُودٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأنَّ المُرادَ ذِكْرُ إجْرامِهِمْ فَناسَبَ أنْ يُناطَ الجُرْمُ بِعِصْيانِ جِنْسِ الرُّسُلِ لِأنَّ تَكْذِيبَهم هُودًا لَمْ يَكُنْ خاصًّا بِشَخْصِهِ لِأنَّهم قالُوا لَهُ ﴿وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ﴾ [هود: ٥٣]، فَكُلُّ رَسُولٍ جاءَ بِأمْرِ تَرْكِ عِبادَةِ الأصْنامِ فَهم مُكَذِّبُونَ بِهِ. ومِثْلُهُ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٣]

ومَعْنى اتِّباعِ الأمْرِ: طاعَةُ ما يَأْمُرُهم بِهِ، فالِاتِّباعُ تَمْثِيلٌ لِلْعَمَلِ بِما يُمْلى عَلى المُتَّبِعِ؛ لِأنَّ الأمَرَ يُشْبِهُ الهادِيَ لِلسّائِرِ في الطَّرِيقِ، والمُمْتَثِلَ يُشْبِهُ المُتَّبِعَ لِلسّائِرِ.

صفحة ١٠٦

والجَبّارُ: المُتَكَبِّرُ. والعَنِيدُ: مُبالَغَةٌ في المُعانَدَةِ، يُقالُ: عَنَدَ - مُثَلَّثُ النُّونِ - إذا طَغى، ومَن كانَ خُلُقُهُ التَّجَبُّرُ، والعُنُودُ لا يَأْمُرُ بِخَيْرٍ ولا يَدْعُو إلّا إلى باطِلٍ، فَدَلَّ اتِّباعُهم أمْرَ الجَبابِرَةِ المُعانِدِينَ عَلى أنَّهم أطاعُوا دُعاةَ الكُفْرِ والضَّلالِ والظُّلْمِ.

وكُلٌّ مِن صِيَغِ العُمُومِ، فَإنْ أُرِيدَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ مِن قَوْمِهِمْ فالعُمُومُ حَقِيقِيٌّ، وإنْ أُرِيدَ جِنْسُ الجَبابِرَةِ فَـ (كُلِّ) مُسْتَعْمَلَةٌ في الكَثْرَةِ كَقَوْلِ النّابِغَةِ:

بِها كُلُّ ذَيّالٍ وخَنْساءَ تَرْعَوِي

ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجالًا وعَلى كُلِّ ضامِرٍ﴾ [الحج: ٢٧] في سُورَةِ الحَجِّ.

وإتْباعُ اللَّعْنَةِ إيّاهم مُسْتَعارٌ لِإصابَتِها إيّاهم إصابَةً عاجِلَةً دُونَ تَأْخِيرٍ كَما يُتْبَعُ الماشِي بِمَن يَلْحَقُهُ. ومِمّا يَزِيدُ هَذِهِ الِاسْتِعارَةَ حُسْنًا ما فِيها مِنَ المُشاكَلَةِ ومِن مُماثَلَةِ العِقابِ لِلْجُرْمِ لِأنَّهُمُ اتَّبَعُوا المَلْعُونِينَ فَأُتْبِعُوا بِاللَّعْنَةِ.

وبُنِيَ فِعْلُ (أُتْبِعُوا) لِلْمَجْهُولِ إذْ لا غَرَضَ في بَيانِ الفاعِلِ، ولَمْ يُسْنَدِ الفِعْلُ إلى اللَّعْنَةِ مَعَ اسْتِيفائِهِ ذَلِكَ عَلى وجْهِ المَجازِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ إتْباعَها لَهم كانَ بِأمْرٍ فاعِلٍ لِلْإشْعارِ بِأنَّها تَبِعَتْهم عِقابًا مِنَ اللَّهِ لا مُجَرَّدَ مُصادَفَةٍ.

واللَّعْنَةُ: الطَّرْدُ بِإهانَةٍ وتَحْقِيرٍ.

وقَرَنَ الدُّنْيا بِاسْمِ الإشارَةِ لِقَصْدِ تَهْوِينِ أمْرِها بِالنِّسْبَةِ إلى لَعْنَةِ الآخِرَةِ، كَما في قَوْلِ قَيْسِ بْنِ الخَطِيمِ:

مَتّى يَأْتِ هَذا المَوْتُ لا يُلْفِ حاجَةً ∗∗∗ لِنَفْسِيَ إلّا قَدْ قَضَيْتُ قَضاءَها

أوْمَأ إلى أنَّهُ لا يَكْتَرِثُ بِالمَوْتِ ولا يَهابُهُ.

وجُمْلَةُ ﴿ألا إنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ افْتُتِحَتْ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ لِتَهْوِيلِ الخَبَرِ ومُؤَكَّدَةٌ بِحَرْفِ إنَّ لِإفادَةِ التَّعْلِيلِ بِجُمْلَةِ ﴿وأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ﴾ تَعْرِيضًا بِالمُشْرِكِينَ لِيَعْتَبِرُوا بِما أصابَ عادًا.

صفحة ١٠٧

وعُدِّيَ ﴿كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ بِدُونِ حَرْفِ الجَرِّ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى عَصَوْا في مُقابَلَةِ ﴿واتَّبَعُوا أمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾، أوْ لِأنَّ المُرادَ تَقْدِيرُ مُضافٍ، أيْ نِعْمَةُ رَبِّهِمْ لِأنَّ مادَّةَ الكُفْرِ لا تَتَعَدّى إلى الذّاتِ وإنَّما تَتَعَدّى إلى أمْرٍ مَعْنَوِيٍّ.

وجُمْلَةُ ﴿ألا بُعْدًا لِعادٍ﴾ ابْتِدائِيَّةٌ لِإنْشاءِ ذَمٍّ لَهم. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى (بُعْدًا) عِنْدَ قَوْلِهِ في قِصَّةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿وقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [هود: ٤٤]

و(قَوْمِ هُودٍ) بَيانٌ لِـ (عادٍ) أوْ وصْفٌ لِـ (عادٍ) بِاعْتِبارِ ما في لَفْظِ قَوْمٍ مِن مَعْنى الوَصْفِيَّةِ. وفائِدَةُ ذِكْرِهِ الإيماءُ إلى أنَّ لَهُ أثَرًا في الذَّمِّ بِإعْراضِهِمْ عَنْ طاعَةِ رَسُولِهِمْ، فَيَكُونُ تَعْرِيضًا بِالمُشْرِكِينَ مِنَ العَرَبِ، ولَيْسَ ذِكْرُهُ لِلِاحْتِرازِ عَنْ عادٍ أُخْرى وهم إرَمُ كَما جَوَّزَهُ صاحِبُ الكَشّافِ لِأنَّهُ لا يُعْرَفُ في العَرَبِ عادٌ غَيْرُ قَوْمِ هُودٍ وهم إرَمُ، قالَ - تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ﴾ [الفجر: ٦] ﴿إرَمَ ذاتِ العِمادِ﴾ [الفجر: ٧]

11:61Page 228

۞ وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمۡ صَٰلِحٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥۖ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِيهَا فَٱسۡتَغۡفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٞ مُّجِيبٞ ٦١

And to Thamūd [We sent] their brother Ṣāliḥ. He said, "O my people, worship Allāh; you have no deity other than Him. He has produced you from the earth and settled you in it, so ask forgiveness of Him and then repent to Him. Indeed, my Lord is near and responsive."

﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهِ غَيْرُهُ هو أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ واسْتَعْمَرَكم فِيها فاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾

قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا﴾ إلى قَوْلِهِ (غَيْرُهُ) الكَلامُ فِيهِ كالَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا﴾ [هود: ٥٠] إلَخْ.

وذِكْرُ ثَمُودَ وصالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأعْرافِ.

وثَمُودُ اسْمُ جَدٍّ سُمِّيَتْ بِهِ القَبِيلَةُ، فَلِذَلِكَ مُنِعَ مِنَ الصَّرْفِ بِتَأْوِيلِ القَبِيلَةِ.

وجُمْلَةُ ﴿هُوَ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ﴾ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ بِعِبادَةِ اللَّهِ ونَفْيِ إلَهِيَّةِ غَيْرِهِ، وكَأنَّهم كانُوا مِثْلَ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ لا يَدَّعُونَ لِأصْنامِهِمْ خَلْقًا ولا رِزْقًا، فَلِذَلِكَ كانَتِ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ ناهِضَةً واضِحَةً.

صفحة ١٠٨

والإنْشاءُ: الإيجادُ والإحْداثُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ [الأنعام: ٦] في الأنْعامِ.

وجَعَلَ الخَبَرَيْنِ عَنِ الضَّمِيرِ فِعْلَيْنِ دُونَ: هو مُنْشِئُكم ومُسْتَعْمِرُكم لِإفادَةِ القَصْرِ، أيْ لَمْ يُنْشِئْكم مِنَ الأرْضِ إلّا هو ولَمْ يَسْتَعْمِرْكم فِيها غَيْرُهُ.

والإنْشاءُ مِنَ الأرْضِ خَلْقُ آدَمَ مِنَ الأرْضِ لِأنَّ إنْشاءَهُ إنْشاءٌ لِنَسْلِهِ، وإنَّما ذُكِرَ تَعَلُّقُ خَلْقِهِمْ بِالأرْضِ لِأنَّهم كانُوا أهْلَ غَرْسٍ وزَرْعٍ، كَما قالَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ ﴿أتُتْرَكُونَ فِيما هاهُنا آمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٤٦] ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ [الشعراء: ١٤٧] وزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمْ ولِأنَّهم كانُوا يَنْحِتُونَ مِن جِبالِ الأرْضِ بُيُوتًا ويَبْنُونَ في الأرْضِ قُصُورًا، كَما قالَ في الآيَةِ الأُخْرى ﴿وبَوَّأكم في الأرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِها قُصُورًا وتَنْحِتُونَ الجِبالَ بُيُوتًا﴾ [الأعراف: ٧٤]، فَكانَتْ لَهم مَنافِعُ مِنَ الأرْضِ تُناسِبُ نِعْمَةَ إنْشائِهِمْ مِنَ الأرْضِ فَلِأجْلِ مَنافِعِهِمْ في الأرْضِ قُيِّدَتْ نِعْمَةُ الخَلْقِ بِأنَّها مِنَ الأرْضِ الَّتِي أُنْشِئُوا مِنها، ولِذَلِكَ عَطَفَ عَلَيْهِ ﴿واسْتَعْمَرَكم فِيها﴾

والِاسْتِعْمارُ: الإعْمارُ، أيْ جَعَلَكم عامِرِيها، فالسِّينُ والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ كالَّتِي في اسْتَبْقى واسْتَفاقَ. ومَعْنى الإعْمارِ أنَّهم جَعَلُوا الأرْضَ عامِرَةً بِالبِناءِ والغَرْسِ والزَّرْعِ لِأنَّ ذَلِكَ يُعَدُّ تَعْمِيرًا لِلْأرْضِ حَتّى سُمِّيَ الحَرْثُ عِمارَةً لِأنَّ المَقْصُودَ مِنهُ عَمْرُ الأرْضِ.

وفَرَّعَ عَلى التَّذْكِيرِ بِهَذِهِ النِّعَمِ أمْرَهم بِاسْتِغْفارِهِ والتَّوْبَةِ إلَيْهِ، أيْ طَلَبِ مَغْفِرَةِ إجْرامِهِمْ، والإقْلاعِعَمّا لا يَرْضاهُ مِنَ الشِّرْكِ والفَسادِ. ومِن تَفَنُّنِ الأُسْلُوبِ أنْ جُعِلَتْ هَذِهِ النِّعَمُعِلَّةً لِأمْرِهِمْ بِعِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ بِطَرِيقِ جُمْلَةِ التَّعْلِيلِ، وجُعِلَتْ عِلَّةً أيْضًا لِلْأمْرِ بِالِاسْتِغْفارِ والتَّوْبَةِ بِطَرِيقِ التَّفْرِيعِ.

وعُطِفَ الأمْرُ بِالتَّوْبَةِ بِحَرْفِ التَّراخِي لِلْوَجْهِ المُتَقَدِّمِ في قَوْلِهِ: ﴿ويا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ [هود: ٥٢] في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ.

صفحة ١٠٩

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُمُ اسْتَعْظَمُوا أنْ يَكُونَ جُرْمُهم مِمّا يُقْبَلُ الِاسْتِغْفارُ عَنْهُ، فَأُجِيبُوابِأنَّ اللَّهَ قَرِيبٌ مُجِيبٌ، وبِذَلِكَ ظَهَرَ أنَّ الجُمْلَةَ لَيْسَتْ بِتَعْلِيلٍ. وحَرْفُ (إنَّ) فِيها لِلتَّأْكِيدِ تَنْزِيلًا لَهم في تَعْظِيمِ جُرْمِهِمْ مَنزِلَةَ مَن يَشُكُّ في قَبُولِ اسْتِغْفارِهِ.

والقُرْبُ: هُنا مُسْتَعارٌ لِلرَّأْفَةِ والإكْرامِ؛ لِأنَّ البُعْدَ يُسْتَعارُ لِلْجَفاءِ والإعْراضِ. قالَ جُبَيْرُ بْنُ الأضْبَطِ.

تَباعَدَ عَنِّي مِطْحَلٌ إذْ دَعَوْتُهُ أمِينَ فَزادَ اللَّهُ ما بَيْنَنا بُعْدًا

فَكَذَلِكَ يُسْتَعارُ ضِدُّهُ لِضِدِّهِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِي﴾ [البقرة: ١٨٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والمُجِيبُ هُنا: مُجِيبُ الدُّعاءِ، وهو الِاسْتِغْفارُ. وإجابَةُ الدُّعاءِ: إعْطاءُ السّائِلِ مَسْئُولَهُ.

11:62Page 228

قَالُواْ يَٰصَٰلِحُ قَدۡ كُنتَ فِينَا مَرۡجُوّٗا قَبۡلَ هَٰذَآۖ أَتَنۡهَىٰنَآ أَن نَّعۡبُدَ مَا يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكّٖ مِّمَّا تَدۡعُونَآ إِلَيۡهِ مُرِيبٖ ٦٢

They said, "O Ṣāliḥ, you were among us a man of promise before this. Do you forbid us to worship what our fathers worshipped? And indeed we are, about that to which you invite us, in disquieting doubt."

﴿قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا أتَنْهانا أنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وإنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾

هَذا جَوابُهم عَنْ دَعْوَتِهِ البَلِيغَةِ الوَجِيزَةِ المَلْأى إرْشادًا وهَدْيًا. وهو جَوابٌ مَلِيءٌ بِالضَّلالِ والمُكابَرَةِ وضَعْفِ الحُجَّةِ.

وافْتِتاحُ الكَلامِ بِالنِّداءِ لِقَصْدِ التَّوْبِيخِ أوِ المَلامِ والتَّنْبِيهِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ﴾ [هود: ٥٣] . وقَرِينَةُ التَّوْبِيخِ هُنا أظْهَرُ، وهي قَوْلُهم ﴿قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا﴾ فَإنَّهُ تَعْرِيضٌ بِخَيْبَةِ رَجائِهِمْ فِيهِ فَهو تَعْنِيفٌ.

و(قَدْ) لِتَأْكِيدِ الخَبَرِ.

صفحة ١١٠

وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ (مَرْجُوًّا) لِدَلالَةِ فِعْلِ الرَّجاءِ عَلى أنَّهُ تَرَقُّبُ الخَيْرِ، أيْ مَرْجُوًّا لِلْخَيْرِ. أيْ والآنَ وقَعَ اليَأْسُ مِن خَيْرِكَ. وهَذا يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهم يَعُدُّونَ ما دَعاهم إلَيْهِ شَرًّا، وإنَّما خاطَبُوهُ بِمِثْلِ هَذا لِأنَّهُ بُعِثَ فِيهِمْ وهو شابٌّ (كَذا قالَ البَغَوِيُّ في تَفْسِيرِ سُورَةِ الأعْرافِ) أيْ كُنْتَ مَرْجُوًّا لِخِصالِ السِّيادَةِ وحِمايَةِ العَشِيرَةِ ونُصْرَةِ آلِهَتِهِمْ.

والإشارَةُ في (قَبْلَ هَذا) إلى الكَلامِ الَّذِي خاطَبَهم بِهِ حِينَ بَعَثَهُ اللَّهُ إلَيْهِمْ.

وجُمْلَةُ ﴿أتَنْهانا أنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا﴾ بِاعْتِبارِ دَلالَتِها عَلى التَّعْنِيفِ، واشْتِمالِها عَلى اسْمِ الإشارَةِ الَّذِي تُبَيِّنُهُ أيْضًا جُمْلَةُ ﴿أتَنْهانا أنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾

والِاسْتِفْهامُ: إنْكارٌ وتَوْبِيخٌ.

وعَبَّرُوا عَنْ أصْنامِهِمْ بِالمَوْصُولِ لِما في الصِّلَةِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى اسْتِحْقاقِ تِلْكَ الأصْنامِ أنْ يَعْبُدُوها في زَعْمِهِمِ اقْتِداءً بِآبائِهِمْ لِأنَّهم أُسْوَةٌ لَهم، وذَلِكَ مِمّا يَزِيدُ الإنْكارَ اتِّجاهًا في اعْتِقادِهِمْ.

وجُمْلَةُ ﴿وإنَّنا لَفي شَكٍّ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا﴾، فَبَعْدَ أنْ ذَكَرُوا يَأْسَهم مِن صَلاحِ حالِهِ ذَكَرُوا أنَّهم يَشُكُّونَ في صِدْقِ أنَّهُ مُرْسَلٌ إلَيْهِمْ وزادُوا ذَلِكَ تَأْكِيدًا بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ. ومِن مَحاسِنِ النُّكَتِ هُنا إثْباتُ نُونِ (إنَّ) مَعَ نُونِ ضَمِيرِ الجَمْعِ لِأنَّ ذَلِكَ زِيادَةُ إظْهارٍ لِحَرْفِ التَّوْكِيدِ، والإظْهارُ ضَرْبٌ مِنَ التَّحْقِيقِ بِخِلافِ ما في سُورَةِ إبْراهِيمَ مِن قَوْلِ الأُمَمِ لِرُسُلِهِمْ ﴿وإنّا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونَنا﴾ [إبراهيم: ٩] لِأنَّ الحِكايَةَ فِيها عَنْ أُمَمٍ مُخْتَلِفَةٍ في دَرَجاتِ التَّكْذِيبِ، ولِأنَّ ما في هاتِهِ الآيَةِ خِطابٌ واحِدٌ، فَكانَ (تَدْعُونا) بِنُونٍ واحِدَةٍ هي نُونُ المُتَكَلِّمِ ومَعَهُ غَيْرُهُ فَلَمْ يَقَعْ في الجُمْلَةِ أكْثَرُ مِن ثَلاثِ نُوناتٍ بِخِلافِ ما في سُورَةِ إبْراهِيمَ لِأنَّ الحِكايَةَ هُنالِكَ عَنْ جَمْعٍ مِنَ الرُّسُلِ في تَدْعُونَنا فَلَوْ جاءَ (إنَّنا) لاجْتَمَعَ أرْبَعُ نُوناتٍ.

صفحة ١١١

والمُرِيبُ: اسْمُ فاعِلٍ مَن أرابَ إذا أُوقِعَ في الرَّيْبِ. يُقالُ: رابَهُ وأرابَهُ بِمَعْنًى. ووَصْفُ الشَّكِّ بِذَلِكَ تَأْكِيدٌ كَقَوْلِهِمْ: جَدَّ جَدُّهُ.

11:63Page 229

قَالَ يَٰقَوۡمِ أَرَءَيۡتُمۡ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّي وَءَاتَىٰنِي مِنۡهُ رَحۡمَةٗ فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ ٱللَّهِ إِنۡ عَصَيۡتُهُۥۖ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيۡرَ تَخۡسِيرٖ ٦٣

He said, "O my people, have you considered: if I should be upon clear evidence from my Lord and He has given me mercy from Himself, who would protect me from Allāh if I disobeyed Him? So you would not increase me except in loss.

﴿قالَ يا قَوْمِ أرَيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وآتانِي مِنهُ رَحْمَةً فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾

جَوابٌ عَنْ كَلامِهِمْ فَلِذَلِكَ لَمْ تُعْطَفْ جُمْلَةُ (قالَ) وهو الشَّأْنُ في حِكايَةِ المُحاوَراتِ كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ.

وابْتِداءُ الجَوابِ بِالنِّداءِ لِقَصْدِ التَّنْبِيهِ إلى ما سَيَقُولُهُ اهْتِمامًا بِشَأْنِهِ.

وخاطَبَهم بِوَصْفِ القَوْمِيَّةِ لَهُ لِلْغَرَضِ الَّذِي تَقَدَّمَ في قِصَّةِ نُوحٍ.

والكَلامُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وآتانِي مِنهُ رَحْمَةً﴾ كالكَلامِ عَلى نَظِيرِها في قِصَّةِ نُوحٍ.

وإنَّما يَتَّجِهُ هُنا أنْ يَسْألَ عَنْ مُوجِبِ تَقْدِيمِ (مِنهُ) عَلى (رَحْمَةٍ) هُنا وتَأْخِيرِ (مِن عِنْدِهِ) عَنْ (رَحْمَةٍ) في قِصَّةِ نُوحٍ السّابِقَةِ.

فالجَوابُ لِأنَّ ذَلِكَ مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّفَنُّنِ بِعَدَمِ التِزامِ طَرِيقَةٍ واحِدَةٍ في إعادَةِ الكَلامِ المُتَماثِلِ، هو أيْضًا أسْعَدُ بِالبَيانِ في وُضُوحِ الدَّلالَةِ ودَفْعِ اللَّبْسِ. فَلَمّا كانَ مَجْرُورُ (مِن) الِابْتِدائِيَّةِ ظَرْفًا وهو (عِنْدَ) كانَ صَرِيحًا في وصْفِ الرَّحْمَةِ بِصِفَةٍ تَدُلُّ عَلى الِاعْتِناءِ الرَّبّانِيِّ بِها وبِمَن أُوتِيَها. ولَمّا كانَ المَجْرُورُ هُنا ضَمِيرَ الجَلالَةِ كانَ الأحْسَنُ أنْ يَقَعَ عَقِبَ فِعْلِ (آتانِي) لِيَكُونَ تَقْيِيدُ الإيتاءِ بِأنَّهُ مِنَ اللَّهِ مُشِيرًا إلى إيتاءٍ خاصٍّ ذِي عِنايَةٍ بِالمُؤْتى إذْ لَوْلا ذَلِكَ لَكانَ كَوْنُهُ مِنَ

صفحة ١١٢

اللَّهِ تَحْصِيلًا لِما أُفِيدَ مِن إسْنادِ الإيتاءِ إلَيْهِ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ المُرادُ إيتاءً خاصًّا، ولَوْ أُوقِعَ مِنهُ عَقِبَ رَحْمَةٍ لَتَوَهَّمَ السّامِعُ أنَّ ذَلِكَ عِوَضٌ عَنِ الإضافَةِ، أيْ عَنْ أنْ يُقالَ: وآتانِي رَحْمَتَهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ ورَحْمَةً مِنّا﴾ [مريم: ٢١] أيْ ورَحْمَتَنا لَهم، أيْ لِنَعِظَهم ونَرْحَمَهم.

وجُمْلَةُ ﴿فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ﴾ جَوابُ الشَّرْطِ وهو ﴿إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ﴾

والمَعْنى إلْزامٌ وجَدَلٌ، أيْ إنْ كُنْتُمْ تُنْكِرُونَ نُبُوَّتِي وتُوَبِّخُونَنِي عَلى دَعْوَتِكم فَأنا مُؤْمِنٌ بِأنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي، أفَتَرُونَ أنِّي أعْدِلُ عَنْ يَقِينِي إلى شَكِّكم، وكَيْفَ تَتَوَقَّعُونَ مِنِّي ذَلِكَ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ يَقِينِي بِذَلِكَ يَجْعَلُنِي خائِفًا مِن عَذابِ اللَّهِ إنْ عَصَيْتُهُ ولا أحَدَ يَنْصُرُنِي.

والكَلامُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿مَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ عَصَيْتُهُ﴾ كالكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿مَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ طَرَدْتُهُمْ﴾ [هود: ٣٠] في قِصَّةِ نُوحٍ.

وفَرَّعَ عَلى الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ جُمْلَةَ ﴿فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ أيْ إذْ كانَ ذَلِكَ فَما دُعاؤُكم إيّايَ إلّا سَعْيٌ في خُسْرانِي.

والمُرادُ بِالزِّيادَةِ حُدُوثُ حالٍ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا لِأنَّ ذَلِكَ زِيادَةٌ في أحْوالِ الإنْسانِ، أيْ فَما يَحْدُثُ لِي إنِ اتَّبَعَتْكم وعَصَيْتُ اللَّهَ إلّا الخُسْرانُ، كَقَوْلِهِ - تَعالى - حِكايَةً عَنْ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿فَلَمْ يَزِدْهم دُعائِي إلّا فِرارًا﴾ [نوح: ٦]، أيْ كُنْتُ أدْعُوهم وهم يَسْمَعُونَ فَلَمّا كَرَرْتُ دَعْوَتَهم زادُوا عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ فَفَرُّوا، ولَيْسَ المَعْنى أنَّهم كانُوا يَفِرُّونَ فَزادُوا في الفِرارِ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَقِيلَ هُنالِكَ: فَلَمْ يَزِدْهم دُعائِي إلّا مِن فِرارٍ، ولَقِيلَ هُنا: فَما تَزِيدُونَنِي إلّا مِن تَخْسِيرٍ.

والتَّخْسِيرُ، مَصْدَرُ خَسِرَ، إذا جَعَلَهُ خاسِرًا.

11:64–65Page 229

وَيَٰقَوۡمِ هَٰذِهِۦ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمۡ ءَايَةٗۖ فَذَرُوهَا تَأۡكُلۡ فِيٓ أَرۡضِ ٱللَّهِۖ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوٓءٖ فَيَأۡخُذَكُمۡ عَذَابٞ قَرِيبٞ ٦٤

And O my people, this is the she-camel of Allāh - [she is] to you a sign. So let her feed upon Allāh's earth and do not touch her with harm, or you will be taken by an impending punishment."

فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمۡ ثَلَٰثَةَ أَيَّامٖۖ ذَٰلِكَ وَعۡدٌ غَيۡرُ مَكۡذُوبٖ ٦٥

But they hamstrung her, so he said, "Enjoy yourselves in your homes for three days. That is a promise not to be denied [i.e., unfailing]."

صفحة ١١٣

﴿ويا قَوْمِ هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ قَرِيبٌ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ ذَلِكَ وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾

هَذا جَوابٌ عَنْ قَوْلِهِمْ ﴿وإنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ [هود: ٦٢] فَأتاهم بِمُعْجِزَةٍ تُزِيلُ الشَّكَّ.

وإعادَةُ (ويا قَوْمِ) لِمِثْلِ الغَرَضِ المُتَقَدِّمِ في قَوْلِهِ في قِصَّةِ نُوحٍ ﴿ويا قَوْمِ مَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ طَرَدْتُهُمْ﴾ [هود: ٣٠]

والإشارَةُ بِهَذِهِ إلى النّاقَةِ حِينَ شاهَدُوا انْفِلاقَ الصَّخْرَةِ عَنْها.

وإضافَةُ النّاقَةِ إلى اسْمِ الجَلالَةِ لِأنَّها خُلِقَتْ بِقُدْرَةِ اللَّهِ الخارِقَةِ لِلْعادَةِ.

و(آيَةً) و(لَكم) حالانِ مِن ناقَةٍ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الحالِ في سُورَةِ الأعْرافِ. وسَتَجِيءُ قِصَّةٌ في إعْرابِها عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: ٧٢] في هَذِهِ السُّورَةِ.

وأوْصاهم بِتَجَنُّبِ الِاعْتِداءِ عَلَيْها لِتَوَقُّعِهِ أنَّهم يَتَصَدَّوْنَ لَها مِن تَصَلُّبِهِمْ في عِنادِهِمْ. وقَدْ تَقَدَّمَ عَقْرُها في سُورَةِ الأعْرافِ.

والتَّمَتُّعُ: الِانْتِفاعُ بِالمَتاعِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ [الأعراف: ٢٤] في سُورَةِ الأعْرافِ.

والدّارُ: البَلَدُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ [الأعراف: ٧٨] في سُورَةِ الأعْرافِ، وذَلِكَ التَّأْجِيلُ اسْتِقْصاءٌ لَهم في الدَّعْوَةِ إلى الحَقِّ.

والمَكْذُوبُ: الَّذِي يُخْبِرُ بِهِ الكاذِبُ. يُقالُ: كَذَبَ الخَبَرَ، إذا اخْتَلَقَهُ.

11:66–68Page 229

فَلَمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا نَجَّيۡنَا صَٰلِحٗا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ بِرَحۡمَةٖ مِّنَّا وَمِنۡ خِزۡيِ يَوۡمِئِذٍۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلۡقَوِيُّ ٱلۡعَزِيزُ ٦٦

So when Our command came, We saved Ṣāliḥ and those who believed with him, by mercy from Us, and [saved them] from the disgrace of that day.1 Indeed, it is your Lord who is the Powerful, the Exalted in Might.

وَأَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلصَّيۡحَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دِيَٰرِهِمۡ جَٰثِمِينَ ٦٧

And the shriek1 seized those who had wronged, and they became within their homes [corpses] fallen prone

كَأَن لَّمۡ يَغۡنَوۡاْ فِيهَآۗ أَلَآ إِنَّ ثَمُودَاْ كَفَرُواْ رَبَّهُمۡۗ أَلَا بُعۡدٗا لِّثَمُودَ ٦٨

As if they had never prospered therein. Unquestionably, Thamūd denied their Lord; then, away with Thamūd.

صفحة ١١٤

﴿فَلَمّا جا أمْرُنا نَجَّيْنا صالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ومِن خِزْيِ يَوْمَئِذٍ إنَّ رَبَّكَ هو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ ﴿وأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ألا إنَّ ثَمُودًا كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾

تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظائِرِ بَعْضِ هَذِهِ الآيَةِ في قِصَّةِ هُودٍ في سُورَةِ الأعْرافِ.

ومُتَعَلِّقُ نَجَّيْنا مَحْذُوفٌ.

وعَطْفُ ﴿ومِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ عَلى مُتَعَلِّقِ (نَجَّيْنا) المَحْذُوفِ، أيْ نَجَّيْنا صالِحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَن مَعَهُ مِن عَذابِ الِاسْتِئْصالِ ومِنَ الخِزْيِ المُكَيَّفِ بِهِ العَذابُ فَإنَّ العَذابَ يَكُونُ عَلى كَيْفِيّاتٍ بَعْضُها أخْزى مِن بَعْضٍ. فالمَقْصُودُ مِنَ العَطْفِ عَطْفُ مِنَّةٍ عَلى مِنَّةٍ لا عَطْفُ إنْجاءٍ عَلى إنْجاءٍ، ولِذَلِكَ عَطَفَ المُتَعَلِّقَ ولَمْ يَعْطِفِ الفِعْلَ، كَما عَطَفَ في قِصَّةِ عادٍ ﴿نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ [هود: ٥٨] لِأنَّ ذَلِكَ إنْجاءٌ مِن عَذابٍ مُغايِرٍ لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ.

وتَنْوِينُ يَوْمِئِذٍ تَنْوِينُ عِوَضٍ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ. والتَّقْدِيرُ: يَوْمَ إذْ جاءَ أمْرُنا.

والخِزْيُ: الذُّلُّ، وهو ذُلُّ العَذابِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ قَرِيبًا.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ مُعْتَرِضَةٌ.

وقَدْ أُكِّدَ الخَبَرُ بِثَلاثِ مُؤَكِّداتٍ لِلِاهْتِمامِ بِهِ. وعَبَّرَ عَنْ ثَمُودَ بِالَّذِينِ ظَلَمُوا لِلْإيماءِ بِالمَوْصُولِ إلى عِلَّةِ تَرَتُّبِ الحُكْمِ، أيْ لِظُلْمِهِمْ وهو ظُلْمُ الشِّرْكِ. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِمُشْرِكِي أهْلِ مَكَّةَ بِالتَّحْذِيرِ مِن أنْ يُصِيبَهم مِثْلَ ما أصابَ أُولَئِكَ لِأنَّهم ظالِمُونَ أيْضًا.

صفحة ١١٥

والصَّيْحَةُ: الصّاعِقَةُ أصابَتْهم.

ومَعْنى ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ كَأنْ لَمْ يُقِيمُوا.

وتَقَدَّمَ شُعَيْبٌ في الأعْرافِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ألا إنَّ ثَمُودًا﴾ - بِالتَّنْوِينِ - عَلى اعْتِبارِ ثَمُودٍ اسْمِ جَدِّ الأُمَّةِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، ويَعْقُوبَ، بِدُونِ تَنْوِينٍ عَلى اعْتِبارِهِ اسْمًا لِلْأُمَّةِ أوِ القَبِيلَةِ. وهُما طَرِيقَتانِ مَشْهُورَتانِ لِلْعَرَبِ في أسْماءِ القَبائِلِ المُسَمّاةِ بِأسْماءِ الأجْدادِ الأعْلَيْنَ.

وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى (بُعْدًا) في قِصَّةِ نُوحٍ ﴿وقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [هود: ٤٤]

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском