Ibn 'AshurHud · 11:84–90

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Hud 11:84–90

11:84–86Page 231

۞ وَإِلَىٰ مَدۡيَنَ أَخَاهُمۡ شُعَيۡبٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥۖ وَلَا تَنقُصُواْ ٱلۡمِكۡيَالَ وَٱلۡمِيزَانَۖ إِنِّيٓ أَرَىٰكُم بِخَيۡرٖ وَإِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٖ مُّحِيطٖ ٨٤

And to Madyan [We sent] their brother Shuʿayb. He said, "O my people, worship Allāh; you have no deity other than Him. And do not decrease from the measure and the scale. Indeed, I see you in prosperity, but indeed, I fear for you the punishment of an all-encompassing Day.

وَيَٰقَوۡمِ أَوۡفُواْ ٱلۡمِكۡيَالَ وَٱلۡمِيزَانَ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَلَا تَبۡخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشۡيَآءَهُمۡ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ ٨٥

And O my people, give full measure and weight in justice and do not deprive the people of their due and do not commit abuse on the earth, spreading corruption.

بَقِيَّتُ ٱللَّهِ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَۚ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيۡكُم بِحَفِيظٖ ٨٦

What remains [lawful] from Allāh is best for you, if you would be believers. But I am not a guardian over you."

﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ ولا تَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ إنِّيَ أراكم بِخَيْرٍ وإنِّيَ أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ ﴿ويا قَوْمِ أوْفُوا المِكْيالَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾

قَوْلُهُ: ﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا﴾ إلى قَوْلِهِ: مِن إلَهٍ غَيْرُهُ نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا﴾ [هود: ٦١] إلَخْ.

أمَرَهم بِثَلاثَةِ أُمُورٍ:

أحَدُها: إصْلاحُ الِاعْتِقادِ، وهو مِن إصْلاحِ العُقُولِ والفِكْرِ.

وثالِثُها: صَلاحُ الأعْمالِ والتَّصَرُّفاتِ في العالَمِ بِأنْ لا يُفْسِدُوا في الأرْضِ.

ووَسَّطَ بَيْنَهُما الثّانِي: وهو شَيْءٌ مِن صَلاحِ العَمَلِ خُصَّ بِالنَّهْيِ لِأنَّ إقْدامَهم عَلَيْهِ كانَ فاشِيًا فِيهِمْ حَتّى نَسُوا ما فِيهِ مِن قُبْحٍ وفَسادٍ وهَذا هو الكَفُّ عَنْ نَقْصِ المِكْيالِ والمِيزانِ.

فابْتَدَأ بِالأمْرِ بِالتَّوْحِيدِ لِأنَّهُ أصْلُ الصَّلاحِ ثُمَّ أعْقَبَهُ بِالنَّهْيِ عَنْ مَظْلَمَةٍ كانَتْ مُتَفَشِّيَةً فِيهِمْ وهي خِيانَةُ المِكْيالِ والمِيزانِ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في سُورَةِ

صفحة ١٣٧

الأعْرافِ. وهي مَفْسَدَةٌ عَظِيمَةٌ لِأنَّها تَجْمَعُ خَصْلَتَيِ السَّرِقَةِ والغَدْرِ؛ لِأنَّ المُكْتالَ مُسْتَرْسِلٌ مُسْتَسْلِمٌ. ونَهاهم عَنِ الإفْسادِ في الأرْضِ وعَنْ نَقْصِ المِكْيالِ والمِيزانِ فَعَزَّزَهُ بِالأمْرِ بِضِدِّهِ وهو إيفاؤُهُما.

وجُمْلَةُ ﴿إنِّي أراكم بِخَيْرٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنْ نَقْصِ المِكْيالِ والمِيزانِ. والمَقْصُودُ مِن ﴿إنِّي أراكم بِخَيْرٍ﴾ أنَّكم بِخَيْرٍ. وإنَّما ذَكَرَ رُؤْيَتَهُ ذَلِكَ لِأنَّها في مَعْنى الشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فَحَقٌّ عَلَيْهِمْ شُكْرُها. والباءُ في بِخَيْرٍ لِلْمُلابَسَةِ.

والخَيْرُ: حُسْنُ الحالَةِ. ويُطْلَقُ عَلى المالِ كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠] . والأوْلى حَمْلُهُ عَلَيْهِ هُنا لِيَكُونَ أدْخَلَ في تَعْلِيلِ النَّهْيِ، أيْ إنَّكم في غِنًى عَنْ هَذا التَّطْفِيفِ بِما أُوتِيتُمْ مِنَ النِّعْمَةِ والثَّرْوَةِ. وهَذا التَّعْلِيلُ يَقْتَضِي قُبْحَ ما يَرْتَكِبُونَهُ مِنَ التَّطْفِيفِ في نَظَرِ أهْلِ المُرُوءَةِ ويَقْطَعُ مِنهُمُ العُذْرَ في ارْتِكابِهِ. وهَذا حَثٌّ عَلى وسِيلَةِ بَقاءِ النِّعْمَةِ.

ثُمَّ ارْتَقى في تَعْلِيلِ النَّهْيِ بِأنَّهُ يَخافُ عَلَيْهِمْ عَذابًا يَحِلُّ بِهِمْ إمّا يَوْمَ القِيامَةِ وإمّا في الدُّنْيا. ولِصُلُوحِيَّتِهِ لِلْأمْرَيْنِ أجْمَلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ . وهَذا تَحْذِيرٌ مِن عَواقِبِ كُفْرانِ النِّعْمَةِ وعِصْيانِ واهِبِها.

و(مُحِيطٌ) وصْفٌ لِيَوْمٍ عَلى وجْهِ المَجازِ العَقْلِيِّ، أيْ مُحِيطٌ عَذابُهُ، والقَرِينَةُ هي إضافَةُ العَذابِ إلَيْهِ.

وإعادَةُ النِّداءِ في جُمْلَةِ ﴿ويا قَوْمِ أوْفُوا المِكْيالَ﴾ لِزِيادَةِ الِاهْتِمامِ بِالجُمْلَةِ والتَّنْبِيهِ لِمَضْمُونِها، وهو الأمْرُ بِإيفاءِ المِكْيالِ والمِيزانِ. وهَذا الأمْرُ تَأْكِيدٌ لِلنَّهْيِ عَنْ نَقْصِهِما. والشَّيْءُ يُؤَكَّدُ بِنَفْيِ ضِدِّهِ، كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وما هَدى﴾ [طه: ٧٩] . لِزِيادَةِ التَّرْغِيبِ في الإيفاءِ بِطَلَبِ حُصُولِهِ بَعْدَ النَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ.

والباءُ في قَوْلِهِ: بِالقِسْطِ لِلْمُلابَسَةِ. وهو مُتَعَلِّقٌ بِأوْفُوا فَيُفِيدُ أنَّ الإيفاءَ

صفحة ١٣٨

يُلابِسُهُ القِسْطُ، أيِ العَدْلُ تَعْلِيلًا لِلْأمْرِ بِهِ؛ لِأنَّ العَدْلَ مَعْرُوفٌ حَسَنٌ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ ضِدَّهُ ظُلْمٌ وجُورٌ وهو قَبِيحٌ مُنْكَرٌ.

والقِسْطُ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨] في آلِ عِمْرانَ.

والبَخْسُ: النَّقْصُ. وتَقَدَّمَ في قِصَّتِهِ في سُورَةِ الأعْرافِ مُفَسَّرًا. وذِكْرُ ذَلِكَ بَعْدَ النَّهْيِ عَنْ نَقْصِ المِكْيالِ والمِيزانِ تَذْيِيلٌ بِالتَّعْمِيمِ بَعْدَ تَخْصِيصٍ. لِأنَّ التَّطْفِيفَ مِن بَخْسِ النّاسِ في أشْيائِهِمْ، وتَعْدِيَةُ (تَبْخَسُوا) إلى مَفْعُولَيْنِ بِاعْتِبارِهِ ضِدَّ أعْطى فَهو مِن بابِ كَسا.

والعَثْيُ - بِالياءِ - مِن بابِ سَعى ورَمى ورَضِيَ، وبِالواوِ كَدَعا، هو: الفَسادُ. ولِذَلِكَ فَقَوْلُهُ: (مُفْسِدِينَ) حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِعامِلِها مِثْلَ التَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ مُبالَغَةً في النَّهْيِ عَنِ الفَسادِ.

والمُرادُ: النَّهْيُ عَنِ الفَسادِ كُلِّهِ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (في الأرْضِ) المَقْصُودُ مِنهُ تَعْمِيمُ أماكِنِ الفَسادِ.

والفَسادُ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا قِيلَ لَهم لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ [البقرة: ١١] في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ.

وقَدْ حَصَلَ النَّهْيُ عَنِ الأعَمِّ بَعْدَ النَّهْيِ عَنِ العامِّ، وبِهِ حَصَلَتْ خَمْسَةُ مُؤَكِّداتٍ: بِالأمْرِ بَعْدَ النَّهْيِ عَنِ الفَسادِ الخاصِّ، ثُمَّ بِالتَّعْمِيمِ بَعْدَ التَّخْصِيصِ، ثُمَّ بِزِيادَةِ التَّعْمِيمِ، ثُمَّ بِتَأْكِيدِ التَّعْمِيمِ الأعَمِّ بِتَعْمِيمِ المَكانِ، ثُمَّ بِتَأْكِيدِهِ بِالمُؤَكِّدِ اللَّفْظِيِّ.

وسَلَكَ في نَهْيِهِمْ عَنِ الفَسادِ مَسْلَكَ التَّدَرُّجِ فابْتَدَأهُ بِنَهْيِهِمْ عَنْ نَوْعٍ مِنَ الفَسادِ فاشٍ فِيهِمْ وهو التَّطْفِيفُ. ثُمَّ ارْتَقى فَنَهاهم عَنْ جِنْسِ ذَلِكَ النَّوْعِ وهو أكْلُ أمْوالِ النّاسِ. ثُمَّ ارْتَقى فَنَهاهم عَنِ الجِنْسِ الأعْلى لِلْفَسادِ الشّامِلِ لِجَمِيعِ أنْواعِ المَفاسِدِ وهو الإفْسادُ في الأرْضِ كُلُّهُ. وهَذا مِن أسالِيبِ الحِكْمَةِ في تَهْيِئَةِ النُّفُوسِ بِقَبُولِ الإرْشادِ والكَمالِ.

صفحة ١٣٩

وإذْ قَدْ كانَتْ غايَةُ المُفْسِدِ مِنَ الإفْسادِ اجْتِلابَ ما فِيهِ نَفْعٌ عاجِلٌ لَهُ مِن نَوالِ ما يُحِبُّهُ أعْقَبَ شُعَيْبٌ مَوْعِظَتَهُ بِما ادَّخَرَهُ اللَّهُ مِنَ الثَّوابِ عَلى امْتِثالِ أمْرِهِ وهو النَّفْعُ الباقِي هو خَيْرٌ لَهم مِمّا يَقْتَرِفُونَهُ مِنَ المَتاعِ العاجِلِ.

ولَفْظُ (بَقِيَّةٌ) كَلِمَةٌ جامِعَةٌ لِمَعانٍ في كَلامِ العَرَبِ، مِنها: الدَّوامُ، ومُؤْذِنَةٌ بِضِدِّهِ وهو الزَّوالُ، فَأفادَتْ أنَّ ما يَقْتَرِفُونَهُ مَتاعٌ زائِلٌ، وما يَدْعُوهم إلَيْهِ حَظٌّ باقٍ غَيْرُ زائِلٍ، وبَقاؤُهُ دُنْيَوِيٌّ وأُخْرَوِيٌّ.

فَأمّا كَوْنُهُ دُنْيَوِيًّا فَلِأنَّ الكَسْبَ الحَلّالَ ناشِئٌ عَنِ اسْتِحْقاقٍ شَرْعِيٍّ فِطْرِيٍّ، فَهو حاصِلٌ مِن تَراضٍ بَيْنَ الأُمَّةِ فَلا يَحْنَقُ المَأْخُوذُ مِنهُ عَلى آخِذِهِ فَيُعادِيهِ ويَتَرَبَّصُ بِهِ الدَّوائِرَ فَبِتَجَنُّبِ ذَلِكَ تَبْقى الأُمَّةُ في أمْنٍ مِن تَوَثُّبِ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ، ومِن أجْلِ ذَلِكَ قَرَنَ الأمْوالَ بِالدِّماءِ في خُطْبَةِ حَجَّةِ الوَداعِ إذْ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إنَّ دِماءَكم وأمْوالَكم عَلَيْكم حَرامٌ» فَكَما أنَّ إهْراقَ الدِّماءِ بِدُونِ حَقٍّ يُفْضِي إلى التَّقاتُلِ والتَّفانِي بَيْنَ الأُمَّةِ فَكَذَلِكَ انْتِزاعُ الأمْوالِ بِدُونِ وجْهِها يُفْضِي إلى التَّواثُبِ والتَّثاوُرِ فَتَكُونُ مُعَرَّضَةً لِلِابْتِزازِ والزَّوالِ. وأيْضًا فَلِأنَّ نَوالَها بِدُونِ رِضى اللَّهِ عَنْ وسائِلِ أخْذِها كُفْرانٌ لِلَّهِ يُعَرِّضُ إلى تَسْلِيطِ عِقابِهِ بِسَلْبِها مِن أصْحابِها. قالَ ابْنُ عَطاءِ اللَّهِ: ”مَن لَمْ يَشْكُرِ النِّعَمَ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِزَوالِها ومَن شَكَرَها فَقَدْ قَيَّدَها بِعِقالِها“ .

وأمّا كَوْنُهُ أُخْرَوِيًّا فَلِأنَّ نَهْيَ اللَّهِ عَنْها مُقارَنٌ لِلْوَعْدِ بِالجَزاءِ عَلى تَرْكِها، وذَلِكَ الجَزاءُ مِنَ النَّعِيمِ الخالِدِ كَما في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ [مريم: ٧٦] .

عَلى أنَّ لَفْظَ البَقِيَّةِ يَتَحَمَّلُ مَعْنًى آخَرَ مِنَ الفَضْلِ في كَلامِ العَرَبِ، وهو مَعْنى الخَيْرِ والبَرَكَةِ لِأنَّهُ لا يَبْقى إلّا ما يَحْتَفِظُ بِهِ أصْحابُهُ وهو النَّفائِسُ، ولِذَلِكَ أُطْلِقَتِ البَقِيَّةُ عَلى الشَّيْءِ النَّفِيسِ المُبارَكِ كَما في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَبِّكم وبَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسى وآلُ هارُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٨]،

صفحة ١٤٠

وقَوْلُهُ: ﴿فَلَوْلا كانَ مِنَ القُرُونِ مِن قَبْلِكم أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ﴾ [هود: ١١٦] وقالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِيكَرِبَ أوْ رُوَيْشِدٌ الطّائِيُّ:

إنْ تُذْنِبُوا ثُمَّ تَأْتِينِي بَقِيَّتُكُـمْ فَما عَلَيَّ بِذَنْبٍ مِنكم فَوْتٌ

قالَ المَرْزُوقِيُّ: المَعْنى ثُمَّ يَأْتِينِي خِيارُكم وأماثِلُكم يُقِيمُونَ المَعْذِرَةَ وهَذا كَما يُقالُ: فُلانٌ مِن بَقِيَّةِ أهْلٍ، أيْ مِن أفاضِلِهِمْ.

وفِي كَلِمَةِ البَقِيَّةِ مَعْنًى آخَرُ وهو الإبْقاءُ عَلَيْهِمْ، والعَرَبُ يَقُولُونَ عِنْدَ طَلَبِ الكَفِّ عَنِ القِتالِ: ابْقُوا عَلَيْنا، ويَقُولُونَ ”البَقِيَّةَ البَقِيَّةَ“ بِالنَّصْبِ عَلى الإغْراءِ، قالَ الأعْشى:

قالُوا البَقِيَّةَ - والهِنْدِيُّ يَحْصُدُهم - ∗∗∗ - ولا بَقِيَّةَ إلّا الثّارُ - وانْكَشَفُوا

وقالَ مِسْوَرُ بْنُ زِيادَةَ الحارِثِيُّ:

أُذَكَّرُ بِالبُقْيا عَلى مَن أصابَنِي ∗∗∗ وبُقْيايَ أنِّي جاهِدٌ غَيْرُ مُؤْتَلِي

والمَعْنى إبْقاءُ اللَّهِ عَلَيْكم ونَجاتُكم مِن عَذابِ الِاسْتِئْصالِ خَيْرٌ لَكم مِن هَذِهِ الأعْراضِ العاجِلَةِ السَّيِّئَةِ العاقِبَةَ، فَيَكُونُ تَعْرِيضًا بِوَعِيدِ الِاسْتِئْصالِ. وكُلُّ هَذِهِ المَعانِي صالِحَةٌ هُنا. ولَعَلَّ كَلامَ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَدِ اشْتَمَلَ عَلى جَمِيعِها فَحَكاهُ القُرْآنُ بِهَذِهِ الكَلِمَةِ الجامِعَةِ.

وإضافَةُ (بَقِيَّةٍ) إلى اسْمِ الجَلالَةِ عَلى المَعانِي كُلِّها جَمْعًا وتَفْرِيقًا إضافَةُ تَشْرِيفٍ وتَيَمُّنٍ. وهي إضافَةٌ عَلى مَعْنى اللّامِ لِأنَّ البَقِيَّةَ مِن فَضْلِهِ أوْ مِمّا أمَرَ بِهِ.

ومَعْنى إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ إنْ كُنْتُمْ مُصَدِّقِينَ بِما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكم؛ لِأنَّهم لا يَتْرُكُونَ مَفاسِدَهم ويَرْتَكِبُونَ ما أُمِرُوا بِهِ إلّا إذا صَدَّقُوا بِأنَّ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَهُنالِكَ تَكُونُ بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرًا لَهم، فَمَوْقِعُ الشَّرْطِ هو كَوْنُ البَقِيَّةِ خَيْرًا لَهم، أيْ لا تَكُونُ البَقِيَّةُ خَيْرًا إلّا لِلْمُؤْمِنِينَ.

صفحة ١٤١

وجاءَ بِاسْمِ الفاعِلِ الَّذِي هو حَقِيقَةٌ في الِاتِّصافِ بِالفِعْلِ في زَمانِ الحالِ تَقْرِيبًا لِإيمانِهِمْ بِإظْهارِ الحِرْصِ عَلى حُصُولِهِ في الحالِ واسْتِعْجالًا بِإيمانِهِمْ لِئَلّا يَفْجَأهُمُ العَذابُ فَيَفُوتُ التَّدارُكُ.

وجُمْلَةُ ﴿وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ اعْبُدُوا ونَظائِرِهِ، أيِ افْعَلُوا ذَلِكَ بِاخْتِيارِكم لِأنَّهُ لِصَلاحِكم ولَسْتُ مُكْرِهِكم عَلى فِعْلِهِ.

والحَفِيظُ: المُجْبِرُ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إنْ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ﴾ [الشورى: ٤٨] وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [الأنعام: ١٠٧] في سُورَةِ الأنْعامِ. والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ اسْتِنْزالُ طائِرِهِمْ لِئَلّا يَشْمَئِزُّوا مِنَ الأمْرِ. وهَذا اسْتِقْصاءٌ في التَّرْغِيبِ وحُسْنِ الجِدالِ.

11:87Page 231

قَالُواْ يَٰشُعَيۡبُ أَصَلَوٰتُكَ تَأۡمُرُكَ أَن نَّتۡرُكَ مَا يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَآ أَوۡ أَن نَّفۡعَلَ فِيٓ أَمۡوَٰلِنَا مَا نَشَٰٓؤُاْۖ إِنَّكَ لَأَنتَ ٱلۡحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ ٨٧

They said, "O Shuʿayb, does your prayer [i.e., religion] command you that we should leave what our fathers worship or not do with our wealth what we please? Indeed, you are the forbearing, the discerning!"1

﴿قالُوا يا شُعَيْبُ أصَلَواتُكَ تَأْمُرُكَ أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أوْ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾

كانَتِ الصَّلاةُ مِن عِمادِ الأدْيانِ كُلِّها. وكانَ المُكَذِّبُونَ المُلْحِدُونَ قَدْ تَمالَئُوا في كُلِّ أُمَّةٍ عَلى إنْكارِها والِاسْتِهْزاءِ بِفاعِلِها ﴿أتَواصَوْا بِهِ بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٣]، فَلَمّا كانَتِ الصَّلاةُ أخَصَّ أعْمالِهِ المُخالِفَةِ لِمُعْتادِهِمْ جَعَلُوها المُشِيرَةَ عَلَيْهِ بِما بَلَّغَهُ إلَيْهِمْ مِن أُمُورٍ مُخالِفَةٍ لِمُعْتادِهِمْ - بِناءً عَلى التَّناسُبِ بَيْنَ السَّبَبِ والمُسَبِّبِ في مُخالَفَةِ المُعْتادِ - قَصْدًا لِلتَّهَكُّمِ بِهِ والسُّخْرِيَةِ عَلَيْهِ تَكْذِيبًا لَهُ فِيما جاءَهم بِهِ، فَإسْنادُ الأمْرِ إلى الصَّلَواتِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ إذْ قَدْ عَلِمَ كُلُّ العُقَلاءِ أنَّ الأفْعالَ لا تَأْمُرُ. والمَعْنى أنَّ صَلاتَهُ تَأْمُرُهُ بِأنَّهم يَتْرُكُونَ، أيْ تَأْمُرُهُ بِأنْ يَحْمِلَهم عَلى تَرْكِ ما يَعْبُدُ آباؤُهم. إذْ مَعْنى كَوْنِهِ مَأْمُورًا بِعَمَلِ غَيْرِهِ أنَّهُ مَأْمُورٌ بِالسَّعْيِ في ذَلِكَ بِأنْ يَأْمُرَهم بِأشْياءَ.

صفحة ١٤٢

و(ما) في قَوْلِهِ: ما يَعْبُدُ آباؤُنا مَوْصُولَةٌ صادِقَةٌ عَلى المَعْبُوداتِ. ومَعْنى تَرَكِها تَرْكُ عِبادَتِها كَما يُؤْذِنُ بِهِ فِعْلُ يَعْبُدُ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (ما) مَصْدَرِيَّةٌ بِتَقْدِيرِ: أنْ نَتْرُكَ مِثْلَ عِبادَةِ آبائِنا.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (أصَلَواتُكَ) بِصِيغَةِ جَمْعِ صَلاةٍ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ، وخَلَفٌ (أصَلاتُكَ) بِصِيغَةِ المُفْرَدِ.

و(أوْ) مِن قَوْلِهِ: ﴿أوْ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ﴾ لِتَقْسِيمِ ما يَأْمُرُهم بِهِ لِأنَّ مِنهم مَن لا يَتَّجِرُ فَلا يُطَفِّفُ في الكَيْلِ والمِيزانِ فَهو قِسْمٌ آخَرُ مُتَمَيِّزٌ عَنْ بَقِيَّةِ الأُمَّةِ بِأنَّهُ مَأْمُورٌ بِتَرْكِ التَّطْفِيفِ. فَقَوْلُهُ: ﴿أنْ نَفْعَلَ﴾ عَطْفٌ عَلى ما يَعْبُدُ آباؤُنا، أيْ أنْ نَتْرُكَ فِعْلَ ما نَشاءُ في أمْوالِنا فَنَكُونَ طَوْعَ أمْرِكَ نَفْعَلُ ما تَأْمُرُنا بِفِعْلِهِ ونَتْرُكُ ما تَأْمُرُنا بِتَرْكِهِ.

وبِهَذا تَعْلَمُ أنْ لا داعِيَ إلى جَعْلِ (أوْ) بِمَعْنى واوِ الجَمْعِ، كَما دَرَجَ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ مِثْلَ البَيْضاوِيُّ والكَواشِيُّ وجَعَلُوهُ عَطْفًا عَلى (نَتْرُكُ) فَتَوَجَّسُوا عَدَمَ اسْتِقامَةِ المَعْنى كَما قالَ الطَّبَرِيُّ. وتَأوَّلَهُ بِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما عَنْ أهْلِ البَصْرَةِ والآخَرُ عَنْ أهْلِ الكُوفَةِ، أحَدُهُما مَبْنِيٌّ عَلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ والآخَرُ عَلى تَأْوِيلِ فِعْلِ (تَأْمُرُكَ) وكِلاهُما تَكَلُّفٌ. وأمّا الأكْثَرُ فَصارُوا إلى صَرْفِ (أوْ) عَنْ مُتَعارَفِ مَعْناها وقَدْ كانُوا في سَعَةٍ عَنْ ذَلِكَ. وسَكَتَ عَنْهُ كَثِيرٌ مِثْلُ صاحِبِ الكَشّافِ. وأوْمَأ البَغَوِيُّ والنَّسَفِيُّ إلى ما صَرَّحْنا بِهِ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ اسْتِئْنافُ تَهَكُّمٍ آخَرَ. وقَدْ جاءَتِ الجُمْلَةُ مُؤَكَّدَةٌ بِحَرْفِ إنَّ ولامِ القَسَمِ وبِصِيغَةِ القَصْرِ في جُمْلَةِ ﴿لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ فاشْتَمَلَتْ عَلى أرْبَعَةِ مُؤَكِّداتٍ.

والحَلِيمُ، زِيادَةٌ في التَّهَكُّمِ: ذُو الحِلْمِ أيِ العَقْلِ، والرَّشِيدُ: الحَسَنُ التَّدْبِيرِ في المالِ.

11:88Page 231

قَالَ يَٰقَوۡمِ أَرَءَيۡتُمۡ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنۡهُ رِزۡقًا حَسَنٗاۚ وَمَآ أُرِيدُ أَنۡ أُخَالِفَكُمۡ إِلَىٰ مَآ أَنۡهَىٰكُمۡ عَنۡهُۚ إِنۡ أُرِيدُ إِلَّا ٱلۡإِصۡلَٰحَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُۚ وَمَا تَوۡفِيقِيٓ إِلَّا بِٱللَّهِۚ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُ وَإِلَيۡهِ أُنِيبُ ٨٨

He said, "O my people, have you considered: if I am upon clear evidence from my Lord and He has provided me with a good provision from Him...?1 And I do not intend to differ from you in that which I have forbidden you; I only intend reform as much as I am able. And my success is not but through Allāh. Upon Him I have relied, and to Him I return.2

صفحة ١٤٣

﴿قالَ يا قَوْمِ أرَيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي ورَزَقَنِي مِنهُ رِزْقًا حَسَنًا وما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ إنْ أُرِيدُ إلّا الإصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ وما تَوْفِيقِيَ إلّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾

تَقَدَّمَ نَظِيرُ الآيَةِ في قِصَّةِ نُوحٍ وقِصَّةِ صالِحٍ عَلَيْهِما السَّلامُ.

والمُرادُ بِالرِّزْقِ الحَسَنِ هُنا مِثْلُ المُرادِ مِنَ الرَّحْمَةِ في كَلامِ نُوحٍ وكَلامِ صالِحٍ - عَلَيْهِما السَّلامُ - وهو نِعْمَةُ النُّبُوَّةِ، وإنَّما عَبَّرَ شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنِ النُّبُوَّةِ بِالرِّزْقِ عَلى وجْهِ التَّشْبِيهِ مُشاكَلَةً لِقَوْلِهِمْ: ﴿أوْ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ﴾ [هود: ٨٧] لِأنَّ الأمْوالَ أرْزاقٌ. وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ سِياقُ الكَلامِ، أوْ يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾ . والتَّقْدِيرُ: ماذا يَسَعُكم في تَكْذِيبِي، أوْ ماذا يُنْجِيكم مِن عاقِبَةِ تَكْذِيبِي، وهو تَحْذِيرٌ لَهم عَلى فَرْضِ احْتِمالِ أنْ يَكُونَ صادِقًا، أيْ فالحَزْمُ أنْ تَأْخُذُوا بِهَذا الِاحْتِمالِ، أوْ فالحَزْمُ أنْ تَنْظُرُوا في كُنْهِ ما نَهَيْتُكم عَنْهُ لِتَعْلَمُوا أنَّهُ لِصَلاحِكم.

ومَعْنى ﴿وما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ﴾ عِنْدَ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ مِنَ التّابِعِينَ مِن بَعْدِهِمْ: ما أُرِيدُ مِمّا نَهَيْتُكم عَنْهُ أنْ أمْنَعَكم أفْعالًا وأنا أفْعَلُها، أيْ لَمْ أكُنْ لِأنْهاكم عَنْ شَيْءٍ وأنا أفْعَلُهُ. وبَيَّنَ في الكَشّافِ إفادَةَ التَّرْكِيبِ هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ ”يُقالُ: خالَفَنِي فُلانٌ إلى كَذا إذا قَصَدَهُ وأنْتَ مُوَلٍّ عَنْهُ. . . ويَلْقاكَ الرَّجُلُ صادِرًا عَنِ الماءِ فَتَسْألُهُ عَنْ صاحِبِهِ فَيَقُولُ: خالَفَنِي إلى الماءِ، يُرِيدُ أنَّهُ قَدْ ذَهَبَ إلَيْهِ وارِدًا وأنا ذاهِبٌ عَنْهُ صادِرًا“ اهـ.

وبَيانُهُ أنَّ المُخالَفَةَ تَدُلُّ عَلى الِاتِّصافِ بِضِدِّ حالِهِ، فَإذا ذُكِرَتْ في غَرَضٍ دَلَّتْ عَلى الِاتِّصافِ بِضِدِّهِ، ثُمَّ يُبَيِّنُ وجْهَ المُخالَفَةِ بِذِكْرِ اسْمِ الشَّيْءِ الَّذِي حَصَلَ

صفحة ١٤٤

بِهِ الخِلافُ مَدْخُولًا لِحَرْفِ (إلى) الدّالِ عَلى الِانْتِهاءِ إلى شَيْءٍ كَما في قَوْلِهِمْ خالَفَنِي إلى الماءِ لِتَضْمِينِ (أُخالِفَكم) مَعْنى السَّعْيِ إلى شَيْءٍ. ويَتَعَلَّقُ ﴿إلى ما أنْهاكُمْ﴾ بِفِعْلِ (أُخالِفَكم)، ويَكُونُ ﴿أنْ أُخالِفَكُمْ﴾ مَفْعُولَ (أُرِيدُ) .

فَقَوْلُهُ: ﴿أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ﴾ أيْ أنْ أفْعَلَ خِلافَ الأفْعالِ الَّتِي نَهَيْتُكم عَنْها بِأنْ أصْرِفَكم عَنْها وأنا أصِيرُ إلَيْها. والمَقْصُودُ: بَيانُ أنَّهُ مَأْمُورٌ بِذَلِكَ أمْرًا يَعُمُّ الأُمَّةَ وإيّاهُ وذَلِكَ شَأْنُ الشَّرائِعِ، كَما قالَ عُلَماؤُنا: إنَّ خِطابَ الأُمَّةِ يَشْمَلُ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ما لَمْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلى تَخْصِيصِهِ بِخِلافِ ذَلِكَ، فَفي هَذا إظْهارُ أنَّ ما نَهاهم عَنْهُ يَنْهى أيْضًا نَفْسَهُ عَنْهُ. وفي هَذا تَنْبِيهٌ لَهم عَلى ما في النَّهْيِ مِنَ المَصْلَحَةِ، وعَلى أنَّ شَأْنَهُ لَيْسَ شَأْنَ الجَبابِرَةِ الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنْ أعْمالٍ وهم يَأْتُونَها؛ لِأنَّ مِثْلَ ذَلِكَ يُنْبِئُ بِعَدَمِ النُّصْحِ فِيما يَأْمُرُونَ ويَنْهَوْنَ، إذْ لَوْ كانُوا يُرِيدُونَ النُّصْحَ والخَيْرَ في ذَلِكَ لاخْتارُوهُ لِأنْفُسِهِمْ وإلى هَذا المَعْنى يَرْمِي التَّوْبِيخُ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿أتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبِرِّ وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكم وأنْتُمْ تَتْلُونَ الكِتابَ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤] أيْ وأنْتُمْ تَتْلُونَ كِتابَ الشَّرِيعَةِ العامَّةِ لَكم أفَلا تَعْقِلُونَ فَتَعْلَمُوا أنَّكم أوْلى بِجَلْبِ الخَيْرِ لِأنْفُسِكم.

والَّذِي يَظْهَرُ لِي في مَعْنى الآيَةِ أنَّ المُرادَ مِنَ المُخالَفَةِ المُعاكَسَةُ والمُنازَعَةُ؛ إمّا لِأنَّهُ عَرَفَ مِن مَلامِحِ تَكْذِيبِهِمْ أنَّهم تَوَهَّمُوهُ ساعِيًا إلى التَّمَلُّكِ عَلَيْهِمْ والتَّجَبُّرِ، وإمّا لِأنَّهُ أرادَ أنْ يَقْلَعَ مِن نُفُوسِهِمْ خَواطِرَ الشَّرِّ قَبْلَ أنْ تَهْجِسَ فِيها.

وهَذا المَحْمَلُ في الآيَةِ يَسْمَحُ بِهِ اسْتِعْمالُ التَّرْكِيبِ ومَقاصِدُ الرُّسُلِ وهو أشْمَلُ لِلْمَعانِي مِن تَفْسِيرِ المُتَقَدِّمِينَ، فَلا يَنْبَغِي قَصْرُ تَفْسِيرِ الآيَةِ عَلى ما قالُوهُ لِأنَّهُ لا يُقابِلُ قَوْلَ قَوْمِهِ ﴿أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أوْ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ﴾ [هود: ٨٧]، فَإنَّهم ظَنُّوا بِهِ أنَّهُ ما قَصَدَ إلّا مُخالَفَتَهم وتَخْطِئَتَهم ونَفَوْا أنْ يَكُونَ لَهُ قَصْدٌ صالِحٌ فِيما دَعاهم إلَيْهِ، فَكانَ مُقْتَضى إبْطالِ ظِنَّتِهِمْ أنْ يَنْفِيَ أنْ يُرِيدَ مُجَرَّدَ مُخالَفَتِهِمْ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ عَقِبِهِ ﴿إنْ أُرِيدُ إلّا الإصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ﴾

صفحة ١٤٥

فَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكُمْ﴾ أنَّهُ ما يُرِيدُ مُجَرَّدَ المُخالَفَةِ كَشَأْنِ المُنْتَقِدِينَ المُتَقَعِّرِينَ ولَكِنْ يُخالِفُهم لِمَقْصِدٍ سامٍ وهو إرادَةُ إصْلاحِهِمْ. ومِن هَذا الِاسْتِعْمالِ ما ورَدَ في الحَدِيثِ لَمّا جاءَ وفْدُ فَزارَةَ إلى النَّبِيِّ ﷺ قالَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ”أمِّرِ الأقْرَعَ بْنَ حابِسٍ، وقالَ عُمَرُ: أمِّرْ فُلانًا، فَقالَ أبُو بَكْرٍ لِعُمَرَ: ما أرَدْتَ إلى خِلافِي فَقالَ عُمَرُ: ما أرَدْتُ إلى خِلافِكَ“ . فَهَذا التَّفْسِيرُ لَهُ وجْهٌ وجِيهٌ في هَذِهِ الآيَةِ. وفي هَذا ما يَدُلُّ عَلى أنَّ المُنْتَقِدِينَ قِسْمانِ قِسْمٌ يَنْتَقِدُ الشَّيْءَ ويَقِفُ عِنْدَ حَدِّ النَّقْدِ دُونَ ارْتِقاءٍ إلى بَيانِ ما يُصْلِحُ المَنقُودَ. وقِسْمٌ يَنْتَقِدُ لِيُبَيِّنَ وجْهَ الخَطَأِ ثُمَّ يُعْقِبُهُ بِبَيانِ ما يُصْلِحُ خَطَأهُ. وعَلى هَذا الوَجْهِ يَتَعَلَّقُ (إلى ما أنْهاكم) بِفِعْلِ (أُرِيدُ) وكَذَلِكَ ﴿أنْ أُخالِفَكُمْ﴾ يَتَعَلَّقُ بِـ (أُرِيدُ) عَلى حَذْفِ حَرْفِ لامِ الجَرِّ. والتَّقْدِيرُ: ما أُرِيدُ إلى النَّهْيِ لِأجْلِ أنْ أُخالِفَكم، أيْ لِمَحَبَّةِ خِلافِكم.

وجُمْلَةُ ﴿إنْ أُرِيدُ إلّا الإصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿ما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ﴾ لِأنَّ انْتِفاءَ إرادَةِ المُخالَفَةِ إلى ما نَهاهم عَنْهُ مُجْمَلٌ فِيما يُرِيدُ إثْباتَهُ مِن أضْدادِ المَنفِيِّ فَبَيَّنَهُ بِأنَّ الضِّدَّ المُرادَ إثْباتُهُ هو الإصْلاحُ في جَمِيعِ أوْقاتِ اسْتِطاعَتِهِ بِتَحْصِيلِ الإصْلاحِ، فالقَصْرُ قَصْرُ قَلْبٍ.

وأفادَتْ صِيغَةُ القَصْرِ تَأْكِيدُ ذَلِكَ لِأنَّ القَصْرَ قَدْ كانَ يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ الِاقْتِصارِ عَلى النَّفْيِ والإثْباتِ نَحْوَ أنْ يَقُولَ: ما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم أُرِيدُ الإصْلاحَ، كَقَوْلِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ الحارِثِيِّ أوِ السَّمَوْألِ:

تَسِيلُ عَلى حَدِّ الظُّباتِ نُفُوسُنَـا ولَيْسَتْ عَلى غَيْرِ الظُّباتِ تَسِيلُ

ولَمّا بَيَّنَ لَهم حَقِيقَةَ عَمَلِهِ وكانَ في بَيانِهِ ما يَجُرُّ الثَّناءَ عَلى نَفْسِهِ أعْقَبَهُ بِإرْجاعِ الفَضْلِ في ذَلِكَ إلى اللَّهِ فَقالَ ﴿وما تَوْفِيقِي إلّا بِاللَّهِ﴾ فَسَمّى إرادَتَهُ الإصْلاحَ تَوْفِيقًا وجَعَلَهُ مِنَ اللَّهِ لا يَحْصُلُ في وقْتٍ إلّا بِاللَّهِ، أيْ بِإرادَتِهِ وهَدْيِهِ، فَجُمْلَةُ ﴿وما تَوْفِيقِي إلّا بِاللَّهِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (أُرِيدُ)

صفحة ١٤٦

والتَّوْفِيقُ: جَعْلُ الشَّيْءِ وفْقًا لِآخَرَ، أيْ طِبْقًا لَهُ، ولِذَلِكَ عَرَّفُوهُ بِأنَّهُ خَلْقُ القُدْرَةِ الدّاعِيَةِ إلى الطّاعَةِ.

جُمْلَةُ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنِ اسْمِ الجَلالَةِ، أوْ مِن ياءِ المُتَكَلِّمِ في قَوْلِهِ: تَوْفِيقِي لِأنَّ المُضافَ هُنا كالجُزْءِ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ فَيُسَوِّغُ مَجِيءَ الحالِ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ.

والتَّوَكُّلُ مَضى عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَإذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

والإنابَةُ تَقَدَّمَتْ آنِفًا في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أوّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: ٧٥] .

11:89–90Page 232

وَيَٰقَوۡمِ لَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شِقَاقِيٓ أَن يُصِيبَكُم مِّثۡلُ مَآ أَصَابَ قَوۡمَ نُوحٍ أَوۡ قَوۡمَ هُودٍ أَوۡ قَوۡمَ صَٰلِحٖۚ وَمَا قَوۡمُ لُوطٖ مِّنكُم بِبَعِيدٖ ٨٩

And O my people, let not [your] dissension from me cause you to be struck by that similar to what struck the people of Noah or the people of Hūd or the people of Ṣāliḥ. And the people of Lot are not from you far away.

وَٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِۚ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٞ وَدُودٞ ٩٠

And ask forgiveness of your Lord and then repent to Him. Indeed, my Lord is Merciful and Affectionate."

﴿ويا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكم شِقاقِيَ أنْ يُصِيبَكم مِثْلَ ما أصابَ قَوْمَ نُوحٍ أوْ قَوْمَ هُودٍ أوْ قَوْمَ صالِحٍ وما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ﴾ ﴿واسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ إنَّ رَبِّي رَحِيمٌ ودُودٌ﴾

تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى النُّكْتَةِ في إعادَةِ النِّداءِ في الكَلامِ الواحِدِ لِمُخاطَبٍ مُتَّحِدٍ قَرِيبًا.

وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ﴿لا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ أنْ صَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ أنْ تَعْتَدُوا﴾ [المائدة: ٢] في أوَّلِ العُقُودِ، أيْ لا يَكْسِبَنَّكم.

والشِّقاقُ: مَصْدَرٌ شاقَّهُ إذا عاداهُ. وقَدْ مَضَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [الأنفال: ١٣] في أوَّلِ الأنْفالِ.

والمَعْنى: لا تَجُرُّ إلَيْكم عَداوَتُكم إيّايَ إصابَتَكم بِمِثْلِ ما أصابَ قَوْمَ نُوحٍ إلى آخِرِهِ، فالكَلامُ في ظاهِرِهِ أنَّهُ يَنْهى الشِّقاقَ أنْ يُجَرَّ إلَيْهِمْ ذَلِكَ. والمَقْصُودُ

صفحة ١٤٧

نَهْيُهم عَنْ أنْ يَجْعَلُوا الشِّقاقَ سَبَبًا لِلْإعْراضِ عَنِ النَّظَرِ في دَعْوَتِهِ، فَيُوقِعُوا أنْفُسَهم في أنْ يُصِيبَهم عَذابٌ مِثْلَ ما أصابَ الأُمَمَ قَبْلَهم فَيَحْسَبُوا أنَّهم يَمْكُرُونَ بِهِ بِإعْراضِهِمْ وما يَمْكُرُونَ إلّا بِأنْفُسِهِمْ.

ولَقَدْ كانَ فَضْحُ سُوءِ نَواياهُمُ الدّاعِيَةِ لَهم إلى الإعْراضِ عَنْ دَعْوَتِهِ عَقِبَ إظْهارِ حُسْنِ نِيَّتِهِ مِمّا دَعاهم إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ إنْ أُرِيدُ إلّا الإصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ﴾ [هود: ٨٨] مُصادِفًا مَحَزَّ جَوْدَةِ الخَطابَةِ إذْ رَماهم بِأنَّهم يَعْمَلُونَ بِضِدِّ ما يُعامِلُهم بِهِ.

وجُمْلَةُ ﴿وما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ النَّصْبِ في قَوْلِهِ: أنْ يُصِيبَكُمُ والواوُ رابِطَةُ الجُمْلَةِ. ولِمَعْنى الحالِ هُنا مَزِيدُ مُناسَبَةٍ لِمَضْمُونِ جُمْلَتِها إذِ اعْتُبِرَ قُرْبُ زَمانِهِمْ بِالمُخاطِبِينَ كَأنَّهُ حالَةٌ مِن أحْوالِ المُخاطَبِينَ.

والمُرادُ بِالبُعْدِ بُعْدُ الزَّمَنِ والمَكانِ والنَّسَبِ، فَزَمَنُ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - غَيْرُ بَعِيدٍ في زَمَنِ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، والدِّيارُ قَرِيبَةٌ مِن دِيارِهِمْ، إذْ مَنازِلُ مَدْيَنَ عِنْدَ عَقَبَةِ أيْلَةَ مُجاوِرَةٌ مَعانٍ مِمّا يَلِي الحِجازَ، ودِيارُ قَوْمِ لُوطٍ بِناحِيَةٍ الأُرْدُنِّ إلى البَحْرِ المَيِّتِ وكانَ مَدْيَنُ بْنُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَّلامُ وهو جَدُّ القَبِيلَةِ المُسَمّاةِ بِاسْمِهِ، مُتَزَوِّجًا بِابْنَةِ لُوطٍ.

وجُمْلَةُ ﴿واسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿لا يَجْرِمَنَّكم شِقاقِي﴾ .

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رَبِّي رَحِيمٌ ودُودٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِاسْتِغْفارِهِ والتَّوْبَةِ إلَيْهِ، وهو تَعْلِيلٌ لِما يَقْتَضِيهِ الأمْرُ مِن رَجاءِ العَفْوِ عَنْهم إذا اسْتَغْفَرُوا وتابُوا.

وتَفَنَّنَ في إضافَةِ الرَّبِّ إلى ضَمِيرِ نَفْسِهِ مَرَّةً وإلى ضَمِيرِ قَوْمِهِ أُخْرى لِتَذْكِيرِهِمْ بِأنَّهُ رَبُّهم كَيْلا يَسْتَمِرُّوا عَلى الإعْراضِ ولِلتَّشَرُّفِ بِانْتِسابِهِ إلى مَخْلُوقِيَّتِهِ.

والرَّحِيمُ تَقَدَّمَ.

صفحة ١٤٨

والوَدُودُ: مِثالُ مُبالَغَةٍ مِنَ الوُدِّ وهو المَحَبَّةُ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ودُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا﴾ [النساء: ٨٩] في سُورَةِ النِّساءِ. والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ المَحَبَّةِ لِمَن يَتَقَرَّبُ إلَيْهِ بِالتَّوْبَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском