Ibn 'AshurHud · 11:78–83

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Hud 11:78–83

11:78–79Page 230

وَجَآءَهُۥ قَوۡمُهُۥ يُهۡرَعُونَ إِلَيۡهِ وَمِن قَبۡلُ كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ هَٰٓؤُلَآءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطۡهَرُ لَكُمۡۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُخۡزُونِ فِي ضَيۡفِيٓۖ أَلَيۡسَ مِنكُمۡ رَجُلٞ رَّشِيدٞ ٧٨

And his people came hastening to him, and before [this] they had been doing evil deeds.1 He said, "O my people, these are my daughters;2 they are purer for you. So fear Allāh and do not disgrace me concerning my guests. Is there not among you a man of reason?"

قَالُواْ لَقَدۡ عَلِمۡتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنۡ حَقّٖ وَإِنَّكَ لَتَعۡلَمُ مَا نُرِيدُ ٧٩

They said, "You have already known that we have not concerning your daughters [i.e., women] any claim [i.e., desire], and indeed, you know what we want."

صفحة ١٢٦

﴿وجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكم فاتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِ في ضَيْفِيَ ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾

أيْ جاءَهُ بَعْضُ قَوْمِهِ. وإنَّما أُسْنِدَ المَجِيءُ إلى القَوْمِ لِأنَّ مِثْلَ ذَلِكَ المَجِيءِ دَأْبُهم وقَدْ تَمالَئُوا عَلى مِثْلِهِ، فَإذا جاءَ بَعْضُهم فَسَيَعْقُبُهُ مَجِيءُ بَعْضٍ آخَرَ في وقْتٍ آخَرَ. وهَذا مِن إسْنادِ الفِعْلِ إلى القَبِيلَةِ إذا فَعَلَهُ بَعْضُهُما، كَقَوْلِ الحارِثِ ابْنِ وعْلَةَ الجَرْمِيِّ:

قَوْمِي هم قَتَلُوا أُمَيْمَةَ أخِي فَإذا رَمَيْتُ يُصِيبُنِي سَهْمِي

ويُهْرَعُونَ - بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الرّاءِ عَلى صِيغَةِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ - فَسَّرُوهُ بِالمَشْيِ الشَّبِيهِ بِمَشْيِ المَدْفُوعِ، وهو بَيْنَ الخَبَبِ والجَمْزِ، فَهو لا يَكُونُ إلّا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ أصْلَهُ مَشْيُ الأسِيرِ الَّذِي يُسْرَعُ بِهِ. وهَذا البِناءُ يَقْتَضِي أنَّ الهَرْعَ هو دَفْعُ الماشِي حِينَ مَشْيِهِ. إلّا أنَّ ذَلِكَ تُنُوسِيَ وبَقِيَ أهْرَعَ بِمَعْنى سارَ سَيْرًا كَسَيْرِ المَدْفُوعِ، ولِذَلِكَ قالَ جَمْعٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ: إنَّهُ مِنَ الأفْعالِ الَّتِي التَزَمُوا فِيها صِيغَةَ المَفْعُولِ لِأنَّها في الأصْلِ مُسْنَدَةٌ إلى فاعِلٍ غَيْرِ مَعْلُومٍ. وفَسَّرَهُ في الصِّحاحِ والقامُوسِ بِأنَّهُ الِارْتِعادُ مِن غَضَبٍ أوْ خَوْفٍ، وعَلى الوَجْهَيْنِ فَجُمْلَةُ يُهْرَعُونَ حالٌ.

وقَدْ طَوى القُرْآنُ ذِكْرَ الغَرَضِ الَّذِي جاءُوا لِأجْلِهِ مَعَ الإشارَةِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ فَقَدْ صارَتْ لَهم دَأْبًا لا يَسْعَوْنَ إلّا لِأجْلِهِ.

وجُمْلَةُ قالَ يا قَوْمِ إلَخْ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا ناشِئًا عَنْ جُمْلَةِ ﴿وجاءَهُ قَوْمُهُ﴾، إذْ قَدْ عَلِمَ السّامِعُ غَرَضَهم مِن مَجِيئِهِمْ، فَهو بِحَيْثُ يَسْألُ عَمّا تَلَقّاهم بِهِ.

وبادَرَهم لُوطٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِقَوْلِهِ: ﴿يا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ﴾ . وافْتِتاحُ الكَلامِ بِالنِّداءِ وبِأنَّهم قَوْمُهُ تَرْقِيقٌ لِنُفُوسِهِمْ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ يَعْلَمُ تَصَلُّبَهم في عادَتِهِمُ الفَظِيعَةِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهم ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ﴾، كَما سَيَأْتِي.

صفحة ١٢٧

والإشارَةُ بِـ (هَؤُلاءِ) إلى (بَناتِي) . و(بَناتِي) بَدَلٌ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ، والإشارَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ في العَرْضِ، والتَّقْدِيرُ: فَخُذُوهُنَّ.

وجُمْلَةُ ﴿هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْعَرْضِ. ومَعْنى (﴿هُنَّ أطْهَرُ﴾) أنَّهُنَّ حَلالٌ لَكم يَحُلْنَ بَيْنَكم وبَيْنَ الفاحِشَةِ، فاسْمُ التَّفْضِيلِ مَسْلُوبُ المُفاضَلَةِ قُصِدَ بِهِ قُوَّةُ الطَّهارَةِ.

و(هَؤُلاءِ) إشارَةٌ إلى جَمْعٍ، إذْ بُيِّنَ بِقَولِهِ: بَناتِي

وقَدْ رُوِيَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلّا ابْنَتانِ، فالظّاهِرُ أنَّ إطْلاقَ البَناتِ هُنا مِن قَبِيلِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، أيْ هَؤُلاءِ نِساؤُهُنَّ كَبَناتِي. وأرادَ نِساءً مِن قَوْمِهِ بِعَدَدِ القَوْمِ الَّذِينَ جاءُوا يُهْرَعُونَ إلَيْهِ. وهَذا مَعْنى ما فَسَّرَ بِهِ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وهو المُناسِبُ لِجَعْلِهِنَّ لِقَوْمِهِ إذْ قالَ ﴿هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ﴾، فَإنَّ قَوْمَهُ الَّذِينَ حَضَرُوا عِنْدَهُ كَثِيرُونَ، فَيَكُونُ المَعْنى: هَؤُلاءِ النِّساءُ فَتَزَوَّجُوهُنَّ. وهَذا أحْسَنُ المَحامِلِ.

وقِيلَ: أرادَ بَناتِ صُلْبِهِ، وهو رِوايَةٌ عَنْ قَتادَةَ. وإذْ كانَ المَشْهُورُ أنَّ لُوطًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَهُ ابْنَتانِ صارَ الجَمْعُ مُسْتَعْمَلًا في الِاثْنَيْنِ بِناءً عَلى أنَّ الِاثْنَيْنِ تُعامَلُ مُعامَلَةَ الجَمْعِ في الكَلامِ كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ [التحريم: ٤]

وقِيلَ: كانَ لَهُ ثَلاثُ بَناتٍ.

وتَعْتَرِضُ هَذا المَحْمَلَ عَقَبَتانِ.

الأُولى: أنَّ القَوْمَ كانُوا عَدَدًا كَثِيرًا فَكَيْفَ تَكْفِيهِمْ بِنْتانِ أوْ ثَلاثٌ.

الثّانِيَةُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ عَرْضٌ عَلَيْهِمْ كَما عَلِمْتَ آنِفًا، فَكَيْفَ كانَتْ صِفَةُ هَذِهِ التَّخْلِيَةِ بَيْنَ القَوْمِ وبَيْنَ البَناتِ وهم عَدَدٌ كَثِيرٌ، فَإنْ كانَ تَزْوِيجًا لَمْ يَكْفِينَ القَوْمَ وإنْ كانَ غَيْرَ تَزْوِيجٍ فَما هو ؟

والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَدَدُ القَوْمُ الَّذِينَ جاءُوهُ بِقَدْرِ عَدَدِ بَناتِهِ أوْ أنْ يَكُونَ مَعَ بَناتِهِ حَتّى مِن قَوْمِهِ. وعَنِ الثّانِي: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَصَرُّفَ

صفحة ١٢٨

لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في بَناتِهِ بِوَصْفِ الأُبُوَّةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَصَرُّفًا بِوَصْفِ النُّبُوَّةِ بِالوَحْيِ لِلْمَصْلَحَةِ أنْ يَكُونَ مِن شَرْعِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إباحَةُ تَمْلِيكِ الأبِ بَناتِهِ إذا شاءَ، فَإنْ كانَ أُولَئِكَ الرَّهْطُ شُرَكاءَ في مِلْكِ بَناتِهِ كانَ اسْتِمْتاعُ كُلِّ واحِدٍ بِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ حَلالًا في شَرِيعَتِهِ عَلى نَحْوِ ما كانَ البِغاءُ مِن بَقايا الجاهِلِيَّةِ في صَدْرِ الإسْلامِ قَبْلَ أنْ يُنْسَخَ.

وأمّا لَحاقُ النَّسَبِ في أوْلادِ مَن تَحْمِلُ مِنهُنَّ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الوَلَدُ لاحِقًا بِالَّذِي تَلِيطُهُ أُمُّهُ بِهِ مِنَ الرِّجالِ الَّذِينَ دَخَلُوا عَلَيْها، كَما كانَ الأمْرُ في البَغايا في صَدْرِ الإسْلامِ، ويَجُوزُ أنْ لا يَلْحَقَ الأوْلادُ بِآباءٍ فَيَكُونُوا لاحِقِينَ بِأُمَّهاتِهِمْ مِثْلَ ابْنِ الزِّنا ووَلَدِ اللِّعانِ، ويَكُونُ هَذا التَّحْلِيلُ مُباحًا ارْتِكابًا لِأخَفِّ الضَّرَرَيْنِ، وهو مِمّا يُشْرَعُ شَرْعًا مُؤَقَّتًا مِثْلَ ما شُرِعَ نِكاحُ المُتْعَةِ في أوَّلِ الإسْلامِ عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ صارَ مُحَرَّمًا وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.

وقَدِ اشْتَغَلَ المُفَسِّرُونَ عَنْ تَحْرِيرِ هَذا بِمَسْألَةٍ تَزْوِيجِ المُؤْمِناتِ بِالكُفّارِ وهو فُضُولٌ.

وفَرَّعَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ﴾ أنْ أمَرَهم بِتَقْوى اللَّهِ لِأنَّهم إذا امْتَثَلُوا ما عَرَضَ لَهم مِنَ النِّساءِ فاتَّقُوا اللَّهَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ولا تُخْزُونِ﴾ [الحجر: ٦٩] بِحَذْفِ ياءِ المُتَكَلِّمِ تَخْفِيفًا. وأثْبَتَها أبُو عَمْرٍو.

والخِزْيُ: الإهانَةُ والمَذَلَّةُ. وتَقَدَّمَ آنِفًا. وأرادَ مَذَلَّتَهُ.

و(في) لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ. جَعَلَ الضَّيْفَ كالظَّرْفِ، أيْ لا تَجْعَلُونِي مَخْزِيًّا عِنْدَ ضَيْفِي إذْ يَلْحَقُهم أذًى في ضِيافَتِي؛ لِأنَّ الضِّيافَةَ جِوارٌ عِنْدِ رَبِّ المَنزِلِ، فَإذا لَحِقَتِ الضَّيْفَ إهانَةٌ كانَتْ عارًا عَلى رَبِّ المَنزِلِ.

والضَّيْفٌ: الضّائِفُ، أيِ النّازِلُ في مَنزِلِ أحَدٍ نُزُولًا غَيْرَ دائِمٍ، لِأجْلِ مُرُورٍ في سَفَرٍ أوْ إجابَةِ دَعْوَةٍ.

صفحة ١٢٩

وأصْلُ ضَيْفٍ مَصْدَرُ فِعْلِ ضافَ يَضِيفُ، ولِذَلِكَ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ وأكْثَرَ، وعَلى المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ بِلَفْظٍ واحِدٍ، وقَدْ يُعامَلُ مُعامَلَةَ غَيْرِ المَصْدَرِ فَيُجْمَعُ كَما قالَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ:

نَزَلْتُمْ مَنزِلَ الأضْيافِ مِنّا

وقَدْ ظَنَّ لُوطٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - المَلائِكَةَ رِجالًا مارِّينَ بِبَيْتِهِ فَنَزَلُوا عِنْدَهُ لِلِاسْتِراحَةِ والطَّعامِ والمَبِيتِ.

والِاسْتِفْهامُ في ﴿ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ إنْكارٌ وتَوْبِيخٌ لِأنَّ إهانَةَ الضَّيْفِ مَسَبَّةٌ لا يَفْعَلُها إلّا أهْلُ السَّفاهَةِ.

وقَوْلُهُ: مِنكم بِمَعْنى بَعْضُكم، أنْكَرَ عَلَيْهِمْ تَمالُؤَهم عَلى الباطِلِ وانْعِدامِ رَجُلٍ رَشِيدٍ مِن بَيْنِهِمْ، وهَذا إغْراءٌ لَهم عَلى التَّعَقُّلِ لِيَظْهَرَ فِيهِمْ مَن يَتَفَطَّنُ إلى فَسادِ ما هم فِيهِ فَيَنْهاهم، فَإنَّ ظُهُورَ الرَّشِيدِ في الفِئَةِ الضّالَّةِ يَفْتَحُ بابَ الرَّشادِ لَهم. وبِالعَكْسِ تَمالُؤُهم عَلى الباطِلِ يَزِيدُهم ضَراوَةً بِهِ.

11:80Page 230

قَالَ لَوۡ أَنَّ لِي بِكُمۡ قُوَّةً أَوۡ ءَاوِيٓ إِلَىٰ رُكۡنٖ شَدِيدٖ ٨٠

He said, "If only I had against you some power or could take refuge in a strong support."

﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ [هود: ٧٩] ﴿قالَ لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾

فُصِلَتْ جُمْلَةُ (قالُوا) عَنِ الَّتِي قَبْلَها لِوُقُوعِها مَوْقِعَ المُحاوَرَةِ مَعَ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .

و(لَقَدْ عَلِمْتَ) تَأْكِيدٌ لِكَوْنِهِ يَعْلَمُ، فَأُكِّدَ بِتَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ مَن يُنْكِرُ أنَّهُ يَعْلَمُ لِأنَّ حالَهُ في عَرْضِهِ بَناتِهِ عَلَيْهِمْ كَحالِ مَن لا يَعْلَمُ خُلُقَهم، وكَذَلِكَ التَّوْكِيدُ في ﴿وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ [هود: ٧٩]، وكِلا الخَبَرَيْنِ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِ فائِدَةِ الخَبَرِ، أيْ نَحْنُ نَعْلَمُ أنَّكَ قَدْ عَلِمْتَ ما لَنا رَغْبَةٌ في بَناتِكَ وإنَّكَ تَعْلَمُ مُرادَنا.

صفحة ١٣٠

ومِثْلُهُ قَوْلُهُ حِكايَةً عَنْ قَوْمِ إبْراهِيمَ ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٥]

و(ما) الأُولى نافِيَةٌ مُعَلِّقَةٌ لِفِعْلِ العِلْمِ عَنِ العَمَلِ، و(ما) الثّانِيَةُ مَوْصُولَةٌ.

والحَقُّ: ما يَحِقُّ، أيْ يَجِبُ لِأحَدٍ أوْ عَلَيْهِ، فَيُقالُ: لَهُ حَقٌّ في كَذا، إذا كانَ مُسْتَحِقًّا لَهُ، ويُقالُ: ما لَهُ حَقٌّ في كَذا بِمَعْنى لا يَسْتَحِقُّهُ، فالظّاهِرُ أنَّهُ أُطْلِقَ هُنا كِنايَةً عَنْ عَدَمِ التَّعَلُّقِ بِالشَّيْءِ وعَنِ التَّجافِي عَنْهُ. وهو إطْلاقٌ لَمْ أرَ مِثْلَهُ، وقَدْ تَحَيَّزَ المُفَسِّرُونَ في تَقْرِيرِهِ. والمَعْنى: ما لَنا في بَناتِكَ رَغْبَةٌ.

وجَوابُهُ بِـ ﴿لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً﴾ جَوابُ يائِسٍ مِنِ ارْعِوائِهِمْ.

و(لَوْ) مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّمَنِّي، وهَذا أقْصى ما أمْكَنَهُ في تَغْيِيرِ هَذا المُنْكَرِ.

والباءُ في بِكم لِلِاسْتِعْلاءِ، أيْ عَلَيْكم. يُقالُ: ما لِي بِهِ قُوَّةٌ وما لِي بِهِ طاقَةٌ. ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿قالُوا لا طاقَةَ لَنا اليَوْمَ بِجالُوتَ﴾ [البقرة: ٢٤٩]

ويَقُولُونَ: ما لِي بِهَذا الأمْرِ يَدانِ، أيْ قُدْرَةٌ أوْ حِيلَةٌ عَلَيْهِ.

والمَعْنى: لَيْتَ لِي قُوَّةً أدْفَعُكم بِها، ويُرِيدُ بِذَلِكَ قُوَّةَ أنْصارٍ لِأنَّهُ كانَ غَرِيبًا بَيْنَهم.

ومَعْنى ﴿أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ أوْ أعْتَصِمُ بِما فِيهِ مَنَعَةٌ، أيْ بِمَكانٍ أوْ ذِي سُلْطانٍ يَمْنَعُنِي مِنكم.

والرُّكْنُ: الشِّقُّ مِنَ الجَبَلِ المُتَّصِلِ بِالأرْضِ.

11:81Page 230

قَالُواْ يَٰلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوٓاْ إِلَيۡكَۖ فَأَسۡرِ بِأَهۡلِكَ بِقِطۡعٖ مِّنَ ٱلَّيۡلِ وَلَا يَلۡتَفِتۡ مِنكُمۡ أَحَدٌ إِلَّا ٱمۡرَأَتَكَۖ إِنَّهُۥ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمۡۚ إِنَّ مَوۡعِدَهُمُ ٱلصُّبۡحُۚ أَلَيۡسَ ٱلصُّبۡحُ بِقَرِيبٖ ٨١

They [the angels] said, "O Lot, indeed we are messengers of your Lord; [therefore], they will never reach you. So set out with your family during a portion of the night1 and let not any among you look back - except your wife; indeed, she will be struck by that which strikes them. Indeed, their appointment is [for] the morning. Is not the morning near?"

صفحة ١٣١

﴿قالُوا يا لُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكِ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ فاسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ إلّا امْرَأتَكَ إنَّهُ مُصِيبُها ما أصابَهم إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾

هَذا كَلامُ المَلائِكَةِ لِلُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كاشَفُوهُ بِأنَّهم مَلائِكَةٌ مُرْسَلُونَ مِنَ اللَّهِ تَعالى. وإذْ قَدْ كانُوا في صُورَةِ البَشَرِ وكانُوا حاضِرِي المُجادَلَةِ حَكى كَلامَهم بِمِثْلِ ما تُحْكى بِهِ المُحاوَراتُ فَجاءَ قَوْلُهم بِدُونِ حَرْفِ العَطْفِ عَلى نَحْوِ ما حُكِيَ قَوْلُ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقَوْلُ قَوْمِهِ. وهَذا الكَلامُ الَّذِي كَلَّمُوا بِهِ لُوطًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - وحْيٌ أوْحاهُ اللَّهُ إلى لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ، فَإنَّهُ لَمّا بَلَغَ بِلُوطٍ تَوَقُّعُ أذى ضَيْفِهِ مَبْلَغَ الجَزَعِ ونَفادَ الحِيلَةِ جاءَهُ نَصْرُ اللَّهِ عَلى سُنَّةِ اللَّهِ - تَعالى - مَعَ رُسُلِهِ ﴿حَتّى إذا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِبُوا جاءَهم نَصْرُنا﴾ [يوسف: ١١٠] ٣ .

وابْتَدَأ المَلائِكَةُ خِطابَهم لُوطًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالتَّعْرِيفِ بِأنْفُسِهِمْ لِتَعْجِيلِ الطُّمَأْنِينَةِ إلى نَفْسِهِ لِأنَّهُ إذا عَلِمَ أنَّهم مَلائِكَةٌ عَلِمَ أنَّهم ما نَزَلُوا إلّا لِإظْهارِ الحَقِّ. قالَ تَعالى: ﴿ما نُنَزِّلُ المَلائِكَةَ إلّا بِالحَقِّ وما كانُوا إذًا مُنْظَرِينَ﴾ [الحجر: ٨] . ثُمَّ ألْحَقُوا هَذا التَّعْرِيفَ بِالبِشارَةِ بِقَوْلِهِمْ ﴿لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ﴾ . وجِيءَ بِحَرْفِ تَأْكِيدِ النَّفْيِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم خاطَبُوهُ بِما يُزِيلُ الشَّكَّ مِن نَفْسِهِ. وقَدْ صَرَفَ اللَّهُ الكُفّارَ عَنْ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَرَجَعُوا مِن حَيْثُ أتَوْا، ولَوْ أزالَ عَنِ المَلائِكَةِ التَّشَكُّلَ بِالأجْسادِ البَشَرِيَّةِ فَأخْفاهم عَنْ عُيُونِ الكُفّارِ لَحَسِبُوا أنَّ لُوطًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - أخْفاهم فَكانُوا يُؤْذُونَ لُوطًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - . ولِذَلِكَ قالَ لَهُ المَلائِكَةُ ﴿لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ﴾ ولَمْ يَقُولُوا لَنْ يَنالُوا؛ لِأنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ فَإنَّهم لَمّا أعْلَمُوا لُوطًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأنَّهم مَلائِكَةٌ ما كانَ يَشُكُّ في أنَّ الكُفّارَ لا يَنالُونَهم، ولَكِنَّهُ يَخْشى سَوْرَتَهم أنْ يَتَّهِمُوهُ بِأنَّهُ أخْفاهم.

ووَقَعَ في التَّوْراةِ أنَّ اللَّهَ أعْمى أبْصارَ المُراوِدِينَ لُوطًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنْ

صفحة ١٣٢

ضَيْفِهِ حَتّى قالُوا: إنَّ ضَيْفَ لُوطٍ سَحَرَةٌ فانْصَرَفُوا. وذَلِكَ ظاهِرُ قَوْلِهِ - تَعالى - في سُورَةِ القَمَرِ ﴿ولَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أعْيُنَهُمْ﴾ [القمر: ٣٧] .

وجُمْلَةُ ﴿لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ﴾ مُبَيِّنَةٌ لِإجْمالِ جُمْلَةِ ﴿إنّا رُسُلُ رَبِّكَ﴾، فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ فَلَمْ تُعْطَفْ لِأنَّها بِمَنزِلَةِ عَطْفِ البَيانِ.

وتَفْرِيعُ الأمْرِ بِالسُّرى عَلى جُمْلَةِ ﴿لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ﴾ لِما في حَرْفِ لَنْ مِن ضَمانِ سَلامَتِهِ في المُسْتَقْبَلِ كُلِّهِ، فَلَمّا رَأى ابْتِداءَ سَلامَتِهِ مِنهم بِانْصِرافِهِمْ حَسُنَ أنْ يُبَيِّنَ لَهُ وجْهَ سَلامَتِهِ في المُسْتَقْبَلِ مِنهم بِاسْتِئْصالِهِمْ وبِنَجاتِهِ، فَذَلِكَ مَوْقِعُ فاءِ التَّفْرِيعِ.

و(أسْرِ) أمْرٌ بِالسُّرى - بِضَمِّ السِّينِ - والقَصْرِ. وهو اسْمُ مَصْدَرٍ لِلسَّيْرِ في اللَّيْلِ إلى الصَّباحِ. وفِعْلُهُ: سَرى يُقالُ بِدُونِ هَمْزَةٍ في أوَّلِهِ ويُقالُ: أسْرى بِالهَمْزَةِ.

قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ. وأبُو جَعْفَرٍ - بِهَمْزَةِ وصْلٍ - عَلى أنَّهُ أمْرٌ مِن سَرى. وقَرَأهُ الباقُونَ بِهَمْزَةِ قَطْعٍ عَلى أنَّهُ مِن أسْرى.

وقَدْ جَمَعُوهُ في الأمْرِ مَعَ أهْلِهِ لِأنَّهُ إذا سَرى بِهِمْ فَقَدْ سَرى بِنَفْسِهِ إذْ لَوْ بَعَثَ أهْلَهُ وبَقِيَ هو لَما صَحَّ أنْ يُقالَ: أسْرِ بِهِمْ لِلْفَرْقِ بَيْنَ أذْهَبْتُ زَيْدًا وبَيْنَ ذَهَبْتُ بِهِ.

والقِطْعُ - بِكَسْرِ القافِ -: الجُزْءُ مِنَ اللَّيْلِ.

وجُمْلَةُ ﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُسْتَثْنى والمُسْتَثْنى مِنهُ. والِالتِفاتُ المَنهِيُّ عَنْهُ هو الِالتِفاتُ إلى المَكانِ المَأْمُورِ بِمُغادَرَتِهِ كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ القَرِينَةُ.

وسَبَبُ النَّهْيِ عَنِ الِالتِفاتِ التَّقَصِّي في تَحْقِيقِ مَعْنى الهِجْرَةِ غَضَبًا لِحُرُماتِ اللَّهِ بِحَيْثُ يَقْطَعُ التَّعَلُّقَ بِالوَطَنِ ولَوْ تَعَلُّقَ الرُّؤْيَةَ. وكانَ تَعْيِينُ اللَّيْلِ لِلْخُرُوجِ كَيْلا يُلاقِي مُمانَعَةً مِن قَوْمِهِ أوْ مِن زَوْجِهِ فَيَشُقُّ عَلَيْهِ دِفاعُهم.

صفحة ١٣٣

وإلّا امْرَأتَكَ اسْتِثْناءٌ مِن أهْلِكَ، وهو مَنصُوبٌ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ اعْتِبارًا بِأنَّهُ مُسْتَثْنى مِن أهْلِكَ وذَلِكَ كَلامٌ مُوجَبٌ، والمَعْنى: لا تَسْرِ بِها، أُرِيدَ أنْ لا يُعْلِمَها بِخُرُوجِهِ لِأنَّها كانَتْ مُخْلِصَةً لِقَوْمِها فَتُخْبِرُهم عَنْ زَوْجِها. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو بِرَفْعِ (امْرَأتُكَ) عَلى أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن أحَدِ الواقِعِ في سِياقِ النَّهْيِ، وهو في مَعْنى النَّفْيِ. قِيلَ: إنَّ امْرَأتَهُ خَرَجَتْ مَعَهم ثُمَّ التَفَتَتْ إلى المَدِينَةِ فَحَنَّتْ إلى قَوْمِها فَرَجَعَتْ إلَيْهِمْ. والمَعْنى أنَّهُ نَهاهم عَنِ الِالتِفاتِ فامْتَثَلُوا ولَمْ تَمْتَثِلِ امْرَأتُهُ لِلنَّهْيِ فالتَفَتَتْ، وعَلى هَذا الوَجْهِ فالِاسْتِثْناءُ مِن كَلامٍ مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ النَّهْيُ. والتَّقْدِيرُ: فَلا يَلْتَفِتُونَ إلّا امْرَأتَكَ تَلْتَفِتُ.

وجُمْلَةُ، ﴿إنَّهُ مُصِيبُها ما أصابَهُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنِ الِاسْتِثْناءِ مِنَ الكَلامِ المُقَدَّرِ.

وفِي قَوْلِهِ: ما أصابَهُمُ اسْتِعْمالُ فِعْلِ المُضِيِّ في مَعْنى الحالِ، ومُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: ما يُصِيبُهم، فاسْتِعْمالُ فِعْلِ المُضِيِّ لِتَقْرِيبِ زَمَنِ الماضِي مِنَ الحالِ نَحْوَ قَوْلِهِ - تَعالى: (﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]) الآيَةَ، أوْ في مَعْنى الِاسْتِقْبالِ تَنْبِيهًا عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ نَحْوَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١] .

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ قُطِعَتْ عَنِ الَّتِي قَبْلَها اهْتِمامًا وتَهْوِيلًا.

والمَوْعِدُ: وقْتُ الوَعْدِ. والوَعْدُ أعَمُّ مِنَ الوَعِيدِ فَيُطْلَقُ عَلى تَعْيِينِ الشَّرِّ في المُسْتَقْبَلِ. والمُرادُ بِالمَوْعِدِ هُنا مَوْعِدُ العَذابِ الَّذِي عَلِمَهُ لُوطٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إمّا بِوَحْيٍ سابِقٍ، وإمّا بِقَرِينَةِ الحالِ، وإمّا بِإخْبارٍ مِنَ المَلائِكَةِ في ذَلِكَ المَقامِ طَوَتْهُ الآيَةُ هُنا إيجازًا، وبِهَذِهِ الِاعْتِباراتِ صَحَّ تَعْرِيفُ الوَعْدِ بِالإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ.

وجُمْلَةُ ﴿ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ صَدَرَ مِنَ المَلائِكَةِ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ يَجِيشُ في نَفْسِهِ مِنِ اسْتِبْطاءِ نُزُولِ العَذابِ.

صفحة ١٣٤

والِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيٌّ، ولِذَلِكَ يَقَعُ في مَثَلِهِ التَّقْرِيرُ عَلى النَّفْيِ إرْخاءً لِلْعِنانِ مَعَ المُخاطَبِ المُقَرَّرِ لِيَعْرِفَ خَطَأهُ. وإنَّما قالُوا ذَلِكَ في أوَّلِ اللَّيْلِ.

11:82–83Page 231

فَلَمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا جَعَلۡنَا عَٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمۡطَرۡنَا عَلَيۡهَا حِجَارَةٗ مِّن سِجِّيلٖ مَّنضُودٖ ٨٢

So when Our command came, We made the highest part [of the city] its lowest and rained upon them stones of layered hard clay, [which were]

مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَۖ وَمَا هِيَ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ بِبَعِيدٖ ٨٣

Marked from your Lord. And it [i.e., Allāh's punishment] is not from the wrongdoers [very] far.

﴿فَلَمّا جا أمْرُنا جَعَلْنا عالِيها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ مَنضُودٍ﴾ ﴿مُسَوَّمَةٍ عِنْدَ رَبِّكَ وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾

تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ فَلَمّا جاءَ أمْرُنا

وقَوْلُهُ: ﴿جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ تَعَودُ الضَّمائِرُ الثَّلاثَةُ المَجْرُورَةُ بِالإضافَةِ وبِحَرْفِ (عَلى) عَلى القَرْيَةِ المَفْهُومَةِ مِنَ السِّياقِ.

والمَعْنى أنَّ القَرْيَةَ انْقَلَبَتْ عَلَيْهِمِ انْقِلابَ خَسْفٍ حَتّى صارَ عالِيَ البُيُوتِ سافِلًا. أيْ وسافِلُها عالِيًا، وذَلِكَ مِنَ انْقِلابِ الأرْضِ بِهِمْ.

وإنَّما اقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ جَعْلِ العالِي سافِلًا لِأنَّهُ أدْخَلُ في الإهانَةِ.

والسِّجِّيلُ: فُسِّرَ بِوادٍ نارٍ في جَهَنَّمَ يُقالُ: سِجِّيلٌ بِاللّامِ، وسَجِّينٌ بِالنُّونِ. ومِن تَبْعِيضِيَّةٌ، وهو تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ، أيْ بِحِجارَةٍ كَأنَّها مِن سِجِّيلِ جَهَنَّمَ، كَقَوْلِ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ:

وجِلْدُها مِن أطُومِ البَيْتِ

وقَدْ جاءَ في التَّوْراةِ: أنَّ اللَّهَ أرْسَلَ عَلَيْهِمْ كِبْرِيتًا ونارًا مِنَ السَّماءِ. ولَعَلَّ الخَسْفَ فَجَّرَ مِنَ الأرْضِ بَراكِينَ قَذَفَتْ عَلَيْهِمْ حِجارَةَ مَعادِنٍ مُحْرِقَةٍ كالكِبْرِيتِ، أوْ لَعَلَّ بُرْكانًا كانَ قَرِيبًا مِن مُدُنِهِمُ انْفَجَرَ بِاضْطِراباتٍ أرْضِيَّةٍ ثُمَّ زالَ مِن ذَلِكَ

صفحة ١٣٥

المَكانِ بِحَوادِثَ تَعاقَبَتْ في القُرُونِ، أوْ طَمى عَلَيْهِ البَحْرُ وبَقِيَ أثَرُ البَحْرِ عَلَيْها حَتّى الآنَ، وهو المُسَمّى بُحَيْرَةَ لُوطٍ أوِ البَحْرَ المَيِّتَ.

وقِيلَ: سِجِّيلٌ مُعَرَّبُ (سَنْكَ جِيلَ) عَنِ الفارِسِيَّةِ أيْ حَجَرٌ مَخْلُوطٌ بِطِينٍ.

والمَنضُودُ: المَوْضُوعُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ. والمَعْنى هُنا أنَّها مُتَتابِعَةٌ مُتَتالِيَةٌ في النُّزُولِ لَيْسَ بَيْنَها فَتْرَةٌ. والمُرادُ وصْفُ الحِجارَةِ بِذَلِكَ إلّا أنَّ الحِجارَةَ لَمّا جُعِلَتْ مِن سِجِّيلٍ أُجْرِيَ الوَصْفُ عَلى سِجِّيلٍ وهو يُفْضِي إلى وصْفِ الحِجارَةِ لِأنَّها مِنهُ.

والمُسَوَّمَةُ: الَّتِي لَها سِيما، وهي العَلامَةُ. والعَلاماتُ تُوضَعُ لِأغْراضٍ، مِنها عَدَمُ الِاشْتِباهِ، ومِنها سُهُولَةُ الإحْضارِ، وهو هُنا مُكَنّى بِهِ عَنِ المُعَدَّةِ المُهَيَّئَةِ لِأنَّ الإعْدادَ مِن لَوازِمَ التَّوْسِيمِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: عِنْدَ رَبِّكَ لِأنَّ تَسْوِيمَها عِنْدَ اللَّهِ هو تَقْدِيرُهُ إيّاها لَهم.

وضَمِيرُ (وما هي) يَصْلُحُ لِأنْ يَعُودَ إلى ما عادَتْ إلَيْهِ الضَّمائِرُ المَجْرُورَةُ قَبْلَهُ وهي المَدِينَةُ، فَيَكُونُ المَعْنى وما تِلْكَ القَرْيَةُ بِبَعِيدٍ عَنِ المُشْرِكِينَ، أيِ العَرَبِ، فَمَن شاءَ فَلْيَذْهَبْ إلَيْها فَيَنْظُرُ مَصِيرَها، فالمُرادُ البُعْدُ المَكانِيُّ. ويَصْلُحُ لِأنْ يَعُودَ إلى الحِجارَةِ، أيْ وما تِلْكَ الحِجارَةُ بِبَعِيدٍ، أيْ أنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يَرْمِيَ المُشْرِكِينَ بِمِثْلِها. والبُعْدُ بِمَعْنى تَعَذُّرِ الحُصُولِ ونَفْيِهِ بِإمْكانِ حُصُولِهِ. وهَذا مِنَ الكَلامِ المُوَجَّهِ مَعَ صِحَّةِ المَعْنَيَيْنِ وهو بَعِيدٌ.

وجُرِّدَ (بَعِيدٍ) عَنْ تاءِ التَّأْنِيثِ مَعَ كَوْنِهِ خَبَرًا عَنِ الحِجارَةِ وهي مُؤَنَّثٌ لَفْظًا، ومَعَ كَوْنِ (بَعِيدٍ) هُنا بِمَعْنى فاعِلٍ لا بِمَعْنى مَفْعُولٍ، فالشَّأْنُ أنْ يُطابِقَ مَوْصُوفَهُ في تَأْنِيثِهِ، ولَكِنَّ العَرَبَ قَدْ يُجْرُونَ فَعِيلًا الَّذِي بِمَعْنى فاعِلٍ مَجْرى الَّذِي بِمَعْنى مَفْعُولٍ إذا جَرى عَلى مُؤَنَّثٍ غَيْرِ حَقِيقِيِّ التَّأْنِيثِ زِيادَةً في التَّخْفِيفِ، كَقَوْلِهِ - تَعالى - في سُورَةِ الأعْرافِ ﴿إنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦] وقَوْلِهِ: ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب: ٦٣] وقَوْلِهِ: ﴿قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] . وقِيلَ:

صفحة ١٣٦

إنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٨] مِن هَذا القَبِيلِ، أيْ باغِيَةٌ. وقِيلَ: أصْلُهُ فَعُولٌ بَغُويٌ فَوَقَعَ إبْدالٌ وإدْغامٌ. وتَأوَّلَ الزَّمَخْشَرِيُّ ما هُنا عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ، أيْ بِمَكانٍ بَعِيدٍ، أوْ بِشَيْءٍ بَعِيدٍ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ في مُعادِ ضَمِيرِ (هي) .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском