Ibn 'AshurHud · 11:7–12

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Hud 11:7–12

11:7Page 222

وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ وَكَانَ عَرۡشُهُۥ عَلَى ٱلۡمَآءِ لِيَبۡلُوَكُمۡ أَيُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗاۗ وَلَئِن قُلۡتَ إِنَّكُم مَّبۡعُوثُونَ مِنۢ بَعۡدِ ٱلۡمَوۡتِ لَيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٞ ٧

And it is He who created the heavens and the earth in six days - and His Throne had been upon water - that He might test you as to which of you is best in deed. But if you say, "Indeed, you are resurrected after death," those who disbelieve will surely say, "This is not but obvious magic."

صفحة ٧

﴿وهو الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلّا عَلى اللَّهِ رِزْقُها﴾ [هود: ٦] . والمُناسَبَةُ أنَّ خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضَ مِن أكْبَرِ مَظاهِرِ عِلْمِ اللَّهِ وتَعَلُّقاتِ قُدْرَتِهِ وإتْقانِ الصُّنْعِ، فالمَقْصُودُ مِن هَذا الخَبَرِ لازَمُهُ وهو الِاعْتِبارُ بِسِعَةِ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِها في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] في سُورَةِ الأعْرافِ.

وجُمْلَةُ ﴿وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا وأنْ تَكُونَ اعْتِراضًا بَيْنَ فِعْلِ خَلَقَ ولامِ التَّعْلِيلِ. وأمّا كَوْنُها مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلّا عَلى اللَّهِ رِزْقُها﴾ [هود: ٦] المَسُوقَةِ مَساقَ الدَّلِيلِ عَلى سَعَةِ عِلْمِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ فَغَيْرُ رَشِيقٍ لِأنَّ مَضْمُونَ هَذِهِ الجُمْلَةِ لَيْسَ مَحْسُوسًا ولا مُتَقَرِّرًا لَدى المُشْرِكِينَ إذْ هو مِنَ المُغَيَّباتِ وبَعْضُهُ طَرَأ عَلَيْهِ تَغْيِيرٌ بِخَلْقِ السَّماواتِ فَلا يَحْسُنُ جَعْلُهُ حُجَّةً عَلى المُشْرِكِينَ لِإثْباتِ سَعَةِ عِلْمِ اللَّهِ وقَدْرَتِهِ المَأْخُوذِ مِن جُمْلَةِ وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلَخْ. والمَعْنى أنَّ العَرْشَ كانَ مَخْلُوقًا قَبْلَ السَّماواتِ وكانَ مُحِيطًا بِالماءِ أوْ حاوِيًا لِلْماءِ. وحَمْلُ العَرْشِ عَلى أنَّهُ ذاتٌ مَخْلُوقَةٌ فَوْقَ السَّماواتِ هو ظاهِرُ الآيَةِ. وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّ العَرْشَ مَخْلُوقٌ قَبْلَ ذَلِكَ وأنَّ الماءَ مَخْلُوقٌ قَبْلَ السَّماواتِ والأرْضِ. وتَفْصِيلُ ذَلِكَ وكَيْفِيَّتُهُ وكَيْفِيَّةُ الِاسْتِعْلاءِ مِمّا لا قِبَلَ لِلْأفْهامِ بِهِ إذِ التَّعْبِيرُ عَنْهُ تَقْرِيبٌ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ العَرْشِ مُلْكَ اللَّهِ وحُكْمَهُ تَمْثِيلًا بِعَرْشِ السُّلْطانِ، أيْ كانَ مُلْكُ اللَّهِ قَبْلَ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ مُلْكًا عَلى الماءِ.

وقَوْلُهُ: لِيَبْلُوَكم مُتَعَلِّقٌ بِـ خَلَقَ واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ. والبَلْوُ: الِابْتِلاءُ، أيِ اخْتِبارُ شَيْءٍ لِتَحْصِيلِ عِلْمٍ بِأحْوالِهِ، وهو مُسْتَعْمَلٌ كِنايَةً عَنْ ظُهُورِ آثارٍ خَلْقِهِ

صفحة ٨

- تَعالى - لِلْمَخْلُوقاتِ؛ لِأنَّ حَقِيقَةَ البَلْوِ مُسْتَحِيلَةٌ عَلى اللَّهِ لِأنَّهُ العَلِيمُ بِكُلِّ شَيْءٍ، فَلا يَحْتاجُ إلى اخْتِبارِهِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿إلّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ [البقرة: ١٤٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وجَعْلُ البَلْوِ عِلَّةً لِخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ لِكَوْنِهِ مِن حِكْمَةِ خَلْقِ الأرْضِ بِاعْتِبارِ كَوْنِ الأرْضِ مِن مَجْمُوعِ هَذا الخَلْقِ، ثُمَّ إنَّ خَلْقَ الأرْضِ يَسْتَتْبِعُ خَلْقَ ما جُعِلَتِ الأرْضُ عامِرَةً بِهِ، واخْتِلافُ أعْمالِ المُخاطَبِينَ مِن جُمْلَةِ الأحْوالِ الَّتِي اقْتَضاها الخَلْقُ فَكانَتْ مِن حِكْمَةِ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، وكانَ التَّعْلِيلُ هُنا بِمَراتِبَ كَثِيرَةٍ، وعِلَّةُ العِلَّةِ عِلَّةٌ.

وأيِّكم: اسْمُ اسْتِفْهامٍ، فَهو مُبْتَدَأٌ، وجُمْلَةُ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ سادَّةٌ مَسَدَّ الحالِ اللّازِمِ ذِكْرُها بَعْدَ ضَمِيرِ الخِطابِ في يَبْلُوَكم، نَظَرًا إلى أنَّ الِابْتِلاءَ لا يَتَعَلَّقُ بِالذَّواتِ، فَتَعْدِيَةُ فِعْلِ يَبْلُوَ إلى ضَمِيرِ الذَّواتِ لَيْسَ فِيهِ تَمامُ الفائِدَةِ فَكانَ مُحْتاجًا إلى ذِكْرِ حالِ تَقَيُّدِ مُتَعَلِّقِ الِابْتِلاءِ، وهَذا ضَرْبٌ مِنَ التَّعْلِيقِ ولَيْسَ عَيْنُهُ.

وفِي الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ مِن حِكْمَةِ خَلْقِ الأرْضِ صُدُورُ الأعْمالِ الفاضِلَةِ مِن شَرَفِ المَخْلُوقاتِ فِيها. ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي الجَزاءَ عَلى الأعْمالِ إكْمالًا لِمُقْتَضى الحِكْمَةِ ولِذَلِكَ أُعْقِبَتْ بِقَوْلِهِ: ولَئِنْ قُلْتَ إنَّكم مَبْعُوثُونَ إلَخْ.

* * *

﴿ولَئِنْ قُلْتَ إنَّكم مَبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ المَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾

يَظْهَرُ أنَّ الواوَ واوُ الحالِ والجُمْلَةَ حالٌ مِن فاعِلِ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِاعْتِبارِ ما تَعَلَّقَ بِالفِعْلِ مِن قَوْلِهِ في سِتَّةِ أيّامٍ، وقَوْلِهِ: لِيَبْلُوَكم، والتَّقْدِيرُ: فَعَلَ ذَلِكَ الخَلْقَ العَجِيبَ والحالُ أنَّهم يُنْكِرُونَ ما هو دُونَ ذَلِكَ وهو إعادَةُ خَلْقِ النّاسِ. ويَجْهَلُونَ أنَّهُ لَوْلا الجَزاءُ لَكانَ هَذا الخَلْقُ عَبَثًا كَما قالَ - تَعالى:

صفحة ٩

﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ [الدخان: ٣٨] . فَإنْ حُمِلَ الخَبَرُ في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ عَلى ظاهِرِ الإخْبارِ كانَتِ الحالُ مَقَدَّرَةً مِن فاعِلِ خَلَقَ أيْ خَلَقَ ذَلِكَ مُقَدِّرًا أنَّكم تُنْكِرُونَ عَظِيمَ قُدْرَتِهِ، وإنْ حُمِلَ الخَبَرُ عَلى أنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّنْبِيهِ والِاعْتِبارِ بِقُدْرَةِ اللَّهِ كانَتِ الحالُ مُقارِنَةً.

وُوَجْهُ جَعْلِها جُمْلَةً شَرْطِيَّةً إفادَةُ تَجَدُّدِ التَّكْذِيبِ عِنْدَ كُلِّ إخْبارٍ بِالبَعْثِ، واللّامُ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ، وجَوابُ القَسَمِ لِيَقُولُنَّ إلَخْ، فاللّامُ فِيهِ لامُ جَوابِ القَسَمِ. وجَوابُ إنَّ مَحْذُوفٌ أغْنى عَنْهُ جَوابُ القَسَمِ كَما هو الشَّأْنُ عِنْدَ اجْتِماعِ شَرْطٍ وقَسَمٍ أنْ يُحْذَفَ جَوابُ المُتَأخِّرِ مِنهُما.

وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ بِاللّامِ المُوَطِّئَةِ لِلْقَسَمِ وما يَتْبَعُهُ مِن نُونِ التَّوْكِيدِ لِتَنْزِيلِ السّامِعِ مَنزِلَةَ المُتَرَدِّدِ في صُدُورِ هَذا القَوْلِ مِنهم لِغَرابَةِ صُدُورِهِ مِنَ العاقِلِ، فَيَكُونُ التَّأْكِيدُ القَوِيُّ والتَّنْزِيلُ مُسْتَعْمَلًا في لازِمِ مَعْناهُ وهو التَّعْجِيبُ مِن حالِ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ يُحِيلُوا إعادَةَ الخَلْقِ وقَدْ شاهَدُوا آثارَ بَدْءِ الخَلْقِ وهو أعْظَمُ وأبْدَعُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ إلّا سِحْرٌ عَلى أنَّ هَذا إشارَةٌ إلى المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِـ قُلْتَ، ومَعْنى الإخْبارِ عَنِ القَوْلِ بِأنَّهُ سِحْرٌ أنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّهُ كَلامٌ مِن قَبِيلِ الأقْوالِ الَّتِي يَقُولُها السَّحَرَةُ لِخَصائِصَ تُؤَثِّرُ في النُّفُوسِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: ”إلّا ساحِرٌ“ فالإشارَةُ بِقَوْلِهِ: هَذا إلى الرَّسُولِ ﷺ المَفْهُومِ مِن ضَمِيرِ قُلْتَ أيْ أنَّهُ يَقُولُ كَلامًا يَسْحَرُنا بِذَلِكَ.

ووَجْهُ جَعْلِهِمْ هَذا القَوْلَ سِحْرًا أنَّ في مُعْتَقَداتِهِمْ وخُرافاتِهِمْ أنَّ مِن وسائِلِ السِّحْرِ الأقْوالَ المُسْتَحِيلَةَ والتَّكاذِيبَ البُهْتانِيَّةَ، والمَعْنى أنَّهم يُكَذِّبُونَ بِالبَعْثِ كُلَّما أُخْبِرُوا بِهِ لا يَتَرَدَّدُونَ في عَدَمِ إمْكانِ حُصُولِهِ بَلْهَ إيمانُهم بِهِ.

ومُبِينٌ: اسْمُ فاعِلِ أبانَ المَهْمُوزَ الَّذِي هو بِمَعْنى بانَ المُجَرَّدِ، أيْ بَيِّنٌ واضِحٌ أنَّهُ سِحْرٌ أوْ أنَّهُ ساحِرٌ.

11:8Page 222

وَلَئِنۡ أَخَّرۡنَا عَنۡهُمُ ٱلۡعَذَابَ إِلَىٰٓ أُمَّةٖ مَّعۡدُودَةٖ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحۡبِسُهُۥٓۗ أَلَا يَوۡمَ يَأۡتِيهِمۡ لَيۡسَ مَصۡرُوفًا عَنۡهُمۡ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٨

And if We hold back from them the punishment for a limited time, they will surely say,1 "What detains it?" Unquestionably, on the Day it comes to them, it will not be averted from them, and they will be enveloped by what they used to ridicule.

صفحة ١٠

﴿ولَئِنْ أخَّرْنا عَنْهُمُ العَذابَ إلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ﴾

مُناسَبَتُهُ لِما قَبْلَهُ أنَّ في كِلَيْهِما وصْفُ فَنٍّ مِن أفانِينِ عِنادِ المُشْرِكِينَ وتَهَكُّمِهِمْ بِالدَّعْوَةِ الإسْلامِيَّةِ، فَإذا خَبَّرَهُمُ الرَّسُولُ ﷺ بِالبَعْثِ وأنَّ شِرْكَهم سَبَبٌ لِتَعْذِيبِهِمْ جَعَلُوا كَلامَهُ سِحْرًا، وإذا أنْذَرَهم بِعُقُوبَةِ العَذابِ عَلى الإشْراكِ اسْتَعْجَلُوهُ، فَإذا تَأخَّرَ عَنْهم إلى أجَلٍ اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ الرَّبّانِيَّةُ اسْتَفْهَمُوا عَنْ سَبَبِ حَبْسِهِ عَنْهُمُ اسْتِفْهامَ تَهَكُّمٍ ظَنًّا أنَّ تَأخُّرَهُ عَجْزٌ.

واللّامُ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ. وجُمْلَةُ لِيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ جَوابُ القَسَمِ مُغْنِيَةٌ عَنْ جَوابِ الشَّرْطِ.

والأُمَّةُ: حَقِيقَتُها الجَماعَةُ الكَثِيرَةُ مِنَ النّاسِ الَّذِينَ أمْرُهم واحِدٌ، وتُطْلَقُ عَلى المُدَّةِ كَأنَّهم راعَوْا أنَّها الأمَدُ الَّذِي يَظْهَرُ فِيهِ جِيلٌ فَأُطْلِقَتْ عَلى مُطْلَقِ المُدَّةِ، أيْ بَعْدَ مُدَّةٍ.

ومَعْدُودَةٍ مَعْناهُ مُقَدَّرَةٌ، أيْ مُؤَجَّلَةٌ. وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّها لَيْسَتْ مَدِيدَةً لِأنَّهُ شاعَ في كَلامِ العَرَبِ إطْلاقُ العَدِّ والحِسابِ ونَحْوِهِما عَلى التَّقْلِيلِ؛ لِأنَّ الشَّيْءَ القَلِيلَ يُمْكِنُ ضَبْطُهُ بِالعَدَدِ، ولِذَلِكَ يَقُولُونَ في عَكْسِهِ: بِغَيْرِ حِسابٍ، مِثْلُ ﴿واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [البقرة: ٢١٢]

والحَبْسُ: إلْزامُ الشَّيْءِ مَكانًا لا يَتَجاوَزُهُ. ولِذَلِكَ يُسْتَعْمَلُ في مَعْنى المَنعِ كَما هُنا، أيْ ما يَمْنَعُ أنْ يَصِلَ إلَيْنا ويَحِلَّ بِنا وهم يُرِيدُونَ التَّهَكُّمَ.

* * *

صفحة ١١

﴿ألا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهم وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾

هَذِهِ الجُمْلَةُ واقِعَةٌ مَوْقِعَ الجَوابِ عَنْ كَلامِهِمْ إذْ يَقُولُونَ ما يَحْبِسُ عَنّا العَذابَ، فَلِذَلِكَ فُصِّلَتْ كَما تُفَصَّلُ المُحاوَرَةُ. وهَذا تَهْدِيدٌ وتَخْوِيفٌ بِأنَّهُ لا يُصْرَفُ عَنْهم ولَكِنَّهُ مُؤَخَّرٌ.

وافْتُتِحَ الكَلامُ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ لِتَحْقِيقِهِ وإدْخالِ الرَّوْعِ في ضَمائِرِهِمْ.

وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِلْإيماءِ بِأنَّ إتْيانَ العَذابِ لا شَكَّ فِيهِ حَتّى أنَّهُ يُوَقَّتُ بِوَقْتٍ.

والصَّرْفُ: الدَّفْعُ والإقْصاءُ.

والحَوْقُ: الإحاطَةُ.

والمَعْنى أنَّهُ حالٌّ بِهِمْ حُلُولًا لا مُخَلِّصَ مِنهُ بِحالٍ.

وجُمْلَةُ وحاقَ بِهِمْ في مَوْضِعِ الحالِ أوْ مَعْطُوفَةٌ عَلى خَبَرِ لَيْسَ

وصِيغَةُ المُضِيِّ مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْنى التَّحَقُّقِ، وهَذا عَذابُ القَتْلِ يَوْمَ بَدْرٍ.

وماصَدَقَ ”﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾“ هو العَذابُ، وباءُ بِهِ سَبَبِيَّةٌ أيْ بِسَبَبِ ذِكْرِهِ فَإنَّ ذِكْرَ العَذابِ كانَ سَبَبًا لِاسْتِهْزائِهِمْ حِينَ تَوَعَّدَهم بِهِ النَّبِيءُ ﷺ .

والإتْيانُ بِالمَوْصُولِ في مَوْضِعِ الضَّمِيرِ لِلْإيماءِ إلى أنَّ اسْتِهْزاءَهم كانَ مِن أسِبابِ غَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ. وتَقْدِيرُهُ إحاطَةُ العَذابِ بِهِمْ بِحَيْثُ لا يَجِدُونَ مِنهُ مُخَلِّصًا.

11:9Page 222

وَلَئِنۡ أَذَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِنَّا رَحۡمَةٗ ثُمَّ نَزَعۡنَٰهَا مِنۡهُ إِنَّهُۥ لَيَـُٔوسٞ كَفُورٞ ٩

And if We give man a taste of mercy from Us and then We withdraw it from him, indeed, he is despairing and ungrateful.

صفحة ١٢

﴿ولَئِنْ أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنهُ إنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ولَئِنْ أخَّرْنا عَنْهُمُ العَذابَ إلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ. فَإنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّ ما هم فِيهِ مَتاعٌ إلى أجَلٍ مَعْلُومٍ عِنْدَ اللَّهِ. وأنَّهم بَطِرُوا نِعْمَةَ التَّمْتِيعِ فَسَخِرُوا بِتَأْخِيرِ العَذابِ، بَيَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ أنَّ أهْلَ الضَّلالَةِ راسِخُونَ في ذَلِكَ لِأنَّهم لا يُفَكِّرُونَ في غَيْرِ اللَّذّاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ فَتَجْرِي انْفِعالاتُهم عَلى حَسْبِ ذَلِكَ دُونَ رَجاءٍ لِتَغَيُّرِ الحالِ، ولا يَتَفَكَّرُونَ في أسْبابِ النَّعِيمِ والبُؤْسِ وتَصَرُّفاتِ خالِقِ النّاسَ ومُقَدِّرِ أحْوالِهِمْ، ولا يَتَّعِظُونَ بِتَقَلُّباتِ أحْوالِ الأُمَمِ، فَشَأْنُ أهْلِ الضَّلالَةِ أنَّهم إنْ حَلَّتْ بِهِمُ الضَّرّاءُ بَعْدَ النِّعْمَةِ مَلَكَهُمُ اليَأْسُ مِنَ الَخَيْرِ ونَسُوا النِّعْمَةَ فَجَحَدُوها وكَفَرُوا مُنْعِمَها، فَإنَّ تَأْخِيرَ العَذابِ رَحْمَةٌ وإتْيانُ العَذابِ نَزْعٌ لِتِلْكَ الرَّحْمَةِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ في قُوَّةِ التَّذْيِيلِ. فَتَعْرِيفُ الإنْسانِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ مُرادٌ بِهِ الِاسْتِغْراقُ، وبِذَلِكَ اكْتَسَبَتِ الجُمْلَةُ قُوَّةَ التَّذْيِيلِ. فَمِعْيارُ العُمُومِ الِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [هود: ١١] كَما يَأْتِي، فَيَكُونُ الِاسْتِغْراقُ عُرْفِيًّا جارِيًا عَلى اصْطِلاحِ القُرْآنِ مِن إطْلاقِ لَفْظِ الإنْسانِ أوِ النّاسِ، ولِأنَّ وصْفَيْ ”يَئُوسٌ كَفُورٌ“ يُناسِبانِ المُشْرِكِينَ فَيَتَخَصَّصُ العامُّ بِهِمْ.

وقِيلَ التَّعْرِيفُ في الإنْسانِ لِلْعَهْدِ مُرادٌ مِنهُ إنْسانٌ خاصٌّ، فَرَوى الواحِدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ. وعَنْهُ أنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أُمَيَّةَ المَخْزُومِيِّ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ كُلَّ إنْسانٍ إذا حَلَّ بِهِ مِثْلُ ذَلِكَ عَلى تَفاوُتٍ في النّاسِ في هَذا اليَأْسِ.

واللّامُ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ.

والإذاقَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ في إيصالِ الإدْراكِ عَلى وجْهِ المَجازِ، واخْتِيرَتْ مادَّةُ الإذاقَةِ لِما تُشْعِرُ بِهِ مِن إدْراكِ أمْرٍ مَحْبُوبٍ لِأنَّ المَرْءَ لا يَذُوقُ إلّا ما يَشْتَهِيهِ.

صفحة ١٣

والرَّحْمَةُ أُرِيدَ بِها رَحْمَةُ الدُّنْيا. وأُطْلِقَتْ عَلى أثَرِها وهو النِّعْمَةُ كالصِّحَّةِ والأمْنِ والعافِيَةِ، والمُرادُ النِّعْمَةُ السّابِقَةُ قَبْلَ نُزُولِ الضُّرِّ.

والنَّزْعُ حَقِيقَتُهُ خَلْعُ الثَّوْبِ عَنِ الجَسَدِ. واسْتُعْمِلَ هُنا في سَلْبِ النِّعْمَةِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ، ولِذَلِكَ عُدِّيَ بِحَرْفِ مِن دُونَ عَنْ لِأنَّ المَعْنى عَلى السَّلْبِ والِافْتِكاكِ، فَذِكْرُ مِن تَجْرِيدٌ لِلْمَجازِ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾ جَوابُ القَسَمِ، وجُرِّدَتْ مِنَ الِافْتِتاحِ بِاللّامِ اسْتِغْناءً عَنْها بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ وبِلامِ الِابْتِداءِ في خَبَرِ إنَّ. واسْتُغْنِيَ بِجَوابِ القَسَمِ عَنْ جَوابِ الشَّرْطِ المُقارِنِ لَهُ كَما هو شَأْنُ الكَلامِ المُشْتَمِلِ عَلى شَرْطٍ وقَسَمٍ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ أخَّرْنا عَنْهُمُ العَذابَ﴾ [هود: ٨] إلى آخِرِهِ.

واليَئُوسُ والكَفُورُ مِثالا مُبالَغَةٍ في الآيِسِ وكافِرِ النِّعْمَةِ، أيْ جاحِدِها، والمُرادُ بِالكَفُورِ مُنْكِرُ نِعْمَةِ اللَّهِ لِأنَّهُ تَصْدُرُ مِنهُ أقْوالٌ وخَواطِرُ مِنَ السُّخْطِ عَلى ما انْتابَهُ كَأنَّهُ لَمْ يُنْعِمْ عَلَيْهِ قَطُّ.

وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ بِاللّامِ المُوطِئَةِ لِلْقِسْمِ وبِحَرْفِ التَّوْكِيدِ في جُمْلَةِ جَوابِ القَسَمِ لِقَصْدِ تَحْقِيقِ مَضْمُونِها وأنَّهُ حَقِيقَةٌ ثابِتَةٌ لا مُبالَغَةَ فِيها ولا تَغْلِيبَ.

11:10Page 222

وَلَئِنۡ أَذَقۡنَٰهُ نَعۡمَآءَ بَعۡدَ ضَرَّآءَ مَسَّتۡهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ ٱلسَّيِّـَٔاتُ عَنِّيٓۚ إِنَّهُۥ لَفَرِحٞ فَخُورٌ ١٠

But if We give him a taste of favor after hardship has touched him, he will surely say, "Bad times have left me." Indeed, he is exultant and boastful -

﴿ولَئِنْ أذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّيَ إنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾

هَذِهِ الجُمْلَةُ تَتْمِيمٌ لِلَّتِي قَبْلَها لِأنَّها حَكَتْ حالَةً ضِدَّ الحالَةِ في الَّتِي قَبْلَها، وهي جُمْلَةُ قَسَمٍ وشَرْطٍ وجَوابُ قَسَمٍ كَما تَقَدَّمَ في نَظائِرِها.

وضَمِيرُ أذَقْناهُ المَنصُوبُ عائِدٌ إلى الإنْسانِ فَتَعْرِيفُهُ كَتَعْرِيفِ مَعادِهِ لِلِاسْتِغْراقِ بِالمَعْنى المُتَقَدِّمِ.

صفحة ١٤

والنَّعْماءُ - بِفَتْحِ النُّونِ وبِالمَدِّ - النَّعْمَةُ واخْتِيرَ هَذا اللَّفْظُ هُنا وإنْ كانَ لَفْظُ النَّعْمَةِ أشْهَرُ لِمُحَسِّنِ رَعْيِ النَّظِيرِ في زِنَةِ اللَّفْظَيْنِ النَّعْماءِ والضَّرّاءِ. والمُرادُ هُنا النِّعْمَةُ الحاصِلَةُ بَعْدَ الضَّرّاءِ.

والمَسُّ مُسْتَعْمَلٌ في مُطْلَقِ الإصابَةِ عَلى وجْهِ المَجازِ. واخْتِيارُ فِعْلِ الإذاقَةِ لِما تَقَدَّمَ، واخْتِيارُ فِعْلِ المَسِّ بِالنِّسْبَةِ إلى إدْراكِ الضَّرّاءِ إيماءً إلى أنَّ إصابَةَ الضَّرّاءِ أخَفُّ مِن إصابَةِ النَّعْماءِ، وأنَّ لُطْفَ اللَّهِ شامِلٌ لِعِبادِهِ في كُلِّ حالٍ.

وأُكِّدَتِ الجُمْلَةُ بِاللّامِ المُوَطِّئَةِ لِلْقَسَمِ وبِنُونِ التَّوْكِيدِ في جُمْلَةِ جَوابِ القَسَمِ لِمِثْلِ الغَرَضِ الَّذِي بَيَّنّاهُ في الجُمْلَةِ السّابِقَةِ.

وجُعِلَ جَوابُ القَسَمِ القَوْلَ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ تَبَجُّحٌ وتَفاخُرٌ، فالَخَبَرُ في قَوْلِهِ: ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي مُسْتَعْمَلٌ في الِازْدِهاءِ والإعْجابِ، وذَلِكَ هو مُقْتَضى زِيادَةِ عَنِّي مُتَعَلِّقًا بِـ ذَهَبَ لِلْإشارَةِ إلى اعْتِقادِ كُلِّ واحِدٍ أنَّهُ حَقِيقٌ بِأنْ تَذْهَبَ عَنْهُ السَّيِّئاتُ غُرُورًا مِنهُ بِنَفْسِهِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ أذَقْناهُ رَحْمَةً مِنّا مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذا لِي وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ [فصلت: ٥٠]

وجُمْلَةُ إنَّهُ لِفَرِحٌ فَخَوْرٌ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِلتَّعْجِيبِ مِن حالِهِ، و(فَرِحٌ وفَخُورٌ) مِثالا مُبالَغَةٍ، أيْ لِشَدِيدِ الفَرَحِ شَدِيدِ الفَخْرِ. وشِدَّةُ الفَرَحِ: تَجاوُزُهُ الحَدَّ وهو البَطَرُ والأشَرُ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦]

والفَخْرُ: تَباهِي المَرْءِ عَلى غَيْرِهِ بِما لَهُ مِنَ الأشْياءِ المَحْبُوبَةِ لِلنّاسِ.

والمَعْنى أنَّهُ لا يَشْكُرُ اللَّهَ عَلى النِّعْمَةِ بَعْدَ البَأْساءِ وما كانَ فِيهِ مِنَ الضَّرّاءِ فَلا يَتَفَكَّرُ في وُجُودِ خالِقِ الأسْبابِ وناقِلِ الأحْوالِ، والمُخالِفِ بَيْنَ أسْبابِها. وفي مَعْنى الآيَتَيْنِ قَوْلُهُ في سُورَةِ الشُّورى ﴿وإنّا إذا أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ فَإنَّ الإنْسانَ كَفُورٌ﴾ [الشورى: ٤٨]

11:11Page 222

إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَأَجۡرٞ كَبِيرٞ ١١

Except for those who are patient and do righteous deeds; those will have forgiveness and great reward.

صفحة ١٥

﴿إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾

احْتِراسٌ بِاسْتِثْناءٍ مِنَ الإنْسانِ. والمُرادُ بِالَّذِينِ صَبَرُوا المُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ لِأنَّ الصَّبْرَ مِن مُقارَناتِ الإيمانِ فَكَنَّيَ بِالَّذِينِ صَبَرُوا عَنِ المُؤْمِنِينَ فَإنَّ الإيمانَ يُرَوِّضُ صاحِبَهُ عَلى مُفارَقَةِ الهَوى ونَبْذِ مُعْتادِ الضَّلالَةِ. قالَ - تَعالى: ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وتَواصَوْا بِالحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ٣]

ومِن مَعانِي الصَّبْرِ انْتِظارُ الفَرَجِ ولِذَلِكَ أُوثِرَ هُنا وصْفُ صَبَرُوا دُونَ (آمَنُوا) لِأنَّ المُرادَ مُقابَلَةُ حالِهِمْ بِحالِ الكُفّارِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾ [هود: ٩] . ودَلَّ الِاسْتِثْناءُ عَلى أنَّهم مُتَّصِفُونَ بِضِدِّ صِفاتِ المُسْتَثْنى مِنهم. وفي هَذا تَحْذِيرٌ مِنَ الوُقُوعِ فِيما يُماثِلُ صِفاتِ الكافِرِينَ عَلى اخْتِلافِ مَقادِيرٍ. وقَدْ نُسِجَتِ الآيَةُ عَلى هَذا المِنوالِ مِنَ الإجْمالِ لِتَذْهَبَ نُفُوسُ السّامِعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ في طُرُقِ الحَذَرِ مِن صِفَتَيِ اليَأْسِ وكُفْرانِ النِّعْمَةِ، ومِن صِفَتَيِ الفَرَحِ والفَخْرِ كُلَّ مَذْهَبٍ مُمْكِنٍ.

وجُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ. والإتْيانُ بِاسْمِ الإشارَةِ عَقِبَ وصْفِهِمْ بِما دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِثْناءُ وبِالصَّبْرِ وعَمِلَ الصّالِحات تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا ما يُذْكَرُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ لِأجْلِ ما ذُكِرَ قَبْلَهُ مِنَ الأوْصافِ كَقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥]

11:12Page 222

فَلَعَلَّكَ تَارِكُۢ بَعۡضَ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيۡكَ وَضَآئِقُۢ بِهِۦ صَدۡرُكَ أَن يَقُولُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ كَنزٌ أَوۡ جَآءَ مَعَهُۥ مَلَكٌۚ إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٞۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ وَكِيلٌ ١٢

Then would you possibly leave [out] some of what is revealed to you,1 or is your breast constrained by it because they say, "Why has there not been sent down to him a treasure or come with him an angel?" But you are only a warner. And Allāh is Disposer of all things.

﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إنَّما أنْتَ نَذِيرٌ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾

تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ قُلْتَ إنَّكم مَبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ المَوْتِ﴾ [هود: ٧] إلى قَوْلِهِ يَسْتَهْزِئُونَ مَن ذِكْرِ تَكْذِيبِهِمْ وعِنادِهِمْ. يُشِيرُ هَذا التَّفْرِيعُ

صفحة ١٦

إلى أنَّ مَضْمُونَ الكَلامِ المُفَرَّعَ عَلَيْهِ سَبَبٌ لِتَوْجِيهِ هَذا التَّوَقُّعِ لِأنَّ مِن شَأْنِ المُفَرَّعَ عَلَيْهِ اليَأْسُ مِنِ ارْعِوائِهِمْ لِتَكَرُّرِ التَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ يَأْسًا قَدْ يَبْعَثُ عَلى تَرْكِ دُعائِهِمْ، فَذَلِكَ كُلُّهُ أُفِيدُ بِفاءِ التَّفْرِيعِ.

والتَّوَقُّعُ المُسْتَفادُ مِن لَعَلَّ مُسْتَعْمَلٌ في تَحْذِيرٍ مِن شَأْنِهِ التَّبْلِيغُ. ويَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ اسْتِفْهامٌ حُذِفَتْ أداتُهُ. والتَّقْدِيرُ: ألَعَلَّكَ تارِكٌ. ويَكُونُ الِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلًا في النَّفْيِ لِلتَّحْذِيرِ، وذَلِكَ نَظِيرُ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣]

والِاسْتِفْهامُ كِنايَةٌ عَنْ بُلُوغِ الحالَةِ حَدًّا يُوجِبُ تَوَقُّعَ الأمْرِ المُسْتَفْهِمِ عَنْهُ حَتّى أنَّ المُتَكَلِّمَ يَسْتَفْهِمُ عَنْ حُصُولِهِ. وهَذا أُسْلُوبٌ يُقْصَدُ بِهِ التَّحْرِيكُ مِن هِمَّةِ المُخاطَبِ وإلْهابُ هِمَّتِهِ لِدَفْعِ الفُتُورِ عَنْهُ، فَلَيْسَ في هَذا تَجْوِيزُ تَرْكِ النَّبِيءِ ﷺ تَبْلِيغَ بَعْضِ ما يُوحى إلَيْهِ، وذَلِكَ البَعْضُ هو ما فِيهِ دَعْوَتُهم إلى الإيمانِ وإنْذارُهم بِالعَذابِ وإعْلامُهم بِالبَعْثِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ - تَعالى - في آيَةٍ أُخْرى ﴿وإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها﴾ [الأعراف: ٢٠٣] . والمَعْنى تَحْذِيرُهُ مِنَ التَّأثُّرِ بِعِنادِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ، ويَسْتَتْبِعُ ذَلِكَ تَأْيِيسُ المُشْرِكِينَ مِن تَرْكِهِ ذِكْرِ البَعْثِ والإنْذارِ بِالعَذابِ، فالخِطابُ مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَتِهِ ومُرادٌ مِنهُ مَعَ ذَلِكَ عِلْمُ السّامِعِينَ بِمَضْمُونِهِ.

وضائِقٌ: اسْمُ فاعِلٍ مَن ضاقَ. وإنَّما عُدِلَ عَنْ أنْ يُقالَ (ضَيِّقٌ) هُنا إلى ضائِقٍ لِمُراعاةِ النَّظِيرِ مَعَ قَوْلِهِ: تارِكٌ لِأنَّ ذَلِكَ أحْسَنُ فَصاحَةً. ولِأنَّ ضائِقٌ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى تَمَكُّنِ وصْفِ الضِّيقِ مِن صَدْرِهِ بِخِلافِ ضَيِّقٍ، إذْ هو صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ وهي دالَّةٌ عَلى تَمَكُّنِ الوَصْفِ مِنَ المَوْصُوفِ، وإيماءً إلى أنَّ أقْصى ما يُتَوَهَّمُ تَوَقُّعُهُ في جانِبِهِ ﷺ هو ضِيقٌ قَلِيلٌ يَعْرِضُ لَهُ.

والضِّيقُ مُسْتَعْمَلٌ مَجازًا في الغَمِّ والأسَفِ، كَما اسْتُعْمِلَ ضِدُّهُ وهو الِانْشِراحُ في الفَرَحِ والمَسَرَّةِ.

صفحة ١٧

وضائِقٌ عَطْفٌ عَلى ”تارِكٌ“ فَهو وفاعِلُهُ جُمْلَةُ خَبَرٍ عَنْ لَعَلَّكَ فَيَتَسَلَّطُ عَلَيْهِ التَّفْرِيعُ.

والباءُ في بِهِ لِلسَّبَبِيَّةِ، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِالباءِ عائِدٌ عَلى ما بَعْدَهُ وهو أنْ يَقُولُوا. وأنْ يَقُولُوا بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ. ومِثْلُ ذَلِكَ مُسْتَعْمَلٌ في الكَلامِ كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وأسَرُّوا النَّجْوى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنبياء: ٣]، فَيَكُونُ تَحْذِيرًا مِن أنْ يَضِيقَ صَدْرُهُ لِاقْتِراحِهِمُ الآياتِ بِأنْ يَقُولُوا ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾، ويَحْصُلُ مَعَ ذَلِكَ التَّحْذِيرُ مِن أنْ يَضِيقَ صَدْرُهُ مِن قَوْلِهِمْ ﴿إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [هود: ٧]، ومِن قَوْلِهِمْ: ما يَحْبِسُ العَذابَ عَنّا، بِواسِطَةِ كَوْنِ ”ضائِقٌ“ داخِلًا في تَفْرِيعِ التَّحْذِيرِ عَلى قَوْلَيْهِمُ السّابِقَيْنِ. وإنَّما جِيءَ بِالضَّمِيرِ ثُمَّ أُبْدِلَ مِنهُ لِقَصْدِ الإجْمالِ الَّذِي يُعْقِبُهُ التَّفْصِيلُ لِيَكُونَ أشَدُّ تَمَكُّنًا في الذِّهْنِ، ولِقَصْدِ تَقْدِيمِ المَجْرُورِ المُتَعَلِّقِ بِاسْمِ الفاعِلِ عَلى فاعِلِهِ تَنْبِيهًا عَلى الِاهْتِمامِ بِالمُتَعَلِّقِ لِأنَّهُ سَبَبُ صُدُورِ الفِعْلِ عَنْ فاعِلِهِ فَجِيءَ بِالضَّمِيرِ المُفَسِّرِ فِيما بَعْدُ لِما في لَفْظِ التَّفْسِيرِ مِنَ الطُّولِ، فَيَحْصُلُ بِذِكْرِهِ بُعْدٌ بَيْنَ اسْمِ الفاعِلِ ومَرْفُوعِهِ، فَلِذَلِكَ اخْتُصِرَ في ضَمِيرٍ يَعُودُ عَلَيْهِ، فَحَصَلَ الِاهْتِمامُ وقَوِيَ الِاهْتِمامُ بِما يَدُلُّ عَلى تَمَكُّنِهِ في الذِّهْنِ.

ومُعْظَمُ المُفَسِّرِينَ جَعَلُوا ضَمِيرَ بِهِ عائِدًا إلى بَعْضِ ما يُوحى إلَيْكَ. عَلى أنَّ ما يُوحى إلَيْهِ سَبَبٌ لِضِيقِ صَدْرِهِ، أيْ لا يَضِيقُ لَهُ صَدْرُكَ، وجَعَلُوا أنْ يَقُولُوا مَجْرُورًا بِلامِ التَّعْلِيلِ مُقَدَّرَةً. وعَلَيْهِ فالمُضارِعُ في قَوْلِهِ: أنْ يَقُولُوا بِمَعْنى المُضِيِّ لِأنَّهم قالُوا ذَلِكَ. واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ”ضائِقٌ“ ولَيْسَ المَعْنى عَلَيْهِ بِالمَتِينِ.

ولَوْلا: لِلتَّحْضِيضِ. والكَنْزُ: المالُ المَكْنُوزُ أيِ المَخْبُوءُ.

وإنْزالُهُ: إتْيانُهُ مِن مَكانٍ عالٍ أيْ مِنَ السَّماءِ.

وهَذا القَوْلُ صَدَرَ مِنَ المُشْرِكِينَ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ فَلِذَلِكَ فالفِعْلُ المُضارِعُ مُرادٌ بِهِ تَجَدُّدُ هَذا القَوْلِ وتُكَرُّرُهُ مِنهم بِقَرِينَةِ العِلْمِ بِأنَّهُ صَدَرَ مِنهم في

صفحة ١٨

الماضِي، وبِقَرِينَةِ التَّحْذِيرِ مِن أنْ يَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا في ضِيقِ صَدْرِهِ لِأنَّ التَّحْذِيرَ إنَّما يَتَعَلَّقُ بِالمُسْتَقْبَلِ.

ومُرادُهم بِـ جاءَ مَعَهُ ”مَلَكٌ“ أنْ يَجِيءَ مَلَكٌ مِنَ المَلائِكَةِ شاهِدًا بِرِسالَتِهِ، وهَذا مِن جَهْلِهِمْ بِحَقائِقِ الأُمُورِ وتَوَهُّمِهِمْ أنَّ اللَّهَ يَعْبَأُ بِإعْراضِهِمْ ويَتَنازَلُ لِإجابَةِ مُقْتَرِحِ عِنادِهِمْ، ومِن قُصُورِهِمْ عَنْ فَهْمِ المُعْجِزاتِ الإلَهِيَّةِ ومَدى التَّأْيِيدِ الرَّبّانِيِّ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّما أنْتَ نَذِيرٌ﴾ في مَوْقِعِ العِلَّةِ لِلتَّحْذِيرِ مِن تَرْكِهِ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْهِ وضِيقِ صَدْرِهِ مِن مَقالَتِهِمْ. فَكَأنَّهُ قِيلَ لا تَتْرُكْ إبْلاغَهم بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ ولا يَضِقْ صَدْرُكَ مِن مَقالِهِمْ لِأنَّكَ نَذِيرٌ لا وكِيلٌ عَلى تَحْصِيلِ إيمانِهِمْ، حَتّى يَتَرَتَّبَ عَلى يَأْسِكَ مِن إيمانِهِمْ تَرْكُ دَعْوَتِهِمْ.

والقَصْرُ المُسْتَفادُ مِن إنَّما قَصْرٌ إضافِيٌّ، أيْ أنْتَ نَذِيرٌ لا مُوَكَّلٌ بِإيقاعِ الإيمانِ في قُلُوبِهِمْ إذْ لَيْسَ ذَلِكَ إلَيْكَ بَلْ هو لِلَّهِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ قَبْلَهُ ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ فَهو قَصْرُ قَلْبٍ. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ بِرَدِّ اعْتِقادِهِمْ أنَّ الرَّسُولَ يَأْتِي بِما يُسْألُ عَنْهُ مِنَ الخَوارِقِ فَإذا لَمْ يَأْتِهِمْ بِهِ جَعَلُوا ذَلِكَ سَنَدًا لِتَكْذِيبِهِمْ إيّاهُ رَدًّا حاصِلًا مِن مُسْتَتْبَعاتِ الخِطابِ، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ﴾ إذْ كَثُرَ في القُرْآنِ ذِكْرُ نَحْوِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في مَقامِ الرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ والكافِرِينَ الَّذِينَ سَألُوا الإتْيانَ بِمُعْجِزاتٍ عَلى وِفْقِ هَواهم.

وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾ تَذْيِيلٌ لِقَوْلِهِ: فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ إلى هُنا، وهي مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ إنَّما أنْتَ نَذِيرٌ لِما اقْتَضاهُ القَصْرُ مِن إبْطالِ أنْ يَكُونَ وكِيلًا عَلى إَلْجائِهِمْ لِلْإيمانِ. ومِمّا شَمِلَهُ عُمُومُ كُلِّ شَيْءٍ أنَّ اللَّهَ وكِيلٌ عَلى قُلُوبِ المُكَذِّبِينَ وهُمُ المَقْصُودُ، وإنَّما جاءَ الكَلامُ بِصِيغَةِ العُمُومِ لِيَكُونَ تَذْيِيلًا وإتْيانًا لِلْغَرَضِ بِما هو كالدَّلِيلِ،

صفحة ١٩

ولِيَنْتَقِلَ مِن ذَلِكَ العُمُومِ إلى تَسْلِيَةِ النَّبِيءِ ﷺ بِأنَّ اللَّهَ مُطَّلِعٌ عَلى مَكْرِ أُولَئِكَ، وأنَّهُ وكِيلٌ عَلى جَزائِهِمْ وأنَّ اللَّهُ عالِمٌ بِبَذْلِ النَّبِيءِ جُهْدَهُ في التَّبْلِيغِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском