Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
النصر
An-Nasr
The Divine Support · Medinan · 3 ayahs
110:1–2Page 603
إِذَا جَآءَ نَصۡرُ ٱللَّهِ وَٱلۡفَتۡحُ ١
When the victory of Allāh has come and the conquest,1
وَرَأَيۡتَ ٱلنَّاسَ يَدۡخُلُونَ فِي دِينِ ٱللَّهِ أَفۡوَاجٗا ٢
And you see the people entering into the religion of Allāh in multitudes,
صفحة ٥٩٠
﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ ﴿ورَأيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر: ٣] .
(إذا) اسْمُ زَمانٍ مُبْهَمٌ يَتَعَيَّنُ مِقْدارُهُ بِمَضْمُونِ جُمْلَةٍ يُضافُ إلَيْها هو. فَـ (إذا) اسْمُ زَمانٍ مُطْلَقٌ، فَقَدْ يُسْتَعْمَلُ لِلزَّمَنِ المُسْتَقْبَلِ غالِبًا. ولِذَلِكَ يُضَمَّنُ مَعْنى الشَّرْطِ غالِبًا، ويَكُونُ الفِعْلُ الَّذِي تُضافُ إلَيْهِ بِصِيغَةِ الماضِي غالِبًا لِإفادَةِ التَّحَقُّقِ، وقَدْ يَكُونُ مُضارِعًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٩] .
ويُسْتَعْمَلُ في الزَّمَنِ الماضِي وحِينَئِذٍ يَتَعَيَّنُ أنْ تَقَعَ الجُمْلَةُ بَعْدَهُ بِصِيغَةِ الماضِي، ولا تُضَمَّنُ (إذا) مَعْنى الشَّرْطِ حِينَئِذٍ، وإنَّما هي لِمُجَرَّدِ الإخْبارِ دُونَ قَصْدِ تَعْلِيقٍ نَحْوَ ﴿وإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها﴾ [الجمعة: ١١] .
و(إذا) هُنا مُضَمَّنَةٌ الشَّرْطَ لا مَحالَةَ لِوُجُودِ الفاءِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [النصر: ٣] وقَضِيَّةُ الِاسْتِقْبالِ وعَدَمِهِ تَقَدَّمَتْ.
والنَّصْرُ: الإعانَةُ عَلى العَدُوِّ. ونَصْرُ اللَّهِ يَعْقُبُهُ التَّغَلُّبُ عَلى العَدُوِّ. والفَتْحُ: امْتِلاكُ بَلَدِ العَدُوِّ وأرْضِهِ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ بِفَتْحِ بابِ البَلَدِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ فَإذا دَخَلْتُمُوهُ فَإنَّكم غالِبُونَ﴾ [المائدة: ٢٣]، ويَكُونُ بِاقْتِحامِ ثُغُورِ الأرْضِ ومَحارِسِها فَقَدْ كانُوا يَنْزِلُونَ بِالأرَضِينَ الَّتِي لَها شِعابٌ وثُغُورٌ، قالَ لَبِيَدٌ:
وأجَنَّ عَوْراتِ الثُّغُورِ ظَلامُها
وقَدْ فَتَحَ المُسْلِمُونَ خَيْبَرَ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ فَتَعَيَّنَ أنَّ الفَتْحَ المَذْكُورَ فِيها فَتْحٌ آخَرُ وهو فَتْحُ مَكَّةَ كَما يُشْعِرُ بِهِ التَّعْرِيفُ بِلامِ العَهْدِ، وهو المَعْهُودُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١] ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ ويُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ويَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح: ٢] ﴿ويَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ [الفتح: ٣] .
فَإضافَةُ (نَصْرٍ) إلى (اللَّهِ) تُشْعِرُ بِتَعْظِيمِ هَذا النَّصْرِ، وأنَّهُ نَصْرٌ عَزِيزٌ خارِقٌ لِلْعادَةِ اعْتَنى اللَّهُ بِإيجادِ أسْبابِهِ ولَمْ تَجْرِ عَلى مُتَعارَفِ تَوَلُّدِ الحَوادِثِ عَنْ أمْثالِها. و(جاءَ) مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى: حَصَلَ وتَحَقَّقَ مَجازًا.
صفحة ٥٩١
والتَّعْرِيفُ في (الفَتْحِ) لِلْعَهْدِ وقَدْ وعَدَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ بِهِ غَيْرَ مَرَّةٍ مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ [القصص: ٨٥] وقَوْلُهُ: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكم ومُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ٢٧] . وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، وذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ سُورَةِ إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ عَلى جَمِيعِ الأقْوالِ.
وقَدِ اتَّفَقَتْ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ مِنَ السَّلَفِ فَمَن بَعْدَهم عَلى أنَّ الفَتْحَ المَذْكُورَ في هَذِهِ السُّورَةِ هو فَتْحُ مَكَّةَ إلّا رِوايَةً عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هو فَتْحُ المَدائِنِ والقُصُورِ، يَعْنِي: الحُصُونَ. وقَدْ كانَ فَتْحُ مَكَّةَ يُخالِجُ نُفُوسَ العَرَبِ كُلِّهِمْ، فالمُسْلِمُونَ كانُوا يَرْجُونَهُ ويَعْلَمُونَ ما أشارَ بِهِ القُرْآنُ مِنَ الوَعْدِ، وأهْلُ مَكَّةَ يَتَوَقَّعُونَهُ وبَقِيَّةُ العَرَبِ يَنْتَظِرُونَ ماذا يَكُونُ الحالُ بَيْنَ أهْلِ مَكَّةَ وبَيْنَ النَّبِيءِ ﷺ ويَتَلَوَّمُونَ بِدُخُولِهِمْ في الإسْلامِ فَتْحَ مَكَّةَ يَقُولُونَ: إنْ ظَهَرَ مُحَمَّدٌ عَلى قَوْمِهِ فَهو نَبِيٌّ. وتَكَرَّرَ أنْ صَدَّ بَعْضُهم بَعْضًا مِمَّنْ يُرِيدُ اتِّباعَ الإسْلامِ، عَنِ الدُّخُولِ فِيهِ وإنْظارُهُ إلى ما سَيَظْهَرُ مِن غَلَبِ الإسْلامِ أوْ غَلَبِ الشِّرْكِ.
أخْرَجَ البُخارِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ قالَ: ”لَمّا كانَ الفَتْحُ بادَرَ كُلُّ قَوْمٍ بِإسْلامِهِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وكانَتِ الأحْياءُ تَتَلَوَّمُ بِإسْلامِها فَتْحَ مَكَّةَ، فَيَقُولُونَ: دَعُوهُ وقَوْمَهُ، فَإنْ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ فَهو نَبِيءٌ“ .
وعَنِ الحَسَنِ: لَمّا فُتِحَتْ مَكَّةُ أقْبَلَتِ العَرَبُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ فَقالُوا: أمّا إذْ ظَفِرَ بِأهْلِ الحَرَمِ، فَلَيْسَ لَنا بِهِ يَدانِ، فَكانُوا يَدْخُلُونَ في الإسْلامِ أفْواجًا. فَعَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ في أنَّ الفَتْحَ هو فَتْحُ مَكَّةَ، يَسْتَقِيمُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ السُّورَةُ نَزَلَتْ بَعْدَ فَتْحِ خَيْبَرَ وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ في وقْتِ نُزُولِها.
ويُحْتَمَلُ عَلى قَوْلِ القائِلِينَ بِأنَّها نَزَلَتْ عَقِبَ غَزْوَةِ حُنَيْنٍ أنْ يَكُونَ الفَتْحُ قَدْ مَضى ويَكُونَ التَّعْلِيقُ عَلى مَجْمُوعِ فَتْحِ مَكَّةَ ومَجِيءِ نَصْرٍ مِنَ اللَّهِ آخَرَ ودُخُولِ النّاسِ في الإسْلامِ، وذَلِكَ بِما فَتَحَ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ ودُخُولِ العَرَبِ كُلِّهِمْ في الإسْلامِ سَنَةَ الوُفُودِ.
وعَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ (أنَّها نَزَلَتْ في حِجَّةِ الوَداعِ) يَكُونُ تَعْلِيقُ جُمْلَةِ (﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [النصر: ٣]) عَلى الشَّرْطِ الماضِي مُرادًا بِهِ التَّذْكِيرُ بِأنَّهُ حَصَلَ، أيْ: إذا
صفحة ٥٩٢
تَحَقَّقَ ما وعَدْناكَ بِهِ مِنَ النَّصْرِ والفَتْحِ وعُمُومِ الإسْلامِ بِلادَ العَرَبِ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ، وهو مُرادُ مَن قالَ مِنَ المُفَسِّرِينَ (إذا) بِمَعْنى (قَدْ)، فَهو تَفْسِيرٌ حاصِلُ المَعْنى، ولَيْسَتْ (إذا) مِمّا يَأْتِي بِمَعْنى (قَدْ) .
والرُّؤْيَةُ في قَوْلِهِ: ﴿ورَأيْتَ النّاسَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ عِلْمِيَّةً، أيْ: وعَلِمْتَ عِلْمَ اليَقِينِ أنَّ النّاسَ يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا وذَلِكَ بِالأخْبارِ الوارِدَةِ مِن آفاقِ بِلادِ العَرَبِ ومَواطِنِ قَبائِلِهِمْ وبِمَن يَحْضُرُ مِن وُفُودِهِمْ. فَيَكُونُ جُمْلَةُ (يَدْخُلُونَ) في مَحَلِّ المَفْعُولِ الثّانِي لِـ (رَأيْتَ) .
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ رُؤْيَةً بَصَرِيَّةً بِأنْ رَأى أفْواجَ وُفُودِ العَرَبِ يَرِدُونَ إلى المَدِينَةِ يَدْخُلُونَ في الإسْلامِ وذَلِكَ سَنَةَ تِسْعٍ، وقَدْ رَأى النَّبِيءُ ﷺ بِبَصَرِهِ ما عَلِمَ مِنهُ دُخُولَهم كُلِّهِمْ في الإسْلامِ بِمَن حَضَرَ مَعَهُ المَوْقِفَ في حِجَّةِ الوَداعِ، فَقَدْ كانُوا مِائَةَ ألْفٍ مِن مُخْتَلَفِ قَبائِلِ العَرَبِ فَتَكُونُ جُمْلَةُ (يَدْخُلُونَ) في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ النّاسِ.
ودِينِ اللَّهِ هو الإسْلامُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] وقَوْلِهِ: ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ [الروم: ٣٠] .
والدُّخُولُ في الدِّينِ: مُسْتَعارٌ لِلنُّطْقِ بِكَلِمَةِ الشَّهادَةِ والتِزامِ أحْكامِ الدِّينِ النّاشِئَةِ عَنْ تِلْكَ الشَّهادَةِ. فَشُبِّهَ الدِّينُ بِبَيْتٍ أوْ حَظِيرَةٍ عَلى طَرِيقَةِ المَكْنِيَّةِ ورَمَزَ إلَيْهِ بِما هو مِن لَوازِمِ المُشَبَّهِ بِهِ وهو الدُّخُولُ عَلى تَشْبِيهِ التَّلَبُّسِ بِالدِّينِ بِتَلَبُّسِ المَظْرُوفِ بِالظَّرْفِ، فَفِيهِ اسْتِعارَةٌ أُخْرى تَصْرِيحِيَّةٌ.
والنّاسُ: اسْمُ جَمْعٍ يَدُلُّ عَلى جَماعَةٍ مِنَ الآدَمِيِّينَ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وإذا عُرِّفَ اسْمُ ناسٍ بِاللّامِ احْتَمَلَتِ العَهْدَ نَحْوَ ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، واحْتَمَلَتِ الجِنْسَ نَحْوَ ﴿إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] واحْتَمَلَتْ الِاسْتِغْراقَ نَحْوَ ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ ونَحْوَ ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ﴾ [الناس: ١] .
والتَّعْرِيفُ في هَذِهِ الآيَةِ لِلِاسْتِغْراقِ العُرْفِيِّ، أيْ: جَمِيعَ النّاسِ الَّذِينَ يَخْطُرُونَ بِالبالِ لِعَدَمِ إرادَةِ مَعْهُودِينَ مُعَيَّنِينَ ولِاسْتِحالَةِ دُخُولِ كُلِّ إنْسانٍ في دِينِ اللَّهِ بِدَلِيلِ
صفحة ٥٩٣
المُشاهَدَةِ، فالمَعْنى: ورَأيْتَ ناسًا كَثِيرِينَ أوْ رَأيْتَ العَرَبَ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قالَ أبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البَرِّ النَّمَرِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في كِتابِ الِاسْتِيعابِ في بابِ خِراشٍ الهُذَلِيِّ: ”لَمْ يَمُتْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وفي العَرَبِ رَجُلٌ كافِرٌ، بَلْ دَخَلَ الكُلُّ في الإسْلامِ بَعْدَ حُنَيْنٍ والطّائِفِ، مِنهم مَن قَدِمَ ومِنهم مَن قَدِمَ وافِدُهُ“ اهـ. وإنَّما يُرادُ عَرَبُ الحِجازِ ونَجْدٍ واليَمَنِ؛ لِأنَّ مِن عَرَبِ الشّامِ والعِراقِ مَن لَمْ يَدْخُلُوا في الإسْلامِ، وهم تَغْلَبُ وغَسّانُ في مَشارِفِ الشّامِ، وكَذَلِكَ لَخْمٍ وكَلْبٍ مِنَ العِراقِ، فَهَؤُلاءِ كانُوا نَصارى ولَمْ يُسْلِمْ مَن أسْلَمَ مِنهم إلّا بَعْدَ فَتْحِ الشّامِ والعِراقِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَرَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ رُؤْيَةً بَصَرِيَّةً.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ أعْلَمَهُ بِذَلِكَ إنْ جَعَلْنا الرُّؤْيَةَ عِلْمِيَّةً.
والأفْواجُ: جَمْعُ فَوْجٍ وهو الجَماعَةُ الكَثِيرَةُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ [ص: ٥٩] في سُورَةِ ص، أيْ: يَدْخُلُونَ في الإسْلامِ، وانْتَصَبَ (أفْواجًا) عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ (يَدْخُلُونَ) .
وجُمْلَةُ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [النصر: ٣] جَوابُ (إذا) بِاعْتِبارِ ما تَضَمَّنَتْهُ مِن مَعْنى الشَّرْطِ، وفِعْلُ (فَسَبِّحَ) هو العامِلُ في (إذا) النَّصْبَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، والفاءُ رابِطَةٌ لِلْجَوابِ؛ لِأنَّهُ فِعْلُ إنْشاءٍ.
وقَرَنَ التَّسْبِيحَ بِالحَمْدِ بِباءِ المُصاحَبَةِ المُقْتَضِيَةِ أنَّ التَّسْبِيحَ لاحِقٌ لِلْحَمْدِ؛ لِأنَّ باءَ المُصاحَبَةِ بِمَعْنى (مَعَ) فَهي مِثْلَ (مَعَ) في أنَّها تَدْخُلُ عَلى المَتْبُوعِ، فَكانَ حَمْدُ اللَّهِ عَلى حُصُولِ النَّصْرِ والفَتْحِ ودُخُولِ النّاسِ في الإسْلامِ شَيْئًا مَفْرُوغًا مِنهُ لا يَحْتاجُ إلى الأمْرِ بِإيقاعِهِ؛ لِأنَّ شَأْنَ الرَّسُولِ ﷺ أنَّهُ قَدْ فَعَلَهُ، وإنَّما يَحْتاجُ إلى تَذْكِيرِهِ بِتَسْبِيحٍ خاصٍّ لَمْ يَحْصُلْ مِن قَبْلُ في تَسْبِيحاتِهِ وبِاسْتِغْفارٍ خاصٍّ لَمْ يَحْصُلْ مِن قَبْلُ في اسْتِغْفارِهِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّسْبِيحُ المَأْمُورُ بِهِ تَسْبِيحَ ابْتِهاجٍ وتَعَجُّبٍ مِن تَيْسِيرِ اللَّهِ تَعالى لَهُ ما لا يَخْطُرُ بِبالِ أحَدٍ أنْ يَتِمَّ لَهُ ذَلِكَ، فَإنَّ سُبْحانَ اللَّهَ ونَحْوَهُ يُسْتَعْمَلُ في التَّعَجُّبِ كَقَوْلِ الأعْشى:
صفحة ٥٩٤
قَدْ قُلْتُ لَمّا جاءَنِي فَخْرُهُ ∗∗∗ سُبْحانَ مِن عَلْقَمَةَ الفاخِرِ
وفِي تَقْدِيمِ الأمْرِ بِالتَّسْبِيحِ والحَمْدِ عَلى الأمْرِ بِالِاسْتِغْفارِ تَمْهِيدٌ لِإجابَةِ اسْتِغْفارِهِ عَلى عادَةِ العَرَبِ في تَقْدِيمِ الثَّناءِ قَبْلَ سُؤالِ الحاجَةِ كَما قالَ ابْنُ أبِي الصَّلْتِ:
إذا أثْنى عَلَيْكَ المَرْءُ يَوْمًا ∗∗∗ كَفاهُ عَنْ تَعَرُّضِهِ الثَّناءُ
فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَخْلُو عَنْ تَسْبِيحِ اللَّهِ، فَأُرِيدَ تَسْبِيحٌ يُقارِنُ الحَمْدَ عَلى ما أُعْطِيَهُ مِنَ النَّصْرِ والفَتْحِ ودُخُولِ الأُمَّةِ في الإسْلامِ.
وعَطْفُ الأمْرِ بِاسْتِغْفارِ اللَّهِ تَعالى عَلى الأمْرِ بِالتَّسْبِيحِ مَعَ الحَمْدِ يَقْتَضِي أنَّهُ مِن حَيِّزِ جَوابِ (إذا)، وأنَّهُ اسْتِغْفارٌ يَحْصُلُ مَعَ الحَمْدِ مِثْلَ ما قُرِّرَ في ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [النصر: ٣]، فَيَدُلُّ عَلى أنَّهُ اسْتِغْفارٌ خاصٌّ؛ لِأنَّ الِاسْتِغْفارَ الَّذِي يَعُمُّ طَلَبَ غُفْرانِ التَّقْصِيرِ ونَحْوَهُ مَأْمُورٌ بِهِ مِن قَبْلُ وهو مِن شَأْنِ النَّبِيءِ ﷺ فَقَدْ قالَ: («إنَّهُ لَيُغانُ عَلى قَلْبِي فَأسْتَغْفِرُ اللَّهَ في اليَوْمِ واللَّيْلَةِ مِائَةَ مَرَّةٍ» ) فَكانَ تَعْلِيقُ الأمْرِ بِالتَّسْبِيحِ وبِالِاسْتِغْفارِ عَلى حُصُولِ النَّصْرِ والفَتْحِ إيماءً إلى تَسْبِيحٍ واسْتِغْفارٍ يَحْصُلُ بِهِما تَقَرُّبٌ لَمْ يُنْوَ مِن قَبْلُ، وهو التَّهَيُّؤُ لِلِقاءِ اللَّهِ، وأنَّ حَياتَهُ الدُّنْيَوِيَّةَ أوْشَكَتْ عَلى الِانْتِهاءِ، وانْتِهاءُ أعْمالِ الطّاعاتِ والقُرُباتِ الَّتِي تَزِيدُ النَّبِيءَ ﷺ في رَفْعِ دَرَجاتِهِ عِنْدَ رَبِّهِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَسْألَ رَبَّهُ التَّجاوُزَ عَمّا يَعْرِضُ لَهُ مِنِ اشْتِغالٍ بِبَعْضِ الحُظُوظِ الضَّرُورِيَّةِ لِلْحَياةِ، أوْ مِنِ اشْتِغالٍ بِمُهِمٍّ مِن أحْوالِ الأُمَّةِ يَفُوتُهُ بِسَبَبِهِ أمْرٌ آخَرُ هو أهَمُّ مِنهُ، مِثْلَ فِداءِ أسْرى بَدْرٍ مَعَ فَواتِ مَصْلَحَةِ اسْتِئْصالِهِمْ الَّذِي هو أصْلَحُ لِلْأُمَّةِ، فَعُوتِبَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى﴾ [الأنفال: ٦٧] الآيَةَ، أوْ مِن ضَرُوراتِ الإنْسانِ كالنَّوْمِ والطَّعامِ الَّتِي تُنْقِصُ مِن حالَةِ شَبَهِهِ بِالمَلائِكَةِ الَّذِينَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ، فَكانَ هَذا إيذانًا بِاقْتِرابِ وفاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِانْتِقالِهِ مِن حَياةٍ تَحْمِلُ أعْباءَ الرِّسالَةِ إلى حَياةٍ أبَدِيَّةٍ في العُلْوِيّاتِ المَلَكِيَّةِ.
والكَلامُ مِن قَبِيلِ الكِنايَةِ الرَّمْزِيَّةِ وهي لا تُنافِي إرادَةَ المَعْنى الصَّرِيحِ بِأنْ يُحْمَلَ الأمْرُ بِالتَّسْبِيحِ والِاسْتِغْفارِ عَلى مَعْنى الإكْثارِ مِن قَوْلِ ذَلِكَ، وقَدْ دَلَّ ذَوْقُ الكَلامِ بَعْضَ ذَوِي الأفْهامِ النّافِذَةِ مِنَ الصَّحابَةِ عَلى هَذا المَعْنى وغاصَتْ عَلَيْهِ مِثْلَ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ والعَبّاسِ وابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ وابْنِ مَسْعُودٍ، فَعَنْ مُقاتِلٍ: («لَمّا نَزَلَتْ قَرَأها
صفحة ٥٩٥
النَّبِيءُ ﷺ عَلى أصْحابِهِ فَفَرِحُوا واسْتَبْشَرُوا وبَكى العَبّاسُ، فَقالَ لَهُ النَّبِيءُ ﷺ: ما يُبْكِيكَ يا عَمُّ ؟ قالَ: نُعِيَتْ إلَيْكَ نَفْسُكَ. فَقالَ: إنَّهُ لَكَما تَقُولُ» .) وفي رِوايَةٍ: «نَزَلَتْ في مِنًى فَبَكى عُمَرُ والعَبّاسُ فَقِيلَ لَهُما، فَقالا: فِيهِ نُعِيَ رَسُولُ اللَّهِ، فَقالَ النَّبِيءُ ﷺ: صَدَقْتُما نُعِيَتْ إلَيَّ نَفْسِي» .
وفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ: كانَ عُمَرُ يَأْذَنُ لِأهْلِ بَدْرٍ ويَأْذَنُ لِي مَعَهم، فَوَجَدَ بَعْضُهم مِن ذَلِكَ، فَقالَ لَهم عُمَرُ: إنَّهُ مَن قَدْ عَلِمْتُمْ. قالَ: فَأذِنَ لَهم ذاتَ يَوْمٍ وأذِنَ لِي مَعَهم، فَسَألَهم عَنْ هَذِهِ السُّورَةِ ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ فَقالُوا: أمَرَ اللَّهُ نَبِيئَهُ إذا فَتَحَ عَلَيْهِ أنْ يَسْتَغْفِرَهُ ويَتُوبَ إلَيْهِ فَقالَ: ما تَقُوُلُ يا ابْنَ عَبّاسٍ ؟ قُلْتُ: لَيْسَ كَذَلِكَ، ولَكِنْ أخْبَرَ اللَّهُ نَبِيئَهُ حُضُورَ أجَلِهِ فَقالَ: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ فَذَلِكَ عَلامَةُ مَوْتِكَ، فَقالَ عُمَرُ: ما أعْلَمُ مِنها إلّا ما تَقُولُ. فَهَذا فَهْمُ عُمَرَ والعَبّاسِ وعَبْدِ اللَّهِ ابْنِهِ.
وقالَ في الكَشّافِ: رُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: «إنَّ عَبْدًا خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ الدُّنْيا وبَيْنَ ما عِنْدَ اللَّهِ فاخْتارَ ما عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. فَعَلِمَ أبُو بَكْرٍ فَقالَ: فَدَيْناكَ بِأنْفُسِنا وأمْوالِنا وآبائِنا وأوْلادِنا» اهـ.
قالَ ابْنُ حَجَرٍ في تَخْرِيجِ أحادِيثِ الكَشّافِ: ”الحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ إلّا صَدْرَهُ دُونَ أوَّلِهِ مِن كَوْنِهِ كانَ عِنْدَ نُزُولِ السُّورَةِ“ اهـ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بُكاءُ أبِي بَكْرٍ تَكَرَّرَ مَرَّتَيْنِ أُولاهُما عِنْدَ نُزُولِ سُورَةِ النَّصْرِ كَما في رِوايَةِ الكَشّافِ والثّانِيَةُ عِنْدَ خُطْبَةِ النَّبِيءِ ﷺ في مَرَضِهِ.
وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ تُسَمّى سُورَةَ التَّوْدِيعِ أيْ: لِأنَّهم عَلِمُوا أنَّها إيذانٌ بِقُرْبِ وفاةِ الرَّسُولِ ﷺ .
وتَقْدِيمُ التَّسْبِيحِ والحَمْدِ عَلى الِاسْتِغْفارِ؛ لِأنَّ التَّسْبِيحَ راجِعٌ إلى وصْفِ اللَّهِ تَعالى بِالتَّنَزُّهِ عَنِ النَّقْصِ وهو يَجْمَعُ صِفاتِ السَّلْبِ، فالتَّسْبِيحُ مُتَمَحِّضٌ لِجانِبِ اللَّهِ تَعالى، ولِأنَّ الحَمْدَ ثَناءٌ عَلى اللَّهِ لِإنْعامِهِ، وهو أداءُ العَبْدِ ما يَجِبُ عَلَيْهِ لِشُكْرِ المُنْعِمِ، فَهو مُسْتَلْزِمٌ إثْباتَ صِفاتِ الكَمالِ لِلَّهِ الَّتِي هي مَنشَأُ إنْعامِهِ عَلى عَبْدِهِ، فَهو جامِعٌ بَيْنَ جانِبِ اللَّهِ وحَظِّ العَبْدِ، وأمّا الِاسْتِغْفارُ فَهو حَظٌّ لِلْعَبْدِ وحْدَهُ؛ لِأنَّهُ طَلَبُهُ اللَّهَ أنْ يَعْفُوَ عَمّا يُؤاخِذُهُ عَلَيْهِ.
صفحة ٥٩٦
ومُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يَقُولَ: فَسَبِّحَ بِحَمْدِهِ، لِتَقَدُّمِ اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ فَعَدَلَ عَلى الضَّمِيرِ إلى الِاسْمِ الظّاهِرِ وهو رَبُّكَ لِما في صِفَةِ (رَبِّ) وإضافَتِها إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِ مِنَ الإيماءِ إلى أنَّ مِن حِكْمَةِ ذَلِكَ النَّصْرِ والفَتْحِ ودُخُولِ النّاسِ في الإسْلامِ نِعْمَةً أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْهِ إذا حَصَلَ هَذا الخَيْرُ الجَلِيلُ بِواسِطَتِهِ، فَذَلِكَ تَكْرِيمٌ لَهُ وعِنايَةٌ بِهِ وهو شَأْنُ تَلَطُّفِ الرَّبِّ بِالمَرْبُوبِ؛ لِأنَّ مَعْناهُ السِّيادَةُ المَرْفُوقَةُ بِالرِّفْقِ والإبْلاغِ إلى الكَمالِ.
وقَدِ انْتَهى الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ (واسْتَغْفِرْهُ) وقَدْ رُوِيَ (أنَّ النَّبِيءَ ﷺ كانَ في قِراءَتِهِ يَقِفُ عِنْدَ ( واسْتَغْفِرْهُ) ثُمَّ يُكْمِلُ السُّورَةَ ) .
110:3Page 603
فَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ وَٱسۡتَغۡفِرۡهُۚ إِنَّهُۥ كَانَ تَوَّابَۢا ٣
Then exalt [Him] with praise of your Lord and ask forgiveness of Him. Indeed, He is ever Accepting of Repentance.1
﴿إنَّهُ كانَ تَوّابًا﴾
تَذْيِيلٌ لِلْكَلامِ السّابِقِ كُلِّهِ وتَعْلِيلٌ لِما يَقْتَضِي التَّعْلِيلَ فِيهِ مِنَ الأمْرِ بِاسْتِغْفارِ رَبِّهِ بِاعْتِبارِ الصَّرِيحِ مِنَ الكَلامِ السّابِقِ كَما سَيَتَبَيَّنُ لَكَ.
وتَوّابٌ: مِثالُ مُبالَغَةٍ مِن تابَ عَلَيْهِ. وفِعْلُ تابَ المُتَعَدِّي بِحَرْفِ (عَلى) يُطْلَقُ بِمَعْنى وُفِّقَ لِلتَّوْبَةِ، أثْبَتَهُ في اللِّسانِ والقامُوسِ، وهَذا الإطْلاقُ خاصٌّ بِما أُسْنِدَ إلى اللَّهِ.
وقَدِ اشْتَمَلَتِ الجُمْلَةُ عَلى أرْبَعِ مُؤَكِّداتٍ هي: إنَّ، وكانَ، وصِيغَةُ المُبالَغَةِ في التَّوّابِ، وتَنْوِينُ التَّعْظِيمِ فِيهِ.
وحَيْثُ كانَ التَّوْكِيدُ بِـ (إنَّ) هُنا غَيْرَ مَقْصُودٍ بِهِ رَدُّ إنْكارٍ ولا إزالَةُ تَرَدُّدٍ، إذْ لا يُفْرَضانِ في جانِبِ المُخاطَبِ ﷺ فَقَدْ تَمَحَّضَ (إنَّ) لِإفادَةِ الِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ بِتَأْكِيدِهِ. وقَدْ تَقَرَّرَ أنَّ مِن شَأْنِ (إنَّ) إذا جاءَتْ عَلى هَذا الوَجْهِ أنَّ تُغْنِيَ غَناءَ فاءِ التَّرْتِيبِ والتَّسَبُّبِ وتُفِيدُ التَّعْلِيلَ ورَبْطَ الكَلامِ بِما قَبْلَهُ كَما تُفِيدُهُ الفاءُ، وقَدْ تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ، مِنها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكَ أنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ، فالمَعْنى: هو شَدِيدُ القَبُولِ لِتَوْبَةِ عِبادِهِ كَثِيرٌ قَبُولُهُ إيّاها.
وإذْ قَدْ كانَ الكَلامُ تَذْيِيلًا وتَعْلِيلًا لِلْكَلامِ السّابِقِ تَعَيَّنَ أنَّ حَذْفَ مُتَعَلِّقِ (تَوّابًا) يُقَدَّرُ بِنَحْوِ: عَلى التّائِبِينَ. وهَذا المُقَدَّرُ مُرادٌ بِهِ العُمُومُ، وهو عُمُومٌ
صفحة ٥٩٧
مَخْصُوصٌ بِالمَشِيئَةِ تُخَصِّصُهُ أدِلَّةُ وصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ، ولَمّا ذُكِرَ دَلِيلُ العُمُومِ عَقِبَ أمْرِهِ بِالِاسْتِغْفارِ أفادَ أنَّهُ إذا اسْتَغْفَرَهُ غَفَرَ لَهُ، دَلالَةً تَقْتَضِيها مُسْتَتْبِعاتُ التَّراكِيبِ، فَأفادَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَعْلِيلَ الأمْرِ بِالِاسْتِغْفارِ؛ لِأنَّ الِاسْتِغْفارَ طَلَبُ الغَفْرِ، فالطّالِبُ يَتَرَقَّبُ إجابَةَ طَلَبِهِ، وأمّا ما في الجُمْلَةِ مِنَ الأمْرِ بِالتَّسْبِيحِ والحَمْدِ فَلا يَحْتاجُ إلى تَعْلِيلٍ؛ لِأنَّهُما إنْشاءُ تَنْزِيهٍ وثَناءٍ عَلى اللَّهِ.
ومِن وراءِ ذَلِكَ أفادَتِ الجُمْلَةُ إشارَةً إلى وعْدٍ بِحُسْنِ القَبُولِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى حِينَما يَقْدُمُ عَلى العالَمِ القُدْسِيِّ، وهَذا مَعْنًى كِنائِيٌّ؛ لِأنَّ مَن عُرِفَ بِكَثْرَةِ قَبُولِ تَوْبَةِ التّائِبِينَ شَأْنُهُ أنْ يُكْرِمَ وِفادَةَ الوافِدِينَ الَّذِينَ سَعَوْا جُهُودَهم في مَرْضاتِهِ بِمُنْتَهى الِاسْتِطاعَةِ، أوْ هو مَجازٌ بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ العُرْفِيِّ؛ لِأنَّ مُنْتَهى ما يَخافُهُ الأحِبَّةُ عِنْدَ اللِّقاءِ مَرارَةُ العِتابِ، فالإخْبارُ بِأنَّهُ تَوّابٌ اقْتَضى أنَّهُ لا يَخافُ عِتابًا.
فَهَذِهِ الجُمْلَةُ بِمَدْلُولِها الصَّرِيحِ ومَدْلُولِها الكِنائِيِّ أوِ المَجازِيِّ ومُسْتَتْبِعاتُها تَعْلِيلٌ لِما تَضَمَّنَتْهُ الجُمْلَةُ الَّتِي قَبْلَها مِن مَعْنًى صَرِيحٍ أوْ كِنائِيٍّ يُناسِبُهُ التَّعْلِيلُ بِالتَّسْبِيحِ والحَمْدِ بِاعْتِبارِهِما تَمْهِيدًا لِلْأمْرِ بِالِاسْتِغْفارِ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا لا يَحْتاجانِ إلى التَّعْلِيلِ، أوْ يُغْنِي تَعْلِيلُ المُمَهَّدِ لَهُ بِهِما عَنْ تَعْلِيلِهِما، ولَكِنَّهُما بِاعْتِبارِ كَوْنِهِما رَمْزًا إلى مُداناةِ وفاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَكُونُ ما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ كانَ تَوّابًا﴾ مِنَ الوَعْدِ بِحُسْنِ القَبُولِ تَعْلِيلًا لِمَدْلُولِهِما الكِنائِيِّ، وأمّا الأمْرُ بِالِاسْتِغْفارِ فَمُناسَبَةُ التَّعْلِيلِ لَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ كانَ تَوّابًا﴾ ناهِضَةٌ بِاعْتِبارِ كِلْتا دَلالَتَيْهِ الصَّرِيحَةِ والكِنائِيَّةِ، أيْ أنَّهُ مُتَقَبِّلٌ اسْتِغْفارَكَ ومُتَقَبِّلُكَ بِأحْسَنِ قَبُولٍ، شَأْنَ مَن عَهِدَ مِنَ الصَّفْحِ والتَّكَرُّمِ.
وفِعْلُ كانَ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِ مَعْنى الِاتِّصافِ بِالوَصْفِ في الزَّمَنِ الماضِي، وهو أنَّ هَذا الوَصْفَ ذاتِيٌّ لَهُ لا يَتَخَلَّفُ مَعْمُولُهُ عَنْ عِبادِهِ فَقَدْ دَلَّ اسْتِقْراءُ القُرْآنِ عَلى إخْبارِ اللَّهِ عَنْ نَفْسِهِ بِذَلِكَ مِن مَبْدَأِ الخَلِيقَةِ قالَ تَعالى: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إنَّهُ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٣٧] .
ومُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ غَفّارًا، كَما في آيَةِ ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم إنَّهُ كانَ غَفّارًا﴾ [نوح: ١٠] فَيَجْرِي الوَصْفُ عَلى ما يُناسِبُ قَوْلَهُ (واسْتَغْفِرْهُ)، فَعُدِلَ عَنْ ذَلِكَ تَلَطُّفًا مَعَ النَّبِيءِ ﷺ بِأنَّ أمْرَهُ بِالِاسْتِغْفارِ لَيْسَ مُقْتَضِيًا إثْباتَ ذَنْبٍ لَهُ لِما عَلِمْتَ آنِفًا مِن أنَّ وصْفَ (تَوّابًا) جاءَ مِن تابَ عَلَيْهِ الَّذِي يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى وفَّقَهُ
صفحة ٥٩٨
لِلتَّوْبَةِ إيماءً إلى أنَّ أمْرَهُ بِالِاسْتِغْفارِ إرْشادٌ إلى مَقامِ التَّأدُّبِ مَعَ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّهُ لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ بِعِبادِهِ، لَوْلا تَفَضُّلُهُ بِما بَيَّنَ لَهم مِن مُرادِهِ، ولِأنَّ وصْفَ (تَوّابًا) أشَدُّ مُلائَمَةً لِإقامَةِ الفاصِلَةِ مَعَ فاصِلَةِ (أفْواجًا)؛ لِأنَّ حَرْفَ الجِيمِ وحَرْفَ الباءِ كِلَيْهِما حَرْفٌ مِنَ الحُرُوفِ المَوْصُوفَةِ بِالشِّدَّةِ، بِخِلافِ حَرْفِ الرّاءِ فَهو مِنَ الحُرُوفِ الَّتِي صِفَتُها بَيْنَ الشِّدَّةِ والرَّخْوَةِ.
ورُوِيَ في الصَّحِيحِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: (ما صَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلاةً بَعْدَ أنْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ [النصر: ١] إلّا يَقُولُ: سُبْحانَكَ رَبَّنا وبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، يَتَأوَّلُ القُرْآنَ) أيْ: يَتَأوَّلُ الأمْرُ في قَوْلِهِ: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ﴾ عَلى ظاهِرِهِ كَما تَأوَّلَهُ في مَقامٍ آخَرَ عَلى مَعْنى اقْتِرابِ أجَلِهِ ﷺ .
* * *
صفحة ٥٩٩
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ المَسَدِسُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في أكْثَرِ المَصاحِفِ (سُورَةَ تَبَّتْ) وكَذَلِكَ عَنْوَنَها التِّرْمِذِيُّ في جامِعِهِ وفي أكْثَرِ كُتُبِ التَّفْسِيرِ، تَسْمِيَةً لَها بِأوَّلِ كَلِمَةٍ فِيها.
وسُمِّيَتْ في بَعْضِ المَصاحِفِ وفي بَعْضِ التَّفاسِيرِ (سُورَةَ المَسَدِ) . واقْتَصَرَ في الإتْقانِ عَلى هَذَيْنِ.
وسَمّاها جَمْعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ (سُورَةَ أبِي لَهَبٍ) عَلى تَقْدِيرِ: سُورَةِ ذِكْرِ أبِي لَهَبٍ. وعَنْوَنَها أبُو حَيّانَ في تَفْسِيرِهِ (سُورَةَ اللَّهَبِ) ولَمْ أرَهُ لِغَيْرِهِ.
وعَنْوَنَها ابْنُ العَرَبِيِّ في أحْكامِ القُرْآنِ سُورَةَ ما كانَ مِن أبِي لَهَبٍ وهو عُنْوانٌ ولَيْسَ بِاسْمٍ.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ.
وعُدَّتِ السّادِسَةَ مِنَ السُّوَرِ نُزُولًا، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الفاتِحَةِ وقَبْلَ سُورَةِ التَّكْوِيرِ.
وعَدَدُ آيِها خَمْسٌ.
رُوِيَ أنَّ نُزُولَها كانَ في السَّنَةِ الرّابِعَةِ مِنَ البَعْثَةِ. وسَبَبُ نُزُولِها عَلى ما في الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «صَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذاتَ يَوْمٍ عَلى الصَّفا فَنادى (يا صَباحاهُ) - (كَلِمَةٌ يُنادى بِها لِلْإنْذارِ مِن عَدُوٍّ يُصَبِّحُ القَوْمَ) فاجْتَمَعَتْ إلَيْهِ قُرَيْشٌ، فَقالَ: إنِّي نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ، أرَأيْتُمْ لَوْ أنِّي أخْبَرْتُكم أنَّ العَدُوَّ مُمَسِّيكم أوْ مُصَبِّحُكم أكُنْتُمْ تُصَدِّقُونِي ؟ قالُوا: ما جَرَّبْنا عَلَيْكَ كَذِبًا، فَقالَ أبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ سائِرَ اليَوْمِ ألِهَذا جَمَعْتَنا ؟ فَنَزَلَتْ تَبَّتْ يَدا
صفحة ٦٠٠
أبِي لَهَبٍ» . ووَقَعَ في الصَّحِيحَيْنِ مِن رِوايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] ورَهْطَكَ مِنهُمُ المُخْلِصِينَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى صَعِدَ الصَّفا إلى آخِرَ الحَدِيثِ المُتَقَدِّمِ.
ومَعْلُومٌ أنَّ آيَةَ ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] مِن سُورَةِ الشُّعَراءِ وهي مُتَأخِّرَةُ النُّزُولِ عَنْ سُورَةِ تَبَّتْ، وتَأْوِيلُ ذَلِكَ أنَّ آيَةً تُشْبِهُ آيَةَ سُورَةِ الشُّعَراءِ نَزَلَتْ قَبْلَ سُورَةِ أبِي لَهَبٍ لِما رَواهُ أبُو أُسامَةَ يَبْلُغُ ابْنَ عَبّاسٍ لَمّا نَزَلَتْ (وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ وقَوْمَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ) (ولَمْ يَقُلْ مِن سُورَةِ الشُّعَراءِ) خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى صَعِدَ الصَّفا. فَتَعَيَّنَ أنَّ آيَةَ سُورَةِ الشُّعَراءِ تُشْبِهُ صَدْرَ الآيَةِ الَّتِي نَزَلَتْ قَبْلَ نُزُولِ سُورَةِ أبِي لَهَبٍ.
* * *
زَجْرُ أبِي لَهَبٍ عَلى قَوْلِهِ (تَبًّا لَكَ ألِهَذا جَمَعْتَنا ؟) ووَعِيدُهُ عَلى ذَلِكَ، ووَعِيدُ امْرَأتِهِ عَلى انْتِصارِها لِزَوْجِها، وبُغْضِها النَّبِيءَ ﷺ .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences