Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
الإخلاص
Al-Ikhlas
The Sincerity · Meccan · 4 ayahs
﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾
افْتِتاحُ هَذِهِ السُّورَةِ بِالأمْرِ بِالقَوْلِ لِإظْهارِ العِنايَةِ بِما بَعْدَ فِعْلِ القَوْلِ كَما عَلِمْتَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] .
ولِذَلِكَ الأمْرِ في هَذِهِ السُّورَةِ فائِدَةٌ أُخْرى، وهي أنَّها نَزَلَتْ عَلى سَبَبِ قَوْلِ المُشْرِكِينَ: انْسُبْ لَنا رَبَّكَ، فَكانَتْ جَوابًا عَنْ سُؤالِهِمْ فَلِذَلِكَ قِيلَ لَهُ (قُلْ) كَما قالَ تَعالى: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥] فَكانَ لِلْأمْرِ بِفِعْلِ (قُلْ) فائِدَتانِ.
وضَمِيرُ (هو) ضَمِيرُ الشَّأْنِ لِإفادَةِ الِاهْتِمامِ بِالجُمْلَةِ الَّتِي بَعْدَهُ، وإذا سَمِعَهُ الَّذِينَ سَألُوا تَطَلَّعُوا إلى ما بَعْدَهُ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (هو) أيْضًا عائِدًا إلى الرَّبِّ في سُؤالِ المُشْرِكِينَ حِينَ قالُوا: انْسُبْ لَنا رَبَّكَ.
ومِنَ العُلَماءِ مَن عَدَّ ضَمِيرَ (هو) في هَذِهِ السُّورَةِ اسْمًا مِن أسْماءِ اللَّهِ الحُسْنى، وهي طَرِيقَةٌ صُوفِيَّةٌ دَرَجَ عَلَيْها فَخْرُ الدِّينِ الرّازِيُّ في شَرْحِ الأسْماءِ الحُسْنى نَقَلَهُ
صفحة ٦١٣
ابْنُ عَرَفَةَ عَنْهُ في تَفْسِيرِهِ، وذَكَرَ الفَخْرُ ذَلِكَ في مَفاتِيحِ الغَيْبِ، ولا بُدَّ مِنَ المَزْجِ بَيْنَ كَلامَيْهِ.
وحاصِلُهُما قَوْلُهُ: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أسْماءٍ لِلَّهِ تَعالى تَنْبِيهًا عَلى ثَلاثَةِ مَقاماتٍ.
الأوَّلُ: مَقامُ السّابِقَيْنِ المُقَرَّبِينَ النّاظِرِينَ إلى حَقائِقِ الأشْياءِ مِن حَيْثُ هي هي، فَلا جَرَمَ ما رَأوْا مَوْجُودًا سِوى اللَّهِ؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي لِأجْلِهِ يَجِبُ وُجُودُهُ فَما سِوى اللَّهِ عِنْدَهم مَعْدُومٌ، فَقَوْلُهُ (هو) إشارَةٌ مُطْلَقَةٌ. ولَمّا كانَ المُشارُ إلَيْهِ مُعَيَّنًا انْصَرَفَ ذَلِكَ المُطْلَقُ إلى ذَلِكَ المُعَيَّنِ فَكانَ قَوْلُهُ (هو) إشارَةً مِن هَؤُلاءِ المُقَرَّبِينَ إلى اللَّهِ فَلَمْ يَفْتَقِرُوا في تِلْكَ الإشارَةِ إلى مُمَيِّزٍ، فَكانَتْ لَفْظَةُ (هو) كافِيَةً في حُصُولِ العِرْفانِ التّامِّ لِهَؤُلاءِ. المَقامُ الثّانِي مَقامُ أصْحابِ اليَمِينِ المُقْتَصِدِينَ فَهم شاهَدُوا الحَقَّ مَوْجُودًا وشاهَدُوا المُمْكَناتِ مَوْجُودَةً فَحَصَلَتْ كَثْرَةٌ في المَوْجُوداتِ فَلَمْ تَكُنْ لَفْظَةُ (هو) تامَّةَ الإفادَةِ في حَقِّهِمْ فافْتَقَرُوا مَعَها إلى مُمَيِّزٍ فَقِيلَ لِأجْلِهِمْ ﴿هُوَ اللَّهُ﴾ .
والمَقامُ الثّالِثُ مَقامُ أصْحابِ الشِّمالِ وهُمُ الَّذِينَ يُجَوِّزُونَ تَعَدُّدَ الآلِهَةِ فَقُرِنَ لَفْظُ (أحَدٍ) بِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ اللَّهُ﴾ إبْطالًا لِمَقالَتِهِمْ اهـ.
فاسْمُهُ تَعالى العَلَمُ ابْتُدِئَ بِهِ قَبْلَ إجْراءِ الأخْبارِ عَلَيْهِ لِيُكَوَنَ ذَلِكَ طَرِيقَ اسْتِحْضارِ صِفاتِهِ كُلِّها عِنْدَ التَّخاطُبِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ وعَدِّ المُحاجَّةِ بَيْنَهم وبَيْنَ المُشْرِكِينَ، فَإنَّ هَذا الِاسْمَ مَعْرُوفٌ عِنْدَ جَمِيعِ العَرَبِ، فَمُسَمّاهُ لا نِزاعَ في وُجُودِهِ، ولَكِنَّهم كانُوا يَصِفُونَهُ بِصِفاتٍ تَنَزَّهَ عَنْها.
أمّا (أحَدٌ) فاسْمٌ بِمَعْنى (واحِدٍ) . وأصْلُ هَمْزَتِهِ الواوُ، فَيُقالُ: وحَدٌ كَما يُقالُ أحَدٌ، قُلِبَتِ الواوُ هَمْزَةً عَلى غَيْرِ قِياسٍ لِأنَّها مَفْتُوحَةٌ (بِخِلافِ قَلْبِ واوِ وُجُوهٍ) ومَعْناهُ مُنْفَرِدٌ، قالَ النّابِغَةُ:
كَأنَّ رَحْلِي وقَدْ زالَ النَّهارُ بِنا بِذِي الجَلِيلِ عَلى مُسْتَأْنِسٍ وحَدِ
أيْ: كَأنِّي وضَعْتُ الرِّجْلَ عَلى ثَوْرِ وحْشٍ أحَسَّ بِإنْسِيٍّ وهو مُنْفَرِدٌ عَنْ قَطِيعِهِ.
وهُوَ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مِثْلَ حَسَنٍ، يُقالُ: وحُدَ مِثْلَ كَرُمَ، ووَحِدَ مِثْلَ فَرِحَ.
صفحة ٦١٤
وصِيغَةُ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ تُفِيدُ تَمَكُّنَ الوَصْفِ في مَوْصُوفِها بِأنَّهُ ذاتِيٌّ لَهُ، فَلِذَلِكَ أُوثِرَ (أحَدٌ) هُنا عَلى (واحِدٍ)؛ لِأنَّ (واحِدًا) اسْمُ فاعِلٍ لا يُفِيدُ التَّمَكُّنَ. فَـ (واحِدٌ) و(أحَدٌ) وصْفانِ مَصُوغانِ بِالتَّصْرِيفِ لِمادَّةٍ مُتَّحِدَةٍ وهي مادَّةُ الوَحْدَةِ يَعْنِي: التَّفَرُّدَ.
هَذا هو أصْلُ إطْلاقِهِ وتَفَرَّعَتْ عَنْهُ إطْلاقاتٌ صارَتْ حَقائِقَ لِلَفْظِ (أحَدٍ)، أشْهَرُها أنَّهُ يُسْتَعْمَلُ اسْمًا بِمَعْنى إنْسانٍ في خُصُوصِ النَّفْيِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] في البَقَرَةِ، وقَوْلِهِ: ﴿ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾ [الكهف: ٣٨] في الكَهْفِ وكَذَلِكَ إطْلاقُهُ عَلى العَدَدِ في الحِسابِ نَحْوَ: أحَدَ عَشَرَ، وأحَدٍ وعِشْرِينَ، ومُؤَنَّثُهُ إحْدى، ومِنَ العُلَماءِ مَن خَلَطَ بَيْنَ (واحِدٍ) وبَيْنَ (أحَدٍ) فَوَقَعَ في ارْتِباكٍ.
فَوَصْفُ اللَّهِ بِأنَّهُ أحَدٌ مَعْناهُ: أنَّهُ مُنْفَرِدٌ بِالحَقِيقَةِ الَّتِي لُوحِظَتْ في اسْمِهِ العَلَمِ وهي الإلَهِيَّةُ المَعْرُوفَةُ، فَإذا قِيلَ ﴿اللَّهُ أحَدٌ﴾ فالمُرادُ أنَّهُ مُنْفَرِدٌ بِالإلَهِيَّةِ. وإذا قِيلَ اللَّهُ واحِدٌ، فالمُرادُ أنَّهُ واحِدٌ لا مُتَعَدِّدٌ فَمَن دُونَهُ لَيْسَ بِإلَهٍ. ومَآلُ الوَصْفَيْنِ إلى مَعْنى نَفْيِ الشَّرِيكِ لَهُ تَعالى في إلَهِيَّتِهِ.
فَلَمّا أُرِيدَ في صَدْرِ البَعْثَةِ إثْباتُ الوَحْدَةِ الكامِلَةِ لِلَّهِ تَعْلِيمًا لِلنّاسِ كُلِّهِمْ وإبْطالًا لِعَقِيدَةِ الشِّرْكِ وُصِفَ اللَّهُ في هَذِهِ السُّورَةِ بِـ (أحَدٍ) ولَمْ يُوصَفْ بِـ (واحِدٍ)؛ لِأنَّ الصِّفَةَ المُشَبَّهَةَ نِهايَةُ ما يُمْكِنُ بِهِ تَقْرِيبُ مَعْنى وحْدَةِ اللَّهِ تَعالى إلى عُقُولِ أهْلِ اللِّسانِ العَرَبِيِّ المُبِينِ.
وقالَ ابْنُ سِينا في تَفْسِيرٍ لَهُ لِهَذِهِ السُّورَةِ: إنَّ (أحَدًا) دالٌّ عَلى أنَّهُ تَعالى واحِدٌ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ وأنَّهُ لا كَثْرَةَ هُناكَ أصْلًا، لا كَثْرَةً مَعْنَوِيَّةً وهي كَثْرَةُ المُقَوِّماتِ والأجْناسِ والفُصُولِ، ولا كَثْرَةً حِسِّيَّةً وهي كَثْرَةُ الأجْزاءِ الخارِجِيَّةِ المُتَمايِزَةِ عَقْلًا كَما في المادَّةِ والصُّورَةِ، والكَثْرَةُ الحِسِّيَّةُ بِالقُوَّةِ أوْ بِالفِعْلِ كَما في الجِسْمِ، وذَلِكَ مُتَضَمِّنٌ لِكَوْنِهِ سُبْحانَهُ مُنَزَّهًا عَنِ الجِنْسِ والفَصْلِ، والمادَّةِ والصُّورَةِ، والأعْراضِ والأبْعاضِ، والأعْضاءِ والأشْكالِ، والألْوانِ، وسائِرِ ما يَثْلَمُ الوَحْدَةَ الكامِلَةَ والبَساطَةَ الحَقَّةَ اللّائِقَةَ بِكَرَمِ وجْهِهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى أنْ يُشْبِهَهُ شَيْءٌ أوْ يُساوِيَهُ سُبْحانَهُ شَيْءٌ. وتَبْيِينُهُ: أمّا الواحِدُ فَمَقُولٌ عَلى ما تَحْتَهُ بِالتَّشْكِيكِ، والَّذِي لا يَنْقَسِمُ بِوَجْهِهِ أصْلًا أوْلى بِالواحِدِيَّةِ مِمّا يَنْقَسِمُ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، والَّذِي لا يَنْقَسِمُ
صفحة ٦١٥
انْقِسامًا عَقْلِيًّا أوْلى بِالواحِدِيَّةِ مِنَ الَّذِي يَنْقَسِمُ انْقِسامًا بِالحِسِّ بِالقُوَّةِ ثُمَّ بِالفِعْلِ، فَأحَدٌ جامِعٌ لِلدَّلالَةِ عَلى الواحِدِيَّةِ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ وأنَّهُ لا كَثْرَةَ في مَوْصُوفِهِ اهـ.
قُلْتُ: قَدْ فَهِمَ المُسْلِمُونَ هَذا، فَقَدَ رُوِيَ أنَّ بِلالًا كانَ إذا عُذِّبَ عَلى الإسْلامِ يَقُولُ: أحَدٌ أحَدٌ. وكانَ شِعارُ المُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ: أحَدٌ أحَدٌ.
والَّذِي دَرَجَ عَلَيْهِ أكْثَرُ الباحِثِينَ في أسْماءِ اللَّهِ تَعالى أنَّ (أحَدًا) لَيْسَ مُلْحَقًا بِالأسْماءِ الحُسْنى؛ لِأنَّهُ لَمْ يَرِدْ ذِكْرُهُ في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ لِلَّهِ تِسْعًا وتِسْعِينَ اسْمًا مَن أحْصاها دَخَلَ الجَنَّةَ» . وعَدَّها ولَمْ يَذْكُرْ فِيها وصْفَ أحَدٍ، وذَكَرَ وصْفَ واحِدٍ، وعَلى ذَلِكَ دَرَجَ إمامُ الحَرَمَيْنِ في كِتابِ الإرْشادِ وكِتابِ اللُّمَعِ والغَزّالِيُّ في شَرْحِ الأسْماءِ الحُسْنى.
وقالَ الفِهْرَيُّ في شَرْحِهِ عَلى لُمَعِ الأدِلَّةِ لِإمامِ الحَرَمَيْنِ عِنْدَ ذِكْرِ اسْمِهِ تَعالى (الواحِدِ) . وقَدْ ورَدَ في بَعْضِ الرِّواياتِ الأحَدُ فَلَمْ يَجْمَعْ بَيْنَ الِاسْمَيْنِ في اسْمٍ.
ودَرَجَ ابْنُ بَرَّجانَ الإشْبِيلِيُّ في شَرْحِ الأسْماءِ والشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الكُومِيُّ (بِالمِيمِ) التُّونِسِيُّ، ولُطْفُ اللَّهِ الأرْضَرُومِيُّ في مَعارِجِ النُّورِ، عَلى عَدِّ أحَدٍ في عِدادِ الأسْماءِ الحُسْنى مَعَ اسْمِهِ الواحِدِ فَقالا: الواحِدُ الأحَدُ بِحَيْثُ هو كالتَّأْكِيدِ لَهُ كَما يَقْتَضِيهِ عَدُّهُمُ الأسْماءَ تِسْعَةً وتِسْعِينَ، وهَذا بِناءً عَلى أنَّ حَدِيثَ أبِي هُرَيْرَةَ لَمْ يَقْتَضِ حَصْرَ الأسْماءِ الحُسْنى في التِّسْعَةِ والتِّسْعِينَ، وإنَّما هو لِبَيانِ فَضِيلَةِ تِلْكَ الأسْماءِ المَعْدُودَةِ فِيهِ.
والمَعْنى أنَّ اللَّهَ مُنْفَرِدٌ بِالإلَهِيَّةِ لا يُشارِكُهُ فِيها شَيْءٌ مِنَ المَوْجُوداتِ، وهَذا إبْطالٌ لِلشِّرْكِ الَّذِي يَدِينُ بِهِ أهْلُ الشِّرْكِ، ولِلتَّثْلِيثِ الَّذِي أحْدَثَهُ النَّصارى المَلْكانِيَّةُ ولِلثّانَوِيَّةِ عِنْدَ المَجُوسِ، ولِلْعَدِّ الَّذِي لا يُحْصى عِنْدَ البَراهِمَةِ.
فَقَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ أحَدٌ﴾ نَظِيرُ قَوْلِهِ في الآيَةِ الأُخْرى ﴿إنَّما اللَّهُ إلَهٌ واحِدٌ﴾ [النساء: ١٧١] وهَذا هو المَعْنى الَّذِي يُدْرِكُهُ المُخاطَبُونَ في هَذِهِ الآيَةِ السّائِلُونَ عَنْ نِسْبَةِ اللَّهِ، أيْ: حَقِيقَتُهُ،
صفحة ٦١٦
فابْتُدِئَ لَهم بِأنَّهُ واحِدٌ لِيَعْلَمُوا أنَّ الأصْنامَ لَيْسَتْ مِنَ الإلَهِيَّةِ في شَيْءٍ.
ثُمَّ إنَّ الأحَدِيَّةَ تَقْتَضِي الوُجُودَ لا مَحالَةَ فَبَطَلَ قَوْلُ المُعَطِّلَةِ والدَّهْرِيِّينَ.
وقَدِ اصْطَلَحَ عُلَماءُ الكَلامِ مِن أهْلِ السُّنَّةِ عَلى اسْتِخْراجِ الصِّفاتِ السَّلْبِيَّةِ الرَّبّانِيَّةِ مِن مَعْنى الأحَدِيَّةِ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ مُنْفَرِدًا بِالإلَهِيَّةِ كانَ مُسْتَغْنِيًا عَنِ المُخَصَّصِ بِالإيجابِ؛ لِأنَّهُ لَوِ افْتَقَرَ إلى مَن يُوجِدُهُ لَكانَ مَن يُوجِدُهُ إلَهًا أوَّلَ مِنهُ؛ فَلِذَلِكَ كانَ وُجُودُ اللَّهِ قَدِيمًا غَيْرَ مَسْبُوقٍ بِعَدَمٍ ولا مُحْتاجٍ إلى مُخَصِّصٍ بِالوُجُودِ بَدَلًا عَنِ العَدَمِ، وكانَ مُسْتَعِينًا عَلى الإمْدادِ بِالوُجُودِ فَكانِ باقِيًا، وكانَ غَنِيًّا عَنْ غَيْرِهِ، وكانَ مُخالِفًا لِلْحَوادِثِ وإلّا لاحْتاجَ مِثْلَها إلى المُخَصِّصِ فَكانَ وصْفُهُ تَعالى بـِ (أحَدٍ) جامِعًا لِلصِّفاتِ السَّلْبِيَّةِ. ومِثْلُ ذَلِكَ يُقالُ في مُرادِفِهِ وهو وصْفٌ واحِدٌ.
واصْطَلَحُوا عَلى أنَّ أحَدِيَّةَ اللَّهِ أحَدِيَّةٌ واجِبَةٌ كامِلَةٌ، فاللَّهُ تَعالى واحِدٌ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ، وعَلى كُلِّ التَّقادِيرِ فَلَيْسَ لِكُنْهِ اللَّهِ كَثْرَةٌ أصْلًا لا كَثْرَةٌ مَعْنَوِيَّةٌ وهي تَعَدُّدُ المُقَوِّماتِ مِنَ الأجْناسِ والفُصُولِ الَّتِي تَتَقَوَّمُ مِنها المَواهِي، ولا كَثْرَةُ الأجْزاءِ في الخارِجِ الَّتِي تَتَقَوَّمُ مِنها الأجْسامُ. فَأفادَ وصْفُ (أحَدٍ) أنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الجِنْسِ والفَصْلِ والمادَّةِ والصُّورَةِ، والأعْراضِ والأبْعاضِ، والأعْضاءِ والأشْكالِ والألْوانِ وسائِرِ ما يُنافِي الوَحْدَةَ الكامِلَةَ كَما أشارَ إلَيْهِ ابْنُ سِينا.
قالَ في الكَشّافِ: وفي قِراءَةِ النَّبِيءِ ﷺ ﴿اللَّهُ أحَدٌ﴾ بِغَيْرِ قُلْ هو اهـ ولَعَلَّهُ أخَذَهُ مِمّا رُوِىَ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ: «مَن قَرَأ (اللَّهُ أحَدٌ) كانَ بِعَدْلِ ثُلُثِ القُرْآنِ» كَما ذَكَرَهُ بِأثَرِ قِراءَةِ أُبَيٍّ بِدُونِ (قُلْ) مِمّا تَأوَّلَهُ الطِّيبِيُّ، إذْ قالَ وهَذا اسْتِشْهادٌ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ.
وعِنْدِي إنْ صَحَّ ما رُوِيَ مِنَ القِراءَةِ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ لَمْ يَقْصِدْ بِها التِّلاوَةَ، وإنَّما قَصَدَ الِامْتِثالَ لِما أُمِرَ بِأنْ يَقُولَ، وهَذا كَما كانَ يُكْثِرُ أنْ يَقُولَ (سُبْحانَ رَبِّيَ العَظِيمَ وبِحَمْدِهِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي) يَتَأوَّلُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر: ٣] .
صفحة ٦١٧
﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾
جُمْلَةٌ ثانِيَةٌ مَحْكِيَّةٌ بِالقَوْلِ المَحْكِيِّ بِهِ جُمْلَةُ ﴿اللَّهُ أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] فَهي خَبَرٌ ثانٍ عَنِ الضَّمِيرِ. والخَبَرُ المُتَعَدِّدُ يَجُوزُ عَطْفُهُ وفَصْلُهُ، وإنَّما فُصِلَتْ عَنِ الَّتِي قَبْلَها؛ لِأنَّ هَذِهِ الجُمَلَ مَسُوقَةٌ لِتَلْقِينِ السّامِعِينَ فَكانَتْ جَدِيرَةً بِأنْ تَكُونَ كُلُّ جُمْلَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ بِذاتِها غَيْرَ مُلْحَقَةٍ بِالَّتِي قَبْلَها بِالعَطْفِ، عَلى طَرِيقَةِ إلْقاءِ المَسائِلِ عَلى المُتَعَلِّمِ نَحْوَ أنْ يَقُولَ: الحَوْزُ شَرْطُ صِحَّةِ الحَبْسِ، الحَوْزُ لا يَتِمُّ إلّا بِالمُعايَنَةِ، ونَحْوَ قَوْلِكَ: عَنْتَرَةُ مِن فُحُولِ الشُّعَراءِ، عَنْتَرَةُ مِن أبْطالِ الفُرْسانِ.
ولِهَذا الِاعْتِبارِ وقَعَ إظْهارُ اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: هو الصَّمَدُ.
والصَّمَدُ: السَّيِّدُ الَّذِي لا يُسْتَغْنى عَنْهُ في المُهِمّاتِ، وهو سَيِّدُ القَوْمِ المُطاعُ فِيهِمْ.
قالَ في الكَشّافِ: وهو فَعَلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِن: صَمَدَ إلَيْهِ، إذا قَصَدَهُ، فالصَّمَدُ المَصْمُودُ في الحَوائِجِ. قُلْتُ: ونَظِيرُهُ السَّنَدُ الَّذِي تُسْنَدُ إلَيْهِ الأُمُورُ المُهِمَّةُ، والفَلَقُ اسْمُ الصَّباحِ لِأنَّهُ يَتَفَلَّقُ عَنْهُ اللَّيْلُ.
والصَّمَدُ: مِن صِفاتِ اللَّهِ، واللَّهُ هو الصَّمَدُ الحَقُّ الكامِلُ الصَّمَدِيَّةِ عَلى وجْهِ العُمُومِ.
فالصَّمَدُ مِنَ الأسْماءِ التِّسْعَةِ والتِّسْعِينَ في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ. ومَعْناهُ: المُفْتَقِرُ إلَيْهِ كُلُّ ما عَداهُ، فالمَعْدُومُ مُفْتَقِرٌ وُجُودُهُ إلَيْهِ والمَوْجُودُ مُفْتَقِرٌ في شُئُونِهِ إلَيْهِ.
وقَدْ كَثُرَتْ عِباراتُ المُفَسِّرِينَ مِنَ السَّلَفِ في مَعْنى الصَّمَدِ، وكُلُّها مُنْدَرِجَةٌ تَحْتَ هَذا المَعْنى الجامِعِ، وقَدْ أنْهاها فَخْرُ الدِّينِ إلى ثَمانِيَةَ عَشَرَ قَوْلًا، ويَشْمَلُ هَذا الِاسْمُ صِفاتِ اللَّهِ المَعْنَوِيَّةَ الإضافِيَّةَ وهي كَوْنُهُ تَعالى حَيًّا، عالِمًا، مُرِيدًا، قادِرًا، مُتَكَلِّمًا، سَمِيعًا، بَصِيرًا؛ لِأنَّهُ لَوِ انْتَفى عَنْهُ أحَدُ هَذِهِ الصِّفاتِ لَمْ يَكُنْ مَصْمُودًا إلَيْهِ.
صفحة ٦١٨
وصِيغَةُ ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ صِيغَةُ قَصْرٍ بِسَبَبِ تَعْرِيفِ المُسْنَدِ، فَتُفِيدُ قَصْرَ صِفَةِ الصَّمَدِيَّةِ عَلى اللَّهِ تَعالى، وهو قَصْرُ قَلْبٍ لِإبْطالِ ما تَعَوَّدَهُ أهْلُ الشِّرْكِ في الجاهِلِيَّةِ مِن دُعائِهِمْ أصْنامَهم في حَوائِجِهِمْ والفَزَعِ إلَيْها في نَوائِبِهِمْ حَتّى نَسُوا اللَّهَ. قالَ أبُو سُفْيانَ لَيْلَةَ فَتْحِ مَكَّةَ وهو بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيءِ ﷺ وقالَ لَهُ النَّبِيءُ ﷺ: «أما آنَ لَكَ أنْ تَشْهَدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ؟ لَقَدْ عَلِمْتُ أنْ لَوْ كانَ مَعَهُ إلَهٌ آخَرُ لَقَدْ أغْنى عَنِّي شَيْئًا» .
﴿لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ﴾
جُمْلَةُ ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ خَبَرٌ ثانٍ عَنِ اسْمِ الجَلالَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢] أوْ حالٌ مِنَ المُبْتَدَأِ أوْ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢] لِأنَّ مَن يُصْمَدُ إلَيْهِ لا يَكُونُ مِن حالِهِ أنْ يَلِدَ؛ لِأنَّ طَلَبَ الوَلَدِ لِقَصْدِ الِاسْتِعانَةِ بِهِ في إقامَةِ شُئُونِ الوالِدِ وتَدارُكِ عَجْزِهِ، ولِذَلِكَ اسْتُدِلَّ عَلى إبْطالِ قَوْلِهِمْ ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ [يونس: ٦٨] بِإثْباتِ أنَّهُ الغَنِيُّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا سُبْحانَهُ هو الغَنِيُّ لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [يونس: ٦٨] فَبَعْدَ أنْ أبْطَلَتِ الآيَةُ الأوْلى مِن هَذِهِ السُّورَةِ تَعَدُّدَ الإلَهِ بِالأصالَةِ والِاسْتِقْلالِ، أبْطَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَعَدُّدَ الإلَهِ بِطَرِيقِ تَوَلُّدِ إلَهٍ عَنْ إلَهٍ؛ لِأنَّ المُتَوَلِّدَ مُساوٍ لِما تَوَلَّدَ عَنْهُ.
والتَّعَدُّدُ بِالتَّوَلُّدِ مُساوٍ في الِاسْتِحالَةِ لِتَعَدُّدِ الإلَهِ بِالأصالَةِ لِتَساوِي ما يَلْزَمُ عَلى التَّعَدُّدِ في كِلَيْهِما مِن فَسادِ الأكْوانِ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] (وهو بُرْهانُ التَّمانُعِ)، ولِأنَّهُ لَوْ تَوَلَّدَ عَنِ اللَّهِ مَوْجُودٌ آخَرُ لَلَزِمَ انْفِصالُ جُزْءٍ عَنِ اللَّهِ تَعالى وذَلِكَ مُنافٍ لِلْأحَدِيَّةِ كَما عَلِمْتَ آنِفًا، وبَطَلَ اعْتِقادُ المُشْرِكِينَ مِنَ العَرَبِ أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ تَعالى فَعَبَدُوا المَلائِكَةَ لِذَلِكَ؛ لِأنَّ النُّبُوَّةَ لِلْإلَهِ تَقْتَضِي إلَهِيَّةَ الِابْنِ قالَ تَعالى: ﴿وقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦] .
وجُمْلَةُ ﴿ولَمْ يُولَدْ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ أيْ: ولَمْ يَلِدْهُ غَيْرُهُ، وهي بِمَنزِلَةِ الِاحْتِراسِ سَدًّا لِتَجْوِيزِ أنْ يَكُونَ لَهُ والِدٌ، فَأُرْدِفَ نَفْيُ الوَلَدِ بِنَفْيِ الوالِدِ، وإنَّما قُدِّمَ نَفْيُ الوَلَدِ لِأنَّهُ أهَمُّ، إذْ قَدْ نَسَبَ أهْلُ الضَّلالَةِ الوَلَدَ إلى اللَّهِ تَعالى ولَمْ يَنْسُبُوا
صفحة ٦١٩
إلى اللَّهِ والِدًا. وفِيهِ الإيماءُ إلى أنَّ مَن يَكُونُ مَوْلُودًا مِثْلَ عِيسى لا يَكُونُ إلَهًا؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ الإلَهُ مَوْلُودًا لَكانَ وُجُودُهُ مَسْبُوقًا بِعَدَمٍ لا مَحالَةَ وذَلِكَ مُحالٌ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مَسْبُوقًا بِعَدَمٍ لَكانَ مُفْتَقِرًا إلى مَن يُخَصِّصُهُ بِالوُجُودِ بَعْدَ العَدَمِ، فَحَصَلَ مِن مَجْمُوعِ جُمْلَةِ ﴿لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ﴾ إبْطالُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ والِدًا لِمَوْلُودٍ، أوْ مَوْلُودًا مِن والِدٍ بِالصَّراحَةِ. وبَطَلَتْ إلَهِيَّةُ كُلِّ مَوْلُودٍ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ فَبَطَلَتِ العَقائِدُ المَبْنِيَّةُ عَلى تَوَلُّدِ الإلَهِ مِثْلَ عَقِيدَةِ (زَرادِشْتَ) الثّانَوِيَّةِ القائِلَةِ بِوُجُودِ إلَهَيْنِ: إلَهِ الخَيْرِ وهو الأصْلُ، وإلَهِ الشَّرِّ وهو مُتَوَلَّدٌ عَنْ إلَهِ الخَيْرِ. لِأنَّ إلَهَ الخَيْرِ وهو المُسَمّى عِنْدَهم (يَزْدانَ) فَكَّرَ فِكْرَةَ سُوءٍ، فَتَوَلَّدَ مِنهُ إلَهُ الشَّرِّ المُسَمّى عِنْدَهم (أهْرُمُنْ) وقَدْ أشارَ إلى مَذْهَبِهِمْ أبُو العَلاءِ بِقَوْلِهِ:
قالَ أُناسٌ باطِلٌ زَعْمُهم فَراقِبُوا اللَّهَ ولا تَزْعُمُنْ
فَكَّرَ (يَزْدانُ) عَلى غِرَّةٍ ∗∗∗ فَصِيغَ مِن تَفْكِيرِهِ (أهْرُمُنْ)
وبَطَلَتْ عَقِيدَةُ النَّصارى بِإلَهِيَّةِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِتَوَهُّمِهِمْ أنَّهُ ابْنُ اللَّهِ وأنَّ ابْنَ اللَّهِ لا يَكُونُ إلّا إلَهًا بِأنَّ الإلَهَ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ، فَلَيْسَ عِيسى بِابْنِ اللَّهِ، وبِأنَّ الإلَهَ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ مَوْلُودًا بَعْدَ عَدَمٍ، فالمَوْلُودُ المُتَّفَقُ عَلى أنَّهُ مَوْلُودٌ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ إلَهًا، فَبَطَلَ أنْ يَكُونَ عِيسى إلَهًا.
فَلَمّا أبْطَلَتِ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ الأُولى إلَهِيَّةَ إلَهٍ غَيْرِ اللَّهِ بِالأصالَةِ، وأبْطَلَتِ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ إلَهِيَّةَ غَيْرِ اللَّهِ بِالِاسْتِحْقاقِ، أبْطَلَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ إلَهِيَّةَ غَيْرِ اللَّهِ بِالفَرْعِيَّةِ والتَّوَلُّدِ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ.
وإنَّما نَفْيُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ والِدًا وأنْ يَكُونَ مَوْلُودًا في الزَّمَنِ الماضِي؛ لِأنَّ عَقِيدَةَ التَّوَلُّدِ ادَّعَتْ وُقُوعَ ذَلِكَ في زَمَنٍ مَضى، ولَمْ يَدَّعِ أحَدٌ أنَّ اللَّهَ سَيَتَّخِذُ ولَدًا في المُسْتَقْبَلِ.
(﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُؤًا أحَدٌ﴾)
فِي مَعْنى التَّذْلِيلِ لِلْجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها لِأنَّها أعَمُّ مِن مَضْمُونِها؛ لِأنَّ تِلْكَ الصِّفاتِ المُتَقَدِّمَةَ صَرِيحَها وكِنايَتَها وضِمْنِيَّها لا يُشْبِهُهُ فِيها غَيْرُهُ، مَعَ إفادَةِ هَذِهِ انْتِفاءَ
صفحة ٦٢٠
شَبِيهٍ لَهُ فِيما عَداها مِثْلَ صِفاتِ الأفْعالِ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج: ٧٣] .
والواوُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُؤًا أحَدٌ﴾ اعْتِراضِيَّةٌ، وهي واوُ الحالِ، كالواوِ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿وهَلْ يُجازى إلّا الكُفُورُ﴾ [سبإ: ١٧]) فَإنَّها تَذْلِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿ذَلِكَ جَزَيْناهم بِما كَفَرُوا﴾ [سبإ: ١٧] ويَجُوزُ كَوْنُ الواوِ عاطِفَةً إنْ جُعِلَتِ الواوُ الأُولى عاطِفَةً، فَيَكُونَ المَقْصُودُ مِنَ الجُمْلَةِ إثْباتَ وصْفِ مُخالَفَتِهِ تَعالى لِلْحَوادِثِ وتَكُونَ اسْتِفادَةُ مَعْنى التَّذْلِيلِ تَبَعًا لِلْمَعْنى والنُّكَتِ ولا تَتَزاحَمُ.
والكُفُؤُ: بِضَمِّ الكافِ وضَمِّ الفاءِ وهَمْزَةٍ في آخِرِهِ. وبِهِ قَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ وأبُو جَعْفَرٍ، إلّا أنَّ الثَّلاثَةَ الأوَّلِينَ حَقَّقُوا الهَمْزَةَ وأبُو جَعْفَرٍ سَهَّلَها، ويُقالُ (كُفْءٌ) بِضَمِّ الكافِ وسُكُونِ الفاءِ وبِالهَمْزِ، وبِهِ قَرَأ حَمْزَةُ ويَعْقُوبُ، ويُقالُ (كُفُؤًا) بِالواوِ عِوَضَ الهَمْزِ، وبِهِ قَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ وهي لُغاتٌ ثَلاثٌ فَصِيحَةٌ.
ومَعْناهُ: المُساوِي والمُماثِلُ في الصِّفاتِ.
و(أحَدٌ) هُنا بِمَعْنى إنْسانٍ أوْ مَوْجُودٍ، وهو مِنَ الأسْماءِ النَّكِراتِ المُلازِمَةِ لِلْوُقُوعِ في حَيِّزِ النَّفْيِ.
وحَصَلَ بِهَذا جِناسٌ تامٌّ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] .
وتَقْدِيمُ خَبَرِ (كانَ) عَلى اسْمِها لِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ ولِلِاهْتِمامِ بِذِكْرِ الكُفُؤِ عَقِبَ الفِعْلِ المَنفِيِّ لِيَكُونَ أسْبَقَ إلى السَّمْعِ.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ بِقَوْلِهِ (لَهُ) عَلى مُتَعَلِّقِهِ وهو (كُفُؤًا) لِلِاهْتِمامِ بِاسْتِحْقاقِ اللَّهِ نَفْيَ كَفاءَةِ أحَدٍ لَهُ، فَكانَ هَذا الِاهْتِمامُ مُرَجِّحًا تَقْدِيمَ المَجْرُورِ عَلى مُتَعَلِّقِهِ وإنْ كانَ الأصْلُ تَأْخِيرَ المُتَعَلِّقِ، إذا كانَ ظَرْفًا لُغَوِيًّا. وتَأْخِيرُهُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ أحْسَنُ ما لَمْ يَقْتَضِ التَّقْدِيمَ مُقْتَضٍ كَما أشارَ إلَيْهِ في الكَشّافِ.
وقَدْ ورَدَتْ في فَضْلِ هَذِهِ السُّورَةِ أخْبارٌ صَحِيحَةٌ وحَسَنَةٌ اسْتَوْفاها المُفَسِّرُونَ. وثَبَتَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ في المُوَطَّأِ والصَّحِيحَيْنِ مِن طُرُقٍ عِدَّةٍ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: («قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ» ) .
صفحة ٦٢١
واخْتَلَفَتِ التَّأْوِيلاتُ الَّتِي تَأوَّلَ بِها أصْحابُ مَعانِي الآثارِ بِهَذا الحَدِيثِ ويَجْمَعُها أرْبَعُ تَأْوِيلاتٍ.
الأوَّلُ: أنَّها تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ في ثَوابِ القِراءَةِ، أيْ: تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ إذا قُرِئَ بِدُونِها حَتّى لَوْ كَرَّرَها القارِئُ ثَلاثَ مَرّاتٍ كانَ لَهُ ثَوابُ مَن قَرَأ القُرْآنَ كُلَّهُ.
الثّانِي: أنَّها تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ إذا قَرَأها مَن لا يُحْسِنُ غَيْرَها مِن سُوَرِ القُرْآنِ.
الثّالِثُ: أنَّها تَعْدِلُ ثُلُثَ مَعانِي القُرْآنِ بِاعْتِبارِ أجْناسِ المَعانِي؛ لِأنَّ مَعانِيَ القُرْآنِ أحْكامٌ وأخْبارٌ وتَوْحِيدٌ، وقَدِ انْفَرَدَتْ هَذِهِ السُّورَةُ بِجَمْعِها أُصُولَ العَقِيدَةِ الإسْلامِيَّةِ ما لَمْ يَجْمَعْهُ غَيْرُها.
وأقُولُ: إنَّ ذَلِكَ كانَ قَبْلَ نُزُولِ آياتٍ مِثْلِها مِثْلَ آيَةِ الكُرْسِيِّ، أوْ لِأنَّهُ لا تُوجَدُ سُورَةٌ واحِدَةٌ جامِعَةٌ لِما في سُورَةِ الإخْلاصِ.
التَّأْوِيلُ الرّابِعُ: أنَّها تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ في الثَّوابِ مِثْلَ التَّأْوِيلِ الأوَّلِ، ولَكِنْ لا يَكُونُ تَكْرِيرُها ثَلاثَ مَرّاتٍ بِمَنزِلَةِ قِراءَةِ خَتْمَةٍ كامِلَةٍ.
قالَ ابْنُ رُشْدٍ في البَيانِ والتَّحْصِيلِ: أجْمَعَ العُلَماءُ عَلى أنَّ مَن قَرَأ (﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]) ثَلاثَ مَرّاتٍ لا يُساوِي في الأجْرِ مَن أحْيا بِالقُرْآنِ كُلِّهِ اهـ. فَيَكُونُ هَذا التَّأْوِيلُ قَيْدًا لِلتَّأْوِيلِ الأوَّلِ، ولَكِنَّ في حِكايَتِهِ الإجْماعَ عَلى أنَّ ذَلِكَ هو المُرادُ - نَظَرًا، فَإنَّ في بَعْضِ الأحادِيثِ ما هو صَرِيحٌ في أنَّ تَكْرِيرَها ثَلاثَ مَرّاتٍ يَعْدِلُ قِراءَةَ خَتْمَةٍ كامِلَةٍ.
قالَ ابْنُ رُشْدٍ: واخْتِلافُهم في تَأْوِيلِ الحَدِيثِ لا يَرْتَفِعُ بِشَيْءٍ مِنهُ عَنِ الحَدِيثِ الإشْكالِ ولا يَتَخَلَّصُ عَنْ أنْ يَكُونَ فِيهِ اعْتِراضٌ.
وقالَ أبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البَرِّ: السُّكُوتُ عَلى هَذِهِ المَسْألَةِ أفْضَلُ مِنَ الكَلامِ فِيها.
* * *
صفحة ٦٢٢
صفحة ٦٢٣
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الفَلَقِ
سَمّى النَّبِيءُ ﷺ هَذِهِ السُّورَةَ (قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ) . رَوى النَّسائِيُّ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ: «اتَّبَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهو راكِبٌ، فَوَضَعْتُ يَدِي عَلى قَدَمِهِ فَقُلْتُ: أقْرِئْنِي يا رَسُولَ اللَّهِ سُورَةَ هُودٍ وسُورَةَ يُوسُفَ، فَقالَ: لَنْ تَقْرَأ شَيْئًا أبْلَغَ عِنْدَ اللَّهِ مِن (قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ، وقُلْ أعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ») .
وهَذا ظاهِرٌ في أنَّهُ أرادَ سُورَةَ (قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ)؛ لِأنَّهُ كانَ جَوابًا عَلى قَوْلِ عُقْبَةَ: أقْرِئْنِي سُورَةَ هُودٍ إلَخْ، ولِأنَّهُ عَطَفَ عَلى قَوْلِهِ: (قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ) قَوْلَهُ: (قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ) ولَمْ يُتِمَّ سُورَةَ (قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ) .
عَنْوَنَها البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ (سُورَةَ قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ) بِإضافَةِ سُورَةِ إلى أوَّلِ جُمْلَةٍ مِنها.
وجاءَ في بَعْضِ كَلامِ الصَّحابَةِ تَسْمِيَتُها مَعَ سُورَةِ النّاسِ (المُعَوِّذَتَيْنِ) . رَوى أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وأحْمَدُ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ: «أمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ أقْرَأ بِالمُعَوِّذاتِ» (بِكَسْرِ الواوِ المُشَدَّدَةِ وبِصِيغَةِ الجَمْعِ بِتَأْوِيلِ الآياتِ المُعَوِّذاتِ) أيْ: آياتِ السُّورَتَيْنِ. وفي رِوايَةٍ (بِالمُعَوِّذَتَيْنِ في دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ) . ولَمْ يَذْكُرْ أحَدٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ الواحِدَةَ مِنهُما تُسَمّى المُعَوِّذَةَ بِالإفْرادِ، وقَدْ سَمّاها ابْنُ عَطِيَّةَ سُورَةَ المُعَوِّذَةِ الأُولى، فَإضافَةُ (سُورَةٍ) إلى (المُعَوِّذَةِ) مِن إضافَةِ المُسَمّى إلى الِاسْمِ، ووَصْفُ السُّورَةِ بِذَلِكَ مَجازٌ يَجْعَلُها كالَّذِي يَدُلُّ الخائِفَ عَلى المَكانِ الَّذِي يَعْصِمُهُ مِن مُخِيفِهِ أوْ كالَّذِي يُدْخِلُهُ المَعاذَ.
وسُمِّيَتْ في أكْثَرِ المَصاحِفِ ومُعْظَمِ كُتُبِ التَّفْسِيرِ (سُورَةَ الفَلَقِ) .
وفِي الإتْقانِ: أنَّها وسُورَةَ النّاسِ تُسَمَّيانِ المُشَقْشِقَتَيْنِ (بِتَقْدِيمِ الشِّينَيْنِ
صفحة ٦٢٤
عَلى القافَيْنِ) مِن قَوْلِهِمْ خَطِيبٌ مُشَقْشِقٌ اهـ. (أيْ: مُسْتَرْسِلُ القَوْلِ تَشْبِيهًا لَهُ بِالفَحْلِ الكَرِيمِ مِنَ الإبِلِ يَهْدِرُ بِشِقْشَقَةٍ، وهي كاللَّحْمِ يَبْرُزُ مِن فِيهِ إذا غَضِبَ) ولَمْ أُحَقِّقْ وجْهَ وصْفِ المُعَوِّذَتَيْنِ بِذَلِكَ.
وفِي تَفْسِيرِ القُرْطُبِيِّ والكَشّافِ أنَّها وسُورَةَ النّاسِ تُسَمِّيانِ (المُقَشْقِشَتَيْنِ) (بِتَقْدِيمِ القافِ عَلى الشِّينَيْنِ) زادَ القُرْطُبِيُّ: أيْ: تُبَرِّئانِ مِنَ النِّفاقِ. وكَذَلِكَ قالَ الطِّيبِيُّ، فَيَكُونُ اسْمُ المُقَشْقِشَةِ مُشْتَرِكًا بَيْنَ أرْبَعِ سُوَرٍ: هَذِهِ، وسُورَةِ النّاسِ، وسُورَةِ بَراءَةَ، وسُورَةِ الكافِرُونَ.
واخْتُلِفَ فِيها أمَكِّيَّةٌ هي أمْ مَدَنِيَّةٌ ؟ فَقالَ جابِرُ بْنُ زَيْدٍ والحَسَنُ وعَطاءٌ وعِكْرِمَةُ: مَكِّيَّةٌ، ورَواهُ كُرَيْبٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ قَتادَةُ: هي مَدَنِيَّةٌ، ورَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والأصَحُّ أنَّها مَكِّيَّةٌ؛ لِأنَّ رِوايَةَ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَقْبُولَةٌ بِخِلافِ رِوايَةِ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فَفِيها مُتَكَلَّمٌ.
وقالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ إنَّها نَزَلَتْ بِسَبَبِ أنَّ لَبِيدَ بْنَ الأعْصَمِ سَحَرَ النَّبِيءَ ﷺ، ولَيْسَ في الصِّحاحِ أنَّها نَزَلَتْ بِهَذا السَّبَبِ، وبَنى صاحِبُ الإتْقانِ عَلَيْهِ تَرْجِيحَ أنَّ السُّورَةَ مَدَنِيَّةٌ، وسَنَتَكَلَّمُ عَلى قِصَّةِ لَبِيدِ بْنِ الأعْصَمِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِن شَرِّ النَّفّاثاتِ في العُقَدِ﴾ [الفلق: ٤] .
وقَدْ قِيلَ: إنَّ سَبَبَ نُزُولِها والسُّورَةِ بَعْدَها أنَّ قُرَيْشًا نَدَبُوا، أيْ نَدَبُوا مَنِ اشْتُهِرَ بَيْنَهم أنَّهُ يُصِيبُ النَّبِيءَ ﷺ بِعَيْنِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ المُعَوِّذَتَيْنِ لِيَتَعَوَّذَ مِنهم بِهِما، ذَكَرَهُ الفَخْرُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ ولَمْ يُسْنِدْهُ.
وعُدَّتِ العِشْرِينَ في عِدادِ نُزُولِ السُّوَرِ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الفِيلِ وقَبْلَ سُورَةِ النّاسِ.
وعَدَدُ آياتِها خَمْسٌ بِالِاتِّفاقِ.
واشْتُهِرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ في الصَّحِيحِ أنَّهُ كانَ يُنْكِرُ أنْ تَكُونَ المُعَوِّذَتانِ مِنَ القُرْآنِ، ويَقُولُ: إنَّما أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ أنْ يَتَعَوَّذَ بِهِما، أيْ: ولَمْ يُؤْمَرْ
صفحة ٦٢٥
بِأنَّهُما مِن القُرْآنِ. وقَدْ أجْمَعَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى القِراءَةِ بِهِما في الصَّلاةِ وكُتِبَتا في مَصاحِفِهِمْ، وصَحَّ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قَرَأ بِهِما في صَلاتِهِ.
* * *
والغَرَضُ مِنها تَعْلِيمُ النَّبِيءِ ﷺ كَلِماتٍ لِلتَّعَوُّذِ بِاللَّهِ مِن شَرِّ ما يُتَّقى شَرُّهُ مِنَ المَخْلُوقاتِ الشِّرِّيرَةِ، والأوْقاتِ الَّتِي يَكْثُرُ فِيها حُدُوثُ الشَّرِّ، والأحْوالِ الَّتِي يُسْتَرُ أحْوالُ الشَّرِّ مِن ورائِها لِئَلّا يُرْمى فاعِلُوها بِتَبِعاتِها، فَعَلَّمَ اللَّهُ نَبِيئَهُ هَذِهِ المُعَوِّذَةَ لِيَتَعَوَّذَ بِها، وقَدْ ثَبَتَ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ كانَ يَتَعَوَّذُ بِهَذِهِ السُّورَةِ وأُخْتِها ويَأْمُرُ أصْحابَهُ بِالتَّعَوُّذِ بِهِما، فَكانَ التَّعَوُّذُ بِهِما مِن سُنَّةِ المُسْلِمِينَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences